دعائي

قلت المدون تم بحمد الله وفضله ثم قلت: اللهم فكما ألهمت بإنشائه وأعنت على إنهائه فاجعله نافعاً في الدنيا وذخيرة صالحة في الأخرى واختم بالسعادة آجالنا وحقق بالزيادة آمالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا وتقبل بفضلك أعمالنا إنك مجيب الدعوات ومفيض الخيرات والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم إلى يوم الدين اللهم لنا جميعا يا رب العالمين .وسبحان الله وبحمده  عدد خلقه وزنة عرشه  ورضا نفسه ومداد كلماته  } أقولها ما حييت وبعد موتي  والي يوم الحساب وارحم  واغفر اللهم لوالديَّ ومن مات من اخوتي واهلي والمؤمنين منذ خَلَقْتَ الخلق الي يوم الحساب آمين وفرِّجِ كربي وردَّ اليَّ عافيتي وارضي عني في الدارين  واعِنِّي علي أن اُنْفِقها في سبيلك يا ربي اللهم فرِّج كربي واكفني همي واكشف البأساء والضراء عني وعنا.. وردَّ إليَّ عافيتي وثبتني علي دينك الحق ولا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وتوفنا مع الأبرار وألِّفْ بين قلوبنا اجمعين.يا عزيز يا غفار ... اللهم واشفني شفاءاً لا يُغَادر سقما واعفو عني وعافني وارحمني وفرج كربي واكفني همي واعتقني مما أصابني من مكروه أنت تعلمه واعتقني من النار وقني عذاب القبر وعذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال اللهم آمين /اللهم ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عُقَد لساني واغنني بك عمن سواك يارب . والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم إلى يوم الدين آمين.

السبت، 20 أغسطس 2022

ج2.و3. المستطرف في كل فن مستظرف شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي

 

ج2. المستطرف في كل فن مستظرف شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي

الأكل والشطرنجي هو الذي يرفع زبدية ويضع زبدية أخرى مكانها والمهندس هو الذي يقول لمن يضع الزبادي ضع هذه هنا وهذه ههنا حتى يأتي قدامه ما يحب والمتمني هو الذي يقول ليتني لم يكن معي من يأكل والفضولي هو الذي يقول لصاحب المنزل عند فراغ الطعام إن كان قد بقي عندك في القدور شيء فاطعم الناس فان فيهم من لم يأكل
ومن الأضياف من يلذ له حديث إلا وقت غسل يديه فيبقى الغلام واقفا والابريق في يده والناس ينتظرونه ومنهم من يغسل يديه بالاشنان مرة واحدة فإذا اجتمع الوسخ والزفر تسوك بهما ومنهم يدخل الدار فيبتدىء بالهندسة أولا فيقول كان ينبغي أن يكون باب المجلس من ههنا والإيوان كان ينبغي أن يكون من ههنا وينتقل من الهندسة إلى ترتيب المجلس فينقل الفاكهة من موضعها إلى موضع آخر وإن كان قد استحكم جوعه استعفي من الطعام وذهل عن بقية الاضياف وشدة جوعهم ومنهم من يخرج فيطوف على اصدقاء صاحب الدعوة فيتألم عن انقطاعهم ويستوحش من غيبتهم ويسلطهم على عرض صاحبهم
ولقد حكى عن مغن غير مجيد أنه لم يبطل ولا ليلة واحدة وما ذاك إلا أنه كان إذا سئل أين كنت قال كنت عند الناس وإذا قيل له أين أكلت قال أكلت في بطني وإذا قيل له اين شربت قال شربت في فمي ومنهم من يفهم عن صاحب الدعوة أنه يقول لغلامه اشتر كذا فيقول والله العظيم أو الطلاق الثلاث يلزمه ما يشتري شيئا فأذوقه فيعجز صاحب المنزل ويخجله إذا لم يكن في بيته شيء موجود وليت شعري إذا كان لا يأكل فلأي شيء حضر ومنهم من يرى صاحب البيت قد أسر إلى صديقه شيئا فيقول ما الذي قال المولى لصاحبنا وهو لا يريد أن يعلمه ومنهم من يستعجل صاحب المنزل بالأكل ويشكو الجوع ويظن أن ذلك بسط مكارم أخلاق وإنما ذلك يكون في بيته لا في بيوت الناس ومنهم من يقول لصاحب الدعوة من يغني لنا

فيقول فلان فيقول له غلطت لم لا دعوت فلانا ومنهم من يسأل صاحب البيت كيف قوته في النكاح فيقول له أنا رجل كبير قد ضعفت قوتي وشهوتي أو يقول مالي قوة طائلة في ذلك فيقول أنا والله كلما مر علي عام تزايدت شهوتي وكثر لهذا الفن تشوفي ويعلن بذلك حتى تسمعه صاحبة البيت ومنهم من يشكو حاله مع أهل بيته ويذكر نفقته عليهن وكسوته لهن وكثرة إنعامه وإحسانه إليهن وما عليه زوجته من سوء الأخلاق وكبر النفس لتستقل زوجة صاحب البيت ما هي فيه مع زوجها وربما كان ذلك سببا لفراقها منه ومنهم من تعجبه نفسه ويستحسن لباسه ويستطيب رائحته وإذا سمع الغناء تواجد وأظهر الطرب وحرك رأسه ويقوم قائما يتمايل حتى يرى أهل الرجل أنه لطيف الشكل بديع الحركات ويظن في نفسه أنه يعشق وأن رسول صاحبه البيت لا يبطىء عنه ومنهم من يقال له العب الشطرنج فيأباه ويشتغل بالدندنة فيقع في الفضول ومنهم من يتأمر على غلمان صاحب البيت ويهين أولاده ويظن أنه يدل عليهم ومنهم من يقول له صاحب البيت كل فيقول ما آكل إلا أنا ورفيقي ومنهم من يسمع السائل على الباب فيتصدق عليه من مال صاحب البيت بغير إذنه أو يقول للسائل فتح الله عليك ومنهم من يدعو الناس لصاحب الوليمة بغير إذنه ويقلده بذلك المنن واكثر الناس واقع في ذلك نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا بمنه وكرمه إنه جواد كريم رؤوف رحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
قد ندب الله عز و جل نبيه إلى الصفح والعفو بقوله تعالى ( فأصفح الصفح الجميل ) قيل هو الرضا بلا عتب وقال تعالى ( العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وقال تعالى ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) وقال تعالى ( صبر وغفر ) ( ذلك لمن عزم الأمور )
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله قصورا مشرفة على الجنة فقلت يا جبريل لمن هذه قال للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثني رسول الله اليمن قال ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالعفو فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود وقال الحسن بن أبي الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا العافون عن الناس وتلا قوله تعالى ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) وقال علي كرم الله وجهه أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وكان المأمون رحمه الله تعالى

يحب العفو ويؤثره ويقول لقد حبب إلى العفو حتى أني أخاف أن لا أثاب عليه وكان يقول لو علم أهل الجرائم لذتي في العفو لارتكبوها وقال لو علم الناس حبي للعفو لما تقربوا إلى إلا بالجنايات وقال علي كرم الله وجهه إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه وقال رضي الله تعالى عنه أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثرا إلا ويده بيد الله يرفعه وقال رضي الله عنه إن أول عوض الحليم عن حلمه إن الناس أنصار له على الجاهل وقال المنتصر لذة العفو يلحقها حمد العاقبة ولذة التشفي يلحقها ذم الندم وقال ابن المعتز لا تشن وجه العفو بالتقريع به وقيل ما عفا عن الذنب من قرع به وقال رجل لرجل سبه إياك أعني فقال له وعنك أعرض وكان الأحنف رحمه الله تعالى كثير العفو والحلم وكان يقول ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره باحدى ثلاث إن كان فوقي عرفت له فضله وإن كان مثلي تفضلت عليه وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه وكان مشهورا بين الناس بالحلم وبذلك ساد عشيرته وكان يقول وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال وقيل له ممن تعلمت الحلم فقال من قيس بن عاصم كنا نختلف إليه في الحلم كما يختلف الى الفقهاء في الفقه ولقد حضرت عنده يوما وقد أتوه بأخ له قد قتل أبنه فجاؤا به مكتوفا فقال ذعرتم أخي أطلقوه وأحملوا إلى أم ولدي ديته فانها ليست من قومنا ثم أنشأ يقول
( للنفس تصبيرا وتعزية ... احدى يدي أصابتني ولم ترد )
( خلف من فقد صاحبه ... أخي حين أدعوه وذاولدي )
وقيل من عادة الكريم إذا قدر غفر وإذا رأى زلة ستر وقالوا ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام وقيل من انتقم فقد شفى غيظه وأخذ حقه فلم يجب شكره ولم يحمد في العالمين ذكره والعرب تقول لا سؤدد مع الانتقام والذي يجب على العاقل إذا أمكنه

الله تعالى أن لا يجعل العقوبة شيمته وإن كان لا بد من الانتقام فليرفق في انتقامه إلا أن يكون حدا من حدود الله تعالى وقال المنصور لجان عجز عن العذر ما هذا الوجوم وعهدي بك خطيبا لسنا فقال يا أمير المؤمنين ليس هذا موقف مباهاة ولكنه موقف توبة والتوبة بالاستكانة والخضوع فرق له وعفا عنه وسعى إلى المنصور برجل من ولد الأشتر النخعي ذكر له عنه أنه يميل إلى نبي علي والتعصب لهم فأمر باحضاره فلما مثل بين يديه قال يا أمير المؤمنين ذنبي أعظم من نقمتك وعفوك أعظم من ذنبي ثم قال
( مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفوا جميلاكي يكون لك الفضل )
( لم أكن للعفو منك لسوء ما ... أتيت به أهلا فأنت له أهل )
فعفا عنه وأمر له بصلة وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب ذنبا فقال له أنت الذي فعلت كذا وكذا قال نعم يا أمير المؤمنين أنا ذاك الذي أسرف على نفسه واتكل على عفوك فعفا عنه وخلى سبيله وأحضر إلى الهادي رجل من أصحاب عبد الله بن مالك فوبخه على ذنب فقال يا أمير المؤمنين إن إقراري يلزمني ذنبا لم أفعله ويلحق بي جرما لم أقف عليه وإنكاري رد عليك ومعارضة لك ولكني أقول
( فان كنت تبغي بالعقاب تشفيا ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر )
فقال لله درك من معتذر بحق أو باطل ما امضى لسانك وأثبت جنانك وعفا عنه وخلى سبيله وركب يوما عمرو بن العاص رضي الله عنه بغلة له شهباء ومر على قوم فقال بعضهم من يقوم للأمير فيسأله عن أمه وله عشرة آلاف فقال واحد منهم أنا فقام وأخذ بعنان بغلته وقال أصلح الله الأمير أنت أكرم الناس خيلا فلم ركبت دابة أشهاب وجهها فقال إني لاأمل دابتي حتى تملني ولا أمل رفيقي حتى يملني فقال أصلح الله الأمير أما العاص فقد عرفناه

وعلمنا شرفه فمن الأم قال على الخبير سقطت أمي النابغة بنت حرملة بن عزة سبتها رماح العرب فأتي بها سوق عكاظ فبيعت فاشتراها عبد الله بن جدعان ووهبها للعاص بن وائل فولدت وأنجبت فإن كان قد جعل لك جعل فارجع وخذه وأرسل عنان الدابة وقيل إن أمه كانت بغيا عند عبد الله بن جدعان فوطئها في طهر واحد أبو لهب وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب والعاص ابن وائل فولدت عمرا فادعاه كلهم فحكمت فيه أمه فقالت هو للعاص لأن العاص هو الذي كان ينفق عليها وقالوا كان أشبه بأبي سفيان وكان الواثق يتشبه بالمأمون في أخلاقه وحلمه وكان يقال له المأمون الصغير نقل عنه أنه دخلت عليه ابنة مروان بن محمد فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال لست به فقالت السلام عليك أيها الأمير فقال لها وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقالت ليسعنا عدلكم فقال إذا لا يبقى على وجه الأرض منكم أحد لأنكم حاربتم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه ومنعتم حقه وسممتم الحسن رضي الله عنه ونقضتم شرطه وقتلتم الحسين رضي الله عنه وسبيتم أهله ولعنتم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابركم وضربتم علي بن عبد الله ظلما بسياطكم فعدلنال ايبقى منكم أحدا فقالت فليسعنا عفوكم قال أما هذا فنعم وأمر برد أموالها عليها وبالغ في الاحسان إليها
وكان معاوية رضي الله عنه يعرف بالحلم وله فيه أخبار مشهورة وآثار مذكورة وكان يقول إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي وذنب لا يسعه عفوي وحاجة لا يسعها جودي وهذه مروءة عالية المرتبة وقال له رجل يوما ما أشبه أستك بإست أمك فقال ذاك الذي اعجب أبا سفيان منها وكتب معاوية إلى عقيل بن ابي طالب رضي الله عنه يعتذر إليه من شيء جرى بينهما يقول من معاوية بن أبي سفيان إلى عقيل بن أبي طالب أما بعد يا بني عبد المطلب فأنتم والله فروع قصي ولباب عبد مناف وصفوة هاشم فأين أخلاقكم الراسية وعقولكم الكاسية وقد والله أساء

أمير الؤمنين ما كان جرى ولن يعود لمثله إلى أن يغيب في الثرى فكتب إليه عقيل يقول
( صدقت وقلت حقا غير أني ... أرى أن لا أراك ولا تراني )
( أقول سوء في صديقي ... ولكنني أصد إذا جفاني )
فركب إليه معاوية رضي الله عنه وناشده في الصفح عنه واستعطفه حتى رجع
وحكي عنه رضي الله عنه أنه لما ولي الخلافة وانتظمت إليه الأمور وامتلأت منه الصدور وأذعن لأمره الجمهور وساعده في مراده القدر المقدور استحضر ليلة خواص أصحابه وذاكرهم وقائع أيام صفين ومن كان يتولى كبر الكريهة من المعروفين فانهمكوا في القول الصحيح والمريض وآل حديثهم إلى من كان يجتهد في إيقاد نار الحرب عليهم بزيادة التحريض فقالوا امرأة من أهل الكوفة تسمى الزرقاء بنت عدي كانت تتعمد الوقوف بين الصفوف وترفع صوتها صارخة يا أصحاب علي تسمعهم كلاما كالصوارم مستحثة لهم بقول لو سمعه الجبان لقاتل والمدبر لقابل والمسلم لحارب والفار لكر والمتزلزل لاستقر فقال لهم معاوية رضي الله عنكم أيكم يحفظ كلامها فقالوا كلنا نحفظه قال فما تشيرون علي فيها قالوا نشير بقتلها فإنها أهل لذلك فقال لهم معاوية رضي الله عنه بئسما اشرتم وقبحا لما قلتم أيحسن أن يشتهر عني أنني بعدما ظفرت وقدرت قتلت امرأة قد وفت لصاحبها إني إذا للئيم لا والله لا فعلت ذلك أبدا ثم دعا بكاتبه فكتب كتابا إلى واليه بالكوفة أن أنفذ إلي الزرقاء بنت عدي مع نفر من عشيرتها وفرسان من قومها ومهد لها وطاء لينا ومركبا ذلولا فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها وقرأ عليها فقالت بعد قراءة الكتاب ما أنا بزائغة عن الطاعة فحملها في هودج وجعل غشاءه خزا مبطنا ثم أحسن صحبتها فلما قدمت على معاوية قال لها مرحبا وأهلا خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة وكيف رأيت سيرك قالت

خير مسير فقال هل تعلمين لم بعثت إليك قالت لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى قال ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين وأنت بين الصفوف توقدين نار الحرب وتحرضين على القتال قالت نعم قال فما حملك على ذلك قالت يأمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبتر الذنب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر فقال صدقت فهل تعرفين كلامك وتحفظين ما قلت قالت لا والله قال لله أبوك فلقد سمعتك تقولين ايها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس وأن الكواكب لا تضيء مع القمر وأن البغل لا يسبق الفرس ولا يقطع الحديد إلا بالحديد ألا من استرشدنا أرشدناه ومن سألنا أخبرناه إن الحق كان يطلب ضالة فأصابها فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار فكأنكم وقد التأم شمل الشتات وظهرت كلمة العدل وغلب الحق باطلة فإنه لا يستوي المحق والمبطل فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون فالنزال النزال والصبر الصبر ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خير الأمور عاقبة أئتوا الحرب غير ناكصين فهذا يوم له ما بعده يا زرقاء أليس هذا قولك وتحريضك قالت لقد كان ذلك قال لقد شاركت عليا في كل دم سفكه فقالت أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامتك مثلك من يبشر بخير ويسر جليسه فقال معاوية أوقد سرك ذلك قالت نعم والله لقد سرني قولك وأني لي بتصديقه فقال لها معاوية والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إلي من حبكم له في حياته فاذكري حوائجك تقض فقالت يا أمير المؤمنين إني آليت على نفسي أن لا أسأل أحدا بعد علي حاجة فقال قد شار علي بعض من عرفك بقتلك فقالت لؤم من المشير ولو أطعته لشاركته قال كلا بل نعفو عنك ونحسن إليك ونرعاك فقالت يا أمير المؤمنين كرم منك ومثلك من قدر فعفا وتجاوز عمن أساء وأعطى من غير مسألة قال فأعطاها كسوة ودراهم

وأقطعها ضيعة تغل كل سنة عشرة آلاف درهم وأعادها إلى وطنها سالمة وكتب إلى والي الكوفة بالوصية بها وبعشيرتها
وقيل كان لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أرض وكان له فيها عبيد يعملون فيها وإلي جانبها أرض لمعاوية وفيها أيضا عبيد يعملون فيها فدخل عبيد معاوية في أرض عبد الله بن الزبير فكتب عبد الله كتابا إلي معاوية يقول له فيه أما بعد يا معاوية إن عبيدك قد دخلوا في ارضي فانهم عن ذلك وإلا كان لي ولك شأن والسلام فلما وقف معاوية على كتابه وقرأه دفعه إلى ولده يزيد فلما قرأه قال له معاوية يا بني ما ترى قال أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه فقال بل غير ذلك خير منه يا بنى ثم أخذ ورقة وكتب فيها جواب كتاب عبد الله بن الزبير يقول فيه أما بعد فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله ما ساءه والدنيا باسرها هينة عندي في جنب رضاه نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال والسلام فلما وقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على كتاب معاوية رضي الله عنه كتب إليه قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ولا أعدمه الرأى الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله بن الزبير وقرأه رمى به إلى ابنه يزيد فلما قرأه تهلل وجهه وأسفر فقال له أبوه يا بنى من عفا ساد ومن حلم عظم ومن تجاوز استمال إليه القلوب فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء فداؤه بمثل هذا الدواء
ولما دخل الفيل من دمشق واجتمع الناس لرؤيته صعد معاوية في مكان مرتفع ينظر اليه فبينما هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر من قصره رجلا مع بعض حرمه فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد فوقعت عينه على الرجل فقال له يا هذا في قصري وتحت جناحي تهتك حرمتي وأنت في قبضتي ما حملك على هذا قال فبهت

الرجل وقال حلمك أوقعني فقال له معاوية فإن عفوت عنك تسترها علي قال نعم فعفا عنه وخلى سبيله وهذا من الحلم الواسع ان يطلب الستر من الجاني وهو عروض قول الشاعر
( إذا مرضتم أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر )
وحكى عن الربيع مولى الخليفة المنصور قال ما رأيت رجلا أربط جأشا وأثبت جنانا من رجل سعى به إلى المنصور أن عنده ودائع وأموال لبني أمية فأمرني بإحضاره فأحضرته إليه فقال له المنصور قد رفع إلينا خبر الودائع والأموال التي عندك لبني أمية فأخرج لنا منها واحضرها ولا تكتم منها شيئا فقال يا أمير المؤمنين وأنت وارث بنى أمية قال لا قال فوصى لهم في أموالهم ورباعهم قال لا قال فما مسألتك عما في يدي من ذلك قال فأطرق المنصور وتفكر ساعة ثم رفع رأسه وقال إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم وأريد أن آخذ ما ظلموا المسلمين فيه فاجعله في بيت أموالهم فقال ياأمير المؤمنين فيحتاج إلى إقامة بينة عادلة أن ما في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه فإن بني أمية قد كانت لهم أموال غير أموال المسلمين قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقال يا ربيع ما أرى الشيخ إلا قد صدق وما يجب عليه شيء وما يسعنا إلا أن نعفو عما قيل عنه ثم قال هل لك من حاجة قال نعم يا أمير المؤمنين أن تجمع بيني وبين من سعى بي إليك فوالله الذي لا إله إلا هو ما في يدي لبني أمية مال ولا وديعة ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني عما سألتني عنه قابلت بين هذا القول الذي ذكرته الآن وبين ذلك القول الذي ذكرته أولا فرأيت ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة فقال يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فلما رآه قال هذا غلامي اختلس لي ثلاثة آلاف دينار من مالي وأبق مني وخاف من طلبي له فسعى بي عند أمير المؤمنين قال فشدد المنصور على الغلام وخوفه فأقر بأنه غلامه وأنه أخذ

المال الذي ذكره وسعى به كذبا عليه وخوفا من أن يقع في يده فقال له المنصور سألتك أيها الشيخ أن تعفو عنه فقال قد عفوت عنه وأعتقه ووهبته الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى أدفعها إليه فقال له المنصور ما على ما فعلت من مزيد قال بلى يا أمير المؤمنين إن هذا كله لقليل في مقابلة كلامك لي وعفوك عنى ثم انصرف قال الربيع فكان المنصور يتعجب منه وكلما ذكره يقول ما رأيت مثل هذا الشيخ يا ربيع
وغضب الرشيد على حميد الطوسي فدعا له بالنطع والسيف فبكى فقال له ما يبكيك فقال والله يا أمير المؤمنين ما أفزع من الموت لأنه لا بد منه وإنما بكيت أسفا على خروجي من الدنيا وأمير المؤمنين ساخط علي فضحك وعفى عنه وقال إن الكريم إذا خادعته انخدع وأمر زياد بضرب عنق رجل فقال أيها الأمير إن لي بك حرمة قال وما هي قال إن أبي جارك بالبصرة قال ومن أبوك قال يا مولاي إني نسيت اسم نفسي فكيف لا أنسى اسم أبي فرد زياد كمه على فمه وضحك وعفا عنه وأمر الحجاج بقتل رجل فقال أسألك بالذي أنت غدا بين يديه أذل موقفا مني بين يديك إلا عفوت عني فعفا عنه ولما ضرب الحجاج رقاب أصحاب ابن الأشعث أتى رجل من بني تميم فقال والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب ما أحسنت في العفو فقال الحجاج أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يحسن الكلام مثل هذا وعفا عنه وخلى سبيله وكان إبراهيم بن المهدي يقول والله ما عفا عني المأمون تقربا إلى الله تعالى ولا صلة الرحم ولكن له سوق في العفو يكره أن تكسد بقتلي وسئل الفضل عن الفتوة فقال الصفح عن عثرات الأخوان وفي بعض الكتب المنزلة إن كثرة العفو زيادة في العمر واصله قوله تعالى ( ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) وقال يزيد بن مزيد أرسل إلي الرشيد ليلا يدعوني فأوجست منه خيفة فقال لي أنت القائل أنا ركن الدولة

والثائر لها والضارب أعناق بغاتها لا أم لك أي ركن وأي ثائر أنت قلت يا أمير المؤمنين ما قلت هذا إنما قلت أنا عبد الدولة والثائر لها فأطرق وجعل ينحل غضبه عن وجهه ثم ضحك فقلت أحسن من هذا قولي
( الله في هرون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور )
فقال يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح وأمر مصعب ابن الزبير بقتل رجل فقال ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطواقك وأقول أي رب سل مصعبا لم قتلني فقال أطلقوه فلما أطلقوه قال أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتك في خفض عيش قال قد أمرت لك بمائة ألف درهم فقال
( أيا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لماعرف العفو )
وتغيظ عبد الملك بن مروان على رجل فقال والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا فلما صار بين يديه قال رجاء بن حيوة يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما أحببت فاصنع ما أحب الله فعفا عنه وأمر له بصلة وقال الحسن إن أفضل رداء تردى به الانسان الحلم وهو والله عليك أحسن من برد الحبر وفيه قال ابو تمام
( رفيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد )
ويقال الحليم سليم والسفية كليم وقال محمد بن عجلان ما شيء أشد على الشيطان من عالم معه حلم إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت بحلم يقول الشيطان سكوته علي أشد من كلامه ( شعر )
( كنت تبغي شيمة غير شيمة ... طبعت عليها لم تطعك الضرائب )

وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أقرب مايكون العبد من غضب الله إذا غضب وفي التوراة اذكرني إذا غضبت اذكرك إذا غضب فلا أمحقك فيما أمحق وإذا ظلمت فاصبر وأرض بنصرتي فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك وكان ابن عون إذا غضب على إنسان قال له بارك الله عمك وكانت له ناقة كريمة فضربها الغلام فاندر عينها فقالوا إن غضب ابن عون فإنه يغضب اليوم فقال للغلام غفر الله لك وقال رجل لرسول الله شيء أشد قال غضب الله قال فما قال يباعدني من غضب الله قال أن لا تغضب ويقال من أطاع الغضب أضاع الأرب قال ابو العتاهية
( أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب )
وقال أبو هريرة رضي الله عنه ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب وقال ابن مسعود رضي الله عنه كفى بالمرء إثما أن يقال له اتق الله فيغضب ويقول عليك نفسك وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عامل من عماله أن لا تعاقب عند غضبك وإذا غضبت على رجل فاحبسه فإذا سكن غضبك فاخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا وقيل لابن المبارك رحمه الله تعالى اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة قال ترك الغضب وقال المعتمر بن سليمان كان رجل ممن كان قبلكم يغضب ويشتد غضبه فكتب ثلاث صحائف فأعطى كل صحيفة رجلا وقال للأول إذا اشتد غضبي فقم إلي بهذه الصحيفة وناولنيها وقال للثاني إذا سكن بعض غضبي فناولنيها وقال للثالث إذا ذهب غضبي فناولنيها وكان في الأولى اقصر فما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا وفي الثانية ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء وفي الثالثة احمل عباد الله على كتاب الله فإنه لا يصلحهم إلا ذاك روي إنه أنو شروان وكان الشعبي أولع شيء بهذا البيت

( ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب )
وعن معاذ بن جبل عن أنس رضي الله عنهما عن النبي كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره في أي الحور شاء وروي ملأه الله أمنا وإيمانا وقال ابن السماك أذنب غلام لامرأة من قريش فأخذت السوط ومضت خلفه حتى إذا قاربته رمت بالسوط وقالت ما تركت التقوى أحدا يشفي غيظه وقال أبو ذر لغلامه لم أرسلت الشاة على علف الفرس قال أردت أن أغيظك قال لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى واستأذن رهط من اليهود على رسول الله فأذن لهم فقالوا السلام عليك يا محمد فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها بل السأم عليكم واللعنة فقال يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقالت ألم تسمع ما قالوا قال قد قلت وعليكم ورفع إلى عبد الملك بن مروان أعرابي يقال له حمزة سرق وقامت عليه البينة فهم عبد الملك بقطع يده فكتب إليه حمزة من السجن يقول شعر
( يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مقاما يشينها )
( خير في الدنيا وكانت خبيثة ... إذا ما شمال فارقتها يمينها )
قال فأبي عبد الملك إلا قطعه فدخلت عليه أم حمزة وقالت يا أمير المؤمنين بني وكاسبي وواحدي فقال لها عبد الملك بئس الكاسب لك هذا حد من حدود الله تعالى فقالت يا أمير المؤمنين اجعله احد ذنوبك التي تستغفر الله منها فقال عبد الملك ادفعوه إليها وخلى سبيله شعر
( إذا ما طاش حلمك عن عدو ... وهان عليك هجران الصديق )
( فلست إذا أخا عفو وصفح ... لأخ على عهد وثيق )
( إذا زل الرفيق وأنت ممن ... بلا رفق بقيت بلا رفيق )
( إذا أنت اتخذت أخا جديدا ... لما أنكرت من خلق عتيق )

( فما تدري لعلك مستجير ... من الرمضاء فر إلى الحريق )
( فكم من سالك لطريق أمن ... أتاه يحاذر في الطريق )
وشتم رجل رجلا فقال له يا هذا لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعا فإني أبيت مشاتمة الرجال صغيرا فلن أجيئها كبيرا وإني لا أكافىء من عصى الله في بأكثر من أن أطيع الله فيه
( وحكى عن جعفر الصادق رضي الله عنه أن غلاما له وقف يصب الماء على يديه فوقع الابريق من يد الغلام في الطست فطار الرشاش في وجهه فنظر جعفر إليه نظر مغضب فقال يا مولاي والكاظمين الغيظ قال قد كظمت غيظي قال والعافين عن الناس قال لقد عفوت عنك قال والله يحب المحسنين قال إذهب فأنت حر لوجه الله تعالى وقيل لماقدم نصر بن منيع بين يدي الخليفة وكان قد أمر بضرب عنقه قال يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمات أقولها قال قل فأنشأيقول
( زعموا بأن الصقر صادف مرة ... عصفور بر ساقه التقدير )
( فتكلم العصفور تحت جناحه ... والصقر منقض عليه يطير )
( إني لمثلك لا أتمم لقمة ... ولئن شويت فإنني لحقير )
( فتهاون الصقر المدل بصيده ... كرما وأفلت ذلك العصفور )
قال فعفا عنه وخلى سبيله قال الشاعر
( أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزهم ... عنه فإن جحود الذنب ذنبان )
وقال بعضهم
( العفو الفتى إذا اعترف ... وتاب عما قد جناه واقترف )
( لقوله قل للذين كفروا ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )

وقال آخر
( إذا ذكرت أياديك التي سلفت ... مع قبح فعلي وذلاني ومجترمي )
( أكاد أقتل نفسي ثم يدركني ... علمي بأنك مجبول على الكرم )
وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى سكران فأراد أن يأخذه ليعزره فشتمه السكران فرجع عنه فقيل له يا أمير المؤمنين لما شتمك تركته قال إنما تركته لأنه أغضبني فلو عزرته لكنت قد انتصرت لنفسي فلا أحب أن أضرب مسلما لحمية نفسي وغضب المنصور على رجل من الكتاب فأمر بضرب عنقه فأنشأيقول
( وإنا الكاتبونا وإن أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا )
فعفا عنه وخلى سبيله وأكرمه وقال الرشيد لأعرابي بم بلغ فيكم هشام بن عروة هذه المنزلة قال بحلمه عن سفيهنا وعفوه عن مسيئنا وحمله عن ضعيفنا لا منان إذا وهب ولا حقود إذا غضب رحب الجنان سمح البنان ماضي اللسان قال فأومأ الرشيد إلى كلب صيد كان بين يديه وقال والله لو كانت هذه في هذا الكلب لاستحق بها السؤدد وقيل لمعن بن زائدة المؤاخذة بالذنب من السؤدد قال لا ولكن أحسن ما يكون الصفح عمن عظم جرمه وقل شفعاؤه ولم يجد ناصرا وقال محمود الوراق
( سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن عظمت منه علي الجرائم )
( فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم )
( فأما الذي فوقي فاعرف قدره ... وأتبع فيه الحق والحق لازم )
( وأما الذي دوني فان قال صنت عن ... إجابته نفسي وإن لام لائم )
( وأما الذي مثلي فان زل أو هفا ... تفضلت إن الحر بالفضل حاكم )

وقال الأحنف بن قيس لابنه يا بنى إذا أردت أن تؤاخي رجلا فاغضبه فإن أنصفك وإلا فاحذره قال الشاعر
( إذا كنت مختصا لنفسك صاحبا ... فمن قبل أن تلقاه بالود أغضبه )
( فان كان في حال القطيعة منصفا ... وإلا فقد جربته فتجنبه )
ومن أمثال العرب إحلم تسد قال الشاعر
( لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتى يدلوا وإن عزوا لأقوام )
( ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح اكرام
وقال آخر
( وجهل رددناه بفضل حلومنا ... ولو أننا شئنا رددناه بالجهل )
وقال الأحنف إياكم ورأي الأوغاد قالوا وما رأي الأوغاد قال الذين يرون الصفح والعفو عارا وقال رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه لأسبنك سبا يدخل معك قبرك فقال معك والله يدخل لا معي وقيل إن الأحنف سبه رجل وهو يماشيه في الطريق فلما قرب من المنزل وقف الأحنف وقال له يا هذا إن كان قد بقي معك شيء فهات وقله ههنا فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك ونحن لا نحب الانتصار لأنفسنا وقال لقمان لابنه يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ولا الشجاع إلا عند الحرب ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير
( إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل )
وقال آخر
( وإذا بغى باغ عليك بجهله ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر )
وقال آخر
( قل ما بدا لك من صدق ومن كذب حلمي أصم وأذني غير صماء )

ويروى في بعض الأخبار أن ملكا من الملوك أمر أن يصنع له طعام وأحضر قوما من خاصته فلما مد السماط أقبل الخادم وعلى كفه صحن فيه طعام فلما قرب من الملك أدركته الهيبة فعثر فوقع من مرق الصحن شيء يسير على طرف ثوب الملك فأمر بضرب عنقه فلما رأى الخادم العزيمة على ذلك عمد بالصحن فصب جميع ما كان فيه على رأس الملك فقال له ويحك ما هذا فقال أيها الملك إنما صنعت هذا شحا على عرضك لئلا يقول الناس إذا سمعوا ذنبى الذي به تقتلني قتله في ذنب خفيف لم يضره وأخطأ فيه العبد ولم يقصده فتنسب إلى الظلم والجور فصنعت هذا الذنب العظيم لتعذر في قتلي وترفع عنك الملامة قال فأطرق الملك مليا ثم رفع رأسه إليه وقال يا قبيح الفعل يا حسن الاعتذار قد وهبنا قبيح فعلك وعظيم ذنبك لحسن اعتذارك اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى
وحكى عن أمير المؤمنين المأمون وهو المشهود له بالاتفاق على علمه والمشهور في الآفاق بعفوه وحلمه انه لما خرج عمه ابراهيم المهدي عليه وبايعه العباسيون بالخلافة ببغداد وخلعوا المأمون وكان المأمون إذ ذاك بخراسان فلما بلغه الخبر قصد العراق فلما بلغ بغداد اختفى ابراهيم ابن المهدي وعاد العباسيون وغيرهم إلى طاعة المأمون ولمم يزل المأمون متطلبا لابراهيم حتى أخذه وهو متنقب مع نسوة فحبس ثم أحضر حتى وقف بين يدي المأمون فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال المأمون لاسلم الله عليك ولا قرب دارك استغواك الشيطان حتى حدثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام فقال له ابراهيم مهلا يا أميرالمؤمنين فان ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ولك من رسول الله شرف القرابة وعدل السياسة وقد جعلك الله فوق كل ذي ناب كما جعل كل ذي ذنب دونك فان أخذت فبحقك وان عفوت فبفضلك والفضل أولى بك ياأمير المؤمنين ثم قال هذه الأبيات

( ذنبي اليك عظيم ... وأنت أعظم منه )
( فخذ بحقك أو لا ... فاصفح بعفوك عنه )
( إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه )
فلما سمع المأمون كلامه وشعره ظهرت الدموع في عينيه وقال يا إبراهيم الندم توبة وعفو الله تعالى أعظم مما تحاول وأكثر مما تأمل ولقد حبب إلي العفو حتى خفت أن لا أوجر عليه لا تثريب عليك اليوم ثم أمر بفك قيوده وادخاله الحمام وازالة شعثه وخلع عليه ورد أمواله جميعها اليه فقال فيه مخاطبا
( رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي )
( فان جحدتك ما أوليت من كرم ... أني لباللؤم أولى منك بالكرم )
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج يأمره أن يبعث إليه برأس عباد بن أسلم البكري فقال له عباد أيها الأمير أنشدك الله لا تقتلني فوالله اني لأعول أربعا وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري فرق لهن واستحضرهن وإذا واحدة منهن كالبدر فقال لها الحجاج ما أنت منه قالت أنا بنته فاسمع يا حجاج مني ما أقول ثم قالت
( أحجاج إما أن تمن بتركه ... علينا وإما أن تقتلنا معا )
( أحجاج لا تفجع به ان قتلته ... ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا )
( أحجاج لا تترك عليه بناته ... وخالاته يندبنه الدهر أجمعا )
فبكى الحجاج ورق له واستوهبه من أمير المؤمنين عبد الملك وأمر له بصلة ولما قدم عيينه بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينه لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فاستأذن فاذن له عمر فلما دخل قال هيه يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل

فغضب عمر حتى هم أن يوقع به فقال له الحر يا أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه عليه الصلاة السلام ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وان هذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله تعالى
وحكى أن رجلا زور ورقة عن خط الفضل بن الربيع تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء بها الى وكيل الفضل فلما وقف الوكيل عليها لم يشك انها خط الفضل فشرع في أن يزن له الألف دينار وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل فيها ثم نظر في وجهه الرجل فرآه كاد يموت من الوجل والخجل فأطرق الفضل بوجهه ثم قال للوكيل أتدري لم أتيتك في هذا الوقت قال لا قال جئت لاستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل اعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيرا في أمره فالتفت اليه الفضل وقال له طب نفسا وامض إلى سبيلك آمنا على نفسك فقيل الرجل يده وقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة ثم أخذ المال ومضى فيجب على الإنسان أن يتأسى بهذه الأخلاق الجميلة والأفعال الجليلة ويقتفي سنة نبيه فقد كان أكثر الناس حلما وأحسنهم خلقا وأكرمهم خلقا وأكثرهم تجاوزا وصفحا وأبرهم للمعتر عليه نجحا صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين
وأما ما جاء في العتاب
فقد قيل العتاب خير من الحقد ولا يكون العتاب إلا على زلة وقد مدحه قوم فقالوا العتاب حدائق المتحابين ودليل على بقاء المودة

وقد قال أبو الحسن بن منقذ شعرا
( أسطو عليه وقلبي لو تمكن من ... يدي غلهما غيظا إلى عنقي )
( وأستعير له من سطوتي حنقا ... وأين ذل الهوى من عزة الحنق )
وذمة بعضهم قال اياس بن معاوية خرجت في سفر ومعي رجل من الاعراب فلما كان في بعض المناهل لقيه ابن عم فتعانقا وتعاتبا وإلى جانبهما شيخ من الحي فقال لها انعما عيشا ان المعاتبة تبعث التجني والتجني يبعث المخاصمة والمخاصمة تبعث العداوة ولا خير في شيء ثمرته العداوة قال الشاعر
( فدع ذكر العتاب فرب شر ... طويل هاج أوله العتاب )
وقيل العتاب من حركات الشوق وإنما يكون هذا بين المتحابين قال الشاعر
( علامة ما بين المحبين في الهوى ... عتابهم في كل حق وباطل )
وكتب بعضهم يعاتب صديقه على تغير حاله معه يقول
( عرضنا أنفسا عزت علينا ... عليكم فاستخف بها الهوان )
( ولو أنا رفعناها لعزت ... ولكن كل معروض مهان )
وقال آخر يعاتب صديقه
( وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من تلك البشاشة يقطر )
( فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر )
وقال أبو الحسن بن منقذ
( أخلاقك الغر السجايا مالها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف )
( ومرآة رأيك في عبيدك مالها ... صدئت وأنت الجوهر الشفاف )

وقال آخر يعاتب صديقه على كتاب أرسله إليه وفيه حط عليه
( اقرأ كتابك واعتبره قربيا ... فكفى بنفسك لي عليك حسيبا )
( أكذا يكون خطاب إخوان الصفا ... إن ارسلوا جعلوا الخطاب خطوبا )
( ما كان عذري أن أجبت بمثله ... أو كنت بالعتب العنيف مجيبا )
( لكنني خفت انتقاص مودتي ... فيعد إحساني إليك ذنوبا )
وقال آخر
( أراك إذا قلت قولا قبلته ... وليس لأقوالي لديك قبول )
( وما ذاك إلا أن ظنك سيء ... بأهل الوفا والظن فيك جميل )
( فكن قائلا قول الحماسي تائها ... بنفسك عجبا وهو منك قليل )
( وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول )
وكان لمحمد بن الحسن بن سهل صديق فنالته إضافة ثم ولي عملا فأثرى فقصده محمد مسلما فرأى منه تغيرا فكتب إليه
( لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسر وقد كنت عسر )
( فقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر )
وقال آخر في المعنى
( دعوت الله أن تسمو وتعلو ... علو النجم في أفق السماء )
( فلما أن سموت بعدت عني ... فكان إذا على نفسي دعائي )
وكان ابن عرادة السعدي مع سلم بن زياد بخراسان وكان له مكرما وابن عرادة يتجنى عليه ففارقه وصاحب غيره ثم ندم ورجع إليه وقال
( عتبت على سلم فلما فقدته ... وصاحبت أقواما بكيت على سلم )
( رجعت إليه بعد تجريب غيره ... فكان كبر بعد طول من السقم )
وقال مسلم بن الوليد
( ويرجعني إليك إذا نأت بي ... دياري عنك تجربة الرجال )

وقال أبو الحسن القابسي
( إذا أنا عاتبت الملوم فإنما ... أخط بأقلامي على الماء أحرفا )
( وهبة ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعا فصارت تكلفا )
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه عند معاتبة الصديق أهون من فقده وما أحسن ما قيل في العتاب
( وفي العتاب حياة بين أقوام ... وهو المحك لذي من مخاطبة ذوي الألباب )
فما ثم شيء أحسن من معاتبة الأحباب ولا ألذ لبس وإبهام والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلىآله وصحبه وسلم

الباب السابع والثلاثون في الوفاء بالوعد وحفظ العهد ورعاية الذمم
أرجح دليل يتمسك به الإنسان كتاب الله تعالى الذي من تمسك به هداه ومن استدل به أرشده وهداه قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعفو ) وقال جل ذكره وتقدس اسمه ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) وقال جل وعلا ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) وقال تعالى ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ) والآيات في ذلك كثيرة ومن أشدها قوله تعالى ( أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) وروى في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان فالوفاء من شيم النفوس الشريفة والأخلاق الكريمة والخلال الحميدة يعظم صاحبه في العيون وتصدق فيه خطرات الظنون ويقال الوعد والإنجاز محاسنه والوعد سحابة والإنجاز ومطره وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لكل شيء رأس ورأس المعروف تعجيله وأنشدوا

( إذا قلت في شيء نعم فأتمه ... فأن نعم دين على الحر واجب )
( وإلا فقل لا تسترح وترح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب )
وقال آخر
( لا كلف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد )
( فلا تعد عدة إلا وفيت بها ... واحذر خلاف مقال للذي تعد )
وقال اعرابي وعد الكريم نقد وتعجيل ووعد اللئيم مطل وتعليل وقال أعرابي أيضا العذر الجميل خير من المطل الطويل ومدح بشار خالد ابن برمك فأمر له بعشرين ألفا فأبطأت عليه فقال لقائده أقمنى حيث يمر فأقامه فمر فأخذ بلجام بغلته وأنشأ يقول
( أظلت علينا منك يوما سحابة ... أضاء لها برق وأبطأ رشاشها )
( فلا غيمها يجلى فييأس طابع ... ولا غيثها يأتي فتروى عطاشها )
فقال لا تبرح حتى تؤتي بها وقال صالح اللخمي
( لئن جمع الآفات فالبخل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل )
( ولا خير في وعد إذا كان كاذبا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل )
وقيل ماتت للهذلي أم ولد فأمر المنصور الربيع أن يعزيه ويقول له إن أمير المؤمنين موجه إليك جارية نفيسة لها أدب وظرف يسليك بها وأمر لك معها بفرس وكسوة وصلة فلم يزل الهذلي يتوقع وعد أمير المؤمنين ونسيه المنصور فحج المنصور ومعه الهذلي فقال المنصور وهو بالمدينة إني أحب أن أطوف الليلة المدينة فاطلب لي من يطوف بي فقال الهذلي أنا لها يا أمير المؤمنين فطاف به حتى وصل بيت عاتكة فقال يا أمير المؤمنين وهذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص

( يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل )
( إنني لأمنحك الصدود وإني ... قسما إليك مع الصدود لأميل ) فكره المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه فلما رجع المنصور أمر القصيدة على قلبه فإذا فيها
( وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل )
فذكر المنصور الوعد الذي كان وعد به الهذلي فأنجزه له واعتذر إليه وقال الشاعر
( تعجيل وعد المرء أكرومة ... تنشر عنه أطيب الذكر )
( والحر لا يمطل معروفه ... ولا يليق المطل بالحر )
وقال آخر
( ولقد وعدت وأنت أكرم واعد ... لا خير في وعد بغير تمام )
( أنعم علي بما وعدت تكرما ... فالمطل يذهب بهجة الإنعام )
وقال آخر
( لعبدك وعد قد تقدم ذكره ... فأوله حمد وآخره شكر )
( وقد جمعت فيك المكارم كلها ... فما لك عن تأخير مكرمة عذر
وقال آخر
( وميعاد الكريم عليه دين ... فلا تزد الكريم على السلام )
( يذكره سلامك ما عليه ... ويغنيك السلام عن الكلام )
وقال آخر
( شكاك لساني ثم أمسكت نصفه ... فنصف لساني بامتداحك ينطق )
( فان لم تنجر ما وعدت تركتني ... وباقي لساني بالمذمة مطلق )
وقال آخر
( باتت لوعدك عيني غير راقدة ... والليل حي الدياجي منبت السحر )

( هذا وقد بت من وعد على ثقة ... فكيف لو بت من هجر على حذر )
وقال آخر
( نذكر بالرقاع إذا نسينا ... ويأبى الله أن تنسى الكرام )
وأما الوفاء بالعهد ورعاية الذمم
فقد نقل فيه من عجائب الوقائع وغرائب البدائع ما يطرب السامع ويشنف المسامع كقضية الطائي وشريك نديم النعمان بن المنذر وتلخيص معناها أن النعمان كان قد جعل له يومين يوم بؤس من صادفه فيه قتله وأرداه ويوم نعيم من لقيه فيه أحسن إليه وأغناه وكان هذا الطائي قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره فأخرجته الفاقة من محل استقراره ليرتاد شيئا لصبيته وصغاره فبينما هو كذلك إذ صادفه النعمان في يوم بؤسه فلما رآه الطائي علم أنه مقتول وأن دمه مطلول فقال حيا الله الملك إن لي صبية صغارا وأهلا جياعا وقد أرقت ماء وجهي في حصول شيء من البلغة لهم وقد أقدمني سوء الحظ على الملك في هذا اليوم العبوس وقد قربت من مقر الصبية والأهل وهم على شفا تلف من الطوى ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره فان رأى الملك أن يأذن لي في أن أوصل إليهم هذا القوت وأوصى بهم أهل المروءة من الحي لئلا يهلكوا ضياعا ثم أعود إلى الملك وأسلم نفسي لنفاذ أمره فلما سمع النعمان صورة مقاله وفهم حقيقة حاله ورأى تلهفه على ضياع أطفاله رق له ورثي لحاله غير أنه قال له لا آذن لك حتى يضمنك رجل معنا فان لم ترجع قتلناه وكان شريك ابن عدي بن شرحبيل نديم النعمان معه فالتفت الطائي إلى شريك وقال له
( يا شريك بن عدي ... ما من الموت انهزام )
( من لأطفال ضعاف ... عدموا طعم الطعام )
( بين رجوع وانتظار ... وسقام )
( يا أخا كل كريم ... أنت من قوم كرام )
( يا أخا النعمان جد لي ... بضمان والتزام )

( ولك الله بأني ... راجع قبل الظلام )
فقال شريك بن عدي أصلح الله الملك علي ضمانه فمر الطائي مسرعا وصار النعمان يقول لشريك إن صدر النهار قد ولى ولم يرجع وشريك يقول ليس للملك علي سبيل حتى يأتي المساء فلما قرب المساء قال النعمان لشريك قد جاء وقتك قم فتأهب للقتل فقال شريك هذا شخص قد لاح مقبلا وأرجو أن يكون الطائي فان لم يكن فأمر الملك ممثل قال فبينما هم كذلك وإذ بالطائي قد اشتد عدوه في سيره مسرعا حتى وصل فقال خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي ثم وقف قائما وقال أيها الملك مر بأمرك فأطرق النعمان ثم رفع رأسه وقال والله ما رأيت أعجب منكما أما أنت يا طائي فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يقوم فيه ولا ذكرا يفتخر به وأما أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء فلا أكون أنا ألأم الثلاثة ألا وإني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس ونقضت عادتي كرامة لوفاء الطائي وكرم شريك فقال الطائي
( ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فعددت قولهمو من الاضلال )
( إني امرؤ مني الوفاء سجية ... وفعال كل مهذب مفضال ) فقال له النعمان ما حملك على الوفاء وفيه اتلاف نفسك فقال ديني فمن لا وفاء فيه لا دين له فأحسن إليه النعمان ووصله بما أغناه وأعاده مكرما إلى أهله وأناله ما تمناه
ومن ذلك ماحكى أن الخليفة المأمون لما ولي عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر والشام وأطلق حكمه دخل على المأمون بعض إخوانه يوما فقال يا أمير المؤمنين أن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب وهواه مع العلويين وكذلك كان ابوه قبله فحصل عند المأمون شيء من كلام أخيه من جهة عبد الله بن طاهر فتشوش فكره وضاق صدره فاستحضر شخصا وجعله في زي الزهاد والنساك الغزاة ودسه إلى عبد الله بن طاهر وقال له أمض إلى مصر وخالط أهلها وداخل كبراءها واستملهم إلى

القاسم بن محمد العلوي واذكر مناقبه ثم بعد ذلك اجتمع ببعض بطانة عبد الله بن طاهر ثم اجتمع بعبد الله بن طاهر بعد ذلك وادعه إلى القاسم بن محمد العلوي واكشف باطنه وابحث عن دفين نيته وائتني بما تسمع ففعل ذلك الرجل ما أمره به المأمون وتوجه إلى مصر ودعا جماعة من أهلها ثم كتب ورقة لطيفة ودفعها إلى عبد الله بن طاهر وقت ركوبه فلما نزل من الركوب وجلس في مجلسه خرج الحاجب إليه وأدخله على عبد الله ابن طاهر وهو جالس وحده فقال له لقد فهمت ما قصدت فهات ما عندك فقال ولي الأمان قال نعم فأظهر له ما أراده ودعاه إلى القاسم بن محمد فقال له عبد الله أو تنصفني فيما أقوله لك قال نعم قال فهل يجب شكر الناس بعضهم لبعض عند الاحسان والمنة قال نعم قال فيجب على وأنا في هذه الحالة التي تراها من الحكم والنعمة والولاية ولي خاتم في المشرق وخاتم في المغرب وأمري فيما بينهما مطاع وقولي مقبول ثم أني التفت يمينا وشمالا فأرى نعمة هذا الرجل غامرة وإحسانه فائضا علي أفتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وتقول أغدر وجانب الوفاء والله لو دعوتني إلى الجنة عيانا لما غدرت ولما نكثت بيعته وتركت الوفاء له فسكت الرجل فقال له عبد الله والله ما أخاف إلا على نفسك فارحل من هذا البلد فلما يئس الرجل منه وكشف باطنه وسمع كلامه رجع إلى المأمون فأخبره بصورة الحال فسره ذلك وزاد في إحسانه إليه وضاعف إنعامه عليه
ومما يعد من محاسن الشيم ومكارم أخلاق أهل الكرم ويحث على الوفاء بالعهود ورعاية الذمم ما رواه حمزة بن الحسين الفقيه في تاريخه قال قال لي أبو الفتح المنطيقي كنا جلوسا عند كافور الأخشيدي وهو يومئذ صاحب مصر والشام وله من البسطة والمكنة ونفوذ الأمر وعلو القدر وشهرة الذكر ما يتجاوز الوصف والحصر فحضرت المائدة والطعام فلما أكلنا نام وانصرفنا ولما انتبه من نومه طلب جماعة منا وقال أمضوا الساعة إلى عقبة النجارين وسلوا عن الشيخ منجم

أعور كان يقعد هناك فإن كان حيا فاحضروه وإن كان قد توفي فسلوا عن أولاده واكشفوا أمرهم قال فمضينا إلى هناك وسألنا عنه فوجدناه قد مات وترك بنتين إحداهما متزوجة والأخرى عاتق فرجعنا إلى كافور واخبرناه بذلك فسير في الحال واشترى لكل واحدة منهما دارا وأعطاهما مالا جزيلا وكسوة فاخرة وزوج العاتق وأجرى على كل واحدة منهما رزقا واظهر أنهما من المتعلفين به لرعاية أمورهما فلما فعل ذلك وبالغ فيه ضحك وقال أتعلمون سبب هذا قلنا لا فقال اعلموا أني مررت يوما بوالدهما المنجم وأنا في ملك ابن عباس الكاتب وأنا بحالة رثه فوقفت عليه فنظر إلي واستجلبني وقال أنت تصير إلى رجل جليل القدر وتبلغ منه مبلغا كبيرا وتنال خيرا ثم طلب مني شيئا فأعطيته درهمين كانا معي ولم يكن معي غيرهما فرمى بهما إلي وقال ابشرك بهذه البشارة وتعطيني درهمين ثم قال وأزيدك أنت والله تملك هذا البلد وأكثر منه فاذكرني إذا صرت إلى الذي وعدتك به ولا تنس فقلت له نعم فقال عاهدني أنك تفي لي ولا يشغلك ذلك عن افتقادي معاهدته ولم يأخذ مني الدرهمين ثم إني شغلت عنه بما تجدد لي من الامور والاحوال وصرت إلى هذه المنزلة ونسيت ذلك فلما أكلنا اليوم ونمت رأيته في المنام قد دخل علي وقال لي أين الوفاء بالعهد الذي بيني وبينك وإتمام وعدك لا تغدر فيغدر بك فاستيقظت وفعلت ما رأيتم ثم زاد في إحسانه إلى بنات المنجم وفاء لوالدها بما وعده والله أعلم
ومما أسفرت عنه وجوه الاوراق واخبرت به الثقات في الآفاق وظهرت روايته بالشام والعراق وضرب به الأمثال في الوفاء بالاتفاق حديث السموأل بن عاديا وتلخيص معناه أن أمرأ القيس الكندي لما أراد المضي إلى قيصر ملك الروم أودع عند السموأل دروعا وسلاحا وأمتعه تساوي من المال جملة كثيرة فلما مات امرؤ القيس أرسل ملك كندة يطلب الدروع والاسلحة المودعة عند السموأل فقال السموأل

لا أدفعها إلا لمستحقها وأبي أن يدفع إليه منها شيئا فعاوده فأبى وقال لاأغدر بذمتي ولا أخون أمانتي ولا أترك الوفاء والواجب علي فقصده ذلك الملك من كنده بعسكره فدخل السموأل في حصنه وامتنع به فحاصره ذلك الملك وكان ولد السموأل خارج الحصن فظفر به ذلك الملك فأخذه أسيرا ثم طاف حول الحصن وصاح بالسموأل فأشرف عليه من أعلى الحصن فلما رآه قال له إن ولدك قد اسرته وها هو معي فإن سلمت إلي الدروع والسلاح التي لامريء القيس عندك رحلت عنك وسلمت اليك ولدك وإن امتنعت من ذلك ذبحت ولدك وأنت تنظر فاختر ايهما شئت فقال له السموأل ما كنت لأخفر ذمامي وأبطل وفائي فاصنع ما شئت فذبح ولده وهو ينظر ثم لما عجز عن الحصن رجع خائبا واحتسب السموأل ذبح ولده وصبر محافظة على وفائه فلما جاء الموسم وحضر ورثة امريء القيس سلم اليهم الدروع والسلاح ورأى حفظ ذمامه ورعاية وفائه أحب اليه من حياة ولده وبقائه فسارت الأمثال في الوفاء تضرب بالسموأل وإذا مدحوا أهل الوفاء في الأنام ذكروا السموأل في الأول وكم أعلى الوفاء رتبة من اعتقله بيديه وأغلى قيمة من جعله نصب عينيه واستنطق الأفواه لفاعله بالثناء عليه واستنطق الايدي المقبوضة عنه بالإحسان إليه
ومما وضع في بطون الدفاتر واستحسنته عيون البصائر ونقلته الأصاغر عن الاكابر وتداولته الألسنة من الاوائل والاواخر ما رواه خادم أمير المؤمنين المأمون قال طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه فقال لي خذ معك فلانا وفلانا وسماهما أحدهما علي بن محمد والآخر دينار الخادم واذهب مسرعا لما أقوله لك فإنه قد بلغني أن شيخا يحضر ليلا إلى دور البرامكة وينشد شعرا ويذكرهم ذكرا كثيرا ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف فامض الآن أنت وعلي ودينار حتى تروا هذه الخرابات فاستتروا خلف بعض الجدران فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وانشد شيئا فائتوني به قال فاخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرابات وإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي حديد وإذا شيخ وسيم له جمال وعليه مهابة ووقار قد أقبل فجلس

على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول
( ولما رأيت السيف جندل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى )
( بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا )
معأبيات أطالها ورددها فلما فرغ قبضنا عليه وقلنا له أجب أمير المؤمنين ففزع فزعا شديدا وقال دعوني حتى أوصي وصية فإني لا أوقن بعدها بحياة ثم تقدم إلى بعض الدكاكين فاستفتح وأخذ ورقه وكتب فيها وصية ودفعها الى غلامه ثم سرنا به فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين زجره وقال له من أنت وبماذا استوجبت البرامكة منك ما تفعله في خرائب دورهم وما تقوله فيها قال الخادم ونحن وقوف نسمع فقال يا أمير المؤمنين إن للبرامكة عندي أيادي خطيرة أفتأذن لي أن احدثك حديثي معهم قال قل قال ياأمير المؤمنين أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك وقد زالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال فلما ركبني الدين واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورءوس أهلي أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبيا وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد فدعوت بثويبات لي كنت قد أعددتها لا ستمنح بها الناس فلبستها وخرجت وتركتهم جياعا لا شيء عندهم ودخلت شوارع بغداد أسأل عن دور البرامكة فإذا أنا بمسجد مزخرف وفيه مائة شيخ بأحسن زي وزينة وعلى الباب خادمان فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم وأؤخر والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي وإذا بخادم قد أقبل فدعا القوم فقاموا وأنا معهم فدخلوا دار يحيى بن خالد ودخلت معهم وإذا بيحيى جالس على دكة له في وسط بستان فسلمنا وهو يعدنا مائة وواحد وبين يديه عشرة من ولده وإذا غلام أمرد عذاراه خداه قد أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم منمطقون في وسط كل خادم منطقة من ذهب يقرب وزنها من الف مثقال ومع

كل خادم مجمرة من ذهب في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر قد قرن بها مثلها من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام إلى جنب يحيى ثم قال يحيى للقاضي تكلم وزوج بنتي عائشة من ابن عمي هذا فخطب القاضي وزوجه وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر فالتقطت والله ياأمير المؤمنين ملء كمي ونظرت فإذا نحن في المكان ما بين يحيى والمشايخ وولده والغلام مائة واثنا عشر رجلا فخرج الينا مائة واثنا عشر خادما مع كل خادم صينية من فضة عليها الف دينار فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية فرأيت القاضي والمشايخ يصبون الدنانير في اكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم ويقوم الاول فالاول حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على اخذ الصينية فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي وأخذت الصينية في يدي وقمت وجعلت التفت إلى ورائي مخافة أن امنع من الذهاب بها فبينما أنا كذلك في صحن الدار ويحيى يلحظني إذا قال ائتني للخادم بذلك الرجل فرددت إليه فأمر بصب الدنانير والصينية وما كان في كمي ثم أمرني بالجلوس فجلست فقال لي ممن الرجل فقصصت عليه قضيتى فقال للخادم ائتني بولدي موسى فاتي به فقال له يا بني هذا رجل غريب فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك فقبض موسى علي يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام وأقمت عنده يومي وليلتي في الذ عيش وأتم سرور فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال إن الوزير قد أمرني بالعطف على هذا الرجل وقد علمت اشتغالي في دار امير المؤمنين فاقبضه إليك وأكرمه ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام فلما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد ثم لم أزل في ايدي القوم يتداولوني عشرة أيام لا اعرف خبر عيالي وصبياني افي الأموات هم أم في الأحياء فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم فقالوا لي قم فاخرج إلى عيالك بسلام فقلت واويلاه سلبت الدنانير

والصينية وأخرج إلى عيالي في هذه الحالة إنا لله وإنا إليه راجعون فرفع الستر الاول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع فلما رفع الخادم الستر الاخير قال لي مهما كان لك من الحوائج فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به فلما رفع الستر رأيت حجرة كالشمس حسنا ونورا واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج وحمل إلي الف الف درهم وعشرة آلاف دينار ومنشورين بضيعتين وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق واقمت يا امير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب اصطنعوني فلما جاءتهم البلية ونزل بهم من امير المؤمنين الرشيد ما نزل اجحفني عمرو ابن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به فلما تحامل علي الدهر كنت في أواخر الليل اقصد خرابات القوم فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي وأشكرهم على إحسانهم فقال المأمون علي بعمرو بن مسعدة فلما أتي به قال ياعمرو أتعرف هذا الرجل قال نعم يا امير المؤمنين هو بعض صنائع البرامكة قال كم الزمته في ضيعته قال كذا وكذا قال رد له كل ما استأديته منه في مدته ووقع له بهما ليكونا له ولعقبة من بعده قال فعلا نحيب الرجل وبكاؤه فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال يا هذا قد احسنا إليك فلم تبكي قال يا امير المؤمنين وهذا ايضا من صنائع البرامكة إذ لو لم آت خراباتهم فأبكيهم واندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل ما فعل فمن اين كنت أصل إلى أمير المؤمنين قال إبراهيم بن ميمون فلقد رأيت المأمون قد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال لعمري هذا من صنائع البرامكة فعليهم فابك وإياهم فاشكر ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر وقيل إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وكثرة بكائه على ما مضى من زمانه قال الشاعر
( سقى الله أطلال الوفاء بكفه ... فقد درست أعلامه ومنازله )

وقال آخر
( أشدد يديك بمن بلوت وفاءه ... إن الوفاء من الرجال عزيز
وقال مالك بن عمارة اللخمي كنت جالسا في ظل الكعبة أيام الموسم عند عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير وكنا نخوض في الفقه مرة وفي المذاكرة مرة وفي أشعار العرب وأمثال الناس مرة فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبدالملك بن مروان من الإتساع في المعرفة والتصرف في فنون العلم وحسن استماعه إذا حدث وحلاوة لفظه إذا حدث فخلوت معه ليلة فقلت له والله إني لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرفك وحسن حديثك وإقبالك على جليسك فقال إن تعش قليلا فسترى العيون طامحة إلي والأعناق نحوي متطاولة فإذا صار الأمر إلي فلعلك أن تنقل إلي ركابك فلأملأن يديك فلما أفضت إليه الخلافة توجهت إليه فوافيته يوم الجمعة وهو يخطب على المنبر فلما رآني أعرض عني فقلت لعله لم يعرفني أو عرفني وأظهر لي نكره فلما قضيت الصلاة ودخل بيته لمألبث أن خرج الحاجب فقال أين مالك بن عمارة فقمت فأخذ بيدي وأدخلني عليه فمد إلي يده وقال إنك تراءيت لي في موضع لا يجوز فيه إلا ما رأيت فأما الآن فمرحبا وأهلا كيف كنت بعدي فأخبرته فقال أتذكر ما كنت قلت لك قلت نعم فقال والله ما هو بميراث وعيناه ولاأثر رويناه ولكني أخبرك بخصال مني سميت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى ما خنت ذا ود قط ولا شمت بمصيبة عدو قط ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي حديثه ولا قصدت كبيرة من محارم الله تعالى متلذذا بها فكنت أؤمل بهذه أن يرفع الله تعالى منزلتي وقد فعل
ثم دعا بغلام فقال له يا غلام بوئه منزلا في الدار فأخذ الغلام بيدي وأفرد لي منزلا حسنا فكنت في ألذ حال وأنعم بال

وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه ثم أدخل عليه في وقت عشائه وغدائه فيرفع منزلتي ويقبل علي ويحادثني ويسألني مرة عن العراق ومرة عن الحجاز حتى مضت لي عشرون ليلة فتغديت يوما عنده فلما تفرق الناس نهضت قائما فقال على رسلك فقعدت فقال اي الامرين أحب إليك المقام عندنا مع النصفة لك في المعاشرة أو الرجوع إلى اهلك ولك الكرامة فقلت يا أمير المؤمنين فارقت أهلي وولدي علي أني أزور أمير المؤمنين وأعود إليهم فإن أمرني أمير المؤمنين اخترت رؤيته على الأهل والولد فقال لا بل أرى لك الرجوع إليهم والخيار لك بعد في زيارتنا وقد أمرنا لك بعشرين الف دينار وكسوناك وحملناك أتراني قد ملأت يديك فلا خير فيمن ينسى إذا وعد وعدا وزرنا إذا شئت صحبتك السلامة
ومن ذلك ما روي عن ابي بكار الأعمى وكان قد انقطع إلى آل برمك قال مسرور الكبير لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى دخلت عليه فوجدت عنده أبا بكر الاعمى يغنيه ويقول
( فلا تحزن فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي )
فقلت في هذا والله قد أتيتك ثم أمسكت بيد جعفر واقمته وضربت عنقه فقال ابو بكار ناشدتك الله إلا ما ألحقتني به فقلت له ما الذي حملك على هذا فقال أغناني عن الناس فقلت حتى استأمر الرشيد ثم أحضرت الرأس إلى الرشيد وأخبرته بخبر أبي بكار فقال هذا رجل فيه مصطنع أضمه إليك وانظر ما كان يجري عليه جعفر فادفعه إليه وكان يحيى بن خالد إذا أكد في يمينه قال لا والذي جعل الوفاء اعز ما يرى قال ابو فراس بن حمدان الشاعر
( بمن يتقي الإنسان فيما ينوبه ... ومن اين للحر الكريم صحاب )
( وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب )

وسأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في الحروب فقال كان رحمه الله تعالى يفعل كذا وكذا فقال المنصور عليك لعنة الله تطأ بساطي وتترحم على عدوي فقال إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي فقال له المنصور إرجع يا شيخ فإني أشهد أنك لو في حافظ للخير ثم أمر له بمال مأخذه ثم قال والله لولا جلالة أمير المؤمنين وإمضاء طاعته ما لبست لأحد بعد هشام نعمة فقال له المنصور لله درك فلو لم يكن في قومك غيرك لكنت قد ابقيت لهم مجدا مخلدا وخرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب في بعض جبابين الشام فإذا امرأة جالسة على قبر تبكي قال سليمان فرفعت البرقع عن وجهها فحكت شمسا عن متون غمامة فوقفنا متحيرين ننظر إليها فقال لها يزيد بن المهلب يا أمة الله هل لك في أمير المؤمنين بعلا فنظرت إلينا ثم أنشأت تقول
( فإن تسألاني عن هواي فإنه ... يحول بهذا القبر يا فتيان )
( وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني )
ومن ذلك ما روي عن نائلة بنت القرافصة بن الأحوص الكلبي زوج عثمان رضي الله عنهما أن عثمان لما قتل اصابتها ضربة على يدها وخطبها معاوية فردته وقالت ما يعجب الرجل مني قالوا ثناياك فكسرت ثناياها وبعثت بها إلى معاوية فكان ذلك مما رغب قريشا في نكاح نساء بني كلب ولما احس مصعب بن الزبير بالقتل دفع إلى مولاه فص ياقوت قيمته ألف ألف وقال له إنج بهذا فأخذه زياد زياد ودقه بين حجرين وقال والله لا ينتفع به أحد بعدك ولما قدم هدبة بن الحشرم للقتل بحضرة مروان بن الحكم قالت زوجته إن لهدبة عندي وديعة فامهله حتى آتيك بها فقال اسرعي فإن الناس قد كثروا وكان مروان قد جلس لهم بارزا عن داره فمضت إلى السوق وأتت إلى قصاب فقالت أعطني شفرتك وخذ هذين الدرهمين وأنا أردها عليك فأخذتها وقربت من حائط وأرسلت

ملحفها على وجهها ثم جدعت أنفها من اصله وقطعت شفتيها وردت الشفرة إلى القصاب ثم أقبلت حتى دخلت بين الناس فقالت أتراني يا هدبة متزوجة بعد ما ترى فقال الآن طابت نفسي بالموت فجزاك الله من حليلة وفيه خيرا
ولنجعل لهذا الباب من القضايا ختاما هو أوجزها كلاما وأحسنها نظاما وأبينها حكما وإحكاما وهي قضية جمعت الأمرين وفاء وغدرا وعرفا ونكرا وخيرا وشرا ونفعا وضرا واشتملت على حال شخصين أحدهما وفي بعده ففاز ونجا وحاز من مقترحات مناه ماأمل ورجا وغدر الآخر فلم يجد له من جزاء غدره إلى النجاة فرجا ولم يلق له من ضيق الغدر مخرجا وهو ما ذكره عبد الله بن عبد الكريم وكان مطلعا على احوال أحمد بن طولون عارفا بأموره عالما بوروده وصدوره فقال ما معناه إن أحمد بن طولون وجد عند سقايته طفلا مطروحا فالتقطه ورباه وسماه أحمد وشهره باليتيم فلما كبر ونشأ كان اكثر الناس ذكاء وفطنة وأحسنهم زيا وصورة فصار يرعاه ويعلمه حتى تهذب وتمرن فلما حضرت أحمد بن طولون الوفاة أوصى ولده أبا الجيش خمارويه به فأخذه إليه فلما مات أحمد بن طولون أحضره الأمير أبو الجيش إليه وقال له أنت عندي بمكانة أرعاك بها ولكن عادتي إني آخذ العهد على كل من أصرفه في شيء إنه لا يخونني فعاهده ثم حكمه في أمواله وقدمه في أشغاله فصار أحمد اليتيم مستحوذا على المقام حاكما على جميع الحاشية الخاص والعام والأمير أبو الجيش بن طولون يحسن إليه فلما رأى خدمته متصفة بالنصح ومساعيه متسمة بالنجح ركن إليه واعتمد في أمور بيوته عليه فقال له يوما ياأحمد امض إلى الحجرة الفلانية ففي المجلس حيث أجلس سبحه جوهر فائتني بها فمضى أحمد فلما دخل الحجرة وجد جارية من مغنيات الأمير وحظاياه مع شباب من الفراشين ممن هو من الأمير بمحل قريب فلما رأياه خرج الفتى وجاءت الجارية إلى احمد وعرضت نفسها عليه ودعته إلى قضاء وطره فقال لها معاذ الله أن أخون الأمير وقد أحسن إلي وأخذ العهد علي ثم تركها وأخذ السبحة وانصرف إلي

الامير وسلمها إليه وبقيت الجارية شديدة الخوف من أحمد بعدما أخذ السبحة وخرج من الحجرة لئلا يذكرها للأمير فأقمت أياما لم تجد من الامير ما غيره عليها ثم اتفق أن الامير اشترى جارية وقدمها على حظاياه وغمرها بعطاياه واشتغل بها عمن سواها وأعرض لشغفه بها عن كل من عنده حتى كاد لا يذكر جارية غيرها ولا يراها وكان أولا مشغولا بتلك الجارية الخاسرة الخائنة الخائبه الغادرة العائبة العاهرة الفاسقة الفاجرة فلما أعرض عنها اشتغالا بالجارية الجديدةالممجدة السعيدة الحامدة المحمودة الوصيفة الموصوفة الأليفة المألوفة العارفة المعروفة وصرف لبهجة محاسنها وكثرة آدابها وجهه من ملاعبة أترابها وشغلته بعذوبة رضابها عن ارتشاف رضاب أضرابها وكانت تلك الجارية الأولى لحسنها متأمرة على تأميره لا تخاف من وليه ولا نصيره فكبر عليها أعراضه عنها ونسبت ذلك إلى احمد اليتيم لاطلاعه على ما كان منها فدخلت على الأمير وقد ارتدت من الكآبة بجلباب نكرها وأعلنت بالبكاء بين يديه لاتمام كيدها ومكرها وقالت إن احمد اليتيم راودني عن نفسي فلما سمع الأمير ذلك استشاط غيظا وغضبا وهم في الحال بقتله ثم عاوده حاكم عقله فتأنى في فعله واستحضر خادما يعتمد عليه وقال له إذا ارسلت إليك إنسانا ومعه طبق من ذهب وقلت لك على لسانه املأ هذا الطبق مسكا فاقتل ذلك الإنسان واجعل رأسه في الطبق وأحضره مغطى ثم إن الامير أبا الجيش جلس لشربه وأحضر عنده ندماءه الخواص وأدناهم لمجلس قربه وأحمد اليتيم واقف بين يديه آمن في سربه لم يخطر بخاطره شيء ولا هجس هاجس في قلبه فلما مثل بين يدي الامير وأخذ منه الشراب شرع في التدبير فقال يا احمد خذ هذا الطبق وامض به إلى فلان الخادم وقل له يقول لك أمير المؤمنين املأ هذا الطبق مسكا فأخذه أحمد اليتيم ومضى فاجتاز في طريقه بالمغنين وبقية الندماء والخواص فقاموا إليه وسألوه الجلوس معهم فقال أنا ماض في حاجة للأمير أمرني بإحضارها في هذا الطبق فقالوا له أرسل من ينوب عنك في إحضارها وخذها أنت وأدخل بها على الامير فأدار عينيه فرأى الفتى الفراش

الذي كان مع الجارية فأعطاه الطبق وقال له أمض إلى فلان الخادم وقل له يقول لك الأمير املأ هذا الطبق مسكا فمضى ذلك الفراش إلى الخادم فذكر له ذلك فقتله وقطع رأسه وغطاه وجعله في الطبق وأقبل به فناوله لأحمد اليتيم فأخذه وليس عنده علم من باطن الامر فلما دخل به على الامير كشفه وتأمله وقال ما هذا فقص عليه خبره وقعوده مع المغنين وبقية الندماء وسؤالهم له الجلوس معهم وما كان من انفاد الطبق وإرساله مع الفراش وأنه لا علم عنده غير ما ذكره قال أتعرف لهذا الفراش خبر يستوجب به ما جرى عليه فقال أيها الامير إن الذي تم عليه بما ارتكبه من الخيانة وقد كنت رأيت الإعراض عن إعلام الامير بذلك وأخذ أحمد يحدثه بما شاهده وما جرى له من حديث الجارية من أوله إلى آخره لما انفذه لإحضار السبحة الجوهر فدعا الامير أبو الجيش بتلك الجارية واستقررها فأقرت بصحة ما ذكره أحمد فأعطاه إياها وأمره بقتلها ففعل وازدادت مكانة أحمد عنده وعلت منزلة لديه وضاعف إحسانه إليه وجعل أزمة جميع ما يتعلق به بيديه فانظر رحمك الله إلى آثار الوفاء كيف تحمى من المعاطب وتنجي من قبضة التلف بعد إمضاء القواضب ويفضى بصاحبه إلى ارتفاء غوارب المراتب فهذا الغلام لما وفى لمولاه بعهده وهو بشر مثله وليس في الحقيقة بعبده واطلع الله عز و جل على صدق نيته وقصده دفع عنه هذه القتلة الشنيعة بلطف من عنده فإذا كان العبد مع خالقه ورازقه وافيا في طاعته بعقده كيف لا يفيض عليه من ألطاف مواهب بره ورفده ويفتح له من أنواع رحمته وأقسام نعمته ما لا ممسك له من بعده وقالوا ليس شيء أوفى من القمرية إذا مات ذكرها لم تقرب آخر بعده ولا تزال تنوح عليه إلى أن تموت والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين

الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم افشائه
قال الله تعالى حكاية عن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه ( يا بني لاتقصص رؤياك على أخوتك ) الآية فلما أفشى يوسف عليه السلام رؤياه بمشهد امرأة يعقوب أخبرت إخوته فحل به ما حل ومن شواهد الكتاب العزيز في السر قوله تعالى ( فأوحى إلى عبده ما أوحى وقوله تعالى ( وما هو علىالغيب بضنين ) أي بمتهم وفي الحديث استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود وقال علي رضي الله عنه وكرم وجهه سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره واعلم أن امناء الأسرار أقل وجودا من أمناء الاموال وحفظ الاموال أيسر من كتمان الاسرار لأن لسان ناطق ويشيعها كلام سابق وحمل الاسرار أثقل من حمل الأموال فإن الرجل يستقل بالجمل الثقيل فيحمله ويمشي به ولا يستطيع كتم السر وإن الرجل يكون سره في قلبه فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه من حمل الاثقال فإذا أذاعه استراح قلبه وسكن خاطره وكأنما ألقى عن نفسه حملا ثقيلا وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه القلوب أوعية والشفاء أقفالها والالسن مفاتيحها فليحفظ كل إنسان مفتاح سره ومن عجائب الأمور أن الأموال كلما كثرت خزائنها كان اوثق لها وأما الأسرار فإنها كلما كثرت خزائنها كان أضيع لها وكم

من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنعه من بلوغ مآربه ولو كتمه أمن سطواته وقال أنو شروان من حصن سره فله بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات وقيل كلما كثرت خزان الأسرار زادت ضياعا وقيل انفرد بسرك لا تودعه حازما فيزل ولاجاهلا فيخون وقال كعب بن سعد الغنوي
( ولست بمبد للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسئول
وقال أبو مسلم صاحب الدولة
( أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ جهدوا )
( ما زلت أسعى عليم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا )
( حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومه لم ينمها قبلهم أحد )
( ومن رعا غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الاسد )
وأسر رجل إلى صديقه حديثا ثم قال له أفهمت قال بل جهلت ثم قال له أحفظت قال بل نسيت وقيل لبعضهم كيف كتمانك للسر قالأجحد المخبر وأحلف للمستخبر وقال المهلب أدنى أخلاق الشريف كتمان السر وأعلى أخلاقه نسيان ماأسر إليه ومن أحسن ما قيل في كتمان السر قول الشاعر
( ولها سرائر في الضمير طويتها ... نسي الضمير بأنها في طية )
وقد أجازه الشيخ شمس الدين البدوي فقال
( إني كتمت حديث ليلى لم أبح ... يوما بظاهره ولا بخفيه )
( وحفظت عهد ودادها متمسكا ... في حبها برشاده أو غيه )

ولها سرائر في الضمير طويتها ... نسي الضمير بأنها في طيه )
وقيل كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها فكذلك لا خير في إنسان لا يمسك سره قال الشاعر
( ومستودعي سرا كتمت مكانه ... عن الحس خوفا أن ينم به الحس )
( وخففت عنه من هوى النفس شهوة ... فأودعته من حيث لا يبلغ الحس
وقال قيس بن الحطيم
( أجود بمكنون التلاد وإنني ... بسري عمن يسألني لضنين
( وإن ضيع الاقوام سري فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين )
وقال جعفر بن عثمان
( يا ذا الذي أودعني سره ... لا ترج أن تسمعه مني )
( لم أجره قط علي فكرتي ... كأنه لم يجر في أذني
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ما أفشيت سري أحد قط فأفشاه فلمته إذ كان صدري به أضيق وقال الأحنف بن قيس يضيق صدر الرجل بسره فإذا حدث به احدا قال اكتمه علي
قال الشاعر
( إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام به غيره فهو أحمق )
( إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق )
وقال آخر
( إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... وأفشته الرجال فمن تلوم )
( وإن عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الملوم

وقال صالح بن عبد القدوس لا تودع سرك إلى طالبه فالطالب للسر مذيع ولا تودع مالك عند من يستدعيه فالطالب للوديعة خائن وقيل لأعرابي ما بلغ من حفظك للسر قال أفرقه تحت شغاف قلبي ثم أجمعه وأنساه كأني لم أسمعه وكان احزم الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شر فيفشيه عليه وقال حكيم قلوب الأحرار قبور الأسرار وقيل الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار حمق وقال بعضهم
( إذا ما غفرت الذنب يوما لصاحب ... فلست معيدا ما حييت له ذكرا )
( ولست إذا ما صاحب خان عهده ... وعندي له سر مذيعا له سرا
وأين هذا من قول القائل
( ولا تودع الاسرار أذني فإنما ... تصبن ماء في إناء مثلم ) أوالقائل
( ولا أكتم الاسرار لكن اذيعها ... ولا أدع الاسرار تعلو على قلبي )
( وإن قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب )
وقال آخر
( وإنك كلما استودعت سرا ... أنم من النسيم على الرياض )
وقال اسحاق بن إبراهيم الموصلي
( أناس أمناهم فنموا حديثنا ... فلما كتمنا السر عنهم تقولوا )
ولله در المتنبي حيث قال
( وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب )
وقد اقتصرنا من ذلك على هذا القدر اليسير وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين

الباب التاسع والثلاثون في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد وفيه فصول
الفصل الأول
في الغدر والخيانة
قال رسول الله أعجل الاشياء عقوبة البغي وعنأبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله المكر والخديعة والخيانة في النار وقال ابو بكر الصديق رضي الله عنه ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر قال الله تعالى ( إنما بغيكم على أنفسكم ) وقال تعالى ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) وقال تعالى ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) وكم أوقع القدر في المهالك من غادر وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر وطوقه غدره وطوق خزي فهو على فكه غير قادر وأوقعه في خطة خسف وورطة حتف فما له من قوة ولاناصر ويشهد لصحة هذه الاسباب ما أحاطت به علوم ذوي الالباب من قصة ثعلبة بن حاطب الانصاري وتلخيص معناها أن ثعلبة هذا كان من أنصار النبي

فجاءه يوما وقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال له رسول الله ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ثم أتاه بعد ذلك مرة أخرى فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله يا ثعلبة أما لك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت ان تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت ثم أتاه بعد ذلك مرة ثالثة فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا والذي بعثك بالحق نبيا لئن رزقني الله مالا لاعطين كل ذي حق حقه وعاهد الله تعالى على ذلك فقال رسول الله اللهم ارزق ثعلبة ما قال فاتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها وهي تنمو كما ينمو الدود وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد فلما كثرت الغنم وتنحى صار يصلي مع رسول الله والعصر ويصلي بقية الصلوات في غنمه فكثرت ونمت حتى بعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة ثم كثرت ونمت فتباعد أيضا عن المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ويسألهم عن الاخبار فذكره رسول الله ذات يوم فقال مافعل ثعلبة قالوا يا رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد فقال رسول الله يا ويح ثعلبة فأنزل الله تعالى آية الصدقة فبعث رسول الله رجلين رجل من بني سليم ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب الصدقة وكيف يأخذانها وقال لهما مرا بثعلبة بن حاطب وبرجل آخر من بني سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى اتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله فقال ما هذه إلا جزية أو ما هذه إلا اخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأياه قالا ما هذا قال خذاه فإن نفسي به طيبة فمرا على الناس وأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال أروني كتابكما

فقرأه ثم قال ما هذه إلا جزية أو ما هذه إلا أخت الجزية إذهبا حتى أرى رأيا قال فذهبا من عنده وأقبلا على رسول الله فلما رآهما قال قبل أن يتكلما يا ويح ثعلبة فأنزل الله تعالى
( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ) ( فلما أتاهم من فضله بخلوا وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ) وكان عند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال ويحك يا ثعلبة قد نزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل صدقته فقال إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه فقال رسول الله هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني فلما أبى رسول الله أن يقبل صدقته رجع إلى منزله وقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئا ثم أتى إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين استخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الانصار فأقبل صدقتي فقال أبو بكر رضي الله عنه لم يقبلها رسول الله منك فلا أقبلها أنا فقبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه ولم يقبلها فلما ولي عمر رضي الله عنه أتاه فقال يا أمير المؤمنين أقبل صدقتي فلم يقبلها منه وقال لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر رضي الله عنه فأنا لا أقبلها وقبض عمر رضي الله عنه ولم يقبلها ثم ولي عثمان ابن عفان رضي الله عنه فسأله أن يقبل صدقته فقال له لم يقبلها رسول الله ولا ابو بكر ولاعمر رضي الله عنهما فأنا لا أقبلها ثم هلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه
فانظر إلى سوء عاقبة غدره كيف أذاقه وبال أمره ووسمه بسمة عار قضت عليه بخسره وأعقبه نفاقا يخزيه يوم فاقته وفقره فأي خزي

أرجح من ترك الوفاء بالميثاق واي سوء أقبح من غدر يسوق إلى النفاق وأي عار أفضح من نقض العهد إذا عدت مساوي الاخلاق وكان يقال لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء واتضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم قال الشاعر
( غدرت بأمر كنت أنت جذبتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد )
ولما حلف محمد الامين للمأمون في بيت الله الحرام وهما وليا عهد طالبه جعفر بن يحيى أن يقول خذلني الله إن خذلته فقال ذلك ثلاث مرات فقال الفضل بن الربيع قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله يا أبا العباس أجد نفسي أن امري لا يتم فقلت له ولم ذلك أعز الله الأمير قال لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر وكان كذلك لم يتم أمره
وورد في أخبار العرب أن الضيزن بن معاوية بن قضاعة كان ملكا بين دجلة والفرات وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالجوسق وبلغ ملكه الشام فأغار على مدينة سابور ذي الاكتاف فأخذها وأخذ أخت سابور وقتل منهم خلقا كثيرا ثمإن سابور جمع جيوشا وسار إلى ضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء ثم أن النضيرة بنت الضيزن عركت أي حاضت فخرجت من الربض وكانت من أجمل أهل دهرها وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن وكانوا سابور من أجمل أهل زمانه فرآها ورأته فعشقها وعشقته وأرسلت إليه تقول ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي فقال أحكمك فقالت عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب عليها بحيض جارية ثم أطلقها فإنها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها وكان ذلك طلمسا لا يهدمها إلا هو ففعل ذلك فقالت له وأنا اسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم ففعل ذلك فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها فلما دخل بها لم تزل ليلتها تتضرر وتتململ في

فراشها وهو من حرير محشو بريش النعام فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس التصقت بعكنتها وأثرت فيها وقيل كان ينظر إلى مخ عظمها من صفاء بشرتها ثم إن سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها قيل إنه أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطعها قطعا قطعه الله ماأغدره وتقول العرب جزاني جزاء سنمار وهو ان أزدجرد بن سابور لما خاف على ولده بهرام وكان قبله لا يعيش له ولد سأل عن منزل صحيح مريء فدل على ظهر الجزيرة فدفع ابنه بهرام إلى النعمان وهو عاملة على ارض العرب وأمره أن يبني له جوسقا فامتثل أمره وبنى له جوسقا كأحسن ما يكون وكان الذي بنى الجوسق رجلا يقال له سنمار فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه فقال لو علمت أنكم توفوني أجرته لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث دارت فقالوا وإنك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق فتقطع فكانت العرب تقول جزاني جزاء سنمار وممن غدر عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله غدر بعلي رضي الله عنه وقتله وعمرو بن جرموز غدر بالزبير بن العوام رضي الله عنه وقتله وأبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله غدر بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقتله وجعل المنصور العهد إلى عيسى بن موسى ثم غدر به وأخره وقدم المهدي عليه فقال عيسى
( اينسى بنو العباس ذبي عنهم ... بسيفي ونار الحرب زاد سعيرها )
( فتحت لهم شرق البلاد وغربها ... فذل معاديها وعز نصيرها )
( أقطع أرحاما علي عزيزة ... وأبدي مكيدات لها وأثيرها )
( فلما وضعت الامر في مستقره ... ولاحت له شمس تلألأ نورها )
( دفعت عن الامر الذي استحقه وأوسق اوساقا من الغدر عيرها

وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتى ألجؤها إلى خباء أعرابي فأجارها وجعل يطعمها ويسقيها فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت فجاء ابن عمه يطلبه فوجده ملقى فتبعها حتى قتلها وأنشد يقول
( ومن يصنع المعروف مع غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أم عامر )
( اعد لها لما استجارت ببيته ... أحاليب البان اللقاح الدوائر )
( وأسمنها حتى إذا ما تمكنت ... فرته بانياب لها واظافر )
( فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر )
وحكى بعضهم قال دخلت البادية فإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وإلى جانبها جرو ذئب فقالت أتدري ما هذا فقلت لا قالت هذا جرو ذئب أخذناه صغيرا وأدخلناه بيتنا وربيناه فلما كبر فعل بشاتي ما ترى وأنشدت
( بقرت شويهتي وفجعت قومي ... وأنت لشاتنا ابن ربيب )
( غذيت بدرها ونشأت معها ... فمن أنباك أن اباك ذيب )
( إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا اديب
اللهم إنا نعوذ بك من البغي واهله ومن الغادر وفعله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الفصل الثاني
في السرقة والسراق
قيل مر عمر بن عبيد بجماعة وقوف فقال ما هذا قيل السلطان يقطع سارقا فقال لاإله إلا الله سارق العلانية يقطع سارق السر وأمر الإسكندر بصلب سارق فقال أيها الملك إني فعلت ما فعلت

وأنا كاره فقال وتصلب وأنت كاره وسرق مدني قميصا فأعطاه لابنه يبيعه فسرق منه فجاء له فقال بكم بعتة قال برأس المال وقال أكتل السلمي وكان لصا فاتكا
( وإني لأستحي من الله أن أرى ... أجرجر حبلي ليس فيه بعير )
( وأن أسأل المرء الدنيء بعيرة ... وأجمال ربي في البلاد كثير )
قال الفرزدق
( وإن أبا الكرشاء ليس بسارق ... ولكن متى ما يسرق القوم يأكل )
( وكان لعمرو بن دويرة البجلي أخ قد كلف ببنت عم له فتسور عليها الدار ذات ليلة فأخذه أخوتها وأتوا به خالد بن عبد الله القسري وجعلوه سارقا فسأله خالد فصدقهم ليدفع الفضيحة عن الجارية فهم خالد بقطعة فقال عمرو أخوه
( أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العشق المظلوم فينا بسارق )
( أقر بما لم يأته المرء إنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق )
فعفا عنه خالد وزوجه الجارية
الفصل الثالث
فيما جاء في العداوة والبغضاء )
قد ذكر الله عز و جل العداوة والبغضاء في كتابة العزيز فقال العلي تعالى ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) وقال تعالى ( إن الشيطان للإنسان عدو مبين ) وقال تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ) وقال تعالى ( إن من أزواجكم

وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) وقال رسول الله أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وقال ابو بكر الصديق رضي الله عنه العداوة تتوارث وقال زياد بن عبدالله
( فلو اني بليت بهاشمي ... خؤلته بنو عبد المدان )
( صبرت على عداوته ولكن ... تعالوا فانظروا بمن ابتلانى
وبث رجل في وجه أبي عبيدة مكروها فأنشأ يقول
( فلو أن لحمي إذ وهي لعبت به ... سباع كرام أو ضباع وأذؤب )
( لهون وجدي أو لسلي مصيبتي ولكنما ... أودى بلحمي أكلب )
وقيل لكسري أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلا قال عدوي قيل كيف ذلك قال لأنه إذا كان عاقلا كنت منه في عافية وأمن وقيل كونوا من المرء الدغل أخوف من الكاشح المعلن فإن مداواة أهل العلل الظاهرة من مداواة ما خفي وبطن وقالوا إياك أن تعادي من إذا شاء طرح ثيابه ودخل مع الملك في لحافه وقال أبو العتاهية
تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده )
( ستلقي من عدوك كل كيد ... إذا كاد العدو ولم تكده )
وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب فقتل أخوها زوجها وهي حبلي بهجرس ابن كليب فلما كبر وشب قال
اصاب ابي خالي وماأنا بالذي ... اميل وأمري بين خالي ووالدي )
( واورث جساس بن مرة غصة ... إذا ما اعترتني حرها غير بارد )
ثم قال بعد ذلك
يا للرجال لقلب ماله جلد ... كيف العزاء وثاري عند جساس )

ثم حمل على خاله فقتله وقال
ألم ترني ثأرت أبي كليبا ... وقد يرجى المرشح للدخول غسلت العار عن جسم ابن بكر ... بجساس بن مرة ذي البتول بيت
( سن العداوة آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء )
ويقال دار عدوك لأحد أمرين إما لصداقة تؤمنك أو لفرصة تمكنك وكتب سويد إلي مصعب
( فبلغ مصعبا عني رسولي ... وهل تلقى النصيح بكل واد )
( تعلم أن أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الاعادي )
ويقال فلان كثير المراق مر المذاق وقال الحجاج لخارجي والله إني لأبغضك قال أدخل الله الجنة أشدنا بغضا لصاحبه ولما أراد أنو شروان أن يقلد ابنه هرمز ولاية العهد استشار عظماء مملكته فأنكروا عليه وقال بعضهم وان إمة تركية وقد علمت في أخلاقهم ما علمت فقال إن الابناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات وكانت أم قباذ تركية وقد رأيتم من حسن سيرته ما رأيتم فقيل هو قصير وذلك يذهب ببهاء الملك فقال إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا فلا يستبين ذلك فيه فقيل هو بغيض في الناس فقال أواه هلك ابني هرمز فقد قيل إذا كان في الإنسان خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة الى الناس فلا خير فيه واذا كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب البغض في الناس فلا عيب فيه
( ولست براء عيب ذي الود كله ... ولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا )
( فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
وفي المعنى قيل
( وعين البغض تبرز كل عيب ... وعين الحب لا تجد العيوبا )

وعن أبي حيان قال لقمان نقلت الصخور وحملت الحديد فلم أر شيئا أثقل من الدين وأكلت الطيبات وعانقت الحسان فلم أر شيئا ألذ من العافيه وأنا اقول لو نزحوا البحار وكنسوا القفار لوجدوها أهون من شماتة الأعداء خصوصا إذا كانوا مساهمين في نسب أو مجاورين في بلد اللهم إنا نعوذ بك من تتابع الإثم وسوء الفهم وشماتة ابن العم وقيل لأيوب عليه السلام أي شيء كان عليك في بلائك اشد قال شماتة الأعداء وأنشد الجاحظ
( تقول العاذلات تسل عنها ... وداو عليل قلبك بالسلو )
( وكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذ من الشماتة بالعدو )
وقال ابن أبي جهينة المهلبي
( كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الاعداء )
وقال الجاحظ ما رأيت سنانا أنفذ من شماتة الاعداء وقيل لما قبض رسول الله سمع بموته نساء من كندة وحضرموت فخضبن أيديهن وضربن بالدفوف فقال رجل منهم
( أبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أن البغايا من بني مرام )
( أظهرن في موت النبي شماتة ... وخضبن أيديهن بالغلام )
( فاقطع هديت أكفهن بصارم ... كالبرق او مض في متون غمام
فكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى المهاجر عاملة فاخذهن وقطع أيديهن ويقال فلان يتربص بك الدوائر ويتمنى لك الغوائل ولا يؤمل صلاحا إلا في فسادك ولا رفعة إلا في سقوط حالك وقال حكيم لا تأمن عدوك وإن كان ضعيفا فإن القناة قد تقتل وإن عدمت السنان قال الشاعر

( فلا تأمن عدوك لو تراه ... أقل إذا نظرت من القراد )
( فإن الحرب ينشأ من جبان ... وإن النار تضرم من رماد
بيت مفرد
فمن لم يكن منكم مسيئا فإنه ... يشد على كف المسيء فيجلب )
وقال عبد الله بن سليمان بن وهب
كفاية الله خير من توقينا ... وعادة الله في الماضين تكفينا )
( كاد الاعادي فلا والله ما تركوا ... قولا وفعلا وتلقينا وتهجينا )
( ولم نزد نحن في سر وفي علن ... على مقالتنا يا ربنا اكفينا )
( فكان ذاك ورد الله حاسدنا ... بغيظة لم ينل تقديره فينا )
الفصل الرابع
في الحسد
قال الله تعالى ( أم يحسدون الناس على ماآتاهم الله من فضله وقال رسول الله استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود وقال علي رضي الله عنه الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له وقيل الحسود غضبان على القدر ويقال ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش الحقد والحسد وسوء الخلق وقيل بئس الشعار الحسد وقيل لبعضهم ما بال فلان يبغضك قال لأنه شقيقي في النسب وجاري في البلد وشريكي في الصناعة فذكر جميع دواعي الحسد وقال أعرابي الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود وهو مأخوذ من الحديث قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله وقال الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمة الله تعالى عليه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود

أولاها غم لا ينقطع الثانية مصيبة لا يؤجر عليها الثالثة مذمة لا يحمد عليها الرابعة سخط الرب الخامسة يغلق عنه باب التوفيق
ومن ذلك ما حكي أن رجلا من العرب دخل على المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمة وصار يدخل على حريمه من غير استئذان وكان له وزير حاسد فغار من البدوي وحسده وقال في نفسه إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به الى منزله فطبخ له طعاما وأكثر فيه من الثوم فلما أكل البدوي منه قال له احذر أن تقترب من امير المؤمنين فيشم منك فيتأذى من ذلك فإنه يكره رائحته ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين فخلا به وقال يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن امير المؤمنين أبخر وهلكت من رائحة فمه فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين جعل كمه على فمه مخافة ان يشم منه رائحة الثوم فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال إن الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح فكتب أمير المؤمنين كتابا إلى بعض عماله يقول فيه إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له امض به إلى فلان وائتني بالجواب فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين وأخذ الكتاب وخرج به من عنده فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال أين تريد قال اتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان فقال الوزير في نفسه إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل فقال له يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار فقال أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي أفعل قال أعطني الكتاب فدفعه إليه فأعطاه الوزير ألفي دينار وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير فبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي وسأل عن الوزير فأخبر بأن له أياما ما ظهر وأن البدوي بالمدينة مقيم فتعجب من ذلك وأمر بإحضار البدوي في فحضر فسأله عن حاله فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها فقال له أنت قلت عني للناس

إني أبخر فقال معاذ الله يا أمير المؤمنين أن اتحدث بما ليس لي به علم وإنما كان ذلك مكرا منه وحسدا وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه فقال أمير المؤمنين قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله ثم خلع على البدوي واتخذه وزيرا وراح الوزير بحسده وقال المغيرة شاعر آل المهلب
( آل المهلب قوم إن مدحتهم ... كانوا الاكارم آباء واجدادا )
( إن العرانين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا )
وقال عمر رضي الله عنه يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك وقال مالك بن دينار شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض فإنهم أشد تحاسدا من التيوس وعن انس رضي الله تعالى عنه رفعه إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقال منصور الفقيه
( منافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همته دليل )
( ومختار القليل أقل منه ... وكل فوائد الدنيا قليل )
يقول الله عز و جل الحاسد عدو نعمتي متسخط لفعلي غير راض بقسمي التي قسمت لعبادي قال الشاعر
( أبا حاسدا لي على نعمتي ... أتدري على من أسات الادب )
( أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب )
( فأخزاك ربي بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب )
وقال الاصمعي رأيت أعرابيا قد بلغ عمره مائة وعشرين سنة فقلت له ما أطول عمرك فقال تركت الحسد فبقيت وقالوا لا يخلوا السيد من ودود يمدح وحسود يقدح وقال ابن مسعود رضي الله

عنه إلا لا تعادوا نعم الله قيل ومن يعادي نعم الله قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقيل لعبد الله بن عروة لم لزمت البدو وتركت قومك فقال وهل بقي إلا حاسد على نعمتي أو شامت على نكبة وقال الشاعر
( يا طالب العيش في أمن وفي دعة ... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق )
( خلص فؤادك من غل ومن حسد ... فالغل في القلب مثل الغل في العنق )
وقال آخر
( اصبر على حسد الحسود ... د فإن صبرك قاتله )
( كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله )
وفي نوابغ الحكم الحسد حسك من تعلق به هلك ولبعضهم
( إني حسدت فزاد الله في حسدي ... لا عاش من عاش يوما غير محسود )
وقال نصار بن سيار
( إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لاتنقص لهم عددا )
( إن يحسدوني على ما بي لما بهم ... فمثل ما بي مما يجلب الحسدا )
وكان عمر رضي الله عنه يقول نعوذ بالله من كل قدر وافق إرادة حاسد وقيل لأرسطاطاليس ما بال الحسود أشد غما قال لأنه أخذ بنصيبه من غموم الدنيا ويضاف إلى ذلك غمه لسرور الناس والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الباب الاربعون في الشجاعة وثمرتها والحروب وتدبيرها وفضل الجهاد وشدة البأس والتحريض على القتال وفيه فصلان
الفصل الأول
في فضل الجهاد في سبيل الله وشدة البأس
قد أثنى الله تعالى على الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ووصف المجاهدين فقال تعالى ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) وندب إلى جهاد الأعداء ووعد عليه أفضل الجزاء والرأي في الحرب أمام الشجاعة قال رسول الله الحرب خدعة وقال ما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دم في سبيله أو قطرة دمح في جوف ليل من خشيته وسمع رجل عبد الله بن قيس رضي الله عنه يقول قال رسول الله إن الجنة تحت ظلال السيوف فقال ياابا موسى أنت سمعت رسول الله يقوله قال نعم فرجع إلى أصحابه فقال اقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل
وكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد اعلم أن عليك عيونا من الله ترعاك وتراك فإذا لقيت العدو فاحرص على الموت توهب لك السلامة ولاتغسل الشهداء من دمائهم فإن دم الشهيد يكون له نورا يوم القيامة وعن انس رضي الله عنه قال قال رسول الله

حين انتهينا إلى خيبر الله اكبر خربت خيبر انا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين وعنه رفعه لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها وعن ابن مسعود رفعه إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل وقيل إن انس بن النضر عم انس بن مالك رضي الله عنه لم يشهد بدرا فلم يزل متحسرا يقول أول مشهد شهده رسول الله غيبت عنه فلما كان يوم أحد قال واها لريح الجنة دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في بدنه بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته الربيع بنت النضر فما عرفت أخي إلا ببنانه وعن فضالة بنت عبيد رفعة كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر وعن سهل بن حنيف رفعه من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه فنسأل الله أن يرزقنا الشهادة ويجعلنا من الذين أحسنوا فلهم الحسنى وزيادة
الفصل الثاني
في الشجاعة وثمرتها والحروب وتدبيرها )
اعلم أن الشجاعة عماد الفضائل ومن فقدها لم تكمل فيه فضيلة ويعبر عنها بالصبر وقوة النفس قال الحكماء وأصل الخير كله في ثبات القلب والشجاعة عند اللقاء على ثلاثة اوجه الوجه الاول إذا التقى الجمعان وتزاحف العسكران وتكالحت الاحداق بالأحداق برز من الصف إلى وسط المعترك يحمل ويكر وينادي هل من مبارز والثاني إذا نشب القوم واختلطوا ولم يدر أحد منهم من اين يأتيه يكون رابط الجأش ساكن القلب حاضر اللب لم يخالطه الدهش ولا تأخذه الحيرة فينقلب تقلب المالك لأموره القائم على نفسه والثالث إذا

انهزم أصحابه يلزم الساقة ويضرب في وجوه القوم ويحول بينهم وبين عدوهم ويقوي قلوب أصحابه ويرجي الضعيف ويمدهم بالكلام الجميل ويشجع نفوسهم فمن وقع أقامه ومن وقف حمله ومن كبا به فرسه حماه حتى ييأس العدو منهم وهذا أحمدهم شجاعة وعن هذا قالوا إن المقاتل من وراء الفارين كالمستغفر من وراء الغافلين ومن أكرم الكرم الدفاع عن الحرم
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله تعالى عليه في كتابه سراج الملوك قال كان شيوخ الجند يحكون لنا في بلادنا قالوا دارت حرب بين المسلمين والكفار ثم افترقوا فوجدوا في المعترك قطعة خودة قدر الثلث بما حوته من الرأس فقالوا إنه لم ير قط ضربة أقوى منها ولم يسمع بمثلها في جاهلية ولا إسلام فحملتها الروم وعلقتها في كنيسة لهم فكانوا إذا عيروا بانهزامهم يقولون لقينا أقواما هذا ضربهم فيرحل أبطال الروم إليها ليروها قالوا ومن الحزم أن لا يحتقر الرجل عدوه وإن كان ذليلا ولا يغفل عنه وإن كان حقيرا فكم برغوث أسهر فيلا ومنع الرقاد ملكا جليلا قال الشاعر
( فلا تحقرن عدوا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر )
( فإن السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر )
واعلموا ان الناس قد وضعوا في تدبير الحروب كتبا ورتبوا فيها ترتيبا ولنصف منها أشياء نبدأ منها أولا بما ذكره الله تعالى في القرآن العظيم قال الله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) فقوله تعالى ( ما استطعتم ) مشتمل على كل ما هو مقدور البشر من العدة والآلة والحيلة وفسر النبي القوة حين مر على اناس يرمون فقال ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي إلا إن القوة الرمي وأفضل العدة أن تقدم بين يدي

اللقاء عملا صالحا من صدقة وصيام ورد المظالم وصلة الرحم ودعاء مخلص وأمر بمعروف ونهى عن منكر وأمثال ذلك والشأن كل الشأن في استجادة القواد وانتخاب الأمراء وأصحاب الألوية فقد قالت حكماء العجم أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد فلا ينبغي أن يقدم الجيش إلا الرجل ذو البسالة والنجدة والشجاعة والجرأة ثابت الجأش صارم القلب صادق البأس ممن قد توسط الحروب ومارس الرجال ومارسوه ونازل الاقران وقارع الابطال عارفا بمواضع الفرص خبيرا بمواضع القلب والميمنة والميسرة من الحروب فإنه إذا كان كذلك وصدر الكل عن رأيه كانوا جميعا كأنهم مثله فإنه إن رأى لقراع الكتائب وجها وإلا رد الغنم إلى الزربية
واعلم أن الحرب خدعة عند جميع العقلاء وكان عظماء الترك يقولون ينبغي للعاقل العظيم للقياد أن يكون فيه عدة أخلاق من البهائم شجاعة الديك وبحث الدجاجة وقلب الاسد وحملة الخنزير وروغان الثعلب وصبر الكلب على الجراح وحراسة الكركي وغارة الذئب وسمن نغير وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والشقاء وكان يقال اشد خلق الله تعالى عشرة الجبال والحديد ينحت الجبال والنار تأكل الحديد والماء يطفيء النار والسحاب يحمل الماء والريح تصرف السحاب الإنسان يتقي الريح بجناحيه والسكر يصرع الانسان والنوم يذهب السكر والهم يمنع النوم فأشد خلق ربك الهم اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن
ومن الحيل في الحرب أن يبث جواسيسه في عسكر عدوه ليستعلم أخبارهم ويستميل قلوب رؤسائهم وذوي الشجاعة منهم فيدس إليهم ويعدهم وعدا جميلا ويقوي أطماعهم في نيل ما عنده من الهبات الفخيمة والولايات السنية وإن رأى وجها عاجلهم بالهدايا وسامهم إما الغدر بصحبهم وإما الأعتزال وقت اللقاء ويكتب على السهام أخبارا مزورة ويرمي بها في جيوشهم واعلم أن الحيلة لا ترد القضاء

والقدر وأن الدول إذا زالت صارت حيلتها وبالا عليها وإذا أذن الله تعالى في حلول البلاء كانت الآفة في الحيلة وقال الحكماء إذا نزل القضاء كان العطب في الحيلة ويغلب الضعف بإقبال دولته كما يغلب القوي ببقاء مدته فمن الحزم المألوف عند سواس الحروب أن تكون حماة الرجال وكماة الابطال في القلب فإنه إذا انكسر الجناحان كانت العيون ناظرة إلى القلب فإذا كانت رايته تخفق وطبوله تضرب كان حصنا للجناحين يأوي إليه كل منهزم وإذا انكسر القلب تمزق الجناحان مثال ذلك أن الطائر إذا انكسر احد جناحيه ترجى عودته ولو بعد حين وإذا انكسر الرأس ذهب الجناحان وقل عسكر انكسر قلبه فأفلح أوتراجع اللهم إلا ان تكون مكيدة من صاحب الجيش فيخلي القلب قصدا وتعمدا حتى إذا توسطه العدو واشتغل بنهبه انطلق عليه الجناحان فقد فعل ذلك رجال من اهل الحروب ويقال حبب إلي عدوك الفرار بأن لا تتبعهم إذا انهزموا ويقال الشجاع محبب حتى إلى عدوه والجبان مبغض حتى إلى أمه ولما أقبل كسرى بن هرمز إلى محاربة بهرام قال له صاحبه أما تستعد قال عدتي ثبات قلبي وإصابة رأيي ونصل سيفي ونصرة خالقي وخرج يزيد بن عبدالملك من بعض مقاصيره وعليه درع وذلك في أيام قتال يزيد بن المهلب فأنشده مسلمة قول الحطيئة
( قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت باطهار )
فقال يزيد إنما ذاك إذاحاربنا أكفاءنا وأما مثل هذا ونظرائه فلا فقام إليه مسلمة فقبله بين عينية وقيل لما مات ملك الفرس أرادوا أن يملكوا عليهم رجلا من آل ساسان فوفد عليهم بهرام جور فقال اعمدوا إلى أسدين جائعين فاطرحوا بينهما التاج فمن أخذه فهو الملك ففعلوا فدنا منهما فأهويا نحوه فأخذ برأس أحدهما فأدناه من رأس الآخر ثم نطحه به فقتلهما جميعا وشد على التاج فأخذه ووضعه على رأسه وملكته الفرس عليهم

وقيل لم يكن في العجم أرمي من الملك بهرام خرج يتصيد يوما وهو مردف حظية له كان يعشقها فعرضت له ظباء فقال في اي موضع تريدين ان اضع هذا السهم فقالت اريد أن تشبه ذكرانها بالأناث وأناثها بالذكران فرمى ظبيا ذكرا بنشابه ذات شعبتين فاقتلع قرنية ورمى ظبية بنشابتين أثبتهما في موضع القرنين ثم سألته أن يجمع بين ظلف الظبي وأذنه بنشابة فرمى أصل الاذن ببندقة ثم أهوى الظبي برجله إلى أذنه ليحتك فرماه بنشابه فوصل أذنه بظلفه ويقال إن من اعظم المكايد في الحرب الكمين وذلك أن الفارس لا يزال على حمية في الدفاع وحمي الذمار حتى يلتفت فيرى وراءه بندا منشورا ويسمع صوت الطبل فحينئذ يكون همة خلاص نفسه وعليك بانتخاب الفرسان واختيار الابطال ولا تنس قول الشاعر
( والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن امر عني
بل قد جرب ذلك فوجد الواحد خيرا من عشرة آلاف وسأحكي لك من ذلك ما ترى فيه العجب فمن ذلك لما التقى المستعين بن هود مع الطاغية بن روميل النصراني على مدينة وشقة من ثغور بلاد الاندلس وكان العسكران كالمتكافئين كل واحد منهما يقارب عشرين الف مقاتل خيل ورجل فحدث من حضر الوقعة من الاجناد قال لما دنا اللقاء قال الطاغية ابن روميل لمن يثق بعقله وممارسته للحروب من رجاله استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا ومن غاب منهم ومن حضر فذهب ثم رجع فقال له فيهم فلان وفلان فعد سبعة رجال فقال له انظر من في عسكري من الرجال المعروفين بالشجاعة ومن غاب منهم فعدهم فوجدهم ثمانية رجال لا يزيدون فقام الطاغية ضاحكا مسرورا وهو يقول ما ابيضك من يوم ثم ثارت الحرب بينهم فلم تزل المضاربة بين الفريقين لم يول احدهم دبره ولا تزحزح عن مقامه حتى فني أكثر العسكرين

ولم يفر واحد منهم قال فلما كان وقت العصر نظروا إلينا ساعة ثم حملوا علينا جملة وداخلوا مداخلة ففرقوا بيننا وصرنا شطرين وحالوا بيننا وبين أصحابنا فكان ذلك سبب وهننا وضعفنا ولم تقم الحرب إلا ساعة ونحن في خسارة معهم فأشار مقدم العسكر على السلطان أن ينجو بنفسه وانكسر عسكر المسلمين وتفرق جمعهم وملك العدو مدينة وشقة فليعتبر ذو الحزم والبصيرة من جمع يحتوي على اربعين الف مقاتل ولم يحضره من الشجعان المعدودين إلا خمسة عشر نفرا وليعتبر بضمان العلج بالظفر واستبشاره بالغنيمة لما زاد في أبطاله رجل واحد
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله تعالى عليه قال سمعت استاذنا القاضي ابا الوليد يحيى قال بينما المنصور بن أبي عامر في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الارض مرتفع فرأى جيوش المسلمين من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله قد ملأوا السهل والجبل فالتفت إلى مقدم العسكر وهو رجل يعرف بابن المضجعي فقال له كيف ترى هذا العسكر أيها الوزير قال أرى جمعا كثيرا وجيشا واسعا كبيرا فقال له المنصور ما ترى هل يكون في هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة والنجدة والبسالة فسكت ابن المضجعي قال له المنصور ما سكوتك اليس في هذا الجيش الف مقاتل قال لا فتعجب المنصور ثم قال فهل فيهم خمسمائة مقاتل من الابطال المعدودين قال لا فحنق المنصور ثم قال افيهم مائة رجل من الابطال قال لا قال أفيهم خمسون رجلا من الابطال قال لا قال فسبه المنصور واغلظ عليه وامر به فأخرج على اسوأ حال فلما توسطوا بلاد الروم اجتمعت الروم وتصاف

الجمعان فبرز علج من الروم بين الصفين شاكي السلاح وجعل يكر وبفر ويقول هل من مبارز فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج ففرح المشركون وصاحوا واضطرب المسلمون لها ثم جعل العلج يموج بين الصفين وينادي هل من مبارز اثنين لواحد فبرز إليه رجل من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج وجعل يكر ويحمل وينادي ويقول هل من مبارز ثلاثة لواحد فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله العلج فصاح المشركون وذل المسلمون وكادت ان تكون كسرة فقيل للمنصور مالها إلا ابن المضجعي فبعث إليه فحضر فقال له المنصور إلا ترى ماصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم فقال لقد رأيته فما الذي تريد قال ان تكفي المسلمين شره قال الآن يكفي المسلمون شره إن شاء الله تعالى ثم قصد إلى رجال يعرفهم فاستقبله رجل من اهل الثغور على فرس قد تهرت اوراكها هزالا وهو حامل قربة ماء بين يديه على الفرس والرجل في حليته ونفسه غير متصنع فقال له ابن المضجعي إلا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم قال قد رأيته فما الذي تريد قال اريد ان تكفي المسلمين شره قال حبا وكرامة ثم إنه وضع القربة بالارض وبرز إليه غير مكترث به فتجاولا ساعة فلم ير الناس إلا المسلم خارجا إليهم يركض ولا يدرون ما هناك وإذا برأس العلج يلعب بها في يده ثم القى الرأس بين يدي المنصور فقال له ابن المضجعي عن هؤلاء الرجال اخبرتك قال فرد ابن المضجعي إلى منزلته واكرمه ونصر الله جيوش المسلمين وعساكر الموحدين
حكى أنه كان للعرب فارس يقال له ابن فتحون وكان اشجع العرب والعجم في زمانه وكان المستعين يكرمه ويعظمه ويجري له في كل عطية خمسمائة دينار وكانت جيوش الكفار تهابه وتعرف منه الشجاعة وتخشى لقاءه فيحكى ان الرومي كان إذا سقى فرسه ولم يشرب يقول له ويلك لم لا تشرب هل رأيت ابن فتحون في الماء

فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان فوشوا به عند المستعين فأبعده ومنعه من عطائه ثم ان المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم فتقابل المسلمو والمشركون صفوفا ثم برز علج إلى وسط الميدان ونادى وقال هل من مبارز فبرز إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي فصاح المشركون سرورا وانكسرت نفوس المسلمين وجعل الكلب الرومي يجول بين الصفين وينادي هل من اثنين لواحد فخرج إليه فارس من المسلمين وجعل الكلب يجول بين الصفين وينادي ويقول ثلاثة لواحد فلم يجتريء أحد من المسلمين أن يخرج إليه وبقي الناس في حيرة فقيل للسلطان ما لها إلا ابو الوليد ابن فتحون فدعاه وتلطف به وقال له يا ابا الوليد اما ترى ما يصنع هذا العلج قال ها هو بعيني قال فما الحيلة فيه قال الساعة أكفي المسلمين شره فلبس قميص كتان واستوى على سرج فرسه بلاسلاح وأخذ بيده سوطا طويلا وفي طرفه عقدة معقودة ثم برز إليه فتعجب منه النصراني ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون وإذا ابن فتحون وإذا ابن فتحون وإذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس ونزل إلى الارض لاشيء منه في السرج ثم انقلب في سرجه وحمل على العلج وضربه بالسوط فالتوى على عتقه فجذبه بيده من السرج فاقتلعه وجاء به يجره حتى القاه بين يدي المستعين فعلم المستعين أنه كان قد أخطأ في صنعه مع ابي الوليد بن فتحون فاعتذر إليه وأكرمه وأحسن إليه وبالغ في الأنعام عليه ورده إلى أحسن احواله وكان من اعز الناس إليه
وينبغي لقائد الجيش أن يخفى العلامة التي هو مشهور بها فإن عدوه قد يستعلم حيلته وألوان خيلة ورايته ولا يلزم خيمته ليلا ولا نهارا وليبدل زيه ويغير خيمته كي لا يلتمس عدوه غرة منه وإذا سكن الحرب فلا يمشي في النفر اليسير من قومه خارج عسكره فاه عيون عدوه متجسسة عليه وبهذا الوجه كسر المسلمون جيوش افريقية عند فتحها وذلك أن الحرب سكنت وسط النهار فجعل مقدم العدو

يمشي خارج عسكره يتميز عساكر المسلمين فجاء الخبر إلى عبد الله ابن ابي السرج وهو نائم في قبته فخرج فيمن وثق به من رجاله وحمل على العدو فقتل الملك وكان الفتح وبمثل هذا قهر ألب ارسلان ملك الترك ملك الروم وقمعه وقتل رجاله وأباد جمعه وكانت الروم قد جمعت جيوشا يقل أن يجمع لغيرهم من بعدهم مثلها وكان قد بلغ عددهم ستمائة الف كتائب متواصلة وعساكر مترادفة وكراديس يتلو بعضها بعضا لا يدركهم الطرف ولا يحصيهم العدد وقد استعدوا من الكراع والسلاح والمجانيق والآلات المعدة للحروب وفتح الحصون بما لا يحصى وكانوا قد قسموا بلاد المسمين الشام والعراق ومصر وخراسان وديار بكر ولم يشكوا أن الدولة قد دارت لهم وأن نجوم السعود قد خدمتهم ثم استقبلوا بلاد المسلمين فتواترت أخبارهم إلى بلاد المسلمين واضطربت لها ممالك أهل الإسلام فاحتشد للقائهم الملك ألب ارسلان وهو الذي يسمى الملك العادل وجمع مجموعة بمدينة أصبهان واستعد بما قدر عليه ثم خرج يؤمهم فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين وقالوا لألب أرسلان غدا يتراءى الجمعان فبات المسلمون ليلة الجمعة والروم في عدد لايحصيهم إلا الله الذي خلقهم وما المسلمون مم إلا أكلة جائع فبقي المسلمون وجلين لما دهمهم فلما أصبحوا صباح يوم الجمعة نظر بعضهم إلى بعض فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدو فأمر ألب أرسلان أن يعد المسلمين فبلغوا اثني عشر الفا كانوا كالشامة البيضاء في الثور الاسود فجمع ذوي الرأي من أهل الحرب والتدبير والشفقة على المسلمين والنظر في العواقب واستشارهم في استخلاص أصوب الرأي فتشاوروا برهة ثم اجتمع رأيهم على اللقاء قتوادع القوم وتحاللوا وناصحوا الإسلام واهله وتأهبوا أهبة اللقاء وقالو لألب أرسلان بسم الله نحمل عليهم فقال الب ارسلان يا معشر أهل الإسلام امهلوا فإن هذا يوم الجمعة والمسلمون يخطبون

المنابر ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها فإذا زالت الشمس وعلمنا أن المسلمين قد صلوا ودعوا الله ان ينصر دينه حملنا عليهم إذ ذاك وكان الب أرسلان قد عرف خيمة ملك الروم وعلامته وزيه وزينته وفرسه ثم قال لرجاله لا يتخلف أحد منكم أن يفعل كفعلي ويتبع أثري ويضرب بسيفه ويرمى سهمه حيث اضرب بسيفي وارمي بسهمي ثم حمل برجاله حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم فقتلوا من كان دونها ووصلوا إلى الملك فقتلوا من كان دونه وجعلوا ينادون بلسان الروم قتل الملك قتل الملك فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل فتبددوا وتمزقوا كل بمزق وعمل السيف فيهم اياما وأخذ المسلمون اموالهم وغنائمهم وأتوا بالملك أسيرا بين يدي الب ارسلان والحبل في عنقه فقال له الب أرسلان ماذا كنت تصنع بي لو اسرتني قال وهل تشك أنني كنت اقتلك فقال له الب ارسلا انت اقل في عيني من ان اقتلك اذهبوا به فبيعوه لمن يزيد فيه فكان يقاد والحبل في عنقه وينادي عليه من يشتري ملك الروم وما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام ومنازل المسلمين وينادون عليه بالدراهم والفلوس فلم يدفع فيه أحد شيئا حتى باعوه من إنسان بكلب فأخذه الذي ينادي عليه وأخذ الكلب وأتى بهما إلى ألب ارسلان وقال قد طفت به جميع العسكر وناديت عليه فلم يبذل أحد فيه شيئا سوى رجل واحد دفع فيه هذا الكلب فقال قد انصفك إن الكلب خير منه ثم امر الب ارسلان بعد ذلك باطلاقه وذهب إلى القسطنطينية فعزلته الروم وكحلوه بالنار فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة والمكيدة اللهم انصر جيوش المسلمين وعساكر الموحدين وأهلك الكفرة والمشركين وانصر المسلمين نصرا عزيزا برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

الباب الحادي والأربعون في ذكر أسماء الشجعان وذكر الأبطال وطبقاتهم وأخبارهم وذكر الجبناء وأخبارهم وذم الجبن
الطبقة الاولى الذين أدركوا الجاهلية والإسلام
حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عم رسول الله أسد الله وأسد رسوله قتل في غزاة أحد رماه وحشي مولى جبير بن مطعم بحربه فقتله وكان فارس قريش غير مدافع وبطلها غير ممانع وعظم قتله على النبي ونذر أن يقتل به سبعين رجلا من قريش وكبر عليه في الصلاة سبعين تكبيرة
أمير المؤمنين علي بن طالب رضي الله عنه وكرم وجهه آية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسول الله ومؤيد بالتأييد الإلهي كاشف الكروب ومجليها ومثبت قواعد الإسلام ومرسيها وهو المتقدم على ذوي الشجاعة كلهم بلا مرية ولا خلاف روي عنه رضي الله عنه أنه قال والذي نفس ابن ابي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من موته على فراش وقال بعض العرب ما لقينا كتيبه فيها علي بن ابي طالب رضي الله عنه إلا اوصى بعضنا على بعض وقال رضي الله عنه لمعاوية قد دعوت الناس إلى الحرب فدع الناس جانبا واخرج إلي ليعلم اينا المران على قلبه والمغطى على بصره وأنا أبو الحسن قاتل جدك وخالك وأخيك شدخا يوم بدر وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوي وقيل له كرم الله وجهه إذا جالت

الخيل فأين نطلبك قال حيث تركتموني وقيل له كيف تقتل الابطال قال لأني كنت القي الرجل فأقدر أني اقتله ويقدر هو اني قتلته فأكون أنا ونفسه عونا عليه وقال مصعب بن الزبير كان علي رضي الله عنه حذرا في الحروب شديد الروغان لا يكاد أحد يتمكن منه وكانت درعه صدرا لا ظهر لها فقيل له أما تخاف أن تؤتي من قبل ظهرك فقال إذا مكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن ابقي علي قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله تعالى عليه غدره وهو في صلاة الصبح وسبب ذلك أن عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله تزوج بقطام بن علقمة وكانت خارجية فقالت له لا أقنع إلا بصداق أسميه وهو ثلاث آلاف درهم وعبد وأمة وأن تقتل علي بن أبي طالب فقال لها لك ما سألت إلا علي بن أبي طالب وكيف لي به قالت تغتاله فإن سلمت أرحت الناس من شره وأقمت مع أهلك وإن اصبت دخلت الجنة فقال
( ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المخذم )
( فلا مهر أغلى من علي وإن علا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
قيل أنه طعنه وهو داخل المسجد في الغلس وذلك في تاسع عشر رمضان المعظم سنة اربعين كفن رضي الله عنه في ثلاثة أثواب ودفن في الرحبة مما يلي باب كندة من أبواب المسجد قالوا ولما ضربه ابن ملجم لعنه الله ثار الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر رضي الله عنهم فاحتضنوه وقام المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب فاخذه فأومأ علي رضي الله عنه إلى المغيرة أن صل بالناس فصلى بهم الفجر وأقبلت همدان فدخلوا على علي فقالوا يا امير المؤمنين لا تقوم لهم قائمة إن شاء الله تعالى فقال لا تفعلوا إنما النفس بالنفس قال ثم إن الحسن رضي الله عنه صلى الفجر وصعد المنبر فأراد الكلام فخنقته العبرة ثم نطق فقال الحمد لله على ما أحببنا وكرهنا وأشهد

أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأني احتسب عند الله عز و جل مصابي بأفضل الآباء رسول الله القائل من أصيب بمصيبة فليتسل بمصيبته في فإنها اعظم المصائب والله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل على عبده الفرقان لقد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون بعد رسول الله ولا يدركه الآخرون فعند الله نحتسب ما دخل علينا وعلى جميع أمة محمد فوالله لا أقول اليوم إلا حقا لقد دخلت مصيبة اليوم على جميع العباد والبلاد والشجر والدواب ولقد قبض في الليلة الني رفع فيها عيسى بن مريم عليهما السلام إلى السماء وقبض فيها موسى بن عمران ويوشع بن نون عليهما السلام وأنزل فيها القرآن على محمد ولقد كان رسول الله يبعثه في السرية ويسير جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عز و جل على يديه وما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم أراد ان يبتاع بها خادما لأهله إلا أن امور الله تعالى تجري على احوالها فما احسنها من الله وأسوأها من انفسكم إلا ان قريشا أعطت أزمتها شياطينها فقادتها بأعنتها إلى النار فمنهم من قاتل رسول الله حتى اظهره الله تعالى عليه ومنهم من اسر الضغينة حتى وجد عن النفاق أعوانا رفع الكتاب وجف القلم وأمور تقضي في كتاب قد خلا ثم أطرق الحسن فبكى الناس بكاء شديدا ثم نزل فجرد سيفه ودعا بابن ملجم فأقبل يخطر واضعا شعره على اذنيه حتى قام بين يديه فقال يا حسن إني ما عاهدت الله تعالى على عهد قط إلاوفيت به عاهدت الله تعالى على ان اقتل أباك وقد قتلته فإن تخلني أقتل معاوية فإن أنا قتلته أضع يدي على يدك وإن أقتل فهو الذي تريد فقال الحسن رضي الله عنه أما والله لا سبيل إلى بقائك ثم قام إليه فضربه بالسيف فاتقاه ابن ملجم بيد ثم أسرع بالسيف فيه فقتله
ومن الأبطال خالد بن الوليد بن المغيرة المخذومي رضي الله عنه سيف الله وسيف رسوله بطل مذكور وفارس مشهور في الجاهلية

والإسلام قتل مالك بن نويرة وقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله وكان الفتح لخالد يوم اليمامة وهو الذي فتح دمشق وأكثر بلاد الشام وله وقائع عظيمة في الروم أيد الله بها الإسلام مات على فراشه وكان يقول لقد شهدت كذا وكذا أزحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه أثر طعنة أو ضربة أو رمية وها انا اموت على فراشي لا نامت عين الجبان وكان ينشد ويرتجز ويقول
( لا ترعبونا بالسيوف المبرقه ... إن السهام بالردى مفرقة )
( والحرب دونها العقال مطلقة ... وخالد من دينه على ثقة ) رضي الله عنه
الزبير بن العوام رضي الله عنه حواري رسول الله وابن عمته بطل شجاع لا يماري وشهم لا يحاول قتله عمرو بن جرموز اغتاله وهو في الصلاة
عمرو بن معد يكرب الزبيدي فارس من فرسان الجاهلية وله مواقف مذكورة ومواطن مشهورة وأسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام وشهد حروب الفرس وكان له فيها أفعال عظيمة وأحوال جسيمة وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رآه قال الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمرا روي عنه رضي الله عنه أنه سأله يوما فقال له يا عمرو أي السلاح أفضل في الحرب قال فعن أيها تسأل قال ما تقول في السهام قال منها ما يخطيء ويصيب قال فما تقول في الرمح قال اخوك وربما خانك قال فما تقول في الترس قال هو الدائر وعليه تدور الدوائر قال فما تقول في السيف قال ذلك العدة عند الشدة وقيل إنه نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه إنني عابر على هذا الجسر قال فأن اسرعتم مقدار جزر ا لجزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي وقد عرفني القوم أنا قائم بينهم وإن بطأتم وجدتموني قتيلا بينهم ثم انغمس

فحمل على القوم فقال بعضهم لبعض يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم والله ما نظن أنكم تدركونه حيا فحلوه فانتبهوا إليه وقد صرع عن فرسه وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها والفارس يضرب فرسه فلم تقدر أن تتحرك فلما رآنا ادركناه رمى الرجل نفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال أنا أبو ثور كدتم والله تفقدونني فقالوا أين فرسك فقال رمى بنشابة فغار وشب فصرعني ويروي أنه حمل يوم القادسية على رستم وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين فاستقبله عمرو وكان رستم على فيل فضرب عمرو الفيل فقطع عرقوبه فسقط رستم وسقط الفيل عليه مع خرج كان فيه أربعون الف دينار فقتل رستموانهزمت العجم وقتل عمرو بنهاوند في وقعة الفرس بعد أن عمر حتى ضعف وكان من الشعراء المعدودين وفيه يقول العباس بن مرداس
( إذا مات عمرو قلت للخيل اوطئي ... زبيدا فقد اودى بنجدتها عمرو )
ومنهم طلحة الأسدي رضي الله عنه كان من أكبر الشجعان جاهلية وإسلاما ثم ارتد وتنبأ وجمع جمعا عظيما قفل خالد بن الوليد جمعه وكان يتكهن ثم عاد إلى الإسلام وشهد حرب القادسية وغيرها من الفتوح والمقداد بن الاسود رضي الله عنه كان من اشجع الفرسان شديد البأس قوي الجنان رابط الجأش وله في الشجعان اسم مشهور ووصف مذكور يعجز الواصف عن وصف صفاته رضي الله عنه وأرضاه وسعد بن أبي وقاص الزهري الأنصاري رضي الله عنه كان فارسا بطلا راميا وهو اول من رمى في سبيل الله بسهم ولما قتل عثمان ابن عفان رضي الله عنه اعتزل ولم يشهد الحرب بعده ومات حتف انفه أبو دجانة الانصاري رضي الله عنه الذي خرج يتبختر بين الصفين

فقال عليه الصلاة و السلام إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع والمثنى بن حارثة الشيباني رضي الله عنه هو اول من فتح حرب الفرس وأبو عبيد بن مسعود الثقفي رضي الله عنه قاتل القوم يوم قس الناطف في حرب القادسية وعمار بن ياسر رضي الله عنه صاحب رسول الله الذي قال فيه رسول الله الحق يدور مع عمار حيث دار وأخبر أنه تقتله الفئة الباغية فقتل بصفين مع علي رضي الله عنه هاشم بن عتبة رضي الله عنه من اكابر الشجعان صاحب راية علي رضي الله عنه مات مسموما في شربه من عسل فقال معاوية إن لله جنودا منها العسل القمقاع بن عمرو طاعن الفيل في عشية القادسية رضي الله عنه
الطبقة الثانية
عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنه قاتل جرجير ملك افريقية الذي كان يرى أنه أشجع اهل عصره قال عمر بن عبد العزيز لابن أبي مليكة صف لي عبد الله بن الزبير فقال والله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم ولا لحما على عصب ولا عصبا على عظم مثل جلده ولحمه وعصبه ولا رأيت نفسا بين جنبين مثل نفس ركبت بين جنبيه ولقد قام يوما إلى الصلاة فمر حجر من حجارة المنجنيق بين لحييه وصدره فوالله ما خشع له بصره وقطع له قراءته ولا ركع دون الركوع كان يركع قتله الحجاج بعد أن حوصر بمكة وأسلمه أصحابه وعشيرته وصلبه الحجاج إلا إلى الله تصير الامور
ابو هاشم محمد بن علي بن ابي طالب بن الحنفية رضي الله عنه كان أبوه يلقيه في الوقائع ويتقي به العظائم وهو شديد البأس ثابت الجنان قيل له يوما ما بال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهك علي كرم الله وجهك يقحمك الحروب دون الحسن والحسين رضي الله عنهما فقال لأنهما كانا عينة

حذف

وكنت أنا يديه فكان يتقي عينيه بيديه وقيل إن اباه عليا رضي الله عنه اشتري درعا فاستطالها فأراد ان يقطع منها فقال له محمد ياأبت علم موضع القطع فعلم على موضع منها فقبض محمد بيده اليمنى على ذيلها وبالأخرى على موضع العلامة ثم جذبها فقطعها من الموضع الذي حده ابوه وكان عبد الله بن الزبير مع تقدمه في الشجاعة يحسده على قوته وإذا حدت بهذا الحديث غضب مات حتف أنفه بشعب رضوى عبد الله بن حازم السلمي رضي الله عنه وإلي خراسان شجيع مضر وفارسها في عصره قتله وكيع بن أبي سويد بخراسان في الفتنة وكيع بن أبي سويد قاتل عبد الله بن حازم المتقدم ذكره شجاع فاتك اهوج ولي خراسان قيل لما قتل عبد الله بن حازم ولم يتم امره لهوجه مات حتف أنفه مصعب بن الزبير بن العوام شجاع بطل جواد جاد بماله وبنفسه قتله عبيد الله بن زياد في الحروب التي كانت بينه وبين عبدالملك بن مروان عمير بن الحباب السلمي فارس الإسلام قتله بنو تغلب في الحرب التي كانت بينهم وبين قيس مسلمة بن عبدالملك ابن مروان فحل بني أمية وفارسها ووالي حروبها قيل أنه جلس يوما ليقضي بين الناس بمصر فكلمته امرأة فلم يقبل عليها فقالت ما رأيت أقل حياء من هذا قط فكشف عن ساقه فإذا فيها اثر تسع طعنات فقال لها هل ترين أثر هذا الطعن والله لو أخرت رجلي قيد شبر ما أصابتني واحدة منهن وما منعني من تأخيرها إلا الحياء وأنت تنحليني قلته المعتصم بطل شجاع فارس صنديد لم يكن في بني العباس أشجع منه ولا أشد قلبا قال ابن أبي داود كان المعتصم يقول لي ياأبا عبد الله عض على ساعدي بأكثر قوتك فأقول والله يا أمير المؤمنين ما تطيب تفسي بذلك فيقول أنه لا يضرني فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الاسنة فكيف تعمل فيه الأسنان ويقال أنه طعنه بعض الخوارج وعليه درع فأقام المعتصم ظهره فقصم الرمح نصفين

وكان يشد يده على كتابة الدينار فيمحوها ويأخذ عمود الحديد فيلويه حتى يصير طوقا في العنق
إبراهيم بن الاشتر النخعي كان من الشجعان المعدودين حارب عبيد الله بن زياد وهو في أربعة آلاف وعبيد الله في سبعين الفا فظهر به وقتله بيده وهزم جيشه عبد الله بن الحر الجعفي شجاع شاعر فاتك له وقائع عظيمة هائلة وأخباره في الشجاعة مشهورة جحدر بن ربيعة العكلي كان بطلا شجاعا فاتكا مغيرا شاعرا قهر أهل اليمامة وأبادهم فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فكتب إلى عامله يوبخه بتغلب جحدر عليه ويأمر بالتجرد له حتى يقتله أو يحمله إليه أسيرا فوجه العامل إليه فتية من بني حنظلة وجعل لهم جعلا عظيما إن هم قتلوا جحدرا أو اتوا به اسيرا فتوجه الفتية في طلبه حتى إذا كانوا قريبا منه ارسلوا يقولون له أنهم يريدون الإنقطاع إليه والأرتفاق به فوثق بذلك منهم وسكن إلى قولهم فبينما هو معهم يوما إذ وثبوا عليه فشدوه وثاقا وقدموا به على العامل فوجه بهإلى الحجاج معهم فلما قدموا به عليه ومثل بين يديه قال له أنت جحدر قال نعم أصلح الله الامير قال ما جرأك على ما بلغني عنك قال اصلح الله الامير كلب الزمان وجفوة السلطان وجرأة الجنان قال وما بلغ من أمرك قال لو ابتلاني الامير وجعلني مع الفرسان لرأي منى يعجبه قال فتعجب الحجاج من ثبات عقله ومنطقه ثم قال يا جحدر إني قاذف بك في حاجر فيه أسد عظيم فإن قتلك كفانا مؤنتك وإن قتلته عفونا عنك قال اصلح الله الأمير قرب الفرج إن شاء الله تعالى فأمر به فصفدوه بالحديد ثم كتب إلى عامله أن يرتاد له أسدا ويحمله إليه فتحيل العامل وارتاد له اسدا كان كاسرا خبيثا قد افنى عامة المواشي فتحيلوا حتى أخذوه وصيروه في تابوت وسحبوه على عجل فلما قدموا به على الحجاج أمر به فألقى في الحاجر ولم يطعم شيئا ثلاثة ايام حتى جاع واستكلب ثم أمر بجحدر ان ينزلوه إليه فأعطوه سيفا

وأنزلوه إليه مقيدا وأشرف الحجاج والناس حوله ينظرون إلى الاسد ما هو صانع بجحدر فلما نظر الاسد إلى جحدر نهض ووثب وتمطى وزعق زعقة دويت منها الجبال وارتاعت أهل الأرض فشد عليه جحدر وهو ينشد ويقول
( ليث وليث في مجال ضنك ... كلاهما ذو قوة وسفك )
( وصولة وبطشة وفتك ... إن يكشف الله قناع الشك )
( فأنت لي في قبضتي وملكي )
ثم دنا منه وضربه بسيفه ففلق هامته فكبر الناس وأعجب الحجاج ذلك وقال لله درك ما أنجبك ثم أمر به فأخرج من الحاجز وفك عنه قيوده وقال له اختر إما أن تقيم معنا فنكرمك ونقرب من منزلتك وإما أن نأذن لك فتلحق ببلادك وأهلك على أن تضمن لنا أن لا تحدث بها حديا ولا تؤذي بها أحدا قال بل اختار صحبتك أيها الامير فجعله من سماره وخواصه ثم لم يلبث أن ولاه على اليمامة وكان من امره ما كان المهلب بن ابي صفرة كان من الشجعان ومن الابطال المعدودة وأولاده كلهم أنجاد ابطال إلا أن المغيرة من بينهم كان أشد تمكنا وكان المهلب يقول ما شهد معي المغيرة حربا إلا رأيت البشرى في وجهه وحمل عليه بعض الشجعان وفي يديه شجرة فلما رآها نكس رأسه على قربوس السرج وحمل من تحتها فبراها بسيفه وكان المهلب يقول اشجع الناس ثلاثة ابن الكليبة وأحمر قريش وراكب البغلة فابن الكليبة مصعب بن الزبير وأحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قط إلا فرقها وراكب البغلة عباد بن الحصين ما كان قط في كربة إلا فرجها وهو من الإسلام وكان للمهلب في الحروب مكايد مشهورة ووقائعه أبادت الخوارج بعد ان كانوا قد استولوا على المسلمين وكان سيدا كريما مات حتف أنفه وكذلك ابنه المغيرة وفيه يقول زياد الاعجم

( مات المغيرة بعد طول تعرض ... للقتل بين اسنة وصفائح )
وكان في الخوارج فوارس مشهورة لا تثبت لهم الرجال وذكرهم يطول ويخرج عما أردناه فمنهم أبو بلال مرداس خرج في اربعين فهزم ألفين وشبيب الخارجي الذي غرق في الفرات نذرت امرأته غزالة أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ في الأولى البقرة وفي الثانية آل عمران فعبر بها جسر الفرات وأدخلها الجامع ووقف على بابه يحميها حتى وفت بنذرها والحجاج في الكوفة في خمسين ألفا ومنهم قطري بن الفجاءة كان رأس الخوارج وخاطبوه بأمير المؤمنين وعظموه وبجلوه وأشعاره في الشجاعة تدل على مكانه منها قتل في بعض وقائع الخوارج
الطبقة الثالثة
معن بن زائدة الشيباني قتله الخوارج بسجستان في ايام المهدي الوليد بن طريف الشيباني قتله يزيد بن مزيد عمرو بن حنيف كان من الفرسان المعدودة نقل عنه أنه كان يتصيد فتتبع حمار وحش وما زال يركض إلى أن حاذاه فجمع رجليه ووثب من على فرسه وصار على ظهر حمار الوحش وصار يحز عنقه بسيف أو سكين في يده حتى قتله أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي فارس بطل شاعر نديم جامع لما تفرق في غيره طعن فارسين رديفين فأنفذ الرمح من ظهريهما وحمل برمحه أربعة نفر وفيه يقول بكر بن النطاح
( قالوا وينظم فارسين بطعنه ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا )
( لا تعجبوا لو كان مد قناته ... ميلا إذا نظم الفوراس ميلا )
وسأله يوما رجل شيئا فقال له اتسأل وجدك القائل

( ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل )
( وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت ... فتاة بعقد أو سحاب قرنفل )
فخرج الرجل فجرد سيفه فلم يصادفه في طريقه إلا وكيل لأبي دلف ومعه مال جزيل فاستلبه منه وقتله فبلغ الخبر أبا دلف فقال دعوه فإني علمته على نفسي بكر بن النطاح بطل شجاع فارس فاتك له اشعار مشهورة واخبار مذكورة
ومما جاء في مدح السيف
قال رسول الله الخير في السيف والخير مع السيف والخير بالسيف وكان صمصام عمرو أشهر سيوف العرب وممن تمثل به نهشل فقال
( أخ ماجد ما خانني يوم مشهد ... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربة )
ولما وهبه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله على اليمن قال
( خليلي لم أخنه ولم يخني ... إذا ما صاب أوساط العظام )
( خليلي لمأهبه من قلاه ... ولكن المواهب للكرام )
( حبوت به كريما من قريش ... فسر به وصين عن اللئام )
( وودعت الصفي صفي نفسي ... على الصمصام أضعاف السلام )
ولم يزل في آل سعيد حتى اشتراه خالد بن عبد الله القسري بمال جزيل لهشام وكان قد كتب إليه فيه فلم يزل عند بني مروان ثم طلبه السفاح والمنصور والمهدي فلم يجدوه فجد الهادي في طلبه حتى ظفر به وكان مكتوبا عليه هذا البيت
( ذكر على ذكر يصول بصارم ... ذكر يمان في يمين يماني )
وقال ابن الرومي
( لم أر شيئا حاضرا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف )

( يقضي له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحيف )
وقال زيد بن علي رضي الله عنهما
( السيف يعرف عزمي عند هزته ... والرمح بن خبر والله لي وزر )
( إنا لنأمل ما كانت أوائلنا ... من قبل تأمله إن ساعد القدر )
وقال عبدالله بن طاهر
( يبيت ضجيعي السيف طورا وتارة ... يعض بهامات الرجال مضاربة )
( أخو ثقة أرضاه في الروع صاحبا ... وفوق رضاه إنني أنا صاحبه )
( وليس أخو العلياء إلا فتى له ... بها كلف ما تستقر ركائبه )
وقدم عروة بن الزبير على عبد الملك بن مروان بعد قتل أخيه عبد الله فطلب منه سيف الزبير وقال له رده علي فإنه السيف الذي أعطاه رسول الله له يوم حنين فقال له عبد الملك أو تعرفه قال نعم قال بماذا قال أعرفه بما لا تعرف به سيف أبيك أعرفه بقول الشاعر
( ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب )
وقال الاجدع الهمداني
( لقد علمت نسوان همدان أنني ... لهن غداة الروع غير خذول )
( وأبذل في الهجاء وجهي وإنني ... له في سوى الهيجاء غير بذول )
وقال آخر
( عشرون الف فتى ما منهم أحد ... إلا كالف فتى مقدامة بطل )
( راحت مزاودهم مملوءة أملا ... ففرغوها وأوكوها من الاجل )

ومن أخبار الشجعان ما حكاه الفضل بن يزيد
قال نزل علينا بنو ثعلب في بعض السنين وكنت مشغوفا بأخبار العرب أن اسمعها وأجمعها فبينما أنا ادور في بعض احيائهم إذا أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها وهي آخذة بيد غلام قلما رأيت مثله في حسنه وجماله له ذؤابتان كالسبج المنظوم وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب تحن إليه الاسماع وترتاح له القلوب وأكثر ما أسمع منها اي بني وهو يبتسم في وجهها قد غلب عليه الحياء والخجل كأنه جارية بكر لا يرد جوابا فاستحسنت ما رأيت واستحليت ما سمعت فدنوت منه وسلمت فرد علي السلام فوقفت انظر إليها فقالت يا حضري ما حاجتك فقلت الإستكثار مما اسمع والإستمتاع بما أرى من هذا الغلام فقالت يا حضري إن شئت سقت اليك من خبره ما هو أحسن من منظره فقلت قد شئت يرحمك الله فقالت حملته والرزق عسر والعيش نكد حملا خفيفا حتى مضت له تسعة أشهر وشاء الله عز و جل أن اضعه فوضعته خلقا سويا فوربك ما هو إلا أن صار ثالث أبويه حتى أفضل الله عز و جل وأعطى وأتى من الرزق بما كفى وأغنى ثم أرضعته حولين كاملين فلما استتم الرضاع نقلته من خرق المهد إلى فراش أبيه فربي كأنه شبل أسد أقيه برد الشتاء وحر الهجير حاتى اذا مضت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظه القرآن فتلاه وعلمه الشعر فرواه ورغب في مفاخر قومه وآبائه وأجداده فلما أن بلغ الحلم واشتد عظمه وكمل خلقه حملته على عتاق الخيل فتفرس وتمرس ولبس السلاح ومشى بين بويتات الحي الخيلاء فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام وأنا عليه وجلة أشفق عليه من العيون أن تصيبه فاتفق أن نزلنا بمنهل من المناهل بين أحياء العرب فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم وشاء الله تعالى أن اصابته وعكة

شغلته عن الخروج حتى إذا أمعن القوم ولم يبق في الحي غيره ونحن آمنون وادعون ما هو إلا ان ادبر الليل وأسفر الصباح حتى طلعت علينا غرر الجياد وطلائع العدو فما هو إلا هنيهة حتى احرزوا الاموال دون أهلها وهو يسألني عن الصوت وأنا استر عنه الخبر إشفاقا عليه وضنا به حتى إذا علت الاصوات وبرزت المخدرات رمى دثاره وثار كما يثور الأسد وأمر باسراج فرسه ولبس لأمة حربه وأخذ رمحه بيده ولحق حماة القوم فطعن أدناهم منه فرمى به ولحق أبعدهم منه فقتله فانصرفت وجوه الفرسان فرأوه صبيا صغيرا لا مدد وراءه فحملوا عليه فأقبل يؤم البيوت ونحن ندعو الله عز و جل له بالسلامة حتى إذا مدهم وراءه وامتدوا في أثره عطف عليهم ففرق شملهم وشتت جمعهم وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق ومرق كما يمرق السهم وناداهم خلوا عن المال فوالله لا رجعت إلا به أو لأهلكن دونه فانصرفت إليه الاقران وتمايلت نحوه الفرسان وتميزت له الفتيان وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الاسنة وعطفوا عليه بالأعنة فوثب عليهم وهو يهدر كما يهدر الفحل من وراء الابل وجعل لا يحمل على ناحية إلا حطمها ولا كتيبة إلا مزقها حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه ثم ساق المال وأقبل به فكبر القوم عند رؤيته وفرح الناس بسلامته فوالله ما رأينا قط يوما كان اسمح صباحا وأحسن رواحا من ذلك اليوم ولقد سمعته يقول في وجوه فتيان الحي هذه الابيات
( تأملن فعلي هل رأيتن مثله ... إذا حشرجت نفس الجبان من الكرب )
( وضاقت عليه الأرض حتى كأنه ... من الخوف مسلوب العزيمة والقلب )
( ألم اعط كلا حقه ونصيبه ... من السمهري اللدن والمرهف العضب )
( أنا ابن أبي هند بن قيس بن مالك ... سليل المعالي والمكارم والسيب )
( أبي لي أن اعطي الظلامة مرهف ... وطرف قوي الظهر والجوف والجنب )

( وعزم صحيح لو ضربت بحده الجبال ... الرواسي لانحططن إلى الترب )
( وعرض نقي اتقى أن اعيبه ... وبيت شريف في ذرى ثعلب الغلب )
( فإن لم أقاتل دونكن واحتمي لكن وأحميكن بالطعن والضرب )
( فلا صدق اللاتي مشين إلى أبي ... يهنيه بالفارس البطل الندب
وقال الشاعر
( آراؤهم ووجوههم وسيوفهم ... في الحادثات إذا دجون نجوم )
( منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم )
وقال آخر
( فوارس قوالون للخيل اقدمي وليس على غير الرءوس مجال )
( بأيديهم سمر العوالي كأنما ... تشيب على أطرافهن ذبال )
وقال آخر
( قوم إذا اقتحموا العجاج رأيتهم ... شمسا وخلت وجوههم أقمارا )
( لا يعدلون برفدهم عن سائل ... عدل الزمان عليهم أو جارا )
( وإذا الصريخ دعاهم لملمة ... بذلوا النفوس وفارقوا الاعمارا )
ذكر الجبن والجبناء وأخبارهم وما جاء عنهم
قد استعاذ سيدنا رسول الله من الجبن فقال اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال نعوذ بالله مما استعاذ منه سيد الخلق رسول الله ويكفيك ان يقال في وصف الجبان إن احس بعصفور طار فؤاده وإن طنت بعوضة طال سهاده يفزع

من صرير الباب ويقلق من طنين الذباب إن نظر إليه شزرا أغمي عليه شهرا يحسب خفوق الرياح قعقعة الرماح قال الشاعر
( إذا صوت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد )
وكان حسان بن ثابت رضي الله عنه من الجبناء روي عن ابن الزبير أنه قال كان حسان في قاع أطم مع النساء يوم الخندق فأتاهم في ذلك اليوم يهودي يطوف بالحصن فقالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطوف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءه من اليهود فأنزل إليه فاقتله فقال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا قال فاعتجرت صفية ثم أخذت عمودا ونزلت من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته ورجعت إلىالحصن فقالت يا حسان قم إليه فاسلبه فإنه ما منعني من سلبه إلا أنه رجل فقال مالي بسلبه من حاجة
وقيل كان لفتى من قريش جارية مليحة الوجه حسنة الادب وكان يحبها حبا شديدا فأصابته إضاقة وفاقه فاحتاج إلى ثمنها فحملها إلى العراق وكان ذلك في زمن الحجاج بن يوسف فابتاعها منه الحجاج فوقعت منه بمنزلة فقدم عليه فتى من ثقيف من أقاربه فأنزله قريبا منه وأحسن إليه فدخل على الحجاج والجارية تكبسه وكان الفتى جميلا فجعلت الجارية تسارقه النظر ففطن الحجاج بها فوهبها له فأخذها وانصرف فباتت معه ليلتها وهربت بغلس فأصبح لا يدري أين هي وبلغ الحجاج ذلك فأمر مناديا أن ينادي برئت الذمة ممن رأى وصيفة من صفتها كذا وكذا أولم يحضرها فلم يلبث أن اتي له بها فقال لها الحجاج يا عدوة الله كنت عندي من أحب الناس إلي فاخترت ابن عمي شابا حسن الوجه ورأيتك تسارقينه النظر فعلمت أنك شغفت

به فوهبتك له فهربت من ليلتك فقالت يا سيدي اسمع قصتي ثم اصنع بي ماشئت قال هاتي ولا تخفى شيئا قالت كنت للفتى القرشي فاحتاج إلي ثمني فحملني إلى الكوفة فلما قربنا منها دنا مني فوقع علي فسمع زئير الاسد فوثب واخترط سيفه وحمل عليه وضربه فقتله وأتى برأسه ثم أقبل علي وما برد ما عنده ثم قضى حاجته وإن ابن عمك هذا الذي اخترته لي لما أظلم الليل قام إلي فلما علا بطني وقعت فأرة من السقف فضرط ثم غشي عليه فمكث زمانا طويلا وأنا أرش عليه الماء وهو لا يفيق فخفت أن يموت فتتهمني به فهربت فزعا منك فما ملك الحجاج نفسه من شدة الضحك وقال ويحك اكتمي هذا ولا تعلمي به أحدا قالت على ان لا تردني إليه قال لك ذلك
وحدث جار لأبي حنيفة النميري قال كان لأبي حنيفة سيف ليس بينه وبين العصا فرق وكان يسميه لعاب المنية فأشرفت عليه ذات ليلة وقد انتضاه وهو واقف على باب بيته وقد سمع حسا في دراه وهو يقول أيها المغتر بنا المجتريء علينا بئس والله ما اخترت لنفسك خير قليل وسيف صقيل وهو لعاب المنية الذي سمعت به أخرج بالعفو عنك قبل أن ادخل بالعقوبة عليك ثم فتح الباب على وجل فإذا كلب قد خرج فقال الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفانا حربا وخرج المعتصم يوما إلى بعض متصيداته فظهر له أسد فقال لرجل من أصحابه اعجبه قوامه وسلاحه وتمام خلقه أفيك خيرا يا رجل قال لا فضحك المعتصم وقال قبح الله الجبان ورأى الإسكندر سميا له لا يزال ينهزم فقال له يا رجل إما أن تغير فعلك وإما أن تغير إسمك ووقع في بعض العساكر ضجة فوثب خراساني إلى دابته ليلجمها فصير اللجام في الذنب من الدهش وقال يخاطب الفرس هب جبهتك عرضت فناصيتك كيف طالت
وخرج أسلم بن زرعة الكلابي في الفين لمحاربة أبي بلال مرداس وكان مرداس في أربعين فانهزم اسلم منه فلاموه على ذلك وذمة

ابن أبي زياد فقال لأن يذمني ابن أبي زياد حيا أحب إلي من أن يمدحني ميتا وكان أسلم بعد ذلك إذا خرج إلى السوق ومر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك فكبر ذلك عليه فشكاهم إلى ابن أبي زياد فأمر صاحب الشرطة أن يكفهم عنه وفي ذلك يقول بعضهم شعرا
( يقول جبان القوم في حال سكره ... وقد شرب الصهباء هل من مبارز )
( وأين الخيول الاعوجيات في الوغى ... أنازل منهم كل ليث مناهز )
( ففي السكر قيس وابن معدي وعامر ... وفي الصحو تلقاء كبعض العجائز )
هذا ما انتهى إلينا من هذا الباب والحمد لله الكريم الوهاب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطاهرين والحمد لله رب العالمين

الباب الثاني والاربعون في المدح والثناء وشكر النعمة والمكافأة وفيه فصول الفصل الأول
في المدح والثناء
المدح وصف الممدوح بأخلاق يمدح عليها صاحبها يكون نعتا حميدا وهذا يصح من المولى في حق عبده فقد قال الله تعالى في حق نبيه أيوب عليه الصلاة و السلام ( إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ) وقال تعالى لنبيه محمد ( وإنك لعلى خلق عظيم ) و قال تعالى ( قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) إلى آخر الآية فعلى هذا يجوز مدح الإنسان بما فيه من الأخلاق الحميدة و أما قوله إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب فقد قال العتبي هو المدح الباطل والكذب واما مدح الرجل بما فيه فلا بأس به وقد مدح أبو طالب والعباس وحسان وكعب وغيرهم رسول الله ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا وقد مدح هو المهاجرين و الأنصار رضي الله عنهم وفي حثو التراب معنيان أحدهما التغليظ في الرد عليه والثاني كأنه يقال له يكفيك التراب وكان ابو بكر الصديق رضي الله عنه إذا مدح قال اللهم أنت اعلم بي من نفسي

وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون ومدح سارية الديلي رسول الله وهو سارية الذي أمره عمر رضي الله عنه على السرية وناداه في خطبته بقوله يا سارية الجبل فمن مدحه في رسول الله قوله
( فما حملت من ناقة فوق ظهرها ... ابر وأوفى ذمة من محمد )
وهو اصدق بيت قالته العرب ومن أحسن ما مدحه به حسان رضي الله عنه قوله
( وأحسن منك لم تر قط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء )
( خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء )
ومن احسن ما مدحه به عبدالله بن رواحة الانصاري رضي الله عنه قوله
( لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر )
ولما حججت وزرته تطفلت على جنابه المعظم وامتداحته بأبيات مطولة وأنشدتها بين يديه بالحجرة الشريفة تجاه الصندوق الشريف وأنا مكشوف الرأس وأبكى من جملتها
( يا سيد السادات جئتك قاصدا ... ارجو رضاك وأحتمي بحماكا )
( والله يا خير الخلائق إن لي ... قلبا مشوقا لايروم سواكا )
( ووحق جاهك إنني بك مغرم ... والله يعلم إنني اهواكا )
( أنت الذي لولاك ما خلق امرؤ ... كلا ولا خلق الورى لولاكا )
( أنت الذي من نورك البدر اكتسى ... والشمس مشرقة بنور بهاكا )
( أنت الذي لما رفعت إلى السما ... بك قد سمت وتزينت لسراكا )
( أنت الذي ناداك ربك مرحبا ... ولقد دعاك لقربه وحباكا )
( أنت الذي فينا سألت شفاعة ... ناداك ربك لم تكن لسواكا )
( أنت الذي لما توسل آدم ... من ذنبه بك فاز وهو اباك )

( وبك الخليل دعا فعادت ناره ... بردا وقد خمدت بنور سناكا )
( ودعاك ايوب لضر مسه ... فأزيل عنه الضر حين دعاكا )
( وبك المسيح اتى بشيرا مخبرا ... بصفات حسنك مادحا لعلاكا )
( وكذاك موسى لم يزل متوسلا ... بك في القيامة مرتج لنداكا )
( والانبياء وكل خلق في الورى ... والرسل والاملاك تحت لواكا )
( لك معجزات أعجزت كل الورى ... وفضائل جلت فليس تحاكى )
( نطق الذراع بسمة لك معلنا ... والضب قد لباك حين اتاكا )
( والذئب جاءك والغزالة قد أتت ... بك تستجير وتحتمي بحماكا )
( وكذا الوحوش أتت إليك وسلمت ... وشكا البعير إليك حين رآكا )
( ودعوت أشجارا اتنك مطيعة وسعت إليك مجيبة لنداكا )
( والماء فاض براحتيك وسبحت ... صم الحصى بالفضل في يمناكا )
( وعليك ظللت الغمامة في الورى ... والجذع حن إلي كريم لقاكا )
( وكذاك لااثر لمشيك في الثرى ... والصخر قد غاصت به قدماكا )
( وشفيت ذا العاهات من امراضه ... وملأت كل الارض من جدواكا )
( ورددت عين قتادة بعد العمى ... وابن الحصين شفيته بشفاكا )
( وكذا حبيب وابن عفرا عندما ... جرحا شفيتهما بلمس يداكا )
( وعلي من رمد به داويته في خيبر فشفي بطيب لماكا )
( وسألت ربك في ابن جابر بعدما ... قد مات أحياه وقد أرضاكا )
( ومسست شاة لأم معبد بعدما ... نشفت فدرت من شفا رقياكا )
( ودعوت عام المحل ربك معلنا ... فانهل قطر السحب عند دعاكا )
( ودعوت كل الخلق فانقادوا إلى ... دعواك طوعا سامعين نداكا )
( وخفضت دين الكفر يا علم الهدى ... ورفعت دينك فاستقام هناكا )
( أعداك عادوا في القليب بجهلهم ... صرعى وقد حرموا الرضا بجفاكا )

( في يوم بدر قد أتتك ملائك ... من عند ربك قاتلت أعداكا )
( والفتح جاءك يوم فتحك مكة ... والنصر في الاحزاب قد وافاكا )
( هود ويونس من بهاك تجملا ... وجمال يوسف من ضياء سناكا )
( قد فقت يا طه جميع الانبيا ... نورا فسبحان الذي سواكا )
( والله يا ياسين مثلك لم يكن ... في العالمين وحق من نباكا )
( عن وصفك الشعراء يا مدثر ... عجزوا وكلوا عن صفات علاكا )
( إنجيل عيسى قد أتى بك مخبرا ... وأتى الكتاب لنا بمدح حلاكا )
( ماذا يقول المادحون وما عسى ... أن يجمع الكتاب من معناكا )
( والله لو إن البحار مدادهم ... والعشب أقلام جعلن لذاكا )
لم تقدر الثقلان تجمع ذره ... ابدا وما استطاعوا له إدراكا )
( لي فيك قلب مغرم يا سيدي ... وحشاشة محشوة بهواكا )
( فإذا سكت ففيك صمتي كله ... وإذا نطقت فمادح علياكا )
( وإذا سمعت فعنك قولا طيبا ... وإذا نظرت فلا أرى إلاكا
( يا مالكي كن شافعي من فاقتي ... إني فقير في الورى لغناكا )
( يا أكرم الثقلين يا كنز الورى ... جد لي بجودك وارضني برضاكا )
( انا طامع في الجواد منك ولم يكن ... لابن الخطيب من الانام سواكا )
( فعساك تشفع فيه عند حسابه ... فلقد غدا مستمسكا بعراكا )
( ولأنت أكرم شافع ومشفع ... ومن التجا لحماك نال وفاكا )
( فاجعل قراي شفاعة لي في غد فعسى ارى في الحشر تحت لواكا )
( صلى عليك الله يا خير الورى ... ما حن مشتاق إلي مثواكا )
( وعلى صحابتك الكرام جميعهم ... والتابعين وكل من والاكا )
وماذا عسى أن يقول المادحون في وصف من مدحه الله تعالى وأثنى عليه وقد قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر والله لو أن

حذف

البحار مداد والاشجار أقلام وجميع الخلائق كتاب لما استطاعوا أن يجمعوا النزر اليسير من بعض صفاته ولكلوا عن الإتيان ببعض بعض وصف معجزاته ومدح رجل هشام بن عبدالملك فقال له يا هذا إنه قد نهى عن مدح الرجل في وجهه فقال ما مدحتك ولكن ذكرتك نعم الله عليك لتجدد لها شكرا فقال له هشام هذا أحسن من المدح ووصله وأكرمه وكتب رجل إلى عبدالله بن يحيى بن خاقان رأيت نفسي فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن وضوء النهار الباهر والقمر الزاهر وايقنت أني حيث انتهى من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك وقال الحرث بن ربيعة في رجل من آل المهلب
( فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففي بأسه شطر وفي وجوه شطر )
( فلا من بغاه الخير في عينه قذى ... ولا من زئير الحرب في أذنه وقر )
وقال أعرابي لرجل لا يذم بلد أنت تأويله ولا يشتكي زمان أنت فيه وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العكلي فلما قدم على عبدالملك بن مروان قال يا أمير المؤمنين إن الحجاج سيفك الذي لاينبو وسهمك الذي يبطش وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم فلم يكن بعد ذلك على قلب الحجاج أخف منه وقال رجل لآخر أنت بستان الدنيا فقال له وأنت النهر الذي يسقى منه ذلك البستان وقال رجل لأبي عمرو الزاهد صاحب كتاب الياقوتة في اللغة أنت والله عين الدنيا فقال له وأنت والله نور تلك العين وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت الثقفي
( قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه رب صواهل وقيان )
( وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدوا شعاع الشمس بالفرسان )

وقال أوس بن حاتم الطائي
( فإن تنكحي مادية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم )
( فتى لا يزال الدهر أكبر همه فكاك أسير أو معونة غارم ) وقال ابن حمدون في آل المهلب
( آل المهلب معشر أمجاد ... ورثوا المكارم والوفاء فسادوا )
( شاد المهلب ما بنى آباؤه ... وأتى بنوه ما بناه فشادوا )
( وكذاك من طابت مغارس نبته ... وبنى له الآباء والأجداد )
وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة فلما سجن ونقب له السجن وسار هو وبنوه تحت الأرض قال الفرزدق
( ولما رأيت الارض قد سد ظهرها ... ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا )
( دعوت الذي ناداه يونس بعدما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا )
فقال ابن هبيرة ما رأيت أشرف من الفرزدق هجاني أميرا ومدحني أسيرا وقال سري بن عبد الرحمن الرفاء في خالد بن حاتم
( يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا )
( إني لأرجوا إن لقيتك سالما ... أن لا أعالج بعدك الاسفارا )
وقال كعب بن مالك الأنصاري في آل هاشم
( يا آل هاشم الإله حباكم ... ما ليس يبلغه اللسان المفصل )
( قوم لأصلهم السيادة كلها ... قدما وفرعهم النبي المرسل )
وقال الحسين بن دعبل الخزامي
( ملك الامور بجودة وحسامه ... شرفا يقود عدوه بزمامه )
( فأطاع أمر الجود في أمواله ... وأطاع أمر الله في أحكامه )

وقال آخر
( يلقي السيوف بصدره وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر )
( ويقول للطرف اصطبر لسني القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر )
( وإذا تراءى شخص ضيف مقبل ... مستربل أثواب محل أغبر )
( اومي إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الاعداء إن لم تنحر )
وقال شاعر بني تميم
إذا لبسوا عمائمهم طووها ... على كرم وإن سفروا أناروا )
( يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار )
( إذا ما كنت جار بني تميم ... فأنت لأكرم الثقلين جار
وقالت امرأة من بني نمير وقد حضرتها الوفاة وأهلها مجتمهون من ذا الذي يقول
( لعمري ما رماح بني نمير ... بطائشة الصدور ولا قصار )
قالوا زياد الاعجم قالت أشهدكم أن له الثلث من مالي وكان مالا كثيرا وأثني رجل على رجل فقال هو أفصح أهل زمانه إذا حدث وأحسنهم استماعا إذا حدث وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف يعطي صديقه النافلة ولا يسأله الفريضة له نفس عن الفحشاء محصورة وعلى المعالي مقصورة كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان والشمس المنيرة التي لا تخفى بكل مكان هو النجم المضيء للحيران والمنهل البارد العذب للعطشان وقال الحسن بن هانيء
( إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثنى وفوق الذي نثني )
( وإن جرت الألفاظ يوما بمدحه ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني )

وله في الفضل بن الربيع
لقد نزلت أبا العباس منزلة ... ما إن ترى خلفها الابصار مطرحا
( وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... بجود كفك تأسو كل ما جرحا )
وقال زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي
( إن المنابر أصبحت مختالة ... بمحمد بن القاسم بن محمد )
( قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد )
ومن بدائع مدائح المتنبي قوله
( ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الاعصر الأول )
( خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل وقد وجدت مكان القول ذا سعة فإن وجدت لسانا قائلا فقل
ومدح أبو العتاهية عمرو بن العلاء فأعطاه سبعين الفا وخلع عليه خلعا سنية حتى إنه لم يستطع أن يقوم فغار الشعراء منه فجمعهم وقال يا لله العجب ما اشد حسد بعضكم لبعض إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فيتغزل في قصيدته بخمسين بيتا فما يبلغنا حتى يذهب رونق شعره وقد تشبب أبو العتاهية بأبيات يسيرة ثم قال
( إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من الأمير حبالا )
( لو يستطيع الناس من إجلاله ... جعلوا له حر الوجوه نعالا )
( إن المطايا تشتكيك لأنها قطعت إليك سباسبا ورمالا )
( فإذا وردن بنا وردن خفائفا ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا )
( ووفد أبو نواس على الخصيب بمصر فأذن له وعنده الشعراء فانشد الشعراء أشعارهم فلما فرغوا قال ابو نواس أنشد إيها الأمير

قصيدة هي كعصا موسى تلقف ما صنعوا قال أنشدها فأنشده قصيدته التي منها قوله
( إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب نزور )
( فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور )
( فما فاته جود ولا ضل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير )
فاهتز الخصيب لها طربا وأمر له بألف دينار ووصيف ووصيفة
حكى أن أبا دلف سار يوما مع أخيه معقل فرأيا امرأتين تتماشيان فقالت إحداهما للأخرى هذا أبو دلف قالت نعم الذي يقول فيه الشاعر
( إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره )
( فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره )
فبكى ابو دلف حتى جرت دموعه فقال له معقل ملك يا أخي تبكي فقال لأني لم أقض حق الذي قال هذا قال أولم تعطه مائة ألف درهم قال والله ما في نفسي حسرة إلا لكوني لم اعطه مائة ألف دينار ويقال هذه المدحة فأين المنحة قال بعضهم
( إذا ما المدح صار بلا نوال ... من الممدوح كان هو الهجاء )
وامتدح محمد بن سلطان المعروف بابن جيوش محمد بن نصر صاحب حلب فأجازه بألف دينار ثم مات محمد بن نصر وقام ولده نصر مقامه فقصده محمد بن سلطان بقصيدة مدحة بها منها
( تباعدت عنكم حرمة لازهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر )
( فجاء أبو نصر بألف تصرمت ... وإني عليم أن سيخلفها نصر )
فلما فرغ من إنشادها قال نصر والله لو قال سيضعفها نصر

لاضعفتها له وأعطاه ألف دينار في طبق فضة ومدح بعض الشعراء وقيل هو البديع الهمذاني إنسانا فقال
( يكاد يحكيه صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا )
( والدهر لم لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا )
وقال آخر
( أخو كرم يفضي الورى من بساطة ... إلى روض مجد بالسماح مجود )
( وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود في مجالس جود )
ويقال فلان رقيق الجود ودخيله وزميل الكرم ونزيله وغزة الدهر وتحجيله مواهبه الانواء وصدره الدهناء عونه موقوف على اللهيف وغوثه مبذول للضعيف يطفو جوده على موجوده وهمته على قدرته ينابيع الجود تتفجر من أنامله وربيع السماح يضحك عن فواضله إن طلبت كريما في جوده مت قبل وجوده أو ماجدا في أخلاقه مت ولم تلاقه باسل تعود الاقدام حيث تزل الاقدام وشجاع يرى الاحجام عارا لا تمحوه الايام له خلق لو مازح البحر لنفي ملوحته وصفى كدورته خلق كنسيم الاشجار على صفحات الانهار واطيب من زمن الورد في الايام وأبهج من نور البدر في الظلام خلق يجمع الاهواء المتفرقة على محبته ويؤلف الآراء المتشتتة في مودته هو ملح الأرض إذا فسدت وعمارة الدنيا إذا خربت يحل دقائق الأشكال ويزيل جلائل الاشكال البيان أصغر صفاته والبلاغة عنوان خطراته كأنما أوحي التوفيق إلى صدره وحبس الصواب بين طبعه وفكره فهو يبعث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الالفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره والمعاني تتغاير في الإمتثال لأوامره يوجز فلا يخل ويطنب فلا يمل كلامه يشتد مرة حتى تقول الصخر أو أيبس ويلين

تارة حتى تقول الماء أو اسلس فهو إذا أنشأ وشى وإذا عبر حبر وإذا أوجز اعجز تاهت به الايام وباهت في يمينه الاقلام له أدب لو تصور شخصا لكان بالقلوب مختصا قال الشاعر
( له خلق على الايام يصفو ... كما تصفو على الزمن العقار ) وقال آخر
( لو كان يحوي الروض ناضر خلقه ... ما كان يذبل نوره بشتائه )
( أو قابل الافلاك طالع سعده ... ماصار نحس في نجوم سمائه ) وقال آخر
( ووجهك بدر في الغياهب مشرق ... وكفك في شهب السنين غمام )
( عجيب لبدر لا يزال أمامه ... سحاب ولا يغشاه منه ظلام واعجب من هذا غمام إذا سطا ... تلظى مكان البرق منه حسام )
وقال الحسين بن مطير الأسدي
( له يوم بؤس فيه الناس ابؤس ... ويوم نعيم فيه للناس انعم )
( فيمطر يوم الجود من كفه الندى ... ويمطر يوم البؤس من كفه الدم )
( فلو أن يوم البؤس خلى عقابه ... على الناس لم يصبح على الارض مجرم )
( ولو ان يوم الجود خلى يمينه ... عن المال لم يصبح على الارض معدم )
وللشيخ جمال الدين بن نباته
( والله ما عجبي لقدرك إنه ... قدر على باغي مداه بعيد )
( إلا لكونك لست تشكو وحشة ... في هذه الدنيا وأنت وحيد )

ولصفي الدين الحلي
( اثني فتتنيني صفاتك مظهرا ... عيا وكم أعيت صفاتك خاطبا )
( لو أنني والخلق جميعا ألسن ... نثني عليك لما قضينا الواجبا )
وللشيخ برهان الدين القيراطي
( اوصافكم تجري أحاديثها ... مجرى النجوم الزهر في الافق )
( كما أحاديث الندى عنكم ... تسندها الركبان من طرق )
وللشيخ جمال الدين بن نباته
( روت عنك اخبار المعالي محاسنا ... كفت بلسان الحال عن السن الحمد )
( فوجهك عن بشر وكفك عن عطا ... وخلقك عن نبل ورأيك عن سعد )
وقال غيره
( من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما اوليت من منن )
( فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن )
ولأبي فراس بن حمدان
( لئن خلق الانام لحب كأس ... ومزمار وطنبور وعود )
( فلم يخلق بنو حمدان الا ... لمجد او لبأس أو لجود )
وقال آخر
( إن الهبات التي جاد الكرام بها ... مطروقة وندى كفيك مبتكر )
( ما زلت تسبق حتى قال حاسدكم ... له طريق إلى العلياء مقتصر ) ولمحمد بن مناذر في آل برمك
( أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار وأحسن منظر )
( لهم رحلة في كل عام إلى الندا ... وأخرى إلى البيت العتيق المنور )

( إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر )
( فما خلقت إلا لجود أكفهم ... واقدمهم إلا لسعي مظفر )
( إذا رام يحيى الامر ذلت صعابه ... وناهيك من داع له ومدبر )
ولما عزل إبراهيم بن المنذر عن صدقات البصرة تلقاء مجنون وأنشد
( ليت شعري اي قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من بعد العجف )
( نظر الله لهم من بيننا ... وحرمناك بذنب قد سلف )
( يا ابا إسحاق سر في دعه ... وامض مصحوبا فما منك خلف )
( إنما أنت ربيع باكر ... حيثما صرفه الله انصرف ) وقال آخر
( لو كان يقعد فوق الشمس وارتفعوا ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس )
( ثم ارتقوا في شعاع الشمس وارتفعوا ... إلى السماء فأنتم سادة الناس )
وللحسين بن مطير الاسدي في المهدي
( ويعبد الناس يا مهدي افضلهم ... ما كان في الناس إلا أنت معبود )
( أضحت يمينك من وجود مصورة ... لا بل يمينك منها صور الجود )
( لو أن من نوره مثقال خردلة ... في السود طرا إذن لابيضت السود ) وقال آخر
( أوليتني نعما وفضلا زائدا ... وبررتني حتى رأيتك والدا )
( أقسمت لو جاز السجود لمنعم ... ما كنت إلا راكعا لك ساجدا )
وقال آخر ثناؤك في الدنيا من المسك أعطر ... وحظك في الدنيا جزيل موقر )
( وكفك بحر والانامل أنهر ... وعى الله كفا فيه بحر وأنهر )

أعيذك بالرحمن من كل حاسد ... فلا زالت الحساد تغبى وتصغر )
( لساني قصير في مديحك سيدي ... لأني فقير والفقير مقصر )
الفصل الثاني من هذا الباب
في شكر النعمة
أما الشكر الواجب على جميع الخلائق فشكر القلب وهو ان يعلم العبد أن النعمة من الله عز و جل وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والارض إلا وبدايتها من الله تعالى حتى يكون الشكر لله عن نفسك وعن غيرك والدليل على ان الشكر محله القلب وهو المعرفة قوله تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله ) أيقنوا أنها من الله وقيل الشكر معرفة العجز عن الشكر وقد روى أن داود عليه السلام قال إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك فأوحى الله تعالى إليه الآن قد شكرتني وفي هذا يقال الشكر على الشكر أتم الشكر ولمحمود الوراق
( إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر )
( فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الايام واتصل العمر )
( إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الاجر )
( فما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والسر والجهر )
وفي مناجاة موسى عليه السلام إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت فكيف شكرك فقال إعلم إن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكره لي وأما شكر اللسان فقد قال الله تعالى ( وأما بنعمة ربك فحدث ) ويروى عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير

ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بالنعم شكر وقال عمر ابن عبدالعزيز رضي الله عنه تذكروا النعم فإن ذكرها شكر وأما الشكر الذي في الجوارح فقد قال الله تعالى ( اعملوا آل داود شكرا ) الآية فجعل العمل شكرا وروي ان النبي قام حتى تورمت قدماه فقيل له يا رسول الله أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا لله شكورا وقال أبو هرون دخلت على ابي حازم فقلت له يرحمك الله ما شكر العينين قال إذا رأيت بهما خيرا ذكرته وإذا رأيت بهما شرا سترته قلت فما شكر الأذنين قال إذا سمعت بهما خيرا حفظته وإذا سمعت بهما شرا نسيته وفي حكمه إدريس عليه الصلاة و السلام لن يستطيع أحد أن يشكر الله على نعمة بمثل الأنعام على خلقه ليكون صانعا إلى الخلق مثل ما صنع الخالق إليه فإذا أردت تحرس دوام النعمة من الله تعالى عليك فأدم مواساة الفقراء وقد وعد الله تعالى عباده بالزيادة على الشكر فقال تعالى ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) وقد جعل لعبادة علامة يعرف بها الشاكر فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر فإذا رأينا الغني يشكر الله تعالى بلسانه وماله في نقصان علمنا أنه قد خل بالشكر إما أنه لا يزكى ماله أو يزكيه لغير أهله أو يؤخره عن وقته أو يمنع حقا واجبا عليه من كسوة عريان أو إطعام جائع أو شبه ذلك فيدخل في قول النبي لو صدق السائل ماأفلح من رده قال الله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ) وإذا غيروا مابهم من الطاعات غير الله ما بهم من الإحسان وقال بعض الحكماء من أعطى أربعا لم يمنع من أربع من أعطى الشكر لا يمنع المزيد ومن أعطى التوبة لا يمنع القبول ومن أعطى الإستخارة لم يمنع الخيرة ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب وقال المغيرة بن شعبة أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا بقاء

للنعم إذا كفرت ولا زوال لهاإذا شكرت وكان يقول الحسن ابن آدم متى تنفك من شكر النعمة وأنت مرتهن بها كلما شكرت نعمة تجد ذلك بالشكر أعظم منها عليك فأنت لا تنفك بالشكر من نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها
وروى ان عثمان بن عفان رضي الله عنه دعى إلى أقوام ليأخذهم على ريبة فافترقوا قبل أن يأخذهم عثمان فأعتق رقبة شكرا لله تعالى إذ لم يجر على يديه فضيحة مسلم ويروى أن نملة قالت لسليمان بن داود عليهما السلام يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله منك وكان راكبا على فرس ذلول فخر ساجدا لله تعالى ثم قال لولا أني أبجلك لسألتك عن أن تنزع مني ما اعطيتني وقال صدقة بن يسار بينما داود عليه السلام في محرابه إذ مرت به دودة فتفكر في خلقها وقال ما يعبأ الله بخلق هذه فأنطقها الله تعالى له فقال له يا داود تعجبك نفسك وأنا على قدر ما آتاني الله تعالى أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك وقال علي رضي الله عنه احذروا انفار النعم فما كل شارد مردود وعنه عليه السلام إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا اتصالها بقلة الشكر وقيل إذا قصرت يداك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر وقال حكيم الشكر ثلاث منازل ضمير القلب ونشر اللسان ومكافأة اليد قال الشاعر
( أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا )
وقال ابن عائشة كان يقال ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان له حقا على الله تعالى أن يزيلها عنه وأنشد أبو العباس بن عمارة في المعنى

( أعارك ماله لتقوم فيه ... بواجبه وتقضي بعض حقه )
( فلم تقصد لطاعته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه ) وقال آخر ولو ان لي في كل منبت شعرة ... لسانا يطيل الشكر كنت مقصرا )
وقال محمد بن حبيب الراوية إذا قل الشكر خسر المن وروي إذا جحدت الصنيعة خسر الإمتنان وسئل بعض الحكماء ما أضيع الاشياء قال مطر الجود في أرض سبخه لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها وسراج يوقد في الشمس وجارية حسناء تزف إلى اعمى وصنيعة تسدي إلي من لا يشكرها وقال عبد الأعلى بن حماد دخلت على المتوكل فقال يا أبا يحيى قد هممنا أن نصلك بخير فتدافعته الامور فقلت يا أمير المؤمنين بلغني عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة وأنشدته
( لأشكرن لك معروفا هممت به ... فإن همك بالمعروف معروف )
( ولاألومك إن لم يمضه قدر ... فالشر بالقدر المحتوم مصروف )
وقال أبو فراس بن حمدان
( وما نعمة مكفورة قد صنعتها ... إلى غير ذي شكر تمانعني اخرى )
( سآتي جميلا ما حييت فإنني ... إذا لم أفد شكرا أفدت به أجرا )
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من امتطى الشكر بلغ به المزيد وقيل من جعل الحمد خاتمه النعمة جعله الله فاتحة للمزيد وقال ابن السماك النعمة من الله تعالى على عبده مجهولة فإذا فقدت عرفت وقيل من لم يشكر على النعمة فقد استدعى زوالها وكان يقال إذا كانت النعمة وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة وقال حكيم لا تصطنعوا ثلاثة اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة والفاحش فإنه يرى أن الذي

صنعت إليه إنما هو لمخافة فحشه والاحمق فإنه لا يعرف قدر ماأسديت إليه وإذا اصطنعت الكريم فازرع المعروف واحصد الشكر ودخل أبو نخيلة على السفاح لينشده فقال ماعسيت أن تقول بعد قولك لمسلمة
( أمسلمة يا فخر كل خليفة ... ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض )
( شكرتك إن الشكر دين على الفتى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي )
( وأحييت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض )
وسمعه الرشيد فقال هكذا يكون شعر الأشراف مدح صاحبه ولم يضع نفسه وعن نصر بن سيار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال من أنعم على رجل نعمة فلم يشكر له فدعا عليه استجيب له ثم قال نصر اللهم إني أنعمت علي بني سام فلم يشكروا اللهم اقتلهم فقتلوا كلهم وعن علي ابن الحسين رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن المؤمن ليشبع من الطعام فيحمد الله تعالى فيعطيه من الاجر ما يعطي الصائم القائم إن الله شاكر يحب الشاكرين وعن محمد بن علي ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من الله إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده عليها ولا أذنب عبد ذنبا فعلم أن الله قد أطلع عليه إن شاء غفر له وإن شاء أخذه قبل أن يستغفره إلا غفر الله له قبل أن يستغفره وأولى رجل رجلا إعرابيا خيرا فقال لا أبلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك وأنشد بعضهم وأجاد
( سأشكر لا أني أجازيك منعما ... بشكري ولكن كي يزاد لك الشكر )
( واذكر أياما لدي اصطنعتها ... وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر )

وقال آخر
( أوليتني نعما أبوح بشكرها ... وكفيتني كل الامور بأسرها )
( فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها )
وقال آخر
( أيا رب قد احسنت عودا وبدأة ... إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر )
( فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر )
وقال محمود الوراق
( إلهي لك الحمد الذي أنت أهله ... على نعم ما كنت قط لها أهلا )
( إن زدت تقصيرا تزدني تفضلا ... كأني بالتقصير أستوجب الفضلا )
وقد احسن نصيب في وصف الثناء والشكر بقوله
( فعاجوا وأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكنوا أثنت عليك الحقائب )
وقال رجل من غطفان
( الشكر افضل ما حاولت ملتمسا ... به الزيادة عند الله والناس )
وقيل شكر المنعم عليك وأنعم على الشاكر لك تستوجب من ربك الزيادة ومن اخيك المناصحة
الفصل الثالث من هذا الباب
في المكافأة
قال رسول الله من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له ولما قدم وفد النجاشي على رسول الله قام

يخدمهم بنفسه فقيل له يا رسول الله لو تركتنا كفيناك فقال كانوا لأصحابي مكرمين وقيل أتى رجل من الانصار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال
( اذكر صنيعي إذ فاجأك ذو سفه ... يوم السقيفة والصديق مشغول )
فقال عمر بأعلى صوته ادن مني فدنا منه فأخذ بذراعه حتى استشرفه الناس وقال إلا إن هذا رد عني سفيها من قومه يوم السقيفة ثم حمله على نجيب وزاد في عطائه وولاه صدقة قومه وقرأ ( هل جزاء الإحسان إلا الاحسان ) وقال رجل لسعيد بن العاص وهو امير الكوفة لي يد عندك بيضاء قال وما هي قال كبت بك فرسك فتقدمت إليك قبل غلمانك فأخذت بعضدك وأركبتك وأسقيتك ماء قال فأين كنت إلى الآن قال حجبت عن الوصول إليك قال قد أمرنا لك بمائتي ألف درهم وبما يملكه الحاجب إذ مجبك عنا
وقال قطري بن الفجاءة الخارجي أسره الحجاج ثم من عليه فأطلقه فقيل له عاود قتال عدو الله فقال أهيهات شديدا مطلقها وأرق رقبة معتقها ثم قال
( أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته )
( ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته )
( أأقول جار علي لا إني إذا ... لأحق من جارت عليه ولاته )
( وتحدث الاقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته )
واجتاز الشافعي رحمه الله تعالى بمصر في سوق الحدادين فسقط

سوطه فقام إنسان فأخذه ومسحه وناوله إياه فقال لغلامه كم معك قال عشرة دنانير قال ادفعها إليه واعتذر له واستنشد عبد الملك عامر الشعبي فأنشده لغير ما شاعر حتى أنشد لحسان
( من سره شرف الحياة فلم يزل ... في عصبة من صالحي الانصار )
( البائعين نفوسهم لنبيهم ... بالمشرفي وبالقنا الخطار )
( الناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الابصار )
فقام أنصاري فقال يا أمير المؤمنين استوجب عامر الصلة على ستون من الابل كما أعطينا حسان يوم قالها فقال عبد الملك وله عندي ستون ألفا وستون من الإبل وعن علي كرم الله وجهه احسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم وقال المدائني رأيت رجلا يطوف بين الصفا والمروة على بغلة ثم رأيته ماشيا في سفر فسألته عن ذلك فقال ركبت حيث يمشي الناس فكان حقا على الله أن يرجلني حيث يركب الناس
ومما جاء في المكافأة
ما حكي عن الحسن بن سهل قال كنت يوما عند يحيى بن خالد البرمكي وقد خلا في مجلسه لأحكام أمر من امور الرشيد فبينما نحن جلوس إذ دخل عليه جماعة من أصحاب الحوائج فقضاها لهم ثم توجهوا لشأنهم فكان آخرهم قياما أحمد بنأبي خالد الأحوال فنظر يحيى إليه والتفت إلى الفضل ابنه وقال يا بني إن لأبيك مع ابي هذا الفتى حديثا فإذا فرغت من شغلي هذا فاذكرني أحدثك به فلما فرغ شغله وطعم قال له ابنه الفضل أعزك الله يا أبي امرتني أن

أذكرك حديث أبي خالد الاحوال قال نعم يا بني لما قدم أبوك من العراق أيام المهدي كان فقيرا لا يملك شيئا فاشتد بي الأمر إلى أن قال لي من في منزلي إنا فقد كتمنا حالنا وزاد ضررنا ولنا اليوم ثلاثة أيام ما عندنا شيء نقتات به قال فبكيت يا بني لذلك بكاء شديدا وبقيت ولهان وحيران مطرقا مفكرا ثم تذكرت منديلا كان عندي فقلت لهم ما حال المنديل فقالوا هو باق عندنا فقلت ادفعوه لي فأخذته ودفعته إلى بعض أصحابي وقلت له بعه بما تيسر فباعه بسبعة عشر درهما فدفعتها إلى أهلي وقلت أنفقوها إلى أن يرزق الله غيرها ثم بكرت من الغد إلى باب أبي خالد وهو يومئذ وزير المهدي فإذا الناس وقوف على داره ينتظرون خروجه فخرج عليهم راكبا فلما رآني سلم علي وقال كيف حالك فقلت ياأبا خالد ما حال رجل يبيع من منزله بالأمس منديلا بسبعة عشر درهما فنظر إلي نظرا شديدا وما أجابني جوابا فرجعت إلى اهلي كسير القلب وأخبرتهم بما اتفق لي مع أبي خالد فقالوا بئس والله ما فعلت توجهت إلى رجل كان يرتضيك لأمر جليل فكشفت له سرك وأطلعته على مكنون أمرك فأزريت عنده بنفسك وصغرت عنده منزلتك بعد أن كنت عنده جليلا فما يراك بعد اليوم إلا بهذه العين فقلت قد قضى الأمر الآن بما لا يمكن استدراكه فلما كان من الغد بكرت إلى باب الخليفة فلما بلغت الباب استقبلني رجل فقال لي قد ذكرت الساعة بباب أمير المؤمنين فلم ألتفت لقوله فاستقبلني آخر فقال لي كمقالة الأول ثم استقبلني حاجب أبي خالد فقال لي أين تكون قد امرني أبو خالد باجلاسك إلى أن يخرج من عند أمير المؤمنين فجلست حتى خرج فلما رآني دعاني وأمر لي بمركب فركبت وسرت معه إلى منزله فلما نزل قال علي بفلان وفلان الحناطين فأحضرا فقال لهما ألم تشتريا مني غلات السواد بثمانية عشر ألف ألف درهم قالا نعم قال ألم اشترط عليكما شركة رجل معكما قالا بلى قال هو هذا الرجل الذي اشترطت شركته لكما ثم قال لي قم معهما فلما خرجنا قالا لي ادخل معنا بعض المساجد حتى نكلمك في أمر يكون لك فيه

الربح الهنيء فدخلنا مسجدا فقالا لي إنك تحتاج في هذا الامر إلى وكلاء وأمناء وكيالين وأعوان ومؤن لم تقدر منها على شيء فهل لك أن تبيعن شركتك بمال نعجله فتنتفع به ويسقط عنك التعب والكلف فقلت لهما وكم تبذلان لي فقالا مائة ألف درهم فقلت لا أفعل فما زالا يزيداني وأنا لا أرضى إلى ان قالا لي ثلاثمائة ألف درهم ولا زيادة عندنا على هذا فقلت حتى أشاور ابا خالد قالا ذلك لك فرجعت إليه وأخبرته فدعا بهما وقال لهما هل وافقتماه على ما ذكر قال نعم قالا اذهبا فاقبضاه المال الساعة ثم قال لي أصلح أمرك وتهيأ فقد قلدتك العمل فأصلحت شأني وقلدني ما وعدني به فما زلت في زيادة حتى صار أمري إلي ما صار ثم قال لولده الفضل يا بني فما تقول في ابن من فعل بأبيك هذا الفعل وما جزاؤه قال حق لعمري وجب عليك له فقال والله يا ولدي ماأجد له مكافأة غير أني أعزل نفسي واوليه ففعل ذلك رضي الله عنه وهكذا تكون المكافأة
ومن ذلك ما حكى عن العباس صاحب شرطة المأمون قال دخلت يوما مجلس أمير المؤمنين ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد فلما رآني قال لي عباس قلت لبيك ياأمير المؤمنين قال خذ هذا إليك فاستوثق منه واحتفظ به وبكر بهإلي في غد واحترز عليه كل الإحتراز قال العباس فدعوت جماعة فحملوه ولم يقدر أن يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الأحتفاظ به ما يجب إلا أن يكون معي في بيتي فأمرتهم فتركوه في مجلس لي في داري ثم أخذت أسأله عن قضيته وعن حاله ومن أين هو فقال أنا من دمشق فقلت جزى الله دمشق وأهلها خيرا فمن أنت من أهلها قال وعمن تسأل فلت أتعرف فلانا قال ومن أين تعرف ذلك الرجل فقلت وقع لي معه قضية فقال ما كنت بالذي أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه فقال ويحك ما كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها وخرجوا علينا حتى أن الوالي تدلى في زنبيل من قصر الحجاج وهرب هو وأصحابه وهربت في جملة القوم فبينما أنا هارب في بعض الدروب وإذا بجماعة يعدون خلفي فما

زلت أعدو أمامهم حتى فتهم فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت أغثني أغاثك الله قال لا بأس عليك أدخل الدار فدخلت فقالت زوجته أدخل تلك المقصورة فدخلتها ووقف الرجل على باب الدار فما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون هو والله عندك فقال دونكم الدار ففتشوها حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها فقالوا هو ههنا فصاحت بهم المرأة ونهرتهم فانصرفوا وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة وأنا قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف فقالت المرأة اجلس لا بأس عليك فجلست فلم ألبث حتى دخل الرجل فقال لا تخف قد صرف الله عنك شرهم وصرت إلى الامن والدعة إن شاء الله تعالى فقلت له جزاك الله خيرا فما زال يعاشرني احسن معاشرة وأجملها وأفرد لي مكانا في داره ولم يحوجني إلى شيء ولم يفتر عن تفقد أحوالي فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش وأهنئه إلى ان سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها فقلت له أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني فلعلي أقف منهم على خبر فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثرا فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا كله لا يعرفني ولا يسألني ولا يعرف اسمي ولا يخاطبني إلا بالكنية فقال علام تعزم فقلت عزمت على التوجه إلى بغداد فقال القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج وها أنا قدأعلمتك فقلت له إنك تفضلت علي هذه المدة ولك علي عهد الله أني لا أنسى لك هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت قال فدعا غلاما له اسود وقال له اسرج الفرس الفلاني ثم جهز آلة السفر فقلت في نفسي أظن أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة أو ناحية من النواحي فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب فلما كان يوم خروج القافلة جاءني السحر وقال لي يا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها فقلت في نفسي كيف أصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أكري به مركوبا ثم قمت فإذا هو وامرأته

يحملان بقجة من أفخر الملابس وخفين جديدين وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدم بغلا فحمل عليه صندوقين وفوقها فرش ودفع إلي نسخة ما في الصندوقين وفيهما خمسة الآف درهم وقدم إلي الفرس الذي كان جهزه وقال اركب وهذا الغلام الاسود يخدمك ويسوس مركوبك وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في امري وركب معي يشيعني وانصرفت إلى بغداد وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته وأشغلت مع أمير المؤمنين فلم أتفرغ أن ارسل إليه من يكشف خبره فلهذا أنا أسأل عنه
فلما سمع الرجل الحديث قال لقد أمكنك الله تعالى من الوفاء ومكافأته على فعله ومجازاته على صنيعه بلا كلفة عليك ولا مؤنة تلزمك فقلت وكيف ذلك قال أنا ذلك الرجل وإنما الضر الذي أنا فيه غير عليك حالي وما كنت تعرفه مني ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل الاسباب حتى أثبت معرفته فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ثم قلت له فما الذي أصارك إلى ما أرى فقال هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وأخذت انا وضربت إلى أن اشرفت على الموت وقيدت وبعث بي إلي أمير المؤمينن وأمري عنده عظيم وخطبي لديه جسيم وهو قاتلي لا محالة وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري وهو نازل عند فلان فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة وقمت لي بوفاء عهدك قال العباس قلت يصنع الله خيرا ثم أحضر حدادا في الليل فك قيوده وأزال ما كان فيه من الأنكال وأدخله حمام داره وألبسه من الثياب ما احتاج إليه ثم سير من أحضر إليه غلامه فلما رآه جعل يبكي ويوصيه فاستدعى العباس نائبه وقال علي بالفرس

الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني والبغلة الفلانية حتى عد عشرة ثم عشرة من الصناديق ومن الكسوة كذا وكذا ومن الطعام كذا وكذا قال ذلك الرجل وأحضر لي بدرة عشرة الاف درهم وكيسا فيه خمسة الاف دينار وقال لنائبه في الشرطة خذ هذا الرجل وشيعه الى حد الانبار فقلت له ان ذنبي عند امير المؤمنين عظيم وخطبي جسيم وان انت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل فقال لي أنج بنفسك ودعني أدبر أمري فقلت والله ما أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك فإن احتجت الى حضوري حضرت فقال لصاحب الشرطة إن كان الامر على ما يقول فليكن في موضع كذا فإن أنا سلمت في غداة غد أعلمته وإن أنا قتلت فقد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم وتجتهد في إخراجه من بغداد قال الرجل فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان أثق به وتفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفنا قال العباس فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي ويقولون يقول لك أمير المؤمنين هات الرجل معك وقم قال فتوجهت الى دار أمير المؤمنين فاذا هو جالس وعليه ثيابه وهو ينتظرنا فقال أين الرجل فسكت فقال ويحك أين الرجل فقلت يا أمير المؤمنين اسمع مني فقال لله علي عهد لئن ذكرت إنه هرب لأضربن عنقك فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب ولكن اسمع حديثي وحديثه ثم شأنك ما تريد أن تفعله في أمري قال قل فقلت يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كيت وكيت وقصصت عليه القصة جميعها وعرفته انني أريد أن أفي له وأكافئه على ما فعله معي وقلت أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين إما ما فعله معي إما أن يصفح عني فأكون قد وفيت وكافأت وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي وقد تحنطت وها كفني يا أمير المؤمنين فلما سمع المأمون الحديث قال ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيرا انه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافئه بعد المعرفة والعهد بهذا لا غير هلا عرفتي خبره فكنا نكافئه عنك ولا نقصر في وفائك له فقلت يا أمير المؤمنين إنه ههنا قد حلف

أن يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتجت إلى حضوره حضر فقال المأمون وهذه منه أعظم من الاولى إذهب الآن إليه فطيب نفسه وسكن روعه وائتني به حتى أتولى مكافأته قال العباس فأتيت إليه وقلت له ليزل خوفك إنأمير المؤمنين قال كيت وكيت فقال الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه ثم قام فصلى ركعتين ثم ركب وجئنا فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه وأدناه من مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفي فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة أبغال بآلاتها وعشر بدر وعشرة آلاف دينار وعشرة مماليك بدوابهم وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به وإطلاق خراجه وأمره بمكاتبته بأحوال دمشق فصارت كتبه تصل إلى المأمون وكلما وصلت خريطة البريد وفيها كتابة يقول لي يا عباس هذا كتاب صديقك والله تعالى أعلم
ومن عجائب هذا الاسلوب وغرائبه
ما أورده محمد بن القاسم الأنباري رحمه الله تعالى أن سوارا صاحب رحبة سوار وهو من المشهورين قال انصرفت يوما من دار الخليفة المهدي فلما دخلت منزلي دعوت بالطعام فلم تقبله نفسي فأمرت به فرفع ثم دعوت جارية كنت أحبها وأحب حديثها واشتغل بها فلم تطب نفسي فدخل وقت القائلة فلم يأخذني النوم فنهضت وأمرت ببغلة فأسرجت واحضرت فركبتها فلما خرجت من المنزل استقبلني وكيل لي ومعه مال فقلت ما هذا فقال ألفا درهم جبيتها من مستغلك الجديد قلت أمسكها معك واتبعني فأطلقت رأس البغلة حتى عبرت الجسر ثم مضيت في شارع دار الرقيق حتى انتهيت إلىالصحراء ثم رجعت إلى باب الأنبار وانتهيت إلى باب دار نظيف عليه شجرة وعلى الباب خادم فعطشت فقلت للخادم أعندك ماء

تسفينيه قال نعم ثم دخل وأحضر قلة نظيفة طيبة الرائحة عليها منديل فناولني فشربت وحضر وقت العصر فدخلت مسجدا على الباب فصليت فيه فلما قضيت صلاتي إذ أنا بأعمى يلتمس فقلت ما تريد يا هذا قال إياك أريد قلت فما حاجتك فجاء حتى جلس إلى جانبي وقال شممت منك رائحة طيبة فظننت أنك من أهل النعيم فاردت أن أحدثك بشيء فقلت قل قال ألا ترى إلى باب هذا القصر قلت نعم قال هذا قصر كان لأبي فباعه وخرج إلى خراسان وخرجت معه فزالت عنا النعم التي كنا فيها وعميت فقدفت هذه المدينة فأتيت صاحب هذا الدار لأسأله شيئا يصلني به وأتوصل إلى سوار فإنه كان صديقا لأبي فقلت ومن ابوك قال فلان بن فلان فعرفته فإذا هو كان من أصدق الناس إلي فقلت له يا هذا ان الله تعالى قد أتاك بسوار منعه من الطعام والنوم والقرار حتى جاء به فأقعده بين يديك ثم دعوت الوكيل فأخذت الدراهم منه فدفعتها إليه وقلت له إذا كان الغد فسر إلى منزلي ثم مضيت وقلت ما أحدث أمير المؤمنين بشيء أظرف من هذا فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فلما دخلت عليه حدثته بما جرى لي فأعجبه ذلك وأمر لي بألفي دينار فأحضرت فقال ادفعها إلى الاعمى فنهضت لأقوم فقال اجلس فجلست فقال أعليك دين قلت نعم قال كم دينك قلت خمسون ألفا فحادثني ساعة وقال امض إلى منزلك فمضيت إلى منزلي فإذا بخادم معه خمسون ألفا وقال يقول لك أمير المؤمنين اقض بها دينك قال فقبضت منه ذلك فلما كان من الغد أبطأ على الاعمى وأتاني رسول المهدي يدعوني فجئته فقال قد فكرت البارحة في أمرك فقلت يقضي دينه ثم يحتاج إلى القرض أيضا وقد أمرت لك بخمسين الفا أخرى قال فقبضتها وانصرفت فجاءني الاعمى فدفعت إليه الألفي دينار وقلت له قد رزقك الله تعالى بكرمه وكافأك على إحسان أبيك وكافأني على إسداء المروف إليك ثم أعطيته شيئا آخر من مالي فأخذه وانصرف والله سبحانه وتعالى أعلم

ومما هو أوضح حسنا وأرجح معنى ما حكاه القاضي يحيى بن أكتم رحمة الله عليه قال دخلت يوما على الخليفة هرون الرشيد ولد المهدي وهو مطرق مفكر فقال لي أتعرف قائل هذا البيت
( الخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد )
فقلت يا أمير المؤمنين إن لهذا البيت شأنا مع عبيد بن الأبرص فقال علي بعبيد فلما حضر بين يديه قال له أخبرني عن قضية هذا البيت فقال يا أمير المؤمنين كنت في بعض السنين حاجا فلما توسطت البادية في يوم شديد الحر سمعت ضجة عظيمة في القافلة ألحقت أولها بآخرها فسألت عن القصة فقال لي رجل من القوم تقدم تر ما بالناس فتقدمت إلى أول القافلة فإذا أنا بشجاع أسود فاغر فاه كالجذع وهو يخور كما يخور الثور ويرغو كرغاء البعير فهالني أمره وبقيت لا أهتدي إلى ما أصنع في أمره فعدلنا عن طريقه إلى ناحية أخرى فعارضنا ثانيا فعلمت أنه لسبب ولم يجسر أحد من القوم أن يقربه فقلت أفدي هذا العالم بنفسي وأتقرب إلى الله تعالى بخلاص هذه القافلة من هذا فأخذت قربة من الماء فتقلدتها وسللت سيفي وتقدمت فلما رآني قربت منه سكن وبقيت متوقعا منه وثبة يبتلعني فيها فلما رأى القربة فتح فاه فجعلت فم القربة فيه وصببت الماء كما يصب في الإناء فلما فرغت القربة تسيب في الرمل ومضى فتعجبت من تعرضه لنا وانصرافه عنا من غير سوء لحقنا منه ومضينا لحجنا ثم عدنا في طريقنا ذلك وحططنا في منزلنا ذلك في ليلة مظلمة مدلهمة فأخذت شيئا من الماء وعدلت إلى ناحية عن الطريق فقضيت حاجتي ثم توضأت وصليت وجلست أذكر الله تعالى فاخذتيي عيني فنمت مكاني فلما استيقظت

من النوم لم اجد للقافلة حسا وقد ارتحلوا وبقيت منفردا لم أر أحدا ولم أهتد إلى ما أفعله وأخذتني حيرة وجعلت أضطرب وإذا بصوت هاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه يقول
( يا أيها الشخص المضل مركبة ... ما عنده من ذي رشاد يصحبه )
( دونك هذا البكر منا تركبه ... وبكرك الميمون حقا تجنبه )
( حتى إذا ما الليل زال غيهبه ... عند الصباح في الفلا تسيبه )
فنظرت فإذا انا ببكر قائم عندي وبكري إلى جانبي فأنخته وركبته وجنبت بكري فلما سرت قدر عشرة أميال لاحت لي القافلة وانفجر الفجر ووقف البكر فعلمت أنه قد حان نزولي فتحولت إلى بكري وقلت
( يا أيها البكر قد أنجيت من كرب ... ومن هموم تضل المدلج الهادي )
( ألا تخبرني بالله خالقنا ... من ذا الذي جاد بالمعروف في الوادي )
( وارجع حميدا فقد بلغتنا مننا ... بوركت من ذي سنام رائح غادي )
فالتفت البكر إلي وهو يقول
( أنا الشجاع الذي الفيتني رمضا ... والله يكشف ضر الحائر الصادي )
( فجدت بالماء لما ضن حاملة ... تكرما منك لم تمنن بانكاد )
( فالخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد )
( هذا جزاؤك مني لا أمن به ... فاذهب حميدا رعاك الخالق الهادي )
فعجب الرشيد من قوله وامر بالقصة والأبيات فكتبت عنه وقال لا يضيع المعروف أين وضع والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
تم الجزء الاول من كتاب المستطرف ويليه الجزء الثاني وأوله الباب الثالث والأربعون

بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثالث والأربعون في الهجاء ومقدماته
القصد من الهجاء الوقوف على ملحه وما فيه من ألفاظ فصيحة ومعان بديعة لا التشفي بالاعراض والوقوع فيها وليس الهجاء دليلا على إساءة المهجو ولا صدق الشاعر فيما رماه به فما كل مذموم بذميم وقد يهجي الانسان بهتانا وظلما أو عبثا أو ارهابا
قال المتوكل لأبي العيناء كم تمدح الناس وتذمهم قال ما أحسنوا وأساؤا
وقد رضي الله تعالى على عبد من عبيده فمدحه فقال نعم العبد إنه أراب وغضب على آخر فقال مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم قيل الزنيم الملصق بالقوم وليس منهم وقال دعبل في المأمون بعد البيعة له وقتل الأمين
( إني من القوم الذين همو همو ... قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد )
( شادوا لذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد )
فقال المأمون ما أبهته ليت شعري متى كنت خاملا وفي حجر الخلافة ربيت وبدرها غذيت
ولما قتل جعفر بن يحيى بكى عليه أبو نواس فقيل له أتبكي على جعفر وأنت هجوته فقال كان ذلك لركوب الهوى وقد بلغه والله أني قلت

( ولست وإن أطنبت في وصف جعفر ... بأول إنسان خري في ثيابه )
فكتب يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه
ومن العبث بالهجو ما روي أن الحطيئة هم بهجاء فلم يجد من يستحقه فقال
( أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بسوء فلا أدري لمن أنا قائله )
( أرى بي وجها قبح الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله )
وعبث بأمه فقال
( تنحي فاجلسي عنا بعيدا ... أراح الله منك العالمينا )
( أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا )
( حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسر الصالحينا )
وقال رجل ما أبالي أهجيت أم مدحت فقال له الأحنف أرحت نفسك من تعب الكرام
وقال رجل لآخر إن هجوتني أتموت ابنتي قال لا قال أفتخرب ضيعتي قال لا قال فرجلي مع ساقي إلى حلقي في حر أمك قال ولم تركت رأسك قال لأنظر ما تصنع وأنا أقول إنما يخشى من الهجو من يخاف على عرضه وأما من لا يخاف على عرضه فقد يستوي عنده المدح والذم وبئس الرجل ذاك
وكان الرجل من نمير إذا قيل له ممن الرجل يقول من نمير وأمال بها عنقه فلما هجاهم جرير بقوله
( فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا )
صار إذا قيل لأحدهم ممن الرجل يقول من بني عامر وما لقيت قبيلة من العرب بهجو ما لقيت نمير بهجو جرير
وهجا ابن سام رجلا فقال
( يا طلوع الرقيب من غير إلف ... يا غريما أتى على ميعاد )
( يا ركودا في وقت غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم كساد )

وقصد ابن عيينة قبيصة المهلبي واستماحه فلم يسمح له بشيء فانصرف مغضبا فوجه إليه داود بن يزيد بن حاتم فترضاه وأحسن إليه فقال في ذلك
( داود محمود وأنت مذمم ... عجبا لذاك وأنتما من عود )
( ولرب عود قد يشق لمسجد ... نصفا وباقيه لحش يهودي )
( فالحش أنت له وذاك بمسجد ... كم بين موضع مسلح وسجود )
( هذا جزاؤك يا قبيص لأنه ... جادت يداه وأنت قبل حديد )
وله هجاء في خالد
( أبوك لنا غيث يغيث بوبله ... وأنت جراد لست تبقي ولا تذر )
( له أثر في المكرمات يسرنا ... وأنت تعفي دائما ذلك الأثر )
وقال المبرد في حقه لم يجتمع لأحد من المحدثين في بيت واحد هجاء رجل ومدح أبيه إلا له
ولما قعد حماد عجرد لتأديب ولد الأمين قال بشار بن برد
( قل للأمين جزاك الله صالحه ... لا يجمع الله بين السخل والذيب )
( السخل يعلم أن الذئب آكله ... والذئب يعلم ما بالسخل من طيب )
وقال فيه أيضا
( يا أبا الفضل لا تنم ... وقع الذئب في الغنم )
( إن حماد عجرد ... شيخ سوء قد اغتنم )
( بين فخديه حربة ... في غلاف من الأدم )
( إن رأى ثم غفلة ... يجمع الميم بالقلم )
فشاعت الأبيات فأمر الأمين باخراج حماد
وقال رجل لأخيه لأبويه لأهجونك هجاء يدخل معك في قبرك قال كيف تهجوني وأبوك أبي وأمك أمي قال أقول

ذ 6
( بني أمية هبوا طال نومكمو ... إن الخليفة يعقوب بن داود )
( ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الماء والعود )
فدخل يعقوب على المهدي فأخبره أن بشارا هجاه فاغتاظ المهدي وانحدر إلى البصرة لينظر في أمرها فسمع أذانا في ضحى النهار فقال انظروا ما هذا وإذا به بشار وهو سكران فقال له يا زنديق عجب أن يكون هذا من غيرك ثم أمر به فضربه سبعين سوطا حتى أتلفه بها وألقي في سفينة فقال عين الشمقمق تراني حيث يقول ألقي في سفينة فقال عين الشمقمق تراني حيث يقول
( إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينة )
فلما مات ألقيت جثته في الماء فحمله الماء فأخرجه إلى الدجلة فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة وأخرجت جنازته فما تبعه أحد وتباشر عامة الناس بموته لما كان يلحقهم من الأذى منه
وخاصم أبو دلامة رجلا فارتفعا إلى عافية القاضي فلما رآه أبر دلامة أنشد يقول
( لقد خاصمتني دهاة الرجال ... وخاصمتها سنة وافيه )
( فا أدحض الله لي حجة ... ولا خيب الله لي قافيه )
( ومن خفت من جوره في القضاء ... فلست أخافك يا عافيه )
فقال عافية لأشكونك إلى أمير المؤمنين ولأعلمنه أنك هجوتني قال له أبو دلامة إذا والله يعزلك
قال ولم قال لأنك لا تعرف الهجاء من المدح قال فبلغ ذلك المنصور فضحك وأمر له بجائزة
ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن علي وعيسى بن موسى والعباس بن محمد وجماعة من بني هاشم فقال له المهدي والله لئن لم تهج واحدا ممن في هذا البيت لأقطعن لسانك
فنظر إلى القوم وتحير في أمره وجعل ينظر إلى كل واحد فيغمزه بأن عليه رضاه قال

أبو دلامة فازددت حيرة فما رأيت أسلم لي من أن أهجو نفسي فقلت
( ألا أبلغ لديك أبا دلامة ... فلست من الكرام ولا كرامه )
( جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه )
( إذا لبس العمامة قلت قردا ... وخنزيرا إذا نزع العمامه )
فضحك القوم ولم يبق منهم أحدا إلا أجازه
وقال ابن الأعرابي إن أهجى بيت قاله المحدثون قول محمد بن وهب في محمد بن هاشم
( لم تند كفاك من بذل النوال كما ... لم يند سيفك مذ قلدته بدم )
وهجا بعضهم القمر فقال يهدم العمر ويوجب أجرة المنزل ويشجب الألوان ويقرض الكتان ويضل الساري ويعين السارق ويفضح العاشق
ولابن منقذ في أبي طليب المصري وقد احترقت داره
( أنظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قسرا إلى الأقدار بالأقدار )
( ما أوقد ابن طليب قط بداره ... نارا وكان خرابها بالنار )
وكان للوجيه بن صورة المصري دلال الكتب دار بمصر موصوفة بالحسن فاحترقت فقال فيها ابن المنجم
( أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها وهجة تتضرم )
( فما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم )
وقد أحسن الأديب كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى في ذم دار كان يسكنها حيث قال
( دار سكنت بها أقل صفاتها ... أن تكثر الحشرات في جنباتها )
( الخير عنها نازح متباعد ... والشر دان من جميع جهاتها )
( من بعض ما فيها البعوض عدمته ... كم أعدم الاجفان طيب سناتها )

( وتبيت تسعدها براغيث متى ... غنت لها رقصت على نغماتها )
( رقص بتنقيط ولكن قافه ... قد قدمت فيه على أخواتها )
( وبها ذباب كالضباب يسد عين ... الشمس ما طربي سوى غناتها )
( أين الصوارم والقنا من فتكها ... فينا وأين الأسد من وثباتها )
( وبها من الخطاف ما هو معجز ... أبصارنا عن وصف كيفياتها )
( وبها خفافيش تطير نهارها ... مع ليلها ليست على عاداتها )
( وبها من الجرذان ما قد قصرت ... عنه العتاق الجرد في حملاتها )
( وبها خنافس كالطنافس أفرشت ... في أرضها وعلت على جنباتها )
( لو شم أهل الحرب منتن فسوها ... أردى الكماة الصيد عن صهواتها )
( وبنات وردان وأشكال لها ... مما يفوت العين كنه ذواتها )
( أبدا تمص دماءن ا فكأنها ... حجامة لبدت على كاساتها )
( وبها من النمل السليماني ما ... قد قل ذو الشمس عن ذراتها )
( وما راعني شيء سوى وزغانها ... فتعوذوا الله من لدغاتها )
( سجعت على أوكارها فظننتها ... ورق الحمام سجعن في شجراتها )
( وبها زنابير تظن عقاربا ... حر السموم أخف من زفراتها )
( وبها عقارب كالأقارب ر تع ... فينا حمانا اله لدغ حماتها )
( كيف السبيل إلى النجاة ولا نجاة ... ولا حياة لمن رأى حياتها )
( منسوجة بالعنكبوت سماؤها ... والأرض قد نسجت على آفاتها )
( فضجيجها كالرعد في جنباتها ... وترابها كالرمل في خشناتها )
( والبوم عاكفة على أرجائها ... والدود يبحث في ثرى عرصاتها )
( والجن تأتيها إذا جن الدجى ... تحكي الخيول الجرد في حملاتها )
( والنار جزء من تلهب حرها ... وجهنم تعزى إلى لفحاتها )
( شاهدت مكتوبا على أرجائها ... ورأيت مسطورا على جنباتها )

( لا تقربوا منها وخافوها ولا ... تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها )
( أبدا يقول الداخلون ببابها ... يا رب نج الناس من آفاتها )
( قالوا إذا ندب الغراب منازلا ... يتفرق السكان من ساحاتها )
( وبدارنا ألفا غراب ناعق ... كذب الرواة فأين صدق رواتها )
( صبرا لعل الله يعقب راحة ... للنفس إذ غلبت على شهواتها )
( دار تبيت الجن تحرس نفسها ... فيها وتندب باختلاف لغاتها )
( كم بت فيها مفردا والعين من ... شوق الصباح تسح من عبراتها )
( وأقول يا رب السموات العلا ... يا رازقا للوحش في فلواتها )
( أسكنتني بجهنم الدنيا ففي ... أخراي هب لي الخلد في جناتها )
( واجمع بمن أهواه شملي عاجلا ... يا جامع الأرواح بعد شتاتها )
ولبعضهم في بلان
( أشكوا إلى الله بلانا بليت به ... مست أنامله ظهري فأدماني )
( فلا يدلك تدليكا بمعرفة ... ولا يسرح تسريحا باحسان )
وللشيخ شمس الدين البدوي في بلان أيضا
( وبلان له ظهر يباهي ... به حد الشفار المرهفات )
( هرى جسمي فالبسه نجيعا ... على حلل الستور السابلات )
( ورام يلين أعضائي برفق ... فأيبسها وكسر فوقحاني )
( ولم أنظر له أبدا جميلا ... وذلك من عظيم المهلكات )
( وأعمى مقلتي بصنان أبط ... يفوح به على كل الجهات )
( فلا تجعل إلهي مثل هذا ... يغسلني إذا حانت وفاتي )
ولبعضهم في حمام
( وحمام دخلناه لأمر ... حكى سقرا وفيها المجرمونا )

( فيصطرخوا يقولوا أخرجونا ... فإن عدنا فانا ظالمونا )
وللشريف أبي يعلى الهاشمي البغدادي في نظام الملك يهدده بالهجاء يقول
( أيجمل يا نظام الملك أني ... أعاود من ذراك كما قدمت )
( وأصدر عن حياضك وهي نهب ... فأفواه السقاة وما وردت )
( يدل على فعالك سوء حالي ... ويخبر عن نوالك إن كتمت )
( إذا استخبرت ماذا نلت منه ... وقد عم الورى كرما سكت )
وممن عرض بالهجو في شعره الخوارزمي قال في أبي جعفر
( أبا جعفر لست بالمنصف ... ومثلك إن قال قولا يفي )
( فإن أنت أنجزت لي ما وعدت ... وإلا هجيت وأدخلت في )
( وقد علم الناس ما بعد في ... فغط الحديث ولا تكشف )
ومدح السراج الوراق إنسانا فلم يجزه فكتب يعرض له بالهجاء ويهدده يقول
( أعد مدحي علي وخذ سواه ... فقد أتعتبتني يا مستريح )
( ولا تغضب إذا أنشدت يوما ... سواه وقيل لي هذا صحيح )
وله أيضا يقول
( أعد مدحا كذبت عليك فيه ... وقد عوفيت بالحرمان عنه )
( ولكني سأصدق فيك قولا ... فلا يصعب عليك الحق منه )

وقال بعضهم في حجاج قدموا ولم يهدوا إليه شيئا
( مضوا ليحجوا والوجوه كأنها ... تكاد لفرط البشر أن توضح السبلا )
( وعادوا كأن القار فوق وجوههم ... فلا مرحبا بالقادمين ولا سهلا )
( وجاؤا وما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا )
وقال آخر
( إذا رمت هجوا في فلان تصدني ... خلائق قبح عنه لا تتزحزح )
( تجاوز قدر الهجو حتى كأنه ... بأقبح ما يهجى به المرء يمدح )
وهجا بعضهم امرأة فقال
( لها جسم برغوث وساق بعوضة ... ووجه كوجه القرد بل هو أقبح )
( تبرق عينيها إذا ما رأيتها ... وتعبس في وجه الضجيع وتكلح )
( لها منظر كالنار تحسب أنها ... إذا ضحكت في أوجه الناس تلفح )
( إذا عاين الشيطان صورة وجهها ... تعوذ منها حين يمسي ويصبح )
ولبعضهم في عظيم أنف
( لك وجه وفيه قطعة أنف ... كجدار قد دعموه ببغله )
( وهو كالقبر في المتال ولكن ... جعلوا نصفه على غير قبله )
وفيه أيضا
( رأينا للزكي جدار أنف ... يضاهي في تشامخه الجبالا )
( تصدى للهلاك لكي يراه ... فلولا عظمه لرأى الهلالا )
ولبعضهم في أبخر مخنث
( قالوا فلان به نتن فقلت لهم ... يا قوم قد حار فكري في مساويه )

( يا قوم لا تعجبوا من نتن نكهته ... فالأير يدفع ما فيه إلى فيه )
ولصفي الدين الحلي
( رأى فرسي اصطبل عيسى فقال لي ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي )
( به لم أذق طعم الشعير كأنني ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل )
( تقعقع من برد الشتاء أضالعي ... لما نسجتها من جنوب وشمال )
وله أيضا
( ليهتك إن لي ولدأا وعبدا ... سواء في المقال وفي المقام )
( فهذا سابق من غير سين ... وهذا عاقل من غير لام )
وله في طبيب يدعى إسحاق
( مباضع إسحق الطبيب كأنها ... لها بفناء العالمين كفيل )
( معودة أن لا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل )
وله في أحمق طويل اللسان
( لو أن قوة وجهه في قلبه ... قنص الأسود وجندل الأبطالا )
( أو كان طول لسانه بيمينه ... أفنى الكنوز وأنفذ الأموالا )
وهجا اعرابي رجلا ثم مدحه فقال
( إني مدحتك من فساد قريحتي ... وعلمت أن المدح فيك يضيع )
( لكن رأيت المسك عند فساده ... يدني إلى بيت الخلا فيضوع )
وقيل لبعضهم ما تقول في فلان وفلان قال هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما
وقيل لرجل كيف وجدت فلانا قال طويل اللسان في اللؤم قصير الباع في الكرم وثابا على الشر مناعا للخير
وسمع أعرابي قوله تعالى ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) فانتفض ثم سمع قوله تعالى

( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر )
فقال الله أكبر هجانا ثم مدحنا وكذلك قال الشاعر
( هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح )
استب رجلان فقال أحدهما للآخر لو قطع زبك وعلق لم تبق زانية بالكوفة إلا عرفته
وقال أبو زيد العبدي
( ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار )
وقال المتوكل لأبي العيناء ما بقي أحد في المجلس إلا هجاك وذمك غيري فقال
( إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا علي لئامها )

الباب الرابع والأربعون في الصدق والكذب وفيه فصلان
الفصل الأول
في الصدق
قال الله تعالى مبشرا للصادقين ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) وقال تعالى ( والصادقين والصادقات ) فمدحهم وبين لهم المغفرة والأجر العظيم
وقال عمر رضي الله عنه عليك بالصدق وإن قتلك
وما أحسن ما قيل في ذلك
( عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد )
( وابغ رضا المولى فأغبى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد )
وقال إسماعيل بن عبيد الله لما حضرت أبي الوفاة جمع بنيه فقال لهم يا بني عليكم بتقوى الله وعليكم بالقرآن فتعاهدوه وعليكم بالصدق حتى لو قتل أحدكم قتيلا ثم سئل عنه أقربه
والله ما كذبت كذبة قط مذ قرأت القرآن
وعن عائشة رضي الله عنها قالت سألت رسول الله بم يعرف المؤمن قال بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه وقيل لكل شيء حلية وحلية النطق الصدق

وقال محمود الوراق
( الصدق منجاة لأربابه ... وقربة تدني من الرب )
وقيل الصدق عمود الدين وركن الأدب وأصل المروءة فلا تتم هذه الثلاثة إلا
به وقال أرسطاطاليس أحسن الكلام ما صدق فيه قائله وانتفع به سامعه
وقال المهلب بن أبي صفرة ما السيف الصارم في يد الشجاع بأعزله من الصدق وكان يقال على الصدوق فلان وقف لسانه على الصدق ويقال الصدق محمود من كل أحد إلا من الساعي
ويقال لو صدق عبد فيما بينه وبين الله تعالى حقيقة الصدق لأطلع على خزائن الغيب ولكان أمينا في السماوات والأرض
وقيل من لزم الصدق وعود لسانه به وفق
ويقال الصدق بالحر أحرى
وقال عتبة بن أبي سفيان إذا اجتمع في قلبك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه فان الصواب أقرب إلى مخالفة الهوى
وقال أرسطا طاليس الموت مع الصدق خير من الحياة مع الكذب
وكان نقش خاتم ذي يزن وضع الخد للحق عز وامتدح ابن ميادة جعفر بن سليمان فأمر له بمائة ناقة فقبل يده وقال والله ما قبلت يد قرشي غيرك إلا واحد فقال أهو المنصور قال لا والله قال فمن هو قال الوليد بن يزيد قال فغضب
وقال والله ما قبلتها لله تعالى فقال والله ولا يدك ما قبلتها لله تعالى ولكن قبلتها لنفسي فقال والله لا ضرك الصدق عندي أعطوه مائة أخرى
وقال عامر العدواني في وصيته إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا يعني من لزم الصدق وعود لسانه وفق فلا يكاد ينطق بشيء يظنه إلا جاء على ظنه
وخطب بلال لأخيه امرأة قرشية فقال لأهلها نحن من قد عرفتم كنا عبدين فأعتقنا الله تعالى وكنا ضالين فهدانا الله تعالى وكنا فقيرين فأغنانا الله تعالى وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي فان تنكحوها له فالحمد لله تعالى وإن تردونا فالله أكبر
فأقبل بعضهم على بعض فقالوا بلال ممن عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله فزوجوا أخاه فزوجوه فلما

انصرفوا قال له أخوه يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله وتترك ما عدا ذلك فقال مه يا أخي صدقت فأنكحك الصدق
وخطب الحجاج فأطال فقام رجل فقال الصلاة فان الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك فأمر بحبسه فأتاه قومه زعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله فقال إن أقر بالجنون خليته فقيل له فقال معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني
فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه
الفصل الثاني من هذا الباب
في الكذب وما جاء به
قال الله تعالى في الكاذبين ( ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) وقال تعالى ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) وقال رسول إياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وتحروا الصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله إذا كذب العبد كذبة تباعد الملكان عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به ويقال راوي الكذب أحد الكذابين
ويقال رأس المآثم الكذب وعمود الكذب البهتان
وقيل أمران لا ينفكان من الكذب كثرة المواعيد وشدة الاعتذار
وقال الحسن في قوله تعالى ( ولكم الويل مما تصفون )
وهي لكل واصف كذب إلى يوم القيامة
وقال الأصمعي قلت لكذاب أصدقت قط قال لولا أني أخاف أصدق في هذا لقلت لك لا فتعجب

وقال محمود بن أبي الجنود
( لي حلية فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة )
( من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة )
ويقال فلان أكذب من لمعان السراب ومن سحاب تموز وكان بفارس محتسب يعرف بجراب الكذب وكان يقول إن منعت الكذب انشقت مرارتي وإني والله لأجد به مع ما يلحقني من عاره من المسرة ما لا أجده بالصدق مع ما ينالني من نفعه
وقال فيلسوف من عرف من نفسه الكذب لم يصدق الصادق فيما يقوله
ولبعضهم
( حسب الكذوب من البلية ... بعض ما يحكى عليه )
( فمتى سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه )
وأضاف صيرفي قوما فأقبل يحدثهم فقال بعضهم نحن كما قال تعالى ( سماعون للكذب أكالون للسحت )
وعن عبد الله ابن السدي قال قلت لابن المبارك حدثنا حديثا قال ارجعوا فلست أحدثكم فقيل له إنك لم تحلف فقال لو حلفت لكفرت وحدثتكم ولكن لست أكذب فكان هذا أحب إلينا من الحديث وقال مجاهد يكتب على ابن آدم كل شيء حتى أنينه في سقمه وحتى أن الصبي ليبكي فتقول له أمه اسكت وأشتري لك كذا ثم لا تفعل فتكتب كذبة
وقال الفضيل ما من مضغة أحب إلى الله تعالى من اللسان إذا كان صدوقا ولا مضغة أبغض إلى الله تعالى من اللسان إذا كان كذوبا
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا أعظم الخطايا اللسان الكذوب
قال الشاعر
( لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو فعله السوء أو من قلة الأدب )

( لبعض جيفة كلب خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب )
ولما نصب معاوية ضي الله تعالى عنه ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء وجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يسلمون على يزيد حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال يا أمير المؤمنين أعلم إنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها والأحنف ساكت فقال معاوية مالك لا تقول يا أبا بحر فقال أخاف الله تعالى إن كذبت وأخافكم إن صدقت
فقال جزاك الله خيرا عما تقول ثم أمر له بألوف فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له يا أبا بحر إني لأعلم أن هذا من شرار خلق الله تعالى ولكنهم استوثقوا من الأموال بالأبواب والأقفال فلسنا نطمع في إخراجها إلا بما سمعت فقال له الأحنف يا هذا أمسك فان ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها
وقيل إن الكذب يحمد إذا وصل بين المتقاطعين أو أصلح بين الزوجين ويذم الصدق إذا كان غيبة
وقد رفع الحرج عن الكاذب في الحرب وعن المصلح بين المرء وزوجه
وكان المهلب في حرب الخوارج يكذب لأصحابه يقوي بذلك جأشهم فكانوا إذا رأوه مقبلا إليهم قالوا جاءنا بكذب
وقال يحيى بن خالد رأينا شارب خمر نزع ولصا أقلع وصاحب فواحش رجع ولم نر كذابا صار صادقا
وكان عمر بن معد يكرب مشهورا بالكذب
وقيل لخلف الأحمر وكان شديد التعصب لليمن أكان ابن معد يكرب يكذب فقال كان يكذب في المقال ويصدق في الفعال
قيل إن بلالا لم يكذب مذ أسلم رضي الله تعالى عنه والحمد لله وحده

الباب الخامس والأربعون في بر الوالدين وذم العقوق وذكر الأولاد وما يحب لهم وعليهم وصلة الرحم والقرابات وذكر الأنساب وفيه فصول
الفصل الأول في بر الوالدين وذم العقوق
قال الله تعالى ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا )
وقال تعالى ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا )
وقال تعالى ( أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير )
وقال تعالى ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) وعن علي رضي الله تعالى عنه لو علم الله شيئا في العقوق أدنى من أف لحرمه فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فإن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار
وقيل إن رضا الرب في رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين
وحكى أبو سهل عن ابي صالح عن ابي نجيح عن ربيعة عن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي مسلم أن رسول الله قال من حج عن والده بعد وفاته كتب الله لوالده حجة وكتب له براءة من النار

رسول الله إياكم وعقوق الوالدين فان ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق
وكان رجل من النساك يقبل كل يوم قدم أمه فأبطأ يوما على أخوته فسألوه فقال كنت أتمرغ في رياض الجنة فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات وبلغنا أن الله تعالى كلم موسى عليه السلام ثلاثة آلاف وخمسمائة كلمة فكان آخر كلامه يا رب أوصيني قال أوصيتك بأمك حسنا قال له سبع مرات
قال حسبي ثم قال يا موسى ألا إن رضاها رضاي وسخطها سخطي
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه لابن مهران لا تأتين أبواب السلاطين وإن أمرتهم بمعروف أو نهيتهم عن منكر ولا تخلون بامرأة وإن علمتها سورة من القرآن ولا تصحبن عاقا فإنه لن يقبلك وقد عق والديه
وقال فيلسوف من عق والديه عقه ولده
وقال المأمون لم أر أحدا أبر من الفضل بن يحيى بأبيه بلغ على بره له إنه كان لا يتوضأ إلا بماء سخن فمنعهم السجان من الوقود في ليلة باردة فلما أخذ يحيى مضجعه قام الفضل إلى قمقم نحاس فملأه ماء وأدناه من المصباح فلم يزل قائما وهو في يده إلى المصباح حتى استيقظ يحيى من منامه
وقيل طلب بعضهم من ولده أن يسقيه ماء فلما أتاه بالشربة نام أبوه فما زال الولد واقفا بالشربة في يده إلى الصباح حتى استيقظ أبوه من منامه
وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إن لي أما بلغ منها الكبر إنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية فهل أديت حقها قال لا
لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك وأنت تصنعه وتتمنى فراقها
وقال ابن المنكدر بت أكبس رجل أبي وبات آخر يصلي ولا يسرني ليلته بليلتي وقيل إن محمد بن سيرين كان يكلم أمه كما يكلم الأمير الذي لا ينتصف منه وقيل لعلي ابن الحسين رضي الله تعالى عنه إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك في صحفة فقال نخاف ان تسبق يدي يدها ما تسبق عيناها إليه فأكون قد عققتها

الفصل الثاني في الأولاد وحقوقهم وذكر النجباء والأذكياء والبلداء والأشقياء
قال رسول الله الولد ريحانة من الجنة
وقال الفضل ريح الولد من الجنة
وكان يقال ابنك ريحانتك سبعا ثم حاجبك سبعا ثم عدو أوصديق
وعن ابي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال قلت لسيدي رسول الله يا رسول الله هل يولد لأهل الجنة قال والذي نفس بيده إن الرجل يشتهي أن يكون له ولد فيكون حمله ووضعه وشبابه الذي ينتهي إليه في ساعة واحدة
وقيل من حق الولد على والده أن يوسع عليه حاله كي لا يفسق
وقال عمر رضي الله تعالى عنه إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبحه وتذكره
وقال رضي الله تعالى عنه أكثروا من العيال فأنكم لا تدرون بمن ترزقون
وقال شبيب ابن شبة ذهب اللذات إلا من ثلاثة شم الصبيان وملاقاة الأحزان والخلوة مع النسوان
ودخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال من هذه يا أمير المؤمنين قال هذه تفاحة القلب فقال انبذها عنك فإنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ويورثن الضغائن قال لا تقل يا عمرو ذلك فوالله ما مرض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الاخوان إلا هن فقال عمرو يا أمير المؤمنين إنك حببتهن إلي وقيل لرجل أي ولدك أحب إليك قال صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يبرأ وغائبهم حتى يحضر وقال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية إن ولدت غلاما فلك حكمك فلما ولدت قالت حكمي أن تطعم سبعة ايام كل يوم على ألف خوان من فالوذج وإن تعق بألف شاة ففعل لها ذلك وغضب معاوية على يزيد فهجره فقال الأحنف يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم سماء ظليلة وأرض ذليلة وبهم نصول على كل جليلة فإن غضبوا فارضهم وإن سألوا فاعطهم وإن لم يسألوا فابتدئهم ولا تنظر إليهم شزرا فيملوا حياتك ويتمنوا وفاتك فقال معاوية يا غلام إذا رأيت يزيد فاقرأه السلام

واحمل إليه مائتي ألف درهم ومائتي ثوب فقال يزيد من عند أمير المؤمنين فقيل له الأحنف فقال يزيد بن معاوية علي به فقال يا أبا بحر كيف كانت القصة فحكاها له فشكر صنيعه وشاطره الصلة
حكى الكسائي أنه دخل على الرشيد يوما فأمر باحضار الأمين والمأمون ولديه قال فلم يلبث أن قليلا أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هداهما ووقارهما وقد غضا أبصارهما حتى وقفا في مجلسه فسلما عليه بالخلافة ودعوا له بأحسن الدعاء فاستدناهما وأسند محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره ثم أمرني أن ألقي عليهما أبوابا من النحو فما سألتهما شيئا إلا أحسنا الجواب عنه فسره ذلك سرورا عظيما وقال كيف تراهما فقلت
( أرى قمري أفق وفرعين شامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد )
( سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقي النبي محمد )
( يسدان انفاق النفاق بشيمة ... يزينهما حرم وسيف مهند )
ثم قلت ما رأيت أعز الله أمير المؤمنين أحدا من أبناء الخلافة ومعدن الرسالة وأغصان هذه الشجرة الزلالية آدب منهما ألسنا ولا أحسن ألفاظا ولا أشد اقتدارا على الكلام روية وحفظا منهما أسأل الله تعالى أن يزيد بهما الإسلام تأييدا وعزا ويدخل بهما على أهل الشرك ذلا وقمعا
وأمن الرشيد على دعائه ثم ضمهما إليه وجمع عليهما يديه فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره ثم أمرهما بالخروج وقال كأني بهما وقد دهم القضاء ونزلت مقادير السماء وقد تشتت أمرهما وافترقت كلمتهما بسفك الدماء وتهتك الستور
وكان يقال بنو أمية دن خل أخرج الله منه زق عسل يعني عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه
وسب أعرابي ولده وذكر له

حقه فقال يا أبتاه إن عظيم حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك
قال سيدي عبد العزيز الديريني رحمه الله تعالى
( أحب بنيتي ووددت أني ... دفنت بنيتي في قاع لحد )
( وما بي أن تهون علي لكن ... مخافة أن تذوق الذل بعدي )
( فان زوجتها رجلا فقيرا ... أراها عنده والهم عندي )
( وإن زوجتها رجلا غنيا ... فيلطم خدها ويسب جدي )
( سألت الله يأخذها قريبا ... ولو كانت أحب الناس عندي )
وقال هرون بن علي بن يحيى المنجم
( أرى ابني تشابه من علي ... ومن يحيى وذاك به خليق )
( وإن يشبههما خلقا وخلقا ... فقد تسري إلى الشبه العروق )
وقال ابو النصر مولى بني سليم
( ونفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل )
وقال الحسن بن زيد العلوي
( قالوا عقيم لم يولد له ولد ... والمرء يخلفه من بعده الولد )
( فقلت من علقت بالحرب همته ... عاف النساء ولم يكثر له عدد )
وكان الزبير بن العوام رضي الله عنه يرقص ولده ويقول
( أزهر من آل بني عتيق ... )
( مبارك من ولد الصديق ... )
( ألذه كما ألذ ريقي ... )

وكانت اعرابية ترقص ولدها وتقول
( يا حبذا ريح الولد ... ريح الخزامى في البلد )
( أهكذا كل ولد ... أم لم يلد مثلي أحد )
وكان أعرابي يرقص ولده ويقول
( أحبه حب الشحيح ماله ... )
( قد ذاق طعم الفقر ثم ناله ... )
( إذا أراد بذله بدا له ... )
وكان لأعرابي امرأتان فولدت أحداهما جارية والأخرى غلاما فرقصته أمه يوما وقالت معايرة لضرتها
( الحمد لله الحميد العالي ... أنقذني العام من الجوالي )
( من كل شوهاء كشن بالي ... لا تدفع الضيم عن العيال )
فسمعتها ضرتها فأقبلت ترقص ابنتها وتقول
( وما علي أن تكون جارية ... تغسل رأسي وتكون الفالية )
( وترفع الساقط من خمارية ... حتى إذا ما بلغت ثمانية )
( أزرتها بنقبة يمانية ... أنكحتها مروان أو معاوية )
( أصهار صدق ومهور غالية ... )
قال فسمعها مروان فتزوجها على مائة ألف مثقال وقال إن أمها حقيقة أن لا يكذب ظنها ويخان عهدها فقال معاوية لولا مروان سبقنا إليها لأضعفنا لها المهر ولكن لا نحرم الصلة فبعث إليها بمائتي ألف درهم والله أعلم

ومما جاء في الأولاد البلداء القليلي التوفيقي
قيل نظر أعرابي إلى ولد له قبيح المنظر فقال له يا بني إنك لست من زينة الحياة الدنيا
وقال رجل لولده وهو في المكتب في أي سورة أنت قال لا أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد فقال لعمري من كنت أنت ولده فهو بلا ولد
وأرسل رجل ولده يشتري له رشاء للبئر طوله عشرون ذراعا فوصل إلى نصف الطريق ثم رجع فقال يا أبت عشرون في عرض كم قال في عرض مصيبتي فيك يا بني
وكان لرجل من الأعراب ولد اسمه حمزة فبينما هو يوما يمشي مع أبيه إذا برجل يصيح بشاب يا عبد الله فلم يجبه ذلك الشاب فقال ألا تسمع فقال يا عم كلنا عبيد الله فأي عبد تعني فالتفت أبو حمزة إليه وقال يا حمزة ألا تنظر إلى بلاغة هذا الشاب فلما كان من الغد إذا برجل ينادي شابا يا حمزة فقال حمزة بن الأعرابي كلنا حماميز الله فأي حمزة تعني فقال له أبوه ليس يعنيك يا من أخمد الله به ذكر أبيه
وكان لمحمد بن بشير الشاعر ابن جسيم فأرسله في حاجته فأبطأ عليه ثم عاد ولم يقضها فنظر إليه ثم قال
( عقله عقل طائر ... وهو في خلقه الجمل )
فأجابه
( مشبه بك يا أبي ... ليس لي عنك منتقل )
ونهى اعرابي ابنه عن شرب النبيذ فلم ينته وقال
( أمن شربة من ماء كرم شربتها ... غضبت علي الآن طابت لي الخمر )
( سأشرب فاسخط لارضيت كلاهما ... حبيب إلى قلبي عقوقك والسكر )
وقيل قال ذلك يزيد بن معاوية لأبيه حين نهاه عن شرب الخمر
ومما جاء في صلة الرحم
قال رسول الله صلة الرحم منهاة للولد مثراة للمال
وقيل وجد حجر حين حفر ابراهيم الخليل عليه السلام أساس البيت

عليه بالعبرانية أنا الله ذوبكة خلقت الرحم وشققت لها إسما من أسمائي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته أي قطعته
وقال رسول الله أعجل الخير ثوابا صلة الرحم
وحدثنا أبو سهل عن صالح بن جرير بن عبد الحميد عن منصور عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه كعب الأحبار أنه قال والذي فلق البحر لموسى بن عمران إن في التوراة لمكتوبا يا ابن آدم اتق ربك وبر والديك وصل رحمك أزد في عمرك وأيسر لك في يسيرك وأصرف عنك عسيرك
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي أنه قال صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب جلا وعلا وصلة الرحم تزيد في العمر وذكر تمام الحديث
الفصل الثالث من هذا الباب في ذكر الأنساب والأقارب والعشيرة
قال عمر رضي الله عنه تعلموا أنسابكم تعرفوا بها أصولكم فتصلوا بها أرحامكم وقيل لو لم يكن من معرفة الأنساب إلا اعتزازها من صولة الأعداء وتنازع الأكفاء لكان تعلمها من أحزم الرأي وأفضل الثواب ألا ترى إلى قول قوم شعيب عليه السلام حيث قالوا ولولا رهطك لرجمناك فأبقوا عليه لرهطه
وقال عمر رضي الله عنه تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة وتعلموا النسب فرب رحم مجهولة قد وصلت بعرفان نسبها
وسئل عيسى عليه السلام أي الناس أشرف فقبض قبضتين من تراب وقال أي هاتين أشرف ثم جمعهما وطرحهما وقال الناس كلهم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم
كان أبو كبشة جد رسول الله من قبل أمه فلما خالف رسول الله دين قريش

قالوا نزعة عرق أبي كبشة حيث خالفهم في عبادة الشعري
وقال خالد بن عبد الله القشيري سألت واصل بن عطاء عن نسبه فقال نسبي الإسلام الذي من ضيعه فقد ضيع نسبه ومن حفظه فقد حفط نسبه فقال خالد وجه عبد وكلام حر
ومن كلام علي كرم الله وجهه أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير فإنك بهم تصول وبهم تطول وهم العدة عند الشدة أكرم كريمهم وعد سقيمهم وأشركهم في أمورك ويسر عن معسرهم
وكان يقال إذا كان لك قريب فلم تمش إليه برجلك ولم تعطه من مالك فقد قطعته
ويقال حق الأقارب إعظام الأصغر للأكبر وحنو الأكبر على الأصغر
قال رسول الله حق كبير الأخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده قال بعضهم
( وإذا رزقت من النوافل ثروة ... فامنح عشيرتك الأداني فضلها )
( واعلم بأنك لم تسود فيهم ... حتى ترى دمث الخلائق سهلها )

الباب السادس والأربعون في الخلق وصفاتهم وأحوالهم وذكر الحسن والقبيح والقصر والألوان والثياب وما أشبه ذلك وفيه فصول
الفصل الأول
في الحسن ومحاسن الأخلاق
وإلى سيدنا محمد رسول الله ينتهي الحسن والجمال
كان سيدنا محمد ربعة من القوم لا بائنا من طول ولا تقتحمه عين من قصر أبيض اللون مشربا بحمرة أدعج العينين مفلج الثنايا دقيق المسربة أزهر الجبين واضح الخد أقنى الأنف كأن عنقه إبريق فضة ظاهر الوضاءة يتلألأ وجهه تلألؤ القمر شثن الكفين مسبح القدمين واسع الصدر من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره شعر غير أشعر الذراعين والمنكبين لم يبلغ شيبه في رأسه ولحيته عشرين شعرة ضخم الكراديس أنور المتجرد إذا مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا بين كتفيه خاتم النبوة كأنه زر حجلة أو بيض حمامة لونه كلون جسده أبلج

حسن الخلق وسيما قسيما في جبينه زجج وفي عينيه دعج وفي عنقه سطع وفي لحيته كثافة إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء أجمل الناس وأبهاهم من بعيد وأحسنهم وأكملهم من قريب كأنما منطقه خرزات نظم يتحدرن
قال أنس رضي الله عنه ما رأيت من ذي لمة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله ومدحه حسان بن ثابت رضي الله عنه فقال
( وأحسن منك لم ترقط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء )
( خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء )
اللهم صلى وسلم عليه واجعله شفيعا لمن يصلي عليه
وقال ما حسن الله خلق عبد وخلقه إلا استحيا أن يطعم لحمه النار وقد كان المتوكل رحمه الله من أحسن الخلفاء العباسية وجها وأبهاهم منظرا وكان مصعب بن الزبير من أحسن الناس وجها
حكي إنه كان جالسا بفناء داره يوما بالبصرة فإذا جاءت امرأة فوقفت تنظر إليه فقال لها ما وقوفك يرحمك الله فقالت طفئ مصباحنا فجئنا نقتبس من وجهك مصباحا
وقيل لإعرابية ظريفة ما بال شفتيك مشفقة فقالت إن التين إذا حلا تشقق والورد يتشقق إذا مسه الندى وكانت لبابة بنت عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم من أجمل الناس وجها وكانت عند الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فكانت تقول ما نظرت وجهي في مرآة مع إنسان إلا رحمته من حسن وجهي إلا الوليد فكنت إذا نظرت إلى وجهي مع وجهه رحمت وجهي من حسن وجهه قال الشاعر
( ولو أنها في عهد يوسف قطعت ... قلوب رجال لا أكف نساء )
وقال كثير
( لو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها )

ومما جاء في محاسن الخلق منظوما على الترتيب من الفرق إلى القدم
ما قيل في الشعر كان يقال من تزوج امرأة أو اتخذ جارية فليتحسن من شعرها فإن الشعر الحسن أحد الوجهين قال بكر بن النطاح
( بيضاء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه وهو وجه أسحم )
( فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم )
وللمتنبي
( نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا )
( واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا )
وله أيضا
( لبسن الوشي لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا )
( وصفرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا )
وقال الصفدي
( لولا شفاعة شعره في صبه ... ما كان زار ولا أزال سقاما )
( لكن تنازل في الشفاعة عنده ... فعذا على أقدامه يترامى )
وقال ابن الصائغ
( ثنى غصنا ومد عليه فرعا ... كحظ حين أطلب منه وصلا )

( وبليله على الأرداف منه ... فلم أر مثل ذاك الفرع أصلا )
وقال آخر
( أرخى ثلاثا يوم حمامه ... ذوائبا تعبق منها الغوال )
( فقلت والقصد ذؤاباته ... واسهرى في ذي الليالي الطوال )
وقال آخر
( بدت ثريا قرطها وشعرها ... متصل بكعبها كما ترى )
( يا عجبا لشعرها لما ابتدى ... من الثريا فانتهى إلى الثرى )
وقال ابن المعتز
( توارت عن الواشي بليل ذوائب ... لها من محيا واضح تحته فجر )
( يغطى عليها شعرها بظلامه ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر )
ومما قيل في الأصداغ
قال ابن المعتز
( ريم يتيه بحسن صورته ... عبث النعاس بلحظ مقلته )
( وكأن عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من ورد وجنته )
وقال العادلي
( وعهدي بالعقارب حين تشتو ... يخفف لدغها ويقل ضرا )
( فما بال الشتاء أتى وهذي ... عقارب صدغها تزداد شرا )
وقال آخر
( وما ضره نار بخديه ألهبت ... ولكن بها قلب المحب يعذب )
( عناقيد صدغيه بخديه تلتوي ... وأمواج ردفيه بخصريه تلعب )
( شربت الهوى صرفا زلالا وإنما ... لواحظه تسقى وقلبي يشرب )

وقال آخر
( حل القبا ولوى صدغيه فانعقدا ... واحيرتي بين محلول ومعقود )
( وأسكرتني ثناياه وريقته ... هل هذه الخمر من تلك العناقيد )
ومما قيل في مدح العذار قال أبو فراس بن حمدان
( يا من يلوم على هواه جهالة ... انظر إلى تلك السوالف تعذر )
( حسنت وطاب نسيمها فكأنها ... مسك تساقط فوق خد أحمر )
وقال محمد بن وهب
( صدودك والهوى هتكا استتاري ... وساعدني البكاء على اشتهاري )
( وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختباري )
( ولم أخلع عذارا فيك إلا ... لما عاينت من خلع العذار )
وقال آخر
ومعذر رقت حواشي خده ... فقلوبنا وجدا عليه رقاق )
( لم يكس عارضه السواد وإنما ... نفضت عليه سوادها الأحداق )
وقال آخر
( ومهفهف راقت نصارة وجهه ... والعين تنظر منه أحسن منظر )
( أصلى بنار الخد عنبرخاله ... فبدا العذار دخان ذاك العنبر )
وقال آخر
( أصبحت سلطان القلوب ملاحة ... وجمال وجهك للبرية عسكر )
( طلعت طلائع وجنتيك مغيرة ... بالنصر يقدمها اللؤاء الأخضر )
وقال آخر
( يا ذا الذي خط العذار بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا )

( ما صح عندي أن لحظك صارم ... حتى حملت بعارضيك حمائلا )
وقال آخر
( من لا رأى كعبة الحسن التي حرست ... بالنمل حيث مقام النحل في فمه )
( فلينظر النمل أضحى فوق عارضه ... يطوف سبعا وسبعا حول مبسمه )
وقال بدر الدين الدماميني
( تحدث ليل عارضه بأني ... سأسلوه وينصرم المزار )
( فأشرق صبح غرته ينادي ... حديث الليل يمحوه النهار )
وقال آخر
( وقالوا تسلى فقد شأنه ... عذار أراحك من صده )
( فقلت وهممتم ولكنني ... خلعت العذار على خده )
سيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء
( على وجنتيه جنة ذات بهجة ... ترى لعيون الناس فيها تزاحما )
( حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان العذار حماحمى )
وقال ابن نباتة
( وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه )
( شغف العذار بخده ورآه قد ... نعست لواحظه فدب عليه )
وقال الموصلي
( لحديث نبت العارضين حلاوة ... وطلاوة هامت بها العشاق )
( فإذا نهاني المرء قلت ترفقوا ... فاليكم هذا الحديث يساق )
وقال آخر
( أصبحت مكسورا بسهم لحاظه ... ومقيدا من صدغه ولسانه )
( حتى بدا سيف العذار مجردا ... فخشيت يقتلني وذا من شأنه )

وقال آخر
( يا صاح قد حضر المدام ومنيتي ... وحظيت بعد الهجر بالايناس )
( وكسا العذار الخد حسنا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكأس )
وقال ابن نباته
( وضعت سلاح الصبر عنه فما له ... يغازل بالألحاظ من لا يغازله )
( وسال عذار فوق خديه سائل ... على خده فليتق الله سائله )
ومما قيل في ذم العذار قال الشاعر
( غدا لما التحى ليلا بهيما ... وكان كأنه قمر منير )
( وقد كتب السواد بعارضيه ... لمن يقرأ وجاءكم النذير )
وقال آخر في ذمه
( قلت لأصحابي وقد مر بي ... منتقيا بعد الضيا بالظلم )
( بالله يا أهل ودي قفوا ... ثم انظروا كيف زوال النعم )
وقال آخر
( ما زال ينتف ريحانا بعارضه ... حتى استطال عليه صار يحلقه )
( كأنما طور سينا فوق عارضه ... طول الزمان فموسى لا يفارقه )
وقال آخر
( ما زال يحلف لي بلك ألية ... أن لا يزال مدى الزمان مصاحبي )
( لما جنى نزل العذار بخده ... فتعجبوا لسواد وجه الكاذب )
قال ابن المعتز
( يا رب إن لم يكن في وصل طمع ... ولم يكن فرج من طول جفوته )
( فاشفت السقام الذي في لحظه مقلته ... واستر ملاحة خديه بلحيته )

ومما قيل في الجبين والحواجب
قال خالد الكاتب
( لها من ظباء الرمل عين مريضة ... ومن ناضر الريحان خضرة حاجب )
( ومن يانع الأغصان قد وقامة ... ومن حالك الحبر اسوداد الذوائب )
وقال آخر
( غزاني الهوى في جيشه وجنوده ... وهب على الجيش من كل جانب )
( بميسرة أجنادها أعين المها ... وميمنة تقضي بزج الحواجب )
وقال آخر
( أيا قمرا تبسم عن أقاح ... ويا غصبا يميل مع الرياح )
( جبينك والمقبل والثنايا ... صباح في صباح في صباح )
ومما قيل في العيون
قال الأصمعي ما وصف أحد العيون بمثل ما وصف أحمد بن الرقاع في قوله
( وكأنها دون النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم )
( وسنان أقصده النعاس تلاعبت ... في جفنه سنة وليس بنائم )
وقال ابن المعتز
( عليم بما تحت العيون من الهوى ... سريع بكسر اللحظ والقلب جازع )
( فيجرح أحشائي بعين مريضة ... كما لان متن السيف والحد قاطع )
وقال الأخطل
( ولا تلمم بدار بني كليب ... ولا تقرب لها أبدا رحالا )
( ترى فيها بوارق مرهفات ... يكدن يكدن بالحرق الرجالا )

وقال أبو فراس وأحسن
( وبيض بألحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفا واستللن خناجرا )
( تصدين لي يوما بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي بالتصبر غادرا )
( سفرن بدورا والتقين أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا )
وقال آخر
( ومريض جفن ليس يصرف طرفه ... نحو امرئ إلا رماه بحتفه )
( قد قلت إذ أبصرته متمايلا ... والردف يجذب خصره من خلفه )
( يا من يسلم خصره من ردفه ... سلم فؤاد محبه من طرفه )
وقال أبو هتان
( أخو دنف رمته فاقصدته ... سهام من جفونك لا تطيش )
( فواتك لا يقال سوى احورار ... بهن ولا سوى الأهداب ريش )
( أصبن فؤاد مهجته فأضحى ... سقيما لا يموت ولا يعيش )
( كئيبا إن ترحل عنه جيش ... من البلوى أناخ به جيوش )
وقال آخر
( وجاؤا إليه بالتعاويذ والرقى ... فصبوا عليه الماء من شدة النكس )
( وقالوا به من أعين الجن نظرة ... ولو أنصفوا قالوا به أعين الأنس )
وقال عز الدين الموصلي
( لها عين لها غزو وغزل ... مكحلة ولي عين تباكت )
( وحاكت في فعائلها المواضي ... فيا لك مقلة غزلت وحاكت )
وقال برهان الدين القيراطي
( شبه السيف والسنان بعيني ... من لقتلي بين الأنام استحلا )
( فأتى السيف والسنان وقالا ... حدثا دون ذاك حاشى وكلا )

وله أيضا
( بأبي أهيف المعاطف لدن ... حسد الأسمر المثقف قده )
( ذو جفون مذ رمت منها كلاما ... كلمتني سيوفهن بحده )
وقال بدر الدين بن حبيب
( عيناه قد شهدت بأني مخطئ ... وأتت بخط عذاره تذكارا )
( يا حاكم الحب ائتد في قتلتي ... فالخط زور الشهود سكارى )
وقال جلال الدين بن خطيب داريا
( شهدت جفون معذبي بملالة ... مني وأن وداده تكليف )
( لكنني إلم أنأ عنه لأنه ... خبر رواه الجفن وهو ضعيف )
وقال الشيخ عز الدين الموصلي
( يا مقلة الحب مهلا ... فقد أخذت بثارك )
( وأنت يا وجنتيه ... لا تحرقيني بنارك )
وقال ابن الصائغ
( لمثلي من لواحظها سهام ... لها في القلب فتك أي فتك )
( إذا رامت تشك به فؤادا ... يموت المستهام بغير شك )
وقال الصلاح الصفدي
( يا عاذلي على عين محجبة ... خف سحر ناظرها فالسحر فيه خفى )

( وخذ فؤادي ودعه نصب مقلتها ... لا ترم نفسك بين السهم والهدف )
وقال آخر
( بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه )
( إن مت ما لي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه )
وقال آخر
( سهام الجفن كم قتلت لنفس ... مبراة من السلوى زكية )
( فما أقوى جفونك وهي مرضى ... وأقدرها على قتل البرية )
ومما قيل في الخال
للصلاح الصفدي
( بروحي خده المحمر أضحى ... عليه شامه شرط المحبة )
( كأن الحسن يعشقه قديما ... فنقطه بدينار وجبه )
ولابن الصائغ
( بروحي أفدي خاله فوق خده ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال )
( تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخال )
للشيخ جمال الدين بن نباتة
( لله خال على خد الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبث )
( أورثته حبه القلب القتيل به ... وكان عهدي بأن الخال لا يرث )
وقال آخر
( يا سالبا قمر السماء جماله ... ألبستني في الحزن ثوب سمائه )
( أحرقت قلبي فارتمي بشرارة ... علقت بخدك فانطفت في مائه )
للشيخ تقي الدين بن حجة
( قلت للخال إذ بدا ... في نقا جيده السعيد )

( فزت يا عبد قال لي ... أنا عبد لكل جيد )
وقال ابن أيبك
( في الجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسك اشتهى شمها )
( حسبته لما بدا خالها ... وجدته من حسنها عمها )
وقال الحسين بن الضحاك
( يا صائد الطير كم ذا ... باللحظ تضني وتسبي )
( نصبت نقطة خال ... فصدت طائر قلبي )
ومما قيل في الخدود
قال ابن المعتز
( صل بخدي خديك تلق عجيبا ... من معان يحار فيها الضمير )
( فبخديك للربيع رياض ... وبخدي للدموع غدير )
وقال آخر
( ورد الخدود ونرجس اللحظات ... وتصافح الشفتين في الخلوات )
( شيء أسر به وأعلم أنه ... وحياته أحلى من اللذات )
ومما قيل في الثغور
قال يوسف بن مسعود الصواف
( بروحي من ولى فولى بمهجتي ... وولى منامي وهو كالوصل شارد )
( حمى ثغره مني بسيف لحاظه ... وحتام يحمى ثغره وهو بارد )
وقال آخر
( أنفقت كنز مدامعي في ثغره ... وجمعت فيه كل معنى شارد )
( وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فمضى وراح تغزلي في البارد )

وقال آخر
( رأى ثغر من أهوى عذولي فقال لي ... ولم يدر أن اللوم في خده يغري )
( شغلت بهذا وارتبطت بحسنه ... وأحسن ما كان الرباط على ثغر )
وقال ابن ريان
( لاحت على مبسمه المشتهى ... ثلاث شامات غدت في التثام )
( لا تعجبوا إن كثرت حوله ... فالمنهل العذب كثير الزحام )
ومما قيل في طيب الريق والنكهة
قال ذو الرمة
( أسيلة مجرى الدمع هيفاء طفلة ... عروب كايماض الغمام ابتسامها )
( كأن على فيها وما ذقت طعمه ... زجاجة خمر فيها مدامها )
وقال شهاب الدين الكردي
( ذكرت ريح حبيبي ... بشرب راح تعطر )
( وليس ذا بعجب ... فالشيء بالشيء يذكر )
وقال غيره
( رشفت ريقا حلوا ... ولم يكن لي صبر )
( وسوف أحظى بوصل ... فأول الغيث قطر )
وقال الصلاح الصفدي
( نقل الأراك بأن ريقه ثغره ... من قهوة مزجت بماء الكوثر )
( قد صح ما نقل الأراك لأنه ... يرويه نصا عن صحاح الجوهري )
وقال آخر
( ثلاث تجمعن في ثغرها ... ملاح أدلتها واضحة )

( فإن قيل ما هي قل لي أقل ... هي الطعم واللون والرائحة )
وقال آخر
( يا رب ممتنع الوصال محجب ... بستوره كالبدر بين غيومه )
( دارت مراشفه علي وكأسه ... فسكرت في الحالين من خرطومه )
وقال آخر
( أريقا من رضابك أم رحيقا ... رشفت فكدت منه لن أفيقا )
( وللصهباء أسماء ولكن ... جهلت بأن في الأسماء ريقا )
ومما قيل في حسن الحديث
قال البحتري
( ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر حسنا ولاقطه )
( فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه )
وقال سلم الخاسر
( ظللنا فبتنا عند أم محمد ... بيوم ولم نشرت شرابا ولا خمرا )
( إذا صمتت عنا ضجرنا لصمتها ... وإن نطقت هاجت لالبابنا سكرا )
وقال ابن الرومي
( يمسي ويصبح معرضا فكأنه ... ملك عزيز قاهر سلطانه )
( ليست اسائته بناقصة له ... در يساقطه إلي لسانه )
وما أحسن هذه الأبيات
وهي من طارف الشعر ووافره وناقده وجيد الكلام وبارع الوصف
( وكل حديث الناس إلا حديثها ... رجيع وفيما حدثتك الطرائف )
( جرحن باعناق الظباء واعين الجآذر ... وارتجت بهن الروادف )
( رجحن بأرداف ثقال وأسوق ... جزال وأعضاء عليها المطارف )

ومما قيل في رقة البشرة
قال ابن المعتز
( نضت عنها القميص لصب ماء ... فورد خدها فرط الحياء )
( وقابلت الهواء وقد تعرت ... بمعتدل أرق من الهواء )
( ومدت راحة كالماء منها ... إلى ماء عتيد في إناء )
( فلما قضت وطرا وهمت ... على عجل إلى أخذ الرداء )
( رأت شخص الرقيب على تدان ... فاسبلت الظلام على الضياء )
( فغاب الصبح منها تحت ليل ... وظل الماء يقطر فوق ماء )
وقال آخر
( تغير عن مودته وحالا ... وكان مواصلا فطوى الوصالا )
( وعلمه التدلل كيف هجري ... فليت الوصل كان له دلالا )
( ترى من فوق حقويه قضيبا ... إذ ما حركته خطاه مالا )
( إذا كلمته أثرت فيه ... وإن حركته فالخمر سالا )
وقال بشار
( وما ظفرت عيني غداة لقيتها ... بشيء سوى أطرافها والمحاجر )
( كحوراء من حور الجنان غريرة ... يرى وجهه في وجهها كل ناظر )
ومنه أخذ أبو نواس قوله
( نظرت إلى وجهه نظرة ... فأبصرت وجهي في وجهه )
وقال آخر
( توهمه قلبي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر )
( ومر بفكري جسمه فجرحته ... ولم أر جسما قط تجرحه الفكر )

وقال آخر
( سقى الله روضا قد تبدى لناظر ... به شادن كالغصن يلهو ويمرح )
( وقد نضحت خداه من ماء ورد ... وكل إناء بالذي فيه ينضح )
وقال آخر
( وأهيف خده كسي احمرارا ... وحاز الحسن فهو بلا شبيه )
( فلو أخجلته بالقول جهدي ... لحمرة خده ما بان فيه )
ومما قيل في التقبيل
لمظفر الأعمى
( قبلته فتلظى جمر وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق )
( وجال بينهما ماء ولا عجب ... لا ينطفى ذا ولا ذا منه يحترق )
وقال آخر
( سألته في ثغره قبلة ... فقال ثغري لم يجز لثمه )
( فها كهافي الخد واقنع بها ... ما قارب الشيء له حكمه )
وقال صاحب حماة
( قال الذي تيمني ... قولوا لمن خبلته )
( يروم مني قبلة ... لو مات ما قبلته )
وللشيخ عز الدين الموصلي
( كالزرد المنظوم أصداغه ... وخده كالورد لما ورد )
( بالغت في اللثم وقبلته ... في الخد تقبيلا يفك الزرد )

وقال آخر
( رأيت الهلال على وجهه ... فلم أدر أيهما أنور )
( سوى أن ذاك بعيد المزار ... وهذا قريب لمن ينظر )
( وذاك يغيب وذا حاضر ... وما من يغيب كمن يحضر )
( ونفع الهلال قليل لنا ... ونفع الحبيب لنا أكثر )
وقال ابن صابر
( قبلت وجنته فألفت جيده ... خجلا وماس بعطفه المياس )
( فانهل من خديه فوق عذاره ... عرق يحاكي الطل فوق الآس )
( فكأنني استقطرت ورد خدوده ... بتصاعد الزفرات من أنفاسي )
وقال آخر
( قبلت رجل حبيبي ... فازور واحمر خدا )
( وقال تلثم رجلي ... لقد تنازلت جدا )
( فقلت ما جئت بدعا ... ولا تجاوزت حدا )
( رجل سعت بك نحوي ... حقوقها لا تؤدي )
ومما قيل في الوجه الحسن
قال ابن نباتة
( إنسية في مثال الجن تحسبها ... شمسا بدت بين تشريق وتغميم )
( شقت لها الشمس ثوبا من محاسنها ... فالوجه للشمس والعينان للريم )
وقال عبد الله بن أبي خبيص
( تصد من غير علة ... بالعز أضحت مذلة )
( كأنها حين تدنو ... شمس عليها مظلة )
( وأن أضاءت بليل ... تفوق نور الأهلة )

وقال آخر
( أقسم بالله وآياته ... ما نظرت عيني إلى مثله )
( ولا بدا وجهه طالعا ... الا سألت الله من فضله )
وقال آخر
( أقيمي مكان البدر إن أفل البدر ... وقومي مقام الشمس قد أمها الفجر )
( ففيك من الشمس المنيرة نورها ... وليس لها منك التبسم والثغر )
وقال عمر بن أبي ربيعة
( ذات حسن إن تغب شمس الضحى ... فلنا من وجهها عنها خلف )
( أجمع الناس على تفضيلها ... وهواهم في سوى هذا اختلف )
أخذ أبو تمام هذا المعنى فرده إلى المدح فقال
( لو أن إجماعنا في فضل سؤدده ... في الدين لم يختلف في الأمة اثنان )
وقال آخر
( يا مفردا في الحسن والشكل ... من دل عينيك على قتلي )
( البدر من شمس الضحى نوره ... والشمس من نورك تستملي )
وقال آخر
( ففي أربع مني حلت منك أربع ... فما أنا أدري أيها هاج لي كربي )
( أوجهك في عيني أم الريق في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي )
فلما سمعه اسحق بن يعقوب الكندي قال هذا تقسيم فلسفي وجعله العلوي خمسة فقال
( وفي خمسة مني حلت منك خمسة ... فريقك منها في فمي طيب الرشف )
( ووجهك في عيني ولمسك في يدي ... ونطقك في سمعي وعرفك في أنفي )
وقال ابن نباتة
( أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب )

( وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب )
وقال محمود المخزومي
( رأيتك في الشمس المنيرة غدوة ... فكنت على عيني أبهى من الشمس )
( لأنك تزهو إن بدا الليل بهجة ... وشمس الضحى ليست تضيء إذا تمنى )
وقال آخر
( إذا احتجبت لم يكفك البدر وجهها ... وتكفيك فقد البدر إن غرب البدر )
( وحسبك من خمر مذاقة ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر )
ومما قيل في البنان المخضب قال ابن الرومي
( وقفت وقفة بباب الطاق ... ظبية من مخدرات العراق )
( بنت سبع وأربع وثلاث ... أسرت قلب صبها المشتاق )
( قلت من أنت يا غزال فقالت ... أنا من لطف صنعة الخلاق )
( لا ترم وصلنا فهذا بنان ... قد صبغناه من دم العشاق )
وقال الراضي بالله
( قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها ... في خدها وقد اعتلقت خطابها )
( فظننت أن بنانها من فضة ... قطفت بنور بنفسج عنابها )
وقال آخر
( لما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنا بدمع ناطق )
( فرقن بين محاجر ومعاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق )
وقال آخر
( ولما تلاقينا رأيت بنانها ... مخضبة تحكى عصارة عندم )
( فقلت خضبت الكف بعدي أهكذا ... يكون جزاء المستهام المنيم )
( فقالت وأذكت في الحشى لاعج الجوى ... مقالة من بالود لم يتبرم )
( بكيت دما يوم النوى فمسحته ... بكفي فاحمرت بناني من دمي )

حذف حذف حذف حذف حذف

وقال آخر
( دنوت عشية التوديع مني ... ولي عينان بالدم تجريان )
( فلم يمسحن إكراما جفوني ... ولكن رمن تخضيب البنان )
ومما قيل في النحور
قال دعبل
( أتاح لك الهوى بيضا حسانا ... تباهى بالعيون وبالنحور )
( نظرت إلى النحور فكدت تقضي ... فكيف إذا نظرت إلى الحضور )
ومما قيل في نعت النهود
قال العباس بن الأحنف
( والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رق للولد الضعيف الوالد )
( جال الوشاح على قضيب زانه ... تفاح صدر ما حوته ناهد )
وقال آخر
( ومحبوبة عند الوداع رأيتها ... تنشف دمعا بالرداء الممسك )
( وتبكي حذار البين منها بدمعة ... تسيل على الخدين في حسن مسلك )
( فتحست مجرى الدمع من وجناتها ... بقية طل فوق ورد ممعك )
( وقد سفرت عن غرة بابلية ... وصدر به نهد بحق مفكك )
وقال عمر بن كلثوم
( تراك إذا دخلت على خلاء ... قد امتدت عيون الكاشحينا )
( لنهد مثل حق العاج حسنا ... حصينا من أكف اللامسينا )
وقال آخر
( بصدرها كوكبا در كأنهما ... ركنان لم يدنسا من لمس مستلم )

( صانتهما بستور من غلائلها ... فالناس في الحل والركنان في الحرم )
وقال آخر
( صدور فوقهن حقاق عاج ... ودر زانه حسن اتساق )
( يقول الناظرون إذا رأوه ... أهذا الحلي من هذي الحقاق )
( وما تلك الحقاق سوى ثدي ... جعلن من الحقاق على وفاق )
( نواهد لا يعد لهن عيب ... سوى منع المحب من العناق )
وقال آخر
( لقد فتكت عيون الغيد فينا ... ببيض مرهفات وهي سود )
( وتطعننا القدود إذا التقينا ... بسمر من اسنتها النهود )
ومما قيل في الأرداف والخصور
ابن الرومي
( وشربت كأس مدامة من كفها ... مقرونة بمدامة من ثغرها )
( وتمايلت فضحكت من أرادفها ... عجبا ولكني بكيت لخصرها )
الطنبغا المحاربي
( ردفه زاد في الثقالة حتى ... أقعد الخصر والقوام السويا )
( نهض الخصر والقوام وقالا ... فضعيفان يغلبان قويا )
وقال آخر
( يا خصره كم جفاء ... تبدي وأنت نحيل )
( يا ردفه ملت عني ... ما أنت إلا بخيل )
القيراطي
( بدت روادف بدري ... تحت الحنين لعيني )
( فقلت يا بدر هذا ... حقا خيال لحيني )

وقال آخر
( أسائلها أين الوشاح وقد سرت ... معطلة منه معطرة النشر )
( فقالت وأومت للسوار نحلته ... إلى معصمي لما تلقلق في خصري )
وقال آخر
( بيض وسمر مقلتاه وقده ... بدر وليل وجنتاه وشعره )
( أقسى من الحجر الأصم فؤاده ... وأرق من شكوى المتيم خصره )
وقال آخر
( رخيمات المقال مدللات ... جواعل في الثرى قضبا جذالا )
( جمعن فخامة وخلوص جيد ... رقدا بعد ذلك واعتدالا )
ومما قيل في المعاصم
قال عمر بن ابي ربيعة
( حسروا الوجوه بأذرع ومعاصم ... ورنوا بنجل للقلوب كوالم )
( حسروا الأكمة عن سواعد فضة ... فكأنما انتصبت متون صوارم )
ومما قيل في اعتدال القوام
قال صلاح الدين الصفدي
( تقول له الأغصان مذ هز عطفه ... أتزعم أن اللين عندك ما ثوى )
( فقم نحتكم للروض عند نسيمه ... لتقضي على من مال منا إلى الهوى )
وقيل ليس لأحد من شعراء العرب في نعت محاسن النساء من الأوصاف البارعة مع جودة السبك ورقة اللفظ ما لذي الرمة حتى كأنه حضري من أهل المدن لا من أهل الوبر وقال القاضي مجد الدين بن مكانس

( أقول لحبي قم ومل يا معذبي ... كميلة خود غير السكر حالها )
( ولا تلة عن شيء إذا ما حكيتها ... فقام كغصن البان لينا وما لها )
وقال آخر
( ومحكم أعطافه ... في قتل صب ما غوى )
( فاعجب لعادل قده ... في النفس يحكم بالهوى )
وقال آخر
( ومهفهف عني يميل ولم يمل ... يوما إلى فصحت من ألم الجوى )
( لم لا تميل إلي يا غصن النقا ... فأجاب كيف وأنت من أهل الهوى )
ومما قيل في الساق
قال ذو الرمة
( لم أنسه إذ قام يكشف عامدا ... عن ساقه كاللؤلؤ البراق )
( لا تعجبوا إن قام فيه قيامتي ... إن القيامة يوم كشف الساق )
وقال آخر
( جاءت بساق أبيض أملس ... كلؤلؤ يبدو لعشاقها )
وقال ابن منقذ
( بدر ولكنه قريب ... ظبي ولكنه أنيس )
( إن لم يكن قده قضيبا فما لأعطافه تميس )
ومما قيل في مشي النساء
قال بعضهم
( يهززن للمشي أطرافا مخضبة ... هز الشمال ضحى عيدان نسرين )
( أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي الرجال فزاد المتن في اللين )

وقال آخر
( يمشين مشي قطا البطاح تأودا ... قب البطون رواجح الأكفال )
( فكأنهن إذا أردن زيارة ... يقلعن أرجلهن من أوحال )
ومما قيل في العناق وطيبه
لابن المعتز
( ما أقصر الليل على الرافد ... وأهون السقم على العائد )
( كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد )
( فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد )
وقال آخر
( وموشح نازعت فضل وشاحه ... وأعرته من ساعدي وشاحا )
( بات الغيور يشق جلدة وجهه ... وأمال أعطافا علي ملاحا )
وقال ابن المعدل
( أقول وجنح الدجى مسبل ... والليل في كل فج يد )
( ونحن ضجيعان في مسجد ... فلله ما ضمنا المسجد )
( أيا غد إن كنت لي محسنا ... فلا تدن من ليلتي يا غد )
( ويا ليلة الوصل لا تقصري ... كما ليلة الهجر لا تنفد )
وقال آخر
( ليل رقيق الطرتين تظلمت ... كواكبه من بدره المتألق )
( لهونا بغزلان الصريمة تحته ... نميت الهوى ما بين صدر ومرفق )

قال ابن المعتز
( وكم عناق لنا وكم قبل ... مختلسات حذار مرتقب )
( نقر العصافير وهي خائفة ... من النواطير يانع الرطب )
( وقال ديك الجن
( ومعدولة مهما أمالت أزارها ... فغصن وأما قدها فقضيب )
( لها القمر الساري شقيق وإنها ... لتطلع أحيانا له فيغيب )
( أقول لها والليل مرخ سدوله ... وغصن الهوى غض النبات رطيب )
( لأنت المنى يا زين كل مليحة ... وأنت الهوى أدعى له فأجيب )
وقال علي بن الجهم
( سقى الله ليلا ضمنا بعد فرقة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذب )
( فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب )
وقال آخر
( يا ليل دم لي لا أريد براحا ... حسبي بوجه معذبي مصباحا )
( حسبي به نورا وحسبي ريقه ... خمرا وحسبي خده تفاحا )
( حسبي بمضحكه إذا استضحكته ... مستغنيا عن كل نجم لاحا )
( طوقته طوق العناق بساعد ... وجعلت كفي للثام وشاحا )
( هذا هو اليوم النعيم فخلنا ... متعانقين فلا نريد براحا )
وقال آخر
( ولم أنس ضمي للحبيب على رضا ... ورشفي رضابا كالرحيق المسلسل )
( ولا قوله لي عند تقبيل خده ... تنقل فلذات الهوى في التنقل )
ومما قيل في السمن
قال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول ما رأيت سمينا عاقلا إلا محمد بن الحسن قال الشاعر

( لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن ... لكنني أعشق السمر المهازيلا )
( إني امرؤ أركب المهر المضمر في ... يوم الرهاب وغيري يركب الفيلا ) ومما قيل في مدح الألوان والثياب
مدح البياض قال رسول الله البياض نصف الحسن وكان أبيض أزهر اللون مشربا بحمرة
قال الشاعر
( بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول )
ومما قيل في مدح السواد قيل لبعضهم ما تقول في السواد ؟ قال النور في السواد أراد بذلك نور العينين في سوادهما وقال بعضهم
( قالوا تعشقتها سوداء قلت لهم ... لون العوالي ولون المسك والعود )
( إني امرؤ ليس شأن البيض مرتفعا ... عندي ولو خلت الدنيا من السود )
وقال الحيقطان
( لئن كنت جعد الرأس واللون فاحم ... فأني بسيط الكف والعرض أزهر )
( وإن سواد اللون ليس بضائري ... إذا كنت يوم الروع بالسيف أخطر )
دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون فقال إنك لنعم الخليفة الأسود فقال إبراهيم نعم فتمثل المأمون ببيت نصيب فقال
( إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق )
ثم قال يا عم أخرجنا الهزل إلى الجد فأنشد إبراهيم
( ليس يزرى السواد بالرجل الشهم ... ولا بالفتى الأريب الأديب )
( إن يكن للسواد فيك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي )
وقال آخر
( لام العواذل في سوداء فاحمة ... كأنها في سواد القلب تمثال )

( وهام في الخال أقوام وما علموا ... أني أهيم بشخص كله خال )
وقيل لمدني كيف رغبتم في السواد ؟ فقال لو وجدنا بيضاء لسودناها
وقال آخر
( يكون الخال في خد قبيح ... فيكسوه الملاحة والجمالات )
( فكيف يلام ذو عشق على من ... يراها كلها في الخد خالا )
وقال آخر
( فاستحسنوا الخال في خد فقلت لهم ... إني عشقت مليحا كله خال )
وقال أبو حاتم المدني ينشد
( ومن يك معجبا ببنات كسرى ... فإني معجبا ببنات حام )
وتفاخرت حبشية ورومية فقالت الرومية أنا حبة كافور وأنت عدل فحم فقالت الحبشة أنا حبة مسك وأنت عدل ملح وقد قال الشاعر
( أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب )
وقال آخر
( أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده )
( لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحدة )
ومما قيل في الصفرة
قال الشاعر
( أصفراء كان الهجر منك مزاحا ... ليالي كان الود منك مباحا )
( كأن نساء الحي ما دمت فيهم ... قباحا فلما غبت صرن ملاحا )

وقال آخر
( قالوا به صفرة شانت محاسنة ... فقلت ما ذاك من عيب به نزلا )
( عيناه مطلوبة في ثار من قتلت ... فلست تلقاه إلا خائفا وجلا )
ومما قيل في طول اللحية
قيل إن اللحية الطويلة عش البراغيث
ونظر يزيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة تلتف على صدره وإذا هو خاضب فقال له يا هذا إنك من لحيتك في مؤنة فقال أجل ولذلك أقول
( لها درهم للدهن في كل جمعة ... وآخر للحناء ينتدبان )
( ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لأصبح في حافاتها الحمنان )
وقال إسحاق بن خلف في قصير طويل اللحية
( ماشيت داود فاستضحكت من عجب ... كأنه والد يمشي بمولود )
( ما طول داود إلا طول لحيته ... يظن داود فيها غير موجود )
وقال ابن المقفع
( تأملت أسواق العراق فلم أجد ... دكاكينهم إلا عليها المواليا )
( جلوسا عليها ينفضون لحاءهم ... كما نفضت عجف البغال المخاليا )
ومما جاء في عظم الخلقة والطول والقصر قيل خرب القهندر فبرزت منه جماجم أموات فتصدعت جمجمة فانتثرت أسنانها فوزن السن منها فكان وزنها أربعة أرطال فأتى بها إلى ابن المبارك فجعل يقلبها ويتعجب من عظمها ثم قال
( إذا ما تذكرت أجسامهم ... تصاغرت النفس حتى تهون )

وأراد ملك الروم أن يباهي أهل الاسلام فبعث إلى معاوية رجلين أحدهما طويل والثاني قصير شديد القوة فدعا الطويل بقيس بن سعد بن عبادة فنزع قيس سراويله ورمى بها إليه فلبسها الطويل فبلغت ثدييه فلاموا قيسا على نزع السراويل فقال
( أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود )
( وكي لا يقولوا خان قيس وهذه ... سراويل عاد أحرزتها ثمود )
( وإلي من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود )
ثم دعا معاوية للرجل الشديد في قوته بمحمد بن الحنفية فخيره بين أن يقعد فيقيمه أو يقوم فيقعده فغلبه في الحالتين وانصرفا مغلوبين
وقيل كان سلمة بن مرة الناموسي أسر امرأ القيس بن النعمان اللخمي الملك وكان الناموسي قصيرا مقتحما واللخمي طويلا جسيما
فقالت بنت امرئ القيس يا هذا القصير أطلق أبي فسمعه سلمة بن مرة فقال
( لقد زعمت بنت امرئ القيس أنني ... قصير وقد أعيا أباها قصيرها )
( ورب طويل قد نزعت سلاحه ... وعانقته والخيل تدمى نحورها )
وقالوا عظم اللحية يدل على البله وعرضها على قلة العقل وصغرها على لطف الحركة وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد والعين المتوسطة في حجمها تدل على الفطنة وحسن الخلف والمروءة والتي يطول تحديقها تدل على الحمق والتي تكسر طرفها تدل على خفة وطيش والشعر على الأذن يدل على جودة السمع والأذن الكبيرة المنتصبة تدل على حمق وهذيان
ومما قيل في القبح والدمامة
أراد رجل أن يكتب كتابا لبعض أصحابه فلم يجد من يرسله معه إلا رجلا وحش الصورة بشع المنظر فلم يقدر على تحليته لفرط دمامته فكتب إلى صاحبه يأتيك بهذا الكتاب آية على آيات الله تعالى وقدره فدعه يذهب إلى نار الله وسقره

ومر أبو الأسود الدؤلي بمجلس لبني بشير فقال بعض فتيانهم كأن وجهه وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاقها
وقال الجاحظ ما أخجلني قط إلا امرأة مرت بي إلى صائغ فقالت له اعمل مثل هذا فبقيت مبهوتا ثم سألت الصائغ فقال هذه المرأة أرادت أن أعمل صورة شيطان فقلت لا أدري كيف أصوره فأتت بك إلى لأصوره على صورتك وفي الجاحظ يقول الشاعر
( لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ )
( رجل ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو العمى في عين كل ملاحظ )
( ولو أن مرآة جلت تمثاله ... ورآه كان له كأعظم واعظ )
وقال الأصمعي رأيت بدوية من أحسن الناس وجها ولها زوج قبيح فقلت يا هذه أترضين أن تكوني تحت هذا ؟ فقالت يا هذا لعله أحسن فيما بينه وبين ربه فجعلني ثوابه وأسأت فيما بيني وبين ربي فجعله عذابي أفلا أرضى بما رضى الله به وحج مخنث فرأى رجلا قبيح الوجه يستغفر فقال يا حبيبي ما أراك أن تبخل بهاذا الوجه على جهنم وقال بعضهم لرجل طلع لي دمل في أقبح المواضع فقال له كذبت هذا وجهك ليس فيه شيء وخرج رجل قبيح الوجه إلى المتجر فدخل اليمن فلم ير فيها أحسن منه وجها فقال
( لم أر وجها حسنا ... منذ دخلت اليمنا )
( فيا شقاه بلدة ... أحسن من فيها أنا )
وخطب رجل عظيم الأنف امرأة فقال لها قد عرفت أني رجل كريم المعاشرة محتمل المكاره فقالت لا شك في احتمالك المكماره مع حملك هذا الأنف أربعين سنة
وقال الشاعر في رجل كبير الأنف
( لك وجه وفيه قطعة أنف ... كجدار قد أدعموه ببغله )
( وهو كالقبر في المثال ولكن ... جعلوا نصبه على غير قبله )

وقال آخر
( لك أنف من أنوف ... أنفت منه الأنوف )
( أنت في القدس تصلي ... وهو في البيت يطوف )
ومما جاء في الثقلاء
قال مطيع بن إياس
( قلت لعباس أخينا ... يا ثقيل الثقلاء )
( أنت في الصيف سموم ... وجليد في الشتاء )
( أنت في الأرض ثقيل ... وثقيل في السماء )
ومما جاء في الملابس وألوانها والعمائم ونحوها
قال الله تعالى ( وأما بنعمة ربك فحدث )
وقال تعالى ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )
وقال رسول الله " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " وقال الرسول " تعمموا تزدادوا جمالا " وقال الرسول " العمائم تيجان العرب "
وكان الزبير ابن العوام يقاتل يوم بدر وعليه عمامة صفراء فنزلت الملائكة وعليهم عمائم صفر قد أرخوها
وبعث رسول الله عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل فتخلف عن الجيش وأتى إلى رسول الله وعليه عمامة سوداء من خز فنقضها رسول الله وعممه بيده وأسدلها بين كتفيه قدر شبر وقال هكذا اعتم يا ابن عوف
وبعث ملك الروم

إلى النبي جبة ديباج فلبسها ثم كساها عثمان وكان سعيد بن المسيب يلبس الحلة بألف درهم ويدخل المسجد فقيل له في ذلك فقال إني أجالس ربي وقيل المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة
وقيل البس البياض والسواد فان الدهر هكذا بياض نهار وسواد ليل
ومما قيل في لبس السواد قول أبي قيس
( رأيتك في السواد فقلت بدرا ... بدا في ظلمة الليل البهيم )
( وألقيت السواد فقلت شمس ... محت بشاعها ضوء النجوم )
وقدم تاجر إلى المدينة يحمل من خمر العراق فباع الجميع إلا السود فشكا إلى الدارمي ذلك وكان الدارمي قد نسك وتعبد فعمل بيتين وأمر من يغني بهما في المدينة وهما هذان البيتان
( قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بزاهد متعبد )
( قد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد )
قال فشاع الخبر في المدينة إن الدارمي رجع عن زهده وتعشق صاحبة الخمار الأسود فلم يبق في المدينة مليحة إلا اشترت لها خمارا أسود فلما أنفذ التاجر ما كان معه رجع الدارمي إلى تعبده وعمد إلى ثياب نسكه فلبسها وقال آخر في لابسة الأحمر
( وشمس من قضيب في كثيب ... تبدت في لباس جلناري )
( سقتني ريقها صرفا وحيت ... بوجنتها فهاجت جل ناري )
وقال آخر في لابسه ثوب خمري
( في ثوبها الخمري قد أقبلت ... بوجنة حمراء كالجمر )
( فملت سكرا حين أبصرتها ... لا تنكروا سكري من الخمر )
وقال الصنوبري في لابسة أخضر
( وجارية أدبتها الشطاره ... ترى الشمس من حسنها مستعاره )
( بدت في قميص لها أخضر ... كما ستر الورق الجلناره )

( فقلت لها ما اسم هذا اللباس ... فأبدت جوابا لطيف العبارة )
( شققنا مرائر قوم به ... فنحن نسميه شق المرارة )
وقال حكيم لابنه إياك أن تلبس ما يديم الملك نظره إليك به واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا الأحمق أو ملك
وعليك بالبياض
وقيل لباس البخلاء الاستبرق لطول بقائه ولباس المترفين السندس لقلة بقائه ولباس المقتصدين الديباج لتوسط بقائه وقال بعض الأمراء لحاجبه أدخل علي عاقلا فأتاه برجل فقال بم عرفت عفله ؟ فقال رأيته يلبس الكتان في الصيف والقطن في الشتاء والملبوس في الحر والجديد في البرد وقيل كان لأبرويز عمامة طولها خمسون ذراعا إذا اتسخت ألقاها في النار فيحترق الوسخ ولا تحترق وكان له رداء حسن يتلون كل ساعة وسراويل مجوهرة وتكة من أنابيب الزمرد وقيل الأقبية لباس الفرس والقراطق لباس الهند والأزر لباس العرب
وسئل بعض العرب عن الثياب فقال الصفر أشكل والحمر أجمل والخضر أقبل والسود أهول والبيض أفضل وقال أفلاطون الصبغ الشقائقي والروائح الزعفرانية تسكن الغضب والصبغ الياقوتي والروائح الوردية تحرك السرور وإذا قرب اللون الأحمر إلى اللون الأصفر تحركت القوة العشقية وإذا مزجت الحمرة بالصفرة تحركت القوة الغريزية وإذا مزجت التفاحية بالحمرة تحركت الطبائع كلها وكان مصعب بن الزبير يقول لكل شيء راحة وراحة البيت كنسه وراحت الثوب طيه وقال بعض الأعراب رأيت في البصرة برودا كأنها نسجت بأنواع الربيع ودخل بعض العذريين على معاوية وعليه عباءة فازدراه فقال يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها
ومما قيل فيمن رذل لبسه وعرف نفسه
قال الأصمعي رأيت أعرابيا فاستنشدته فأنشدني أبياتا وروى أخبارا فتعجبت من جماله وسوء حاله فسكت سكتة ثم قال

( أأخي إن الحادثات ... عركنتي عرك الأديم )
( لا تنكرن أن قد رأيت ... أخاك في طمري عديم )
( إن كان أثوابي رثاث ... فإنهن على كريم )
قال بعضهم وقيل للشافعي رحمه الله تعالى
( علي ثياب لو تقاس جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثرا )
( وفيهن نفس لو يقاس ببعضها ... نفوس الورى كانت أجل وأكبرا )
( وما ضر نصل السيف أخلاق غمده ... إذا كان عضبا حيث وجهه برى )
ودخل بعضهم على الرشيد فازدراه فأنشده
( ترى الرجل الخفيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور )
( ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير )
( لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير )
( يصرفه الصبي بغير وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير )
( وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا عار عليه ولان نكير )
( فإن أك في شراركمو قليلا ... فاني في خياركمو كثير )
ويقال كل ما تشتهيه نفسك والبس ما تشتهيه الناس وقد نظمه من قال
( إن العيون رمتك إذ فاجأتها ... وعليك من مهن الثياب لباس )
( أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... واجعل لباسك ما اشتهته الناس )
وفي هذا القدر كفاية والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السابع والاربعون في التختم والحلى والمصوغ والطيب والتطيب وما أشبه ذلك
ما جاء في التختم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله يتختم في يمينه وقبض عليه الصلاة و السلام والخاتم في يمينه قال بعض من مدحه عليه الصلاة و السلام
( كف الرسالة ليس يخفى حسنها ... وتمام حسن الكف لبس الخاتم ) وذكر السلامي أن رسول الله كان يتختم في يمينه والخلفاء بعده فنقله معاوية رضي الله تعالى عنه إلى اليسار وأخذ الأموية بذلك ثم نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد رضي الله تعالى عنه فنقله إلى اليسار وأخذ الناس بذلك وعن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي " تختموا بخواتيم العقيق فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه ذلك " وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أن ابنه اشترى فص خاتم بألف دينار فكتب إليه عزمت عليك إلا ما بعت خاتمك بألف دينار وجعلتها في بطن جائع واستعمل خاتما من ورق وانقش عليه رحم الله امرأ عرف قدر نفسه وكان خاتم علي رضي الله عنه من ورق ونقشه نعم القادر الله وكان لأبي نواس خاتمان أحدهما عقيق مربع وعليه مكتوب
( تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما )

حديد صيني عليه أشهد أن لا إله إلا الله مخلصا وأوصى عند موته أن يغسل الفص ويجعل في فمه
قال جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنه ما افتقرت يد تختمت بخاتم فيروزج وقيل الخواتم أربعه الياقوت للعطش والفيروزج للمال والعقيق للسنة والحديد الصيني للحرز وقيل للخوف والله سبحانه وتعالى أعلم
ذكر ما جاء في الحلى
قيل إن قرطي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية كان فيهما درتان كبيض الحمام لم ير مثلهما ولم يدر قيمتهما
وقال محمد بعثني يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من كفي كانت للرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار وحبة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحب فدخلت عليه بهما فقال اكتب معك بوزنهما فقلت يا أمير المؤمنين هما أعظم من أن يكتب بوزنهما فقال صدقت وبعث معاوية إلى عائشة رضي الله تعالى عنها طوقا من ذهب فيه جوهرة قومت بمائة ألف دينار فقسمته بين أزواج النبي
وكان ملك العرب كلما مرت عليه سنة من سني ملكه زيدت في تاجه خرزة وكان يقال لها خرزات الملك
ذكر ما جاء في الطيب والتطيب
قال رسول الله " أطيب الطيب المسك " وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كأني أنظر إلي وبيض الطيب في مفارق رسول الله وهو محرم وعن سهل بن سعد يرفعه " إن في الجنة لمرعى من مسك مثل مراعي دوابكم هذه " وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال دخل علينا رسول الله فنام فعرق فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ وقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين ؟ فقالت هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب ريحه الطيب وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال لو كنت تاجرا ما اخترت على العطر إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه وناول المتوكل فتى فارة المسك فقال

( لئن كان هذا طيبنا وهو طيب ... لقد طيبته من يديك الانامل ) وأهدى عبد الله بن جعفر لمعاوية قارورة من الغالية فسأله كم أنفق عليها فذكر مالا جزيلا فقال هذه غالية فسميت بذلك وشمها مالك بن سليمان بن خارجة من أخته هند بنت أسماء فقال علميني كيف تصنعين طيبك ؟ فقالت لا أفعل تريد أن تعلمه جواريك هو لك مني كلما أردته ثم قالت والله إني ما تعلمته إلا من شعرك حيث تقول
( أطيب الطيب عرف أم أبان ... فار مسك بعنبر مسحوق )
قال أبو قلابة كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف جيران الطريق أنه مر من طيب ريحه وعن الحسن ابن زيد الهاشمي عن أبيه قال رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلي جسده فإذا مر في الطريق قال الناس أمر ابن عباس أم مر المسك ؟ وعنه عن أبيه قال رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين أحرم والغالية على صدغيه كأنها لزقة
وقال أبو الضحى رأيت على رأس الزبير من المسك ما لو كان لي لكان رأس مالي
وقيل لما بنى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بفاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة بالغالية
وقال الشعبي الرائحة الطيبة تزيد في العقل
وقال علي كرم الله تعالى وجهه تشمموا النرجس ولو في العام مرة فإن في قلب الانسان حالة لا يزيلها إلا النرجس
وكان الشعبي يقول إذا ورد الورد صدر البرد
وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستحبون إذا قاموا من الليل أن يمسوا لحاهم بالطيب وكان من اختلف في طرقات المدينة وجد عرفا طيبا قيل ولذلك سميت طيبة وأقول واله ما طابت طيبة إلا بالقلب الطاهر وما أحسن ما قيل
( إذا لم أطب في طيبة عند طيب ... به طيبة طابت فأين أطيب )

وقيل إن فارة المسك دويبة شبيهة بالخشف تصاد لسرتها فاذا صادها الصياد عصب السرة بعصابة شديدة فيجتمع فيها دمها ثم يذبحها ثم يأخذ السرة فيدفنها في الشعير حتى يستحيل الدم المجتمع فيها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام نتنا
وقد يوجد جرذان سود يقال لها فأرات المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها
وحكي أن العنبر يأتي على طفاوة الماء لا يدري أحد معدنه فلا يأكله شيء إلا مات ولا ينقره طائر إلا بقي منقاره فيه ولا يقع عليه حيوان إلا نصلت أظفاره فيه والتجار والعطارون ربما وجدوا أظفارا فيه وقال الزمخشري عفا الله عنه سمعت ناسا من أهل مكة يقولون هو من زبد بحر سرنديب وأجود العنبر الأشهب ثم الأزرق وأدونه الأسود وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء نثره البحر وأما العود فأجوده المندلي وهو منسوب إلى مندل قرية من قرى الهند وأجوده أصلبه وامتحان رطبه أن تطبع فيه نقش الخاتم فان انطبع فرطب وإلا فلا ومن خصائصه أن رائحته تطبع في الثوب أسبوعا فلا يقمل ما دامت فيه وأما الكافور فهو ماء شجر بجزيرة الكافور يحزونه بالحديد فاذا خرج ظاهرا وضربه الهواء انعقد كالصموغ الجامدة على الاشجار وأما الند فمصنوع وهو العود المستقطر والعنبر واللبان
( لو كنت أحمل جمرا حين زرتكم ... لم ينكر الكلب إني صاحب الدار )
( لكن أتيت وريح المسك يقدمني ... والعنبر الند مشبوب على النار ) وكانت ملوك الفرس تأمر برفع الطيب أيام الورد
وكان المتوكل يلبس أيام الورد الثياب الموردة ويفرش الورد في مجلسه ويطيب جميع آلاته بالورد وقال الحسن بن سهل أمهات الرياحين تقوى بأمهات الطيب فالنرجس يقوى بالورد والورد يقوى بالمسك والبنفسج يقوى بالعنبر والريحان يقوى بالكافور والنسرين يقوى بالعود وقال جالينوس المسك يقوي القلب والعنبر يقوي الدماغ والكافور يقوي الرئة والعود يقوي المعدة والغالية تحل الزكام والصندل يحل

الأورام وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي قال لا تردوا الطيب فانه طيب الريح خفيف المحمل " تبخر بعض الأمراء وعنده أعرابي ففرطت من الأمير ريح خفيفة فأراد أن يعلم هل فطن بها الأعرابي أم لا ؟ فقال ما أطيب هذا المثلث ! قال نعم ولكنك ربعتها
وقال الأحنف إن شم رائحة المسك يحيي القلب وقال سلمة لابن عباس وعنده جعفر بن سليمان ما شمت أنفي من ريح مسك شممته من الناس إلا ريح كفك أطيب فأمر له بألف دينار ومائة مثقال مسك ومائة مثقال عنبر والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم

الباب الثامن والأربعون في الشباب والصحة والعافية وأخبار المعمرين وما أشبه ذلك وفيه فصول
الفصل الأول في الشباب وفضله
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال ما بعث الله نبيا إلا شابا ولا أوتي عالما إلا شابا ثم تلا هذه الآية ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) وقد أخبر الله تعالى به ( ثم أتى يحيى بن زكريا الحكمة ) وقال تعالى ( وآتيناه الحكم صبيا ) وقال تعالى ( إذ آوى الفتية إلى الكهف ) وقال تعالى ( إنهم فتية آمنوا بربهم ) وقال تعالى ( وإذ قال موسى لفتاه ) وقال أنس رضي الله تعالى عنه قبض رسول الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء وقد قدم رسول الله أسامة بن زيد على جميع الأنصار وكبار المهاجرين على حداثة سنه وعتاب بن أسيد ولاه مكة وبها أكابر قريش وعبد الله بن عباس على جلالة قدره وحفظه من العلم
وقال بعض البلغاء الشباب باكورة الحياة وأطيب العيش أوائله كما أن أطيب الثمار بواكيرها والشباب أبلغ الشفعاء عند النساء وأكثر الوسائل لقلوبهن ولذلك قال الشاعر

( أحلى الرجال مع النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهن خدودا )
وما بكت العرب على شيء ما بكت على الشباب ولو لم يكن هذا الشباب حميدا وزمانه حبيبا لوسامة صورته وبهجة منظره وجمال خلقته واعتدال قامته لما جاور الله في جنات خلده الشباب كما قال رسول الله " جردا مردا أبناء ثلاثين " وقد جاء في ذلك أشياء كثيرة ليس هذا موضع بسطها
الفصل الثاني في الشيب وفضله
أول من شاب سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام وفي الخبر أن الله تعالى يقول " الشيب نوري وأنا أستحي أن أحرقه بناري " وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال جاء رجلان إلى النبي شيخ وشاب فتكلم الشاب قبل أن يتكلم الشيخ فقال عليه الصلاة و السلام " كبر كبر "
وبهذه الرواية من وقر كبيرا لكبر سنه آمنه الله من فزع يوم القيامة وعن أنس رضي الله عنه عن النبي أنه قال " يقول الله تعالى وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إلى أني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما " ثم بكى فقيل له ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال أبكي ممن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله وقال من بلغ ثمانين من هذه الأمة حرمه الله على النار
وقال إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فانه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات وقيل كان الرجل فيمن كان قبلكم لا يحتمل حتى يبلغ ثمانين سنة وقال ابن وهب إن أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتي سنة فبكته الانس والجن لحداثة سنه وقال النخعي كان يقال إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خلق لم يتغير عنه حتى يموت وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه " من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار " وعن أنس رضي الله عنه قال قال ملك الموت لنوح عليه الصلاة و السلام يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها ؟ قال كرجل دخل

بيت له بابان فقام وسط البيت ساعة ثم خرج من الباب الثاني
ويقال أطلع أكبر منك ولو بليلة وقال عبد العزيز بن مروان من لم يتعظ بثلاث لم ينته بشيء الإسلام والقرآن والشيب قال الشاعر
( يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يجب )
( ما عذر من يعمر بنيانه ... وعمره منهدم يخرب )
وقال الشعبي الشيب علة لا يعاد منها ومصيبة لا يعزى عليها وقال الفرزدق
( ويقول كيف يميل مثلك للظبا ... وعليك من عظم المشيب عذار )
( والشيب ينقص في الشباب كأنه ... ليل يصيح بعارضيه نهار )
وقال أبو دلف في بياض اللحية
( تكونني هم لبيضاء نابته ... لها بغضة في مضمر القلب ثابته )
( ومن عجب أني إذا رمت قصها ... قصصت سواها وهي تضحك نابته )
وقال أيضا
( أرى شيب الرجال من الغواني ... بمبلغ شيبهن من الرجال )
وقال ابن المعتز
( فظللت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي )
قيل صاح شاب بشيخ أحدب بكم ابتعت هذا القوس يا عماه ؟ فقال يا بني إني أعطيتها بغير ثمن ومر رجل أشمط بامرأة عجيبة في الجمال فقال يا هذه إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه وإلا فأعلمينا فقالت كأنك تخطبني ؟ قال نعم فقالت إن في عيبا قال وما هو ؟ قالت شيب في رأسي فثنى عنان دابته فقالت على رسلك فلا والله ما بلغت عشرين سنة ولا رأيت في رأسي شعرة

ولكنني أحببت أن أعلمك أني أكره منك مثل ما تكره مني فأنشد ويقال إنه لاين المعتز
( رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر )
وقال آخر
( سألتها قبلة يوما وقد نظرت ... شييبي وقد كنت ذا مال وذا نعم )
( فأعرضت ومالت وهي قائلة ... لا والذي أوجد الأشياء من عدم )
( ما كان لي في بياض الشيب من أرب ... أفي الحياة يكون القطن حشو فمي )
وقال آخر
( قالت أرى مسكة الشعر البهيم غدت ... كافورة قد أحالتها يد الزمن )
( فقلت طيب بطيب والتنقل في ... معادن الطيب أمر غير ممتهن )
( قالت صدقت وما أنكرت ذاك بذا ... ألمسك للشم والكافور للكفن )
وقال آخر
( قالت آراك خضبت الشيب قلت لها ... سترته عنك يا سمعي ويا بصري )
( فقهقهت ثم قالت من تعجبها ... تكاثر الغش حتى صار في الشعر )
وقال ابن نباتة
( تبسم الشيب بوجه الفتى ... يوجب سح الدمع من جفنه )
( وكيف لا يبكي على نفسه ... من ضحك الشيب على ذقنه )
وقال ابن المعتز
( فما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شامل )
وكان المأمون يتمثل بقول الشاعر
( رأت وضحا في الرأس مني فراعها ... فريقان مبيض به وبهيم )
( تفاريق شيب في السواد لوامع ... فيا حسن ليل لاح فيه نجوم )

ويقال في الرجل إذا شاب ليله عسعس وصبحه تنفس
( إذا نازع الشيب الشباب فاصلتا ... بسيفيهما فالشيب لا شك غالب )
وقال آخر
( ألا إن شيب العبد من نقرة القفا ... وشيب كرام الناس شيب المفارق )
وقال العتبي
( قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... أو الشباب جنون برؤه الكبر )
وقال علي بن ربيع
( كبرت ودق العظم مني وعقني ... بني وزالت عن فراشي العقائد )
( وأصبحت أعشى أخبط الأرض بالعصا ... يقودونني بين البيوت الولائد )
وقال آخر
( عريت من الشباب وكنت غصنا ... كما يعرى من الورق القضيب )
( ونحت على الشباب بدمع عيني ... فما نفع البكاء ولا النحيب )
( فيا ليت الشباب يعود يوما ... فاخبره بما فعل المشيب )
وقال ابن النقيب
( وكم كان من عين علي وحافظ ... وكم كان من واش لها ورقيب )
( فلما بدا شيبي اطمأنت قلوبهم ... ولم يحفظوني واكتفوا بمشيبي )
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ما شبهت الشباب إلا كشي كان في كمي فسقط
قال الشاعر
( شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناك حتى يؤذنا بذهاب )
( لم يبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب )

وقال الجاحظ
( أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت في زمن الشباب )
( لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب )
ومما جاء في الخضاب
قال " عليكم بالخضاب فانه أهيب لعدوكم وأعجب لنسائكم "
وعن أبي عامر الأنصاري رضي الله عنه رأيت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يغير بالحناء والكتم
وقيل خضاب الحناء يصفي البصر ويذهب بالصداع ويزيد في البهاء
( تسود أعلاها وتأبى أصولها ... وليس إلى رد الشباب سبيل )
وقيل وفد عبد المطلب بن هاشم على سيف بن ذي يزن فقال له لو خضبت شعرك فلما رجع إلى مكة اختضب فقالت امرأته نبيلة ما أحسن هذا لو دام فقال
( ولو دام لي هذا الخضاب حمدته ... وكان بديلا من خليل قد انصرم )
( تمتعت منه والحياة قصيرة ... ولا بد من موت نبيلة أو هرم )
وقال آخر
( يا خاضب الشيب الذي ... في كل ثالثة يعود )
( إن الخضاب إذا نضا ... فكأنه شيب جديد )
( فدع المشيب وما يريد ... فلن يعود كما تريد )
وقال محمود الوراق
( فما منك الشباب ولست منه ... إذا سامتك لحيتك الخضابا )

الفصل الثالث في العافية والصحة
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله " إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية "
وعنه أنه قال " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له ألم أصح بدنك وأروك بالماء البارد " ؟ وقال علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى ( ثم لتسلئن يومئذ عن النعيم )
هو الأمن والصحة والعافية وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يسأل الله العباد عن الأبدان والأسماع والأبصار فيم استعملوها وهو أعلم بذلك وقال ابن عيينة من تمام النعمة طول الحياة في الصحة والأمن والسرور وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية وقال قبيصة بن ذؤيب كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجرة في مرضه يا أهل النعم لا تستقلوا شيئا من النعم مع العافية ويقال البحر لا جوار له والملك لا صديق له والعافية لا ثمن لها قال ابن الرومي
( إذا ما كساك الدهر سربال صحة ... ولم تخل من قوت يحل ويقرب )
( فلا تغبطن أهل الكثير فإنما ... على قدر ما يعطيهم الدهر يسلب )
ويقال صحة الجسم أوفر القسم وذكر بعضهم العافية فقال وأي وطاء وأي عطاء وقال حكيم إن كان شيء فوق الحياة فالصحة وإن كان شيء مثل الحياة فالغني وإن كان شيء فوق الموت فالمرض وإن كان شيء مثل الموت فالفقر
وقال علي رضي الله تعالى عنه ما المبتلي الذي اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء
وقيل إن فأرة البيوت رأت فأرة الصحراء في شدة ومحنة فقالت لها ما تصنعين ههنا ؟ اذهبي معي إلى البيوت التي فيها أنواع النعيم والخصب فذهبت معها وإذا صاحب البيت الذي كانت تسكنه قد هيأ لها الرصد لبنة تحتها شحمة فاقتحمت لتأخذ الشحمة فوقعت عليها اللبنة فحطمتها

فهربت الفارة البرية وهزت رأسها متعجبة وقالت أرى نعمة كثيرة وبلاء شديدا إلا و أن الفقر والعافية أحب إلي من غنى يكون فيه الموت ثم فرت إلى البرية وكان عند رومي خنزير فربطه إلى أسطوانة ووضع العلف بين يديه ليسمنه وكان بجنبه أتان لها جحش وكان ذلك الجحش يلتقط من العلف ما يتناثر فقال لأمه يا أماه ما أطيب هذا العلف لو دام فقالت له يا بني لا تقربه فإن وراءه الطامة الكبرى فلما أراد الرومي أن يذبح الخنزير ووضع السكين على حلقه جعل يضرب وينفخ فهرب الجحش وأتى إلى أمه وأخرج لها أسنانه وقال ويلك يا أماه أنظري هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف فاقلعيه فما أحسن القنع مع السلامة والله أعلم بالصواب
الفصل الرابع في أخبار المعمرين في الجاهلية والاسلام
قال الحسن رضي الله تعالى عنه أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمر
وقال رسول الله " ألا أنبئكم بخياركم ؟ قالوا بلي يا رسول الله قال أطولكم أعمارا في الإسلام إذا سددوا "
وزعموا أن تبعا الفزازي كان من المعمرين وإنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فسأله عن عمره فقال عشت أربعمائة وعشرين سنة في فترة عيسى بن مريم عليه السلام في الجاهلية وستين في الاسلام
قال له أخبرني عما رأيت في سالف عمرك قال رأيت الدنيا ليلة في أثر ليلة ويوما في أثر يوم ورأيت الناس بين جامع مال مفرق ومفرق مال مجموع وبين قوي يظلم وضعيف يظلم وصغير يكبر وكبير يهرم وحي يموت وجنين يولد وكلهم بين مسرور بموجود ومحزون بمفقود
وقد قال ابن الجوزي إن آدم عليه السلام عاش ألف سنة وعاش ابنه شيث تسعمائة سنة وعاش ابنه مهلايبل ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة وعاش ابنه إدريس ثلثمائة وخمسا وتسعين سنة وعاش ابنه هود تسعمائه واثنتين وستين سنة

ابنه متوشلخ تسعمائة وستين سنة وأما ابنه نوح عليه السلام فروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال عاش نوح عليه السلام ألفا وأربعمائة وخمسين عاما
وأما الخضر عليه السلام واسمه خضرون فهو أطول بني آدم عمرا
وذكر أن لقمان عليه السلام عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة وكانت العرب لا تعد من الأعمار إلا ما بلغ مائة وعشرون سنة فما فوقها
وعاش أكثم بن صيفي ثلاثمائة وستين سنة وأدرك الإسلام وعاش سطيح سبعمائة سنة وعاش قس بن ساعدة الأيادي سبعمائة سنة وكان من حكماء العرب وعاش لبيد بن ربيعة الشاعر مائة وعشرين سنة وأدرك الإسلام وعاش دريد بن الصمة مائة وسبعين سنة حتى سقط حاجباه على عينيه وأدرك الإسلام ولم يسلم
ومن المعمرين عدي بن حاتم الطائي وزهير بن جنادة عاشا مائتين وعشرين سنة ومن المعمرين ذو الأصابع العذري عاش مائتين وعشرين سنة وهو أحد حكماء العرب في الجاهلية ومن المعمرين عمرو بن معد يكرب الزبيدي ومن المعمرين عبد المسيح بن نفيلة عاش ثلاثمائة وعشرين سنة وأدرك الإسلام وقد رأيت رجلا من أهل محلة مسير بالغربية وذكر أنه بلغ من العمر مائة وأربعين سنة وإن امرأته بلغت من العمر كذلك ولقد رأيت منه ما لم أر من بعض شبان هذا العصر في القوة وشدة البأس ورأيت له ولدا شيخا هو أشد قوة من ولده وذلك في صفر سنة تسع وعشرين وثمانمائة والله سبحانه وتعالى أعلم

الباب التاسع والاربعون في الاسماء والكنى والألقاب وما استحسن منها
فأشرف الأسماء وأعظمها بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى ( هل تعلم له سميا ) وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله " من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه بسم الله الرحمن الرحيم اجلالا له ولاسمه عن أن يداس كان عند الله من الصديقين وخفف عنه وعن والديه العذاب وإن كانا مشركين " وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يرن إبليس لعنه الله قط إلا ثلاث رنات رنة حين لعن وأخرج من ملكوت السموات والأرض ورنة حين ولد محمد ورنة حين أنزلت سورة الحمد وفي أولها بسم الله الرحمن الرحيم وعن رسول الله " لا يرد دعاء أوله بسم الله الرحمن الرحيم وإن أمتي يأتون يوم القيامة يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فتثقل حسناتهم في الميزان فتقول الأمم ما أثقل موازين أمة محمد فتقول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ابتداء كلامهم ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى لو وضعت في كفة الميزان ووضعت سيئات الخلق في كفة لرجحت كفة الأسماء "
وأما الأسماء والكنى
ففي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله " أحب أسمائكم إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة وينبغي أن تنادي من لا تعرف

اسمه بعبارة لطيفة لا يتأذى بها ولا يكون فيها كذب كقولك يا فقيه يا أخي يا فقير يا سيدي يا صاحب الثوب الفلاني أو البغل الفلاني أو الفرس الفلاني أو السيف الفلاني وما أشبه ذلك "
ودخل عبادة على المتوكل وبين يديه جام من ذهب فيه ألف مثقال فقال له أسألك عن شيء إن أجبتني عنه ابتداء من غير أن تفكر فلك الجام بما فيه فقال سل يا أمير المؤمنين قال أسألك عن شيء له اسم ولا كنية له وعن شيء له كنية ولا اسم له قال المنارة وأبو رياح فعجب المتوكل وأعطاه الجام بما فيه
وقيل لعثمان " ذو النورين " رضي الله عنه لأنه هو ورقية كانا أحسن زوجين في الاسلام وقيل لأنه تزوج برقية ثم بأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يوجد من تزوج بابنتي نبي غيره وكان قتادة بن النعمان الأنصاري رضي الله تعالى عنه أصيب في عينه يوم أحد فسقطت على خده فردها رسول الله فكانت أحسن وأصح من الأخرى فكانت تعتل أي ترمد عينه الباقية ولا تعتل عينه المردودة فقيل له ذو العينين
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كنيت بهرة صغيرة كنت أحملها في حجري فالعب بها وكان رسول الله يقول يا أبا هريرة واختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن وقيل عبد شمس وقيل عمير وقيل سليمان وقال الشعبي رضي الله تعالى عنه كنيت الدجال أبو يوسف ذو الشهرة أبو دجانة الأنصاري رضي الله تعالى عنه كان له شهرة يلبسها بين الصفين ذو الرياستين الفضل بن سهل لأنه دبر أمر السيف والقلم وولي رياسة الجيوش والدواوين ودخل عليه شاعر يوم المهرجان وبين يديه الهدايا فقال
( واليوم يوم المهرجان ... هديتي فيه اللسان )
( لك دولتان حديثة ... وقديمة ورياستان )
( لك في الورى من هاشم ... نبت وبيت خسروان )
( علم الخليفة كيف أنت ... فصرت في هذا المكان ) فأمر له بجميع الهدايا المطيبون بنو عبد مناف وبنو أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب ونعيم بن مرة والحرث بن فهر غمسوا أيديهم في

ثم تحالفوا شيبة جد عبد المطلب لقب بشيبة كانت في رأسه حين ولد قال حذافة بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه يضيء ظلام الليل كالقمر البدر وقيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب مر به في سوق مكة مردوفا له فجعلوا يقولون من هذا الذي وراءك فيقول عبد لي سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه اسمه عبد الله ولقباه العتيق والصديق لجماله وتصديقه بخبر الاسراء أو لأنه من صدق رسول الله سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه لقب بالفاروق لأنه قال يوم أسلم لا يعبد الله اليوم سرا فظهر به الاسلام وفرق بين الحق والباطل الكامل سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه لأنه كان يكتب ويحسن الرمي والعوم طلحة بن عبد الله رضي الله تعالى عنه كان يقال له طلحة الخير وطلحة الفياض وطلحة الطلحات لسخائه رشح الحجر وأبو الريان عبد الملك ابن مروان لقب بذلك لبخله وبجره عكة العسل سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه الحبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه لقب بذلك لعلمه كان يقال له مرة الحبر ومرة البحر
الأشدق عمرو بن سعيد لأنه كان مائل الشدق الفياض عكرمة بن ربعي لقب بذلك لسخائه المصطلق خزيمة بن سعد الخزاعي قيل له المصطلق لحسن صوته وشدته وكان أول من غنى من خزاعة راح يكذب لقب به المهلب لأنه كان يضع الحديث أيام الخوارج فيحدث به فاذا رأوه قالوا راح يكذب وأصل الغزال كان يكثر الجلوس في سوق الغزالين وكان يتتبع العجائز فيتصدق عليهم ولم يكن غزالا سليمان التميمي كان داره ومسجده في بني تميم ولم يكن منهم وهو شيباني أبو عمرو الشيباني لم يكن من بني شيبان وإنما كان يعلم يزيد بن مزيد الشيباني اليزيدي كان يعلم يزيد بن منصور الحميري فنسب إليه ذو القروح امرؤ القيس كان ملك الروم كساه المسمومة فقرحته وقالوا لم تكن الكنى لأحد من الأمم إلا العرب وهي مفاخرهم وقال بعضهم
( أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسودة اللقب )

في قوله تعالى ( فقولا له قولا لينا ) أي كنياه ولما ضرب موسى عليه الصلاة و السلام البحر ولم ينفلق أوحى الله تعالى إليه أن كنه فقال انفلق أبا خالد فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم
وأما الألقاب فقد قال الله تعالى ( ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) سماه الله تعالى فسوقا واتفق العلماء رضي الله تعالى عنهم على جواز ذلك على وجه التعريف لمن لا يعرف إلا بذلك كالأعمش والأعمى والأعرج والأحول والأفطس والأقرع ونحو ذلك وقل من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب ولم يزل في الأمم كلها يجري في المخاطبات والمكاتبات من غير نكير
غير أنها كانت تطلق على حسب الموسومين وأما ما استحسن من تلقيب السفلة بالألقاب العلية حتى زال الفضل وذهب التفاوت وانقلب النقص والشرف شرعا واحدا فمنكر وهب أن العذر مبسوط في ذلك فما العذر في تلقيب من ليس من الدين في دبير ولا قبيل ولا له فيه ناقة ولا فصيل بل هو محتو على ما يضاد الدين وينافي كمال الدين وشرف الإسلام وهي لعمر الله الغصة التي لا تساغ والغبن الذي يعجز الصبر دونه فلا يستطاع نسأل الله تعالى إعزاز دينه وإعلاء كلمته وأن يصلح فسادنا ويوقظ غافلنا
الرجل يكنى باسم ولده والمرأة كذلك وإذا كنوا من لم يكن له ولد فعلى جهة التفاؤل وبناء الأمر على رجاء أن يعيش فيولد له وقد يكنون بما يلائم المكنى من غير الأولاد كقول رسول الله في علي رضي الله تعالى عنه أبو تراب وذلك أنه نام في غزوة ذي العشيرة فذهب به النوم فجاء رسول الله وهو متمرغ في التراب فقال له اجلس أبا تراب وكان أحب أسمائه إليه
وكقولهم أبي لهب لحمرة

خديه ولونه
وقال الزمخشري رحمه الله تعالى وسمعتهم يكنون الكبير الرأس والعمامة بأبي الرأس وأبي العمامة وسمعت العرب ينادون الطويل اللحية يا أبا الطويلة وسمعت عرب البحيرة يكنون بأسماء بناتهم كأبي زهو وأبي سلطانة وأبي ليلى ونحو ذلك ولا حرج في ذلك وقد تكنى جماعة من أفاضل الصحابة بأبي فلانة منهم سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان له ثلاث كنى أبو عمرو وأبو عبد الله وأبو ليلى
ومنهم أبو أمامة وأبو رقية تميم الداري وأبو كريمة المقداد بن معد يكرب وكثير من الصحابة ومن التابعين رضوان الله عليهم أجمعين أبو عائشة مسروق بن الأجدع وكان لأنس أخ صغير وله نغير يلعب به فمات فدخل رسول الله فرآه حزينا فقال ما شأنه ؟ فقالوا مات نغيره فقال يا أبا عمير ما فعل النغير ونظر المأمون إلى غلام حسن في الموكب فسأله عن اسمه فقال لا أدري فقال
( تسميت لا أدري فإنك لا تدري ... بما فعل الحب المبرح في صدري ) وعن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي " إذا سميتم الولد محمدا فاكرموه ووسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها "
وعنه ما من قوم كان بينهم مشورة فحضر من اسمه محمدا أو أحمد فادخلوه في مشورتهم إلا كان خيرا لهم وما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمد أو أحمد إلا قدس الله ذلك المنزل في كل يوم مرتين كل ذلك ببركة هذا الاسم الشريف
ومما جاء في مدح الأسماء منظوما قال بعضهم في مليح اسمه ابراهيم
( رأيت حبيبي في المنام معانقي ... وذلك للمهجور مرتبة عليا )
( وقد رق لي من بعد هجر وقسوة ... وما ضر إبراهيم لو صدق الرؤيا )

وفيه أيضا
( لا زال بابك كعبة محجوجة ... وترابها فوق الجباه وسيم )
( حتى ينادي في البقاع بأسرها ... هذا المقام وأنت ابراهيم )
وفيه أيضا
( يا سمي الخليل إن فؤادي ... فيه من لوعة الغرام جحيم )
( وعجيب يا قاتلي أن قلبي ... فيه نار وأنت فيه مقيم )
ولبعضهم في مليح اسمه عمر
( يا أعدل الناس اسما كم تجور على ... فؤاد مضناك بالهجران والبين )
( أظنهم سرقوك القاف من قمر ... وأبدلوها بعين خيفة العين )
وفيه أيضا
( ما عليهم في الهوى لونظروا ... حين سموك فقالوا عمر )
( أبدلوا قافك عينا غلطا ... أخطأوا ما أنت إلا قمر )
ولبعضهم في مليح حامل شمعة موقودة اسمه عثمان
( وافى إلى بشمعة وضياؤها ... وضياؤه حكيا لنا القمرين )
( ناديته ما الاسم يا كل المنى ... فأجابني عثمان ذو النو رين )
ولبعضهم في مليح اسمه يوسف
( يا من سبى الشعراء نمل عذاره ... النجم يشهد لي بأني مدنف )
( صيرت قلبي من صدودك فاطرا ... فامنن علي بزورة يا يوسف )
وللصفي الحلي فيمن اسمه داود
( وثقت بأن قلبي من حديد ... وفيه على الهوى بأس شديد )
( فلان على هواك ولا عجيب ... إذا داود لان له الحديد )

وله فيمن اسمه موسى
( أتى موسى بآية خال خد ... حوته صوارم الحدق المراض )
( فآية ذا بياض في سواد ... وآية ذا سواد في بياض )
( فجاء بضد ما قد جاء موسى ... كليم الله في الحقب المواضي )
وللقيراطي في مليح اسمه بدر
( سموه بدرا وذاك لما ... أن فاق في حسنه وتما )
( وأجمع الناس إذا رأوه ... بأنه اسم على مسمى ) ولمؤلفه رحمه الله تعالى في قاضي القضاة علم الدين صالح البقليني
( وعظ الأنام أمامنا الحبر الذي ... سكب العلوم كبحر فضل طافح )
( فشفى القلوب بعلمه وبوعظه ... والعلم تشفي إن تكن من صالح ) وتوجهت مرة إلى بلناج لاجتمع بالحاج خليل بن منصور في ضرورة فلم أجده ولم يقم أحد من أخوته بقضاء ما توجهت بسببه فقلت
( خصال خليل كلهن حميدة ... وأوصافه تزري بكل جميل )
( فلا خير في بلتاج إن لم يكن بها ... ولا خير في الدنيا بغير خليل )
وقال آخر في مقبل
( يا من تحجب عن محب صادق ... ما زال عنه كل يوم يسأل )
( من لي بيوم فيه تسمح باللقا ... ويقال لي هذا حبيبك مقبل )
ولبعضهم في مليح اسمه محسن
( وأهيف يعلو على عشاقه ... برتبة من الجمال نالها )
( واسمه وهو العجيب محسن ... وكم دموع في الهوى أسالها )

صفي الدين الحلي في اسم حسين
( حبيبي وافر والشوق مني ... طويل والهوى عندي مديد )
( وأعجب أنني أهوى حسينا ... وشوق في محبته يزيد )
ومما قيل في أسماء النساء في فاطمة
( عجبت من فاتنة لم تزل ... لمرتجى الوصل لها فاطمة )
( تنكر ما ألقاه من وجدها ... وهي بشوقي والجوى عالمة )
ابن مكانس في اسم عائشة
( يا دهر خبرني بحقك واشفني ... فسهام فكري في أمورك طائشة )
( أيحل أني في المحبة ميت ... وحبيبتي من بعد موتي عائشة )
شمس الدين البديري في اسم حليمة
( ولما رأتني في هواها متيما ... أكابد من حر الغرام أليمه )
( فجادت بطيب الوصل منها ولم تجز ... ومن أين تدري الجور وهي حليمه )
ولبعضهم في اسم بركة ذو بيت
( لما نصب الهوى لقلبي شركة ... ناديت وقلبي تارك من تركه )
( يا قلب أفق ولا تمل لشركه ... تغنيك سنين ساعة من بركة )
مردوفا أيضا
( لما نصب الهوى لقلبي شركه ... في كل طريق )
( ناديت وقلبي تارك من تركه ... لو كن يفيق )
( يا قلب أفق ولا تمل للشركة ... ما الشرك يليق )
( تغنيك سنين ساعة من بركة ... عن كل صديق ) ولا تتبعت هذا المعنى لاحتجت إلى مجلدات ولكن فيما ذكرته كفاية والله الموفق وأسأله العناية وصلى الله على سيدنا ومحمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الخمسون فيما جاء في الأسفار والاغتراب وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الاقامة بدار الهوان وحب الوطن والحنين إليه أما ما جاء في الاسفار والحث على ترك الاقامة بدار الهوان
فقد قال الله تعالى ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) الآية وفي الأثر سافروا تغنموا وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله " لو يعلم الناس رحمة الله للمسافر لأصبح الناس على ظهر سفر وهو ميزان الاخلاق إن الله بالمسافر رحيم " ويقال الحركة ولود والسكون عاقر وقال حكيم السفر يسفر عن أخلاق الرجال وكان بعضهم يريد السفر فيمنعه والده إشفاقا عليه فقال يوما
( ألا خلني لشاني ولا أكن ... على الأهل كلا إن ذا لشديد )
( تهيبني ريب المنون ولم أكن ... لأهرب عما ليس منه محيد )
( فلو كنت ذا مال لقرب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت رشيد )
( فدعني أجول الأرض عمري لعله ... يسر صديق أو يغاظ حسود ) وقال رسول الله " عليكم بالدلجة فان الأرض تطوى بالليل ولا تطوى بالنهار " وقال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه كان رسول الله يكره أن يسافر الرجل في غير رفقة وقال

" الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب " وقال " إذا خرج ثلاثة في ركب فيلؤمروا أحدهم "
وقيل أغار حذيفة بن بدر على هجان النعمان بن المنذر بن ماء السماء وسار في ليلة مسافة ثماني ليال فضرب به المثل وقال قيس بن الحطيم
( هممنا بالاقامة ثم سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر )
وسار ذكوان مولى عمر رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة في يوم وليلة وقال المأمون لا شيء ألذ من السفر في كفاية وعافية لأنك تحل كل يوم في محلة لم تحل فيها وتعاشر قوما لم تعرفهم
ومما قيل في ترك الاقامة بدار الهوان
قال الفرزدق
( وفي الأرض عن دار القلى متحول ... وكل بلاد أوطنتك بلاد )
وقال آخر
( وما هي إلا بلدة مثل بلدتي ... خيارهما ما كان عونا على دهر )
وقال آخر
( وإذا البلاد تغيرت عن حالها ... فدع المقام وبادر التحويلا )
( ليس المقام عليك فرضا واجبا ... في بلدة تدع العزيز ذليلا )
وقال الصفي الحلي
( تنقل فلذات الهوى في التنقل ... ورد كمل صاف لا تقف عند منهل )
( ففي الأرض أحباب وفيها منازل ... فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل )
( ولا تستمع قول امرئ القيس إنه ... مضل ومن ذا يهتدي بمضلل )
وقال عبد الله الجعدي
( فان تجف عني أو تزرني إهانة ... أجدعنك في الأرض الفريضة مذهبا )

ومما قيل في الوداع والفراق والشوق والبكاء
قال جرير
( لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل ) وقيل لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان جدك صانعا في قوله فعلت ما لم أفعل ؟ قال كان يقلع عينيه حتى لا يرى مظعن أحبابه ثم أنشد يقول
( وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقيه من ماء الحديد كبول )
( قليل الموالي مسلم بجزيرة ... له بعد نومات العيون أليل )
( يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل )
( بأكبر مني لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل )
وقال الشاعر
( وما أم خشف طول يوم وليلة ... ببلقعة بيداء ظمآن صاديا )
( تهيم ولا تدري إلى أين تبتغي ... مولهة حزنا تجوز الفيافيا )
( أضر بها حر الهجير فلم تجد ... لغلتها من بارد الماء شافيا )
( اذا ابعدت عن خشفها انعطفت له ... فالفته ملهوف الجوانح طاويا )
( بأوجع مني يوم شدوا حمولهم ... ونادى مناد البين أن لا تلاقيا )
وقال عبد العزيز الماجشون وهو من فقهاء المدينة قال لي المهدي يا ماجشون ما قلت حين فارقت أحبابك قال قلت يا أمير المؤمنين
( لله باك على أحبابه جزعا ... قد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا )
( ما كان والله شؤم الدهر يتركني ... حتى يجرعني من بعدهم جرعا )
( ان الزمان رأى إلف السرور لنا ... فدب بالبين فيما بيننا وسعى )

( فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا ... فلا زيادة شيء فوق ما صنعا ) فقال والله لأعيننك فأعطاه عشرة آلاف دينار
( وقال آخر )
( وقفت يوم النوى منهم على بعد ... ولم أودعهم وجدا واشفاقا )
( إني خشيت على الاظعان من نفسي ... ومن دموعي إحراقا واغراقا )
( وقال عمر بن أحمد )
( أني الرحيل فحين جد ترحلت ... مهج النفوس له عن الاجساد )
( من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتت الاكباد ) وحكى بعضهم قال دخلنا إلى دبر هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعرا فقلنا له أحسنت فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال ألمثلي يقال أحسنت ففررنا منه فقال أقسمت عليكم الا ما رجعتم حتى أنشدكم فان أحسنت فقولوا أحسنت وان أنا أسأت فقولوا أسأت
فرجعنا إليه فأنشد يقول
( لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو ... وحملوها وسارت بالدمى الابل )
( وقلبت بخلال السجف ناظهرها ... يرنو إلي ودمع العين ينهمل )
( وودعت ببنان زانه عنهم ... ناديت لا حملت رجلاك يا جمل )
( يا حادي العيس عرج كي أودعهم ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل )
( إني على العهد لم أنقص مودتهم ... ياليت شعري لطول البعد ما فعلوا )
فقلنا له ماتوا فقال والله وأنا أموت ! ثم شهق شهقة فاذا هو ميت رحمه الله تعالى
( وقال آخر )
( لما علمت بأن القوم قد رحلوا ... وراهب الدير بالناقوس مشتغل )

( شبكت عشري على رأسي وقلت له ... يا راهب الدير هل مرت بك الإبل )
( فحن لي وبكى رق لي ورثى ... وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل )
( إن الخيام التي قد جئت تطلبهم ... بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا )
( وقال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى )
( ما رحلوا يوم ساروا البزل العيسا ... إلا وقد حملوا فيها الطواويا )
( من كل فاتكة الألحاظ مالكة ... تخالها فوق عرش الدر بلقيسا )
( إذا تمشت على صرح الزجاج ترى ... شمسا على فلك في حجر ادريسا )
( أسقفه من بنات الروم عاطلة ... ترى عليها من الأنوار ناموسا )
( وحشية ما لها أنس قد اتخذت ... في بيت خلوتها للذكر ناوسا )
( ان اومأت تطلب الانجيل تحسبهم ... قساقسا أو بطاريقا شماميسا )
( ناديت إذ رحلوا للبين ناقتها ... يا حادي العيس لا تحدو بها العيسا )
( غيبت أجناد صبري يوم بينهم ... على الطريق كراديسا كراديسا )
( ساروا وأصبحت أنعي الربع بعدهمو ... والوجد في القلب لا ينفك مغروسا )
وقال آخر
( ولما تبدت للرحيل جمالنا ... وجد بنا سير وفاضت مدامع )
( تبدت لنا مذعورة من خبائها ... وناظرها باللؤلؤ الرطب دامع )
( أشارت بأطراف البنان وودعت ... وأومت بعينيها متى أنت راجع )
( فقلت لها والله ما من مسافر ... يسيرويدري ما به الله صانع )
( فشالت نقاب الحسن من فوق وجهها ... فسالت من الطرف الكحيل مدامع )

( وقالت إلهي كن لي عليه خليفة ... فيارب ما خابت لديك الودائع )
( وقال آخر )
( يا راحلا وجميل الصبر ينبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق )
( ما أنصفتك دموعي وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق )
( وقال البغدادي )
( قالت وقد نالها للبين أوجعه ... والبين صعب على الأحباب موقعه )
( اجعل يديك على قلبي فقد ضعفت ... قواه عن حمل ما فيه واضلعه )
( واعطف على المطايا ساعة فعسى ... من شق الهوى بالبين يجمعه )
( كأنني يوم ولت حسرة وأسى ... غريق بحر يرى الشاطيء ويمنعه )
( وقال ابن البديري )
( قفا حاديا ليلى فاني وامق ... وتعجلا يوما على من يفارق )
( وزما مطاياها قبيل مسيرها ... ليلتذ منها بالتزود عاشق )
( ولا تزجرا بالسوق أظعان عيسها ... فان حبيبي للظعائن سائق )
( ولما التقينا والغرام يذيبنا ... ونحن كلانا في التفكر غارق )
( وقفنا ودمع العين يحجب بيننا ... تسارقني في نظرة وأسارق )
( فلا تسألا ما حل بالبين بيننا ... ولا تعجبا أنا مشوق وشائق )
( وقال أيضا )
( تذكرت ليلى حين شط مزارها ... وعادت منازلها خليات بلقع )
( بكرت عليها والقنا يقرع القنا ... وسمر العوالي للمنايا تشرع )
( وخالفت لوامي عليها وعذلي ... وخالفت سهدي والخليون هجع )
( ولم أستطع يوم النوى رد عبرة ... فؤادي أسى من حرها يتقطع )
( فقال خليلي إذ رأى الدمع دائما ... يفيض دما من مقلتي ليس يدفع )
( لئن كان هذا الدمع يجري صبابة ... على غير ليلى فهو دمع مضيع )

وقال آخر
( مددت إلى التوديع كفا ضعيفة ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي )
( فلا كان هذا آخر العهد منكمو ... ولا كان ذا التوديع آخر زادي )
وقال آخر
( ولما وقفنا للوداع عشية ... وطرفي وقلبي دامع وخفوق )
( بكيت فاضحكت الرشاة شماتة ... كأني سحاب والوشاة بروق )
( ولمؤلفه رحمه الله تعالى (
( يا سادة في سويد القلب مسكنكم ... وفي منامي أرى أني أعانقهم )
( أوحشتمونا وعز الصبر بعدكمو ... يا من يعز علينا أن نفارقهم )
وقال آخر
( لو أن مالك عالم بذرى الهوى ... ومحله من أضلع العشاق )
( ما عذب العشاق إلا بالهوى ... وإذا استغاثوا غاثهم بفراق )
( وقال ابن الوردي )
( دهرنا أضحى ضنينا ... باللقا حتى ضنينا )
( يا ليالي الوصل عودي ... اجمعينا اجمعينا )
( وقال الشريف الرضي )
( عللاني بذكرهم واسقياني ... وامزجا لي دمعي بكأس دهاق )
( وخذا النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق )

( وقال آخر عند ذلك )
( قالوا أترقد إذ عبنا فقلت لهم ... نعم وأشفق من دمعي على بصري )
( ما حق طرف هداني نحو حسنكمو ... أني أعذبه بالدمع والسهر )
وقال الموصلي
( فسدت لطول بعادكم أحلامنا ... وعقولنا وجفا الجفون منام )
( والطيف قد وعد الجفون بزورة ... يا حبذا إن صحت الأحلام )
ومما قيل في البكاء قال الشاعر
( رجوت طيف خياله ... وكيف لي بهجوع )
( والذاريات جفوني ... والمرسلات دموعي ) وقال آخر
( ارحم رحمت للوعتي ... وابعث خيالك في الكرى )
( ودموع عيني لا تسل ... عن حالها يا ما جرى )
وقال آخر
( إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى )
( بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها )
وقال آخر
( يا قلب صبرا على الفراق ولو ... روعت ممن تحب بالبين )
( وأنت يا دمع إن ظهرت بما ... أخفيه من قلبي سقطت من عيني )

وقال آخر
( خاض العواذل في حديث مدامعي ... مما غدا كالبحر سرعة سيره )
( خبأته لأصون سر هواكمو ... حتى يخوضوا في حديث غيره )
وقال ابن المواز
( رحت يوم الفراق أجري دموعي ... حسرة إذ قضى الفراق ببيني )
( قيل كم إذا تجري دموعك تعمى ... أوقف الدمع قلت من بعد عيني )
وقال آخر
( لما لبست لبعده ثوب الضنى ... وغدوت من ثوب اصطباري عاريا )
( أجريت وقف مدامعي من بعده ... وجعلته وقفا عليه جاريا )
وقال آخر
( ولم أر مثلي غار من طول ليله ... عليه كأن الليل يعشقه معي )
( وما زلت أبكي في دجى الليل صبوة ... من الوجد حتى ابيض من فيض أدمعي )
وقال الموصلي
( عين أفاضت دموعي ... لطول صد وبين )
( ووجنة الخد قالت ... رأيت غسلي بعيني )
وقال آخر
( وما فارقت ليلى من مراد ... ولكن شقوة بلغت مداها )
( بكيت نعم بكيت وكل إلف ... إذا ماتت حبيبته بكاها ) وفي بعض الكتب السماوية أن مما عاقبت به عبادي أن ابتليتهم بفراق الأحبة

ومما جاء في الحنين إلى الوطن أما محبة الوطن فمستولية على الطباع مستدعية أشد الشوق إليها روي أن أبان قدم على النبي فقال يا أبان كيف تركت مكة ؟ قال تركت الأذخر وقد أعذق والنمام وقد أورق فاغرورقت عينا رسول الله وقال بلال رضي الله تعالى عنه
( ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... براد وحولي أذخر وجليل )
( وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل )
وقيل من علامة الرشد أن تكون النفس إلى بلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة
ومن حب الوطن ما حكي أن سيدنا يوسف عليه الصلاة و السلام أوصى بأن يحمل تابوته إلى مقابر آبائه فمنع أهل مصر أولياءه من ذلك فلما بعث موسى عليه الصلاة و السلام وأهلك الله تعالى فرعون لعنه الله حمله موسى إلى مقابر آبائه فقبره بالأرض المقدسة وأوصى الاسكندر رحمه الله تعالى أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلاد الروم حبا لوطنه واعتل سابور ذو الأكتاف وكان أسيرا ببلاد الروم فقالت له بنت الملك وكانت قد عشقته ما تشتهي ؟ قال شربة من ماء دجلة وشمة من تراب اصطخر فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب وقالت له هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنفعه من علته وقال الجاحظ كان النفر في زمن البرامكة إذا سافر أحدهم أخذ معه من تربة أرضه في جراب يتداوى به وما أحسن ما قال بعضهم
( بلاد ألفناها على كل حالة ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن )
( ونستعذب الأرض التي لا هوا بها ... ولا ماؤها عذب ولكنها وطن )

ووصف بعضهم بلاد الهند فقال بحرها در وجبالها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر
وقال عبد الله بن سليمان في نهاوند أرضها مسك وترابها الزعفران وثمارها الفاكهة وحيطانها الشهد وقال الحجاج لعامله على أصبهان قد وليتك على بلدة حجرها الكحل وذبابها النحل وحشيشها الزعفران وكان يقال البصرة خزانة العرب وقبة الإسلام لانتقال قبائل العرب إليها واتخاذ المسلمين بها وطنا " ومركزا "
وكان أبو إسحاق الزجاج يقول بغداد حاضرة الدنيا وما سواها بادية وأنا أقول مصر كنانة الله في أرضه والسلام
ومما جاء في ذم السفر
قيل لرجل السفر قطعة من العذاب فقال بل العذاب قطعة من السفر وقال بعضهم
( كل العذاب قطعة من السفر ... يآرب فارددنا على خير الحضر )
وقيل لاعرابي ما الغبطة ؟ قال الكفاية مع لزوم الاوطان
ومر إياس بن معاوية بمكان فقال أسمع صوت كلب غريب فقيل له بم عرفت ذلك ؟ قال بخضوع صوته وشدة نباح غيره وأراد اعرابي السفر فقال لامرأته
( عدي السنين لغيبتي وتصبري ... وذري الشهور فانهن قصار ) فأجابته
( فاذكر صبابتنا اليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهن صغار ) فاقام وترك السفر
ويقال رب ملازم لمهنته فاز ببغيته وقال ابن الهيثم
( لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق ) وفيما ذكرته كفاية وأسأل الله التوفيق والهداية و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الحادي والخمسون في ذكر الغنى وحب المال والافتخار بجمعه قال الله تعالى ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا )
وقيل الفقر رأس كل بلاء وداعية الى مقت الناس وهو مع ذلك مسلبة للمروءة مذهبة للحياء فمتى نزل الفقر بالرجل لم يجد بدا من ترك الحياء ومن فقد حياءه فقد مروءته ومن فقد مروءته مقت ومن مقت ازدري به ومن صار كذلك كان كلامه عليه لا له وقال رسول الله ان تذر ورثتك اغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس ) وفي الحديث ( لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه ويؤدي به امانته ويستغني به عن خلق ربه ) وقال على كرم الله تعالى وجهه الفقر الموت الأكبر وقد استعاذ رسول الله من الكفر والفقر وعذاب القبر وقيل من حفظ دنياه حفظ الأكرمين دينه وعرضه قال الشاعر
( لا تلمني إذا وقيت الأواقي ... بالأواقي لماء وجهي واقي ) وقال لقمان لابنه يابني اكلت الحنظل وذقت الصبر فلم ار شيئا أمر من الفقر فان افتقرت فلا تحدث به الناس كيلا ينتقصوك ولكن اسأل الله تعالى من فضله فمن ذا الذي سأل الله فلم يعطه أو دعاه فلم يجبه أو تضرع اليه فلم يكشف ما به
وكان العباس رضي الله

تعالى عنه يقول الناس لصاحب المال الزم من الشعاع للشمس وهو عندهم أعذب من الماء وارفع من السماء وأحلى من الشهد وأزكى من الورد خطؤه صواب وسيئاته حسنات وقوله مقبول يرفع مجلسه ولا يمل حديثه والمفلس عند الناس اكذب من لمعان السراب واثقل من الرصاص لا يسئل عليه ان قدم ولا يسلم عنه ان غاب ان حضر اردوه وان غاب شتموه وان غضب صفعوه مصافحته تنقض الوضوء وقراءته تقطع الصلاة
وقال بعضهم طلبت الراحة لنفسي فلم أجد لها أروح من ترك ما لا يعنيها وتوحشت في البرية فلم أر وحشة أقر من قرين السوء وشهدت الزحوف وغالبت الأقران فلم أر قرينا أغلب للرجل من المرأة السوء ونظرت الى كل ما يذل القوي ويكسره فلم أر شيئا أذل له ولا أكبر من الفاقة
( وكل مقل حين يغدو لحاجة ... الى كل ما يلفى من الناس مذنب )
( وكانت بنو عمي يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب ) وقال آخر
( المال يرفع سقفا لا عماد له ... والفقر يهدم بيت العز والشرف ) وقال آخر
( جروح الليالي ما لهن طبيب ... وعيش الفتى بالفقر ليس يطيب )
( وحسبك ان المرء فى حال فقره ... تحمقه الاقوام وهو لبيب )
( ومن يغترر بالحادثات وصرفها ... يبت وهو مغلوب الفؤاد سليب )
( وما ضرني ان قال أخطأت جاهل ... إذا قال كل الناس أنت مصيب ) وقال آخر
( الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود بغير السيد المال ) وقال آخر
( لعمرك ان المال قد يجعل الفتى ... سنيلا وأن الفقر بالمرء قد يزري )

( وما رفع النفس الدنية كالغنى ... ولا وضع النفس النفيسة كالفقر ) وقال آخر
( إذا قل مال المرء لانت قناته ... وهان على الأدنى فكيف الأباعد )
وقال ابن الأحنف
( يمشي الفقير وكل شيء ضده ... والناس تغلق دونه أبوابها )
( وتراه مبغوضا وليس بمذنب ... ويرى العداوة لا يرى أسبابها )
( حتى الكلاب اذا رأت ذا ثروة ... خضعت لديه وحركت أذنابها )
( وإذا رأت يوما فقيرا عابرا ... نبحت عليه وكشرت أنيابها ) وقال آخر
( فقر الفتى يذهب أنواره ... مثل اصفرار الشمس عند المغيب )
( والله ما الانسان فى قومه ... إذا بلي بالفقر الا غريب ) وقال آخر
( إن الدراهم في الموطن كلها ... تكسو الرجال مهابة وجمالا )
( فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السلاح لمن أراد قتالا ) وقال آخر
( ما الناس الا مع الدنيا وصاحبها ... فكلما انقلبت يوما به انقلبوا )
( يعظمون أخا الدنيا فان وثبت ... يوما عليه يما لا يشتهي وثبوا ) وقال بعض الفرس من زعم انه لا يحب المال فهو عندي كذاب . وقال الكناني
( أصبحت الدنيا لنا عبرة ... فالحمد لله على ذلكا )
( قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا ) وقال الزمخشري
( وإذا رأيت صعوبة في مطلب ... فاحمل صعوبته على الدينار )

( وابعثه فيما تشتهيه فإنه ... حجر يلين قوة الأحجار )
قال الثوري رحمه الله تعالى لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى لئيم وفي هذا المعنى قال الشاعر
( احفظ عرى مالك تحظى به ... ولا تفرط فيه تبقى ذليل )
( وإن يقولوا باخل بالعطا ... فالبخل خير من سؤال البخيل )
( واحفظ على نفسك من زلة ... يرى عزيز القوم فيها ذليل )
وأما ما جاء في الاحتراز على الأموال
فقد قالوا ينبغي لصاحب المال أن يحترز ويحتفظ عليه من المطمعين و المبرطحين والمحترفين والموهمين والمتنسمين
فأما المطمعون فهم الذين يتلقون أصحاب الاموال بالبشر والاكرام والتحية والاعظام إلى أن يأنسوا بهم ويعرفوهم بالمشاهدة وربما قضوا ما قدروا عليه من حوائجهم الى أن يألفوهم ويحصل بينهم سبب الصداقة ثم ان أحدهم يذكر لصاحب المال في معرض المقال أنه كسب فائدة كثيرة في معيشته ثم يمشي معه في الحديث الى ان يقول اني فكرت فيما عليك من المؤن والنفقات وهذا أمر يعود ضرره في المستقبل ان لم تساعد بالمكاسب وغرضي التقرب اليك ونصحك وخدمتك وأريد أن أوجه إليك فائدة من المتجر بشرط ان لا أضع يدي لك على مال بل يكون مالك تحت يدك أو تحت يد أحد من جهتك
ويخرج له في صفة الناصحين المشفقين فإذا أجابه الى ذلك كان أمره معه على قسمين أن ائتمنه وجعل المال بيده أعطاه اليسير منه على صفة أنه من الربح وطاول به الأوقات ودفع اليه في المدة الطويلة الشيء اليسير من ماله ثم يحتج عليه ببعض الآفات ويدعي الخسارة فإن لزمه صاحب المال قابحه وبرطل من جملة المال صاحب جاه فيدفعه ويقول هذا راباني فإن روعي

صاحب المال وفق بينهما على ان يكتب عليه ببقية المال وثيقة فلا يستوفي ما فيها الا في الاخرة وان هو لم يأتمنه وعول ان يكون القبض بيده والمتاع مخزونا لديه واطأ عليه البائعين والمشترين وحصل لنفسه وعمل ما يقول به فان حصل لصاحب المال أدنى ربح أوهمه ان مفاتيح الأرزاق بيده وان كسد المشترى او رخص احال الامر على الاقدار وقال ليس لي علم بالغيب ومن أشد المطمعين المتعرضون لصنعة الكيمياء وهم الطماعون المطمعون في عمل الذهب والفضة من غير معدنها فيجب أن يحذر التقرب منهم والاستماع لهم في شيء من حديثهم فإن كذبهم ظاهر وذلك أنهم يوهمون الغير أنهم ينيلونهم خيرا ويطلعونهم على صنعتهم ابتداء منهم لا لحاجة وهذا يستحيل ويحتجون بأن ما يلجئهم إلى ذلك إلا عدم الامكان وتعذر المكان فمنهم من يكون شوقه إلى أن يدخل إلى مكان ويترك عنده عدة لها قيمة فيأخذها وينسحب ومنهم من يشترط أن عمله لا ينتهي إلى مدة فيقنع في تلك المدة بالأكل غدرة وعشية وسبيله بعد ذلك إن كان معروفا قال فسد علي العمل من جهة كيت وكيت ويقول للذي ينفق عليه هل لك في المعاودة فان حمله الطمع ووافقه كان هذا له أتم غرض ثم يحتال آخر المدة على الفراق بأي سبب كان وإن كان منكورا غافل صاحب المكان وخرج هاربا ومن المطمعين قوم يجعلون في الجبال أمارات من ردم وحجر ويأتون إلى أصحاب الأموال ويقولون إنا نعرف علم كنز فيه من الإمارات كيت وكيت ثم يوقفونهم على ورقة متصنعة ويقولون نريد أن تأخذ لنا عدة تنفق علينا ومهما حصل من فضل الله تعالى لنا ولك فيوافقهم على ذلك ويوطن نفسه على أن المدة تكون قريبة فيعملون يوما أو يومين فيظهر لهم أكثر الامارات فيزداد طمعا ويعتقد الصحة ثم يدرجونه إلى أن ينفق عليهم ما شاء الله تعالى ويكون آخر أمرهم كصاحب الكيمياء وإن كانوا منكورين ورغبتهم الطمعة في قماشه أو في العدة التي معه فربما قتلوه هناك لأجل ذلك ومضوا فهذا أمر المطمعين

وأما المبرطحون فهم من الخونة والناس بهم أكثر غررا وذلك أنهم إذا ندب صاحب المال أحد منهم لشراء حاجة سارع فيها واحتاط في جودتها وتوفير كيلها أو وزنها أو درعها ووضع من أصل ثمنها شيئا وزنه من عنده حتى يبيض وجهه عند صاحب المال ويعتقد نصحه وأمانته ونجح مساعيه وكذلك إن ندبه لشيء يبيعه استظهر واستجاد النقد ولا يزال هكذا دأبه حتى يلقى مقاليد أموره إليه فيستعطفه ويفوز به ثم يغير الحال الأول في الباطن فينبغي لصاحب المال أن لا يغفل عنه
وأما المحترفون الموهمون فهم الذين يتعرضون لذوي الأموال فيظهرون لهم الغنى والكفاية ويباسطونهم مباسطة الأصدقاء ويعتمدون جودة اللباس ويستعملون كثيرا من الطيب ثم إن أحدهم يذكر أنه يربح الأرباح العظيمة فيما يعانيه ويذكر ذلك مع الغير ولا يزال كذلك حتى يثبت ويستقر في ذهن صاحب المال أنه يكتسب في كل سنة الجمل الكثيرة من المال وأنه لا يبالي إذا أنفق أو أكل أو شرب فتشره نفس صاحب المال لذلك فيقول له على سبيل المداعبة يا فلان تريد الدنيا كلها لنفسك
لم لا تشركنا في متاجرك هذه وأرباحك ؟ فيقول له أنت جبان يعز عليك إخراج الدينار وتظن أنك إن أظهرته خطف منك ولا تدري أنه مثل البازي إن أرسلته أكل وأطعمك وإن أمسكته لم يصد شيئا واحتجت إلى أن تطعمه وإلا مات وأنا والله لو كان عندي علم أنك تنبسط لهذا كنت فعلت معك خيرا كثيرا ولكن ما كان إلا هكذا وما كان لا كلام فيه والعمل في المستأنف فيشكره صاحب المال ويسأله أخذ المال فيمطله بتسليمه فيزداد فيه رغبة إلى أن يسلمه إليه فيكون حاله كحال المطمع إذا صار المال تحت يده
وأما المتنسمون فهم أهل الرياء المظهرون التعفف والنسك ومجانبة ومجانبة الحرام ومواظبة

الصلاة والصيام لكي يشتهر ذكرهم عند الخاص والعام ثم يلقون ذوي الأموال بالبشر والاكرام والتلطف في المقال ويمشون إلى أبواب الملوك على صفة التهاني بالأعياد وربما يأتي معه بأحد من الأولاد ويظهرون النزاهة والغنى ويجعلون الدين سلما إلى الدنيا وأكثر أغراضهم أن تودع عندهم الأموال وتفوض إليهم الوصايا ويجلهم العوام وتقبل شهادتهم الحكام وتندبهم الملوك إلى الوصايا والأموال وهؤلاء أشر من اللصوص والقطاع وذلك أن شهرة اللصوص والقطاع تدعو إلى الاحتراز منهم وتشبه هؤلاء بأهل الخير يحمل الناس على الاغترار بهم
قال الشاعر
( صلى وصام لأمر كان أمله ... حتى حواه فما صلى ولا صاما ) وقيل لا فقير أفقر من غنى يأمن الفقر قال الشاعر
( ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر ) وأوصى بعض الحكماء ولده فقال له يا بني عليك بطلب العلم وجمع المال فإن الناس طائفتان خاصة وعامة فالخاصة تكرمك للعلم والعامة تكرمك للمال وقال بعض الحكماء إذا افتقر الرجل اتهمه من كان به موثقا وأساء به الظن من كان ظنه حسنا ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدا من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهب بهاؤه وما من خلة هي للغنى مدح إلا وهي للفقير عيب فإن كان شجاعا سمي أهوج وإن كان مؤثرا سمي مفسدا وإن كان حليما سمي ضعيفا وإن كان وقورا سمي بليدا وإن كان لسنا سمي مهذارا وإن كان صموتا سمي عييا قال ابن كثير
( الناس أتباع من دامت له نعم ... والويل للمرء إن زلت به القدم )
( المال زين ومن قلت دراهمه ... حي كمن مات إلا أنه صنم )
( لما رأيت إخلائي وخالصتي ... والكل مستتر عني ومحتشم )
( أبدوا جفاء وإعراضا فقلت لهم ... أذنبت ذنبا فقالوا ذنبك العدم )

وكان ابن مقلة وزيرا لبعض الخلفاء فزور عنه يهودي كتابا إلى بلاد الكفار وضمنه أمورا من أسرار الدولة ثم تحيل اليهودي إلى أن وصل الكتاب إلى الخليفة فوقف عليه وكان عند ابن مقلة حظية هويت هذا اليهودي فأعطته درجا بخطه فلم يزل يجتهد حتى حاكى خطه ذلك الخط الذي كان في الدرج فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر بقطع يد ابن مقلة وكان ذلك يوم عرفة وقد لبس خلعة العيد ومضى إلى داره وفي موكبه كل من في الدولة فلما قطعت يده وأصبح يوم العيد لم يأت أحد إليه ولا توجع له ثم اتضحت القضية في أثناء النهار للخليفة أنها من جهة اليهودي والجارية فقتلهما أشر قتلة ثم أرسل إلى ابن مقلة أموالا كثيرة وخلعا سنية وندم من فعله واعتذر إليه فكتب ابن مقلة على باب داره يقول
( تحالف الناس والزمان ... فحيث كان الزمان كانوا )
( عاداني الدهر نصف يوم ... فانكشف الناس لي وبانوا )
( يا أيها المعرضون عني ... عودوا فقد عاد لي الزمان ) ثم أقام بقية عمره يكتب بيده اليسرى
قال بعضهم
( إنما قوة الظهور النقود ... وبها يكمل الفتى ويسود )
( كم كريم أزرى به الدهر يوما ... ولئيم تسعى إليه الوفود ) والأطباء يعلمون أمراضا من علاجها اللعب بالدينار وشرب الأدوية والمساليق التي يغلى فيها الذهب
قال الشاعر
( احرص على الدرهم والعين ... تسلم من العيلة والدين )
( فقوة العين بإنسانها ... وقوة الإنسان بالعين ) واعلم أن القلب عمود البدن فإذا قوي القلب قوي سائر البدن وليس له قوة أشد من المال
وبالضد إذا ضعف الفقر له البدن

حكي أن ملكا رأى شيخا قد وثب وثبة عظيمة على نهر فتخطاه والشاب يعجز عن ذلك فعجب منه فاستحضره فحادثه في ذلك فأراه ألف دينار مربوطة على وسطه
وقال لقمان لابنه يا بني شيئان إذ أنت حفظتهما لا تبالي بما صنعت بعدهما دينك لمعادك ودرهمك لمعاشك
والكلام في هذا المعنى كثير
وقد اقتصرت منه على النزر اليسير وقد كان في الناس من يتظاهر بالغنى ويراه مروءة وفخرا
فمن ذلك ما حكي عن أحمد بن طولون أنه دخل يوما بعض بساتينه فرأى النرجس وقد تفتح زهرة فاستحسنة فدعا بغدائه فتغدى ثم دعا بشرابه فشرب فلما انتشى قال علي بألف مثقال من المسك فنثره على أوراق النرجس ولنذكر الآن نبذة من الذخائر والتحف
حكى الرشيد بن الزبير في كتابه الملقب بالعجائب والطرف أن أبا الوليد ذكر في كتابه المعروف بأخبار مكة أن رسول الله لما فتح مكة عام الفتح في سنة ثمان من الهجرة وجد في الجب الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان يهدى للبيت قيمتها ألف ألف وتسعمائة ألف وتسعون ألف دينار
وباع زهرة التميمي يوم القادسية منطقة كان قد قتل صاحبها بثمانين ألف دينار ولبس سلبه وقيمته خمسمائة ألف وخمسون ألفا
وأصاب رجل يوم القادسية راية كسرى فعوض عنها ثلاثين ألف دينار وكانت قيمتها ألف ألف دينار ومائتي ألف ووجد المستورد بن ربيعة يوم القادسية أبريق ذهب مرصعا بالجوهر فلم يدر أحد ما قيمته فقال رجل ن الفرس أنا آخذه بعشرة آلاف دينار ولم يعرف قيمته فذهب إلى سعد بن أبي وقاص فأعطاه إياه وقال لا تبعه إلا بعشرة آلاف دينار فباعه سعد بمائة ألف دينار ولما أتت الترك إلى عبد الله بن زياد ببخارى في سنة أربع وخمسين كان مع ملكهم امرأته خانون فلما هزمهم الله تعالى أعجلوها عن لبس خفها فلبست إحدى فردتيه ونسيت الأخرى فأصابها المسلمون فقومت بمائتي ألف دينار ولما فتح قتيبة بن مسلم بخارى في سنة تسع وثمانين وجد فيها قدر ذهب ينزل إليها بسلالم ودفع مصعب ابن الزبير حين

أحس بالقتل الى زياد مولاه فصا من ياقوت احمر وقال له انج به وكان قد قوم ذلك الفص بألف ألف درهم فأخذه زياد ورضه بين حجرين وقال والله لا ينتفع به أحد بعد مصعب
وذكر مصعب بن الزبير ان بعض عمال خراسان في ولايته ظهر على كنز فوجد فيه حلة كانت لبعض الأكاسرة مصوغه من الذهب مرصعة بالدر والجواهر والياقوت الأحمر والأصفر والزبر جد فحملها الى مصعب بن الزبير فخرج من قومها فبلغت قيمتها ألفي ألف دينار فقال إلى من ادفعها ؟ فقيل إلى نسائك وأهلك
فقال لا بل إلى رجل قدم عندنا يدا وأولانا جميلا ادع لي عبد الله بن أبي دريد فدفعها إليه
ولما صار موجود عماد الدولة في قبضة أمير الجيوش وجد في جملته دملج ذهب فيه جوهرة حمراء كالبيضة وزنها سبعة عشر مثقالا فأنفذها أمير الجيوش الى المستنصر فقومت بتسعين ألف دينار ووجد في بستان العباس بن الحسن الوزير مما أعد له من آلة الشرب يوم قتل سبعمائة صينية من ذهب وفضة ووجد له مائة الف مثقال عنبر
وترك هشام بن عبد الملك بعد موته اثنى عشر الف قميص وشي وعشرة آلاف تكة حرير وحملت كسوته لما حج على سبعمائة جمل وترك بعد وفاته احد عشر الف ألف دينا ولم تأت دولة بني العباس الا وجميع أولاده فقراء لا مال لواحد منهم وبين الدولة العباسية ووفاة هشام سبع سنين ولما قتل الأفضل بن أمير الجيوش في شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة خلف بعده مائة ألف ألف دينار ومن الدراهم مائة وخمسين اردبا وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج ودواة من الذهب قوم ما عليها من الجواهر واليواقيت بمائتي ألف دينار وعشرة بيوت في كل بيت منها مسمار ذهب قيمته مائة دينار على كل مسمار عمامة لونا وخلف كعبة عنبر يجعل عليه ثيابه اذا نزعها وخلف عشرة صناديق مملوءة من الجوهر الفائق الذي لا يوجد مثله وخلف خمسمائة صندوق كبار لكسوة حشمه وخلف من الزبادي الصيني والبلور المحكم وسق مائة جمل وخلف عشرة آلاف ملعقة فضة وثلاثة آلاف ملعقة ذهب

آلاف زباية فضة كبار وصغار وأربع قدور ذهبا كل قدر وزنها مائة رطل وسبعمائة جام ذهبا بفصوص زمرد وألف خريطة مملوءة دراهم خارجا عن الارادب في كل خريطة عشرة الاف درهم وخلف من الخدم والرقيق والخيل والبغال والجمال وحلى النساء ما لا يحصى عدده الا الله تعالى وخلف ألف حسكة ذهبا وألفي حسكة فضة وثلاثة آلاف نرجسة ذهبا وخمسة آلاف نرجسة فضة وألف صورة ذهبا وألف صورة فضة منقوشة عمل المغرب وثلاثمائة تور ذهبا وأربعة آلاف تور فضة وخلف من البسط الرومية والأندلسية ما ملأ به خزائن الايوان وداخل قصر الزمرد وخلف من البقر والجاموس والأغنام ما يباع لبنه في كل سنة بثلاثين الف دينار وخلف من الحواصل المملوءة من الحبوب ما لا يحصى ولما احتوى الناصر على ذخائر قصر العاضد وجد فيه طبلا كان بالقرب من موضع العاضد محتفظا به فلما رأوه سخروا منه فضرب عليه انسان فضرط فضحكوا منه ثم أمسكه آخر وضربه فضرط فضحكوا عليه فكسروه استهزاء وسخرية ولم يدروا خاصيته وكانت الفائدة فيه أنه وضع للقولنج فلما أخبروا بخاصيته ندموا على كسره
وقد جمعت الملوك من الأموال والذخائر والتحف كنوزا لا تحصى وبعد ذلك ماتوا ونفذت ذخائرهم وفنيت أموالهم فسبحان من يدوم ملكه وبقاؤه
قال بعضهم
( هب الدنيا تقاد اليك عفوا ... اليس مصير ذلك للزوال ) فضمنت أنا هذا البيت وقلت
( أيا من عاش في الدنيا طويلا ... وأفنى العمر في قيل وقال )
( وأتعب نفسه فيما سيفني ... وجمع من حرام أو حلال )
( هب الدنيا تقاد اليك عفوا ... اليس مصير ذلك للزوال ) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه قد دل قوله تعالى ( كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى ) على ذم الغنى ان كان سبب الطغيان
وسئل ابو حنيفة رحمه الله تعالى عن الغنى والفقر فقال وهل طغى من طغى من خلق الله عز و جل الا بالغنى وتلا هذه الآية المتقدمة والمحققون يرون الغنى والفقر من قبل النفس لا في المال وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يرون الفقر فضيلة وحدث الحسن رضي الله عنه أن رسول الله قال يدخل فقراء امتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاما فقال جليس للحسن أمن الأغنياء أنا أو من الفقراء ؟ فقال هل تغديت اليوم ؟ فال نعم قال فهل عندك ما تتعشى به ؟ قال نقم قال فإذا أنت من الأغنياء وقال ابن عباس رضي الله عنهما كان النبي يبيت طاويا ليالي ما له ولا لأهله عشاء وكان عامة طعامه الشعير وكان تعصب الحجر على بطنه من الجوع وكان يأكل خبز الشعير غير منخول هذا وقد عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأبى أن يقبلها صلوات الله وسلامه عليه وكان يقول ( اللهم توفني فقيرا ولا تتوفني غنيا واحشرني في زمرة المساكين ) وقال جابر رضي الله تعالى عنه دخل النبي على ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل فبكي وقال ( تجرعي يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الآخرة ) قال الله تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) وقال

موهبة من مواهب الآخرة وهبها الله تعالى لمن اختاره ولا يختار الا أولياء الله تعالى ) وفي الخبر اذ كان يوم القيامة يقول الله عز و جل لملائكته أدنوا الى أحبائي فتقول الملائكة ومن أحباؤك يا اله العالمين ؟ فيقول فقراء المؤمنين أحبائي فيدنونهم منه فيقول يا عبادي الصالحين إني ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم على ولكن لكرامتكم تمتعوا بالنظر الي وتمتعوا ما شئتم فيقولون وعزتك وجلالك لقد أحسنت الينا بما زويت عنا منها ولقد أحسنت بما صرفت عنا فيأمر بهم فيكرمون ويحبرون ويزفون الى أعلى مراتب الجنان
وقال ( هل تنصرون الا بفقرائكم وضعفائكم والذي نفسي بيده ليدخلن فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام والأغنياء يحاسبون على زكاتهم ) وقال عليه الصلاة و السلام ( رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله تعالي لأبره أي لو قال اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئا
وقال عليه الصلاة و السلام ( إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به الذين اذا استأذنوا على الأمير لا يؤذن لهم وإن خطبوا النساء لم ينكحوا وإذا قالوا لم ينصت لهم
حوائج أحدهم تتلجلج في صدره لم قسم نوره على الناس يوم القيامة لوسعهم )
وروي عن خالد ين عبد العزيز أنه قال كان حيوة ين شريح من البكائين وكان ضيق الحال جدا فجلست اليه ذات يوم وهو جالس وحده يدعو فقلت له يرحمك الله لو دعوت الله تعالى ليوسع عليك في معيشتك قال فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا فأخذ حصاة من الأرض وقال اللهم اجعلها ذهبا فإذا هي تبرة في كفه ما رأيت أحسن منها قال فرمى بها الى وقال هو أعلم بما يصلح عباده فقلت ما أصنع بهذه ؟ قال انفقها على عيالك فهبته والله أن أرجها عليها وقال عون بن عبد الله صحبت الأغنياء فلم أجد فيهم أحدا أكثر مني هما لأني كنت أرى ثيابا أحسن من ثيابي ودابة أحسن من دابتي ثم صحبت الفقراء بعد ذلك فاسترحت
قال بعضهم
( وقد يهلك الأنسان كثرة ماله ... كما يذبح الطاوس من أجل ريشه )

عبد الله بن طاهر
( ألم تر أن الدهر يهدم مابنى ... ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى )
( فمن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا ينال به فقدا ) وكان من دعاء السلف رضي الله تعالى عنهم ( اللهم اني أعوذ بك من ذل الفقر وبطر الغني ) وقيل مكتوب على باب مدينة الرقة ويل لمن جمع المال من غير حقه وويلان لمن ورثه لمن لا يحمده وقدم على من لا يعذره ولما فتحت بلخ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وجد على بابها صخرة مكتوب فيها إنما يتبين الفقير من الغني بعد الانصراف من بين يدي الله تعالى أي بعد العرض قال الشاعر
( ومن يطلب الأعلى من العيش لم يزل ... حزينا على الدنيا رهين غبونها )
( إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها )
وقال آخر
( ولا ترهبن الفقر ما عشت في غد ... لكل غد رزق من الله وارد )
وقال هارون بن جعفر الطالبي
( بوعدت همتي وقورب مالي ... ففعالي مقصر عن مقالي )
( ما اكتسى الناس مثل ثوب اقتناع ... وهو من بين ما اكتسوا سربالي )
( ولقد تعلم الحوادث أني ... ذو اصطبار على صروف الليالي ) وقال اعرابي من ولد في الفقر أبطره الغنى ومن ولد في الغنى لم يزده إلا تواضعا فما أحسن الفقر وأكثر ثوابه وأعظم أجر من رضي به وصبر عليه اللهم اجعلنا من الصابرين برحمتك يا أرحم الراحمين يارب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الباب الثالث والخمسون في التلطف في السؤال وذكر من سئل فجاد
روى الإمام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال " أعطوا السائل ولو جاء على فرس "
وما سئل عليه السلام شيئا قط فقال لا
وأتى إعرابي إلى علي رضي الله تعالى عنه فسأله شيئا فقال والله ما أصبح في بيتي شيء فضل عن قوتي فولى الاعرابي وهو يقول والله ليسألنك الله عن موقفي بين يديك يوم القيامة فبكى علي رضي الله تعالى عنه بكاء شديدا وأمر برده وقال يا قنبر ائتني بدرعي الفلانية فدفعها إلى الاعرابي وقال لا نخدعن عنها فطالما كشفت بها الكروب عن وجه رسول الله فقال قنبر يا أمير المؤمنين كان يجزيه عشرون درهما فقال يا قنبر والله ما يسرني أن لي زنة الدنيا ذهبا وفضة فتصدقت به وقبل الله مني ذلك وإنه يسألني عن موقف هذا بين يدي وقال علي رضي الله تعالى عنه إن لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح وقال مسلمة لنصيب سلني فقال كفك بالعطية أبسط من لساني بالمسألة فقال لحاجبه إدفع اليه ألف دينار وسأل رجل الحسن رضي الله تعالى عنه فقال له ما وسيلتك ؟ قال وسيلتي أني أتيتك عام أول فبررتني فقال مرحبا بمن توسل إلينا بنا ثم وصله وأكرمه
ويقال الكريم إذا سئل ارتاح واللئيم إذا سئل ارتاع
ولما وفد المهدي من الري إلى العراق امتدحه الشعراء فقال أبو دلامة
( إني نذرت لئن رأيتك قادما ... أرض العراق وأنت ذو وقر )

( لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهما حجري ) فقال المهدي صلى الله على محمد فقال أبو دلامة ما أسرعك للأولى وأبطأك عن الثانية فضحك وأمر ببدرة فصبت في حجره وسمع الرشيد أعرابيه بمكة تقول
( طحنتنا كلاكل الأعوام ... وبرتنا طوارق الأيام )
( فأتيناكمو نمد أكفا ... لالتقام من زادكم والطعام )
( فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا ... أيها الزائرون بيت الحرام ) فبكى الرشيد وقال لمن معه سألتكم بالله تعالى إلا ما دفعتم إليها صدقاتكم فألقوا عليها الثياب حتى واربها كثرة وملأوا حجرها دراهم ودنانير
وسأل اعرابي بمكة وأحسن في سؤاله فقال أخ في الله وجار في بلد الله وطالب خير من عند الله فهل من أخ يواسيني في الله
قال الشاعر
( ليس في كل وهلة وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان )
( فاذا أمكنت فبادر إليها ... حذرا من تعذر الامكان )
وقال البصري
( أضحت حوائجنا إليك مناخة ... معقولة برحابك الوصال )
( أطلق فديتك بالنجاح عقالها ... حتى تثور بنا بغير عقال ) وعن علي رضي الله تعالى عنه قال يا كميل مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم ويدلجوا في حاجة من هو نائم فوالذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا خلق الله تعالى من ذلك السرور لطفا فإذا نابته نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الابل
وقال لجابر بن عبد الله يا جابر من كثرت نعم الله

عليه كثرت حوائج الناس إليه فإذا قام بما يجب لله فيها فقد عرضها للدوام والبقاء ومن لم يقم بما يجب لله فيها عرض نعمه لزوالها
وكان لبيد رحمه الله تعالى آلى على نفسه كلما هبت الصبا أن ينحر ويطعم وربما ذبح العتاق إذا ضاق الخناق فخطب الوليد بن عتبة يوما فقال قد علمت ما جعل أبو عقيل على نفسه فأعينوه على مروءته ثم بعث إليه بخمس من الابل وبهذه الأبيات
( أرى الجزار يشحذ مديتيه ... إذا هبت رياح بني عقيل )
( طويل الباع أبلج جعفري ... كريم الجد كالسيف الصقيل )
( وفي ابن الجعبري بما نواه ... على العلات بالمال القليل ) فدعا لبيد بنتا له خماسية وقال يا بنية إني تركت الشعر فأجيبي الأمير عني فقالت
( إذا هبت رياح بني عقيل ... تداعينا لهبتها الوليدا )
( طويل الباع أبلج عبشمي ... أعان على مروءته لبيدا )
( بأمثال الهضاب كأن رعيا ... عليها من بني حام قعودا )
( أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا )
( فعد إن الكريم له معاد ... وظني في ابن عتبة أن يعودا ) فقال لقد أحسنت والله يا بنية لولا أنك سألت وقلت عد فقالت يا أبت إن الملوك لا يستحيا منهم في المسئلة فقال والله لأنت في هذا أشعر مني
ووفد رجل من بني ضبة على عبد الملك فأشده
( والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب )
( ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب )
( فاصبر لعادتك التي عودتنا ... أولا فارشدنا إلى من نذهب )

له بألف دينار فعاد إليه من قابل وقال يا أمير المؤمنين إن الروي لينازعني وإن الحياء يمنعني فأمر له بألف دينار وقال والله لو قلت حتى تنفد بيوت الأموال لأعطيتك
وقيل إن رجلا عرض للمنصور فسأله حاجة فلم يقضها فعرض له بعد ذلك فقال له المنصور أليس قد كلمتني مرة قبل هذه ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين ولكن بعض الأوقات أسعد من بعض وبعض البقاع أعز من بعض فقال صدقت وقضى حاجته وأحسن إليه
وروي أن أبا دلامة الشاعر كان واقفا بين يدي السفاح في بعض الأيام فقال له سلني حاجتك
فقال كلب صيد فقال أعطوه إياه فقال ودابة أصيد عليها فقال أعطوه دابة فقال وغلاما يقود الكلب ويصيد به قال أعطوه غلاما قال وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه قال أعطوه جارية فقال هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها
فقال أعطوه دارا تجمعهم قال فان لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون ؟ قال قد أقطعته عشر ضياع عامرة وعشرة ضياع غامرة فقال ما الغامرة يا أمير المؤمنين ؟ قال ما لا نبات فيها قال قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني أسد فضحك وقال اجعلوها كلها عامرة
فانظر إلى حذقه بالمسئلة ولطفه فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فسهل القضية وجعل يأتي بمسئلة بعد مسألة على ترتيب وفكاهة حتى سأل ما سأله ولو سأل ذلك بديهة لما وصل إليه
وحكي عن المأمون أنه قال ليحيى بن أكثم يوما سر بنا نتفرج فسارا فبينما هما في الطريق وإذا بمقصبة خرج منها رجل بقصبة للمأمون يتظلم له فنفرت دابته فألقته على الأرض صريعا فأمر بضرب عنق ذلك الرجل فقال يا أمير المؤمنين إن المضطر يرتكب الصعب من الأمور وهو عالم به ويتجاوز حد الأدب وهو كاره لتجاوزه ولو أحسنت الأيام مطالبتي لأحسنت مطالبتك ولأنت علي ما لم تفعل أقدر مني على رد ما قد فعلت قال فبكى المأمون وقال بالله أعد علي

قلت فأعاده فالتفت المأمون إلى يحيى بن أكثم وقال أما تنظر إلى مخاطبة هذا الرجل بأصغريه ؟ والنبي يقول " المرء بأصغريه قلبه ولسانه "
والله لا وقفت لك إلا وأنا قائم على قدمي فوقف وأمر له بصلة جزيلة واعتذر إليه فلما هم المأمون بالانصراف قال الرجل يا أمير المؤمنين بيتان قد حضراني ثم أنشد يقول
( ما جاد بالوفر إلا وهو معتذر ... ولا عفا قط إلا وهو مقتدر )
( وكلما قصدوه زاد نائله ... كالنار يوخذ منها وهي تستعر )
وقيل إن بعض الحكماء لزم باب كسرى في حاجة دهرا فلم يوصل إليه فكتب أربعة أسطر في ورقة ودفعها للحاجب فكان في السطر الأول العديم لا يكون معه صبر على المطالبة وفي السطر الثاني الضرورة والأمل أقدماني عليك وفي السطر الثالث الانصراف من غير فائدة شماتة الأعداء وفي السطر الرابع أما نعم فمثمرة وأما لا فمريحة
فلما قرأها كسرى دفع له في كل سطر ألف دينار
وحكي أن رجلا كان جارا لابن عبيد الله فأصاب الناس قحط بالعراق حتى رحل أكثر الناس عنه فعزم جار ابن عبيد الله على الخروج من البلاد في طلب المعيشة وكانت له زوجة لا تقدر على السفر فلما رأت زوجها تهيأ للسفر قالت له إذا سافرت من الذي ينفق علينا ؟ قال إن لي على ابن عبيد الله دينار ومعي به أشهاد عليه شرعي فخذي الأشهاد وقدميه إليه فإذا قرأه أنفق عليك مما عنده حتى أحضر ثم ناولها رقعة كتب فيها هذه الأبيات يقول
( قالت وقد رأت الأحمال محدجة ... والبين قد جمع المشكو والشاكي )
( من لي إذا غبت في ذا المحل قلت لها ... الله وابن عبيد الله مولاكي ) فمضت إليه المرأة وحكت له ما قال زوجها وأخبرته بسفره وناولته الرقعة فقرأها وقال صدق زوجك وما زال ينفق عليها

بالبر والاحسان إلى أن قدم زوجها فشكره على فضله وإحسانه
وحكي أن مطيع بن أياس مدح معن بن زائدة بقصيدة حسنة ثم أنشدها بين يديه فلما فرغ من إنشاده أراد معن أن يباسطه فقال يا مطيع إن شئت أعطيناك وإن شئت مدحناك كما مدحتنا فاستحيا مطيع من اختيار الثواب وكره اختيار المدح وهو محتاج فلما خرج من عند معن أرسل إليه بهذين البيتين
( ثناء من أمير خير كسب ... لصاحب نعمة وأخي ثراء )
( ولكن الزمان برى عظامي ... ومالي كالدراهم من دواء ) فلما قرأها معن ضحك وقال ما مثل الدراهم من دواء وأمر له بصلة جزيلة ومال كثير قال الشاعر
( هززتك لا إني جعلتك ناسيا ... لأمري ولا إني أردت التقاضيا )
( ولكن رأيت السيف من بعد سله ... إلى الهز محتاجا وإن كان ماضيا )
وقال لآخر
( ماذا أقول إذا رجعت وقيل لي ... ماذا لقيت من الجراد الأفضل )
( إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... بخل الجواد بماله لم يجمل )
( فاختر لنفسك ما أقول فانني ... لا بد أخبرهم وإن لم أسئل )
وقال آخر
( لنوائب الدنيا خبأتك فانتبه ... يا نائما من جملة النوام )
( أعلى الصراط تزيل لوعة كربتي ... أم في المعاد تجود بالانعام )

ومما يستحسن الحاقه بهذا الباب ذكر شيء مما جاء في ذم السؤال والنهي عنه
روي عن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال كنا عند رسول الله تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال ألا تبايعون رسول الله ؟ فبسطنا أيدينا وكنا حديثي عهد بالمبايعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام يا رسول الله نبايعك ؟ قال أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتقيموا الصلوات الخمس وتطيعوا الله وأسر كلمة خفية وهي ولا تسألوا الناس شيئا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه رواه مسلم وقال رجل لابنه إياك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه وكان لقمان يقول لولده يا بني إياك والسؤال فانه يذهب ماء الحياء من الوجه وأعظم من هذا استخفاف الناس بك وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام لأن تدخل يدك فم التنين إلى المرفق خير لك من أن تبسطها إلى غني قد نشأ في الفقر وقيل لأعرابي ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل ؟ قال حاجة الكريم إلى اللئيم وقال أبو محلم السعدي
( إذا رماك الدهر في الضيق فانتجع ... قديم الغنى في الناس إنك حامده )
( ولا تطلبن الخير ممن أفاده ... حديثا ومن لا يورث المجد والده )
وقال رسول الله " مسألة الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها " وقال عليه الصلاة و السلام " لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه "
قال الشاعر
( ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغني بسؤال )
( وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال )
وقال أحمد الأنباري
( لموت الفتى خير من البخل للغنى ... وللبخل خير من سؤال بخيل )

( لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق انسانا بوجه ذليل )
وقال سلم الخاسر
( إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله )
( فلا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله )
ويقال أحب الناس إلى الله من سأله وأبغض الناس إلى الناس من احتاج إليهم وسألهم وفي هذا المعنى قيل
( لا تسألن من ابن آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تحجب )
( الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسئل يغضب ) وقال محمود الوراق
( شاد الملوك قصورهم وتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب )
( فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعة طالبا من طالب ) وقال ابن دقيق العيد
( وقائلة مات الكرام فمن لنا ... إذا عضنا الدهر الشديد بنابه )
( فقلت لها من كان غاية قصده ... سؤالا لمخلوق فليس بنابه )
( إذا مات من يرجى فمقصودنا الذي ... ترجينه باق فلو ذي ببابه ) وقال بعض أهل الفضل
( لما افتقرت لصحبي ما وجدتهمو ... لجأت لله لباني وأغناني )
( واها على بذل وجهي للورى سفها ... فلو بذلت إلى مولاي والاني ) وسأل رجل رجلا حاجة فلم يقضها فقال سألت فلانا حاجة أقل من قيمتة فردني رد أقبح من خلقته وسأل عروة مصعبا حاجة فلم يقضها

علم الله تعالى أن لكل قوم شيخا يفزعون إليه وأنا أفزع منك
ويقال لا شيء أوجع للأخيار من الوقوف بباب الأشرار وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى
( بلوت بني الدنيا فلم أر فيهم ... سوى من غدا والبخل ملء إهابه )
( فجردت من غمد القناعة صارما ... قطعت رجائي منهم بذبابه )
( فلا ذا يراني واقفا في طريقه ... ولا ذا يراني قاعدا عند بابه )
( غني بلا مال عن الناس كلهم ... وليس الغنى إلا عن الشيء لا به )
( إذا ظالما يستحسن الظلم مذهبا ... ولج عتوا في قبيح اكتسابه )
( فكله إلى صرف الليالي فإنها ... ستبدي له ما لم يكن في حسابه )
( فكم قد رأينا ظالما متمردا ... يرى النجم تيها تحت ظل ركابه )
( فعما قليل وهو في غفلاته ... أناخت صروف الحادثات ببابه )
( فأصبح لا مال ولا جاه يرتجى ... ولا حسنات تلتقي في كتابه )
( وجوزي بالأمر الذي كان فاعلا ... وصب عليه الله سوط عذابه ) وقال آخر
( لا تسألن إلى صديق حاجة ... فيحول عنك كما الزمان يحول )
( واستغن بالشيء القليل فانه ... ما صان عرضك لا يقال قليل )
( من عف خف على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول )
( وأخوك من وفرت ما في كفه ... ومتى علقت به فأنت ثقيل ) وقال آخر
( ليس جودا أعطيته بسؤال ... قد يهز السؤال غير جواد )
( إنما الجود ما أتاك ابتداء ... لم تذق فيه ذلة الترداد )

وقال آخر
( لا تحسبن الموت موت البلى ... إنما الموت سؤال الرجال )
( كلاهما موت ولكن ذا ... أخف من ذاك لذل السؤال ) وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه
( قنعت بالقوت من زماني ... وصنت نفسي عن الهوان )
( خوفا من الناس أن يقولوا ... فضل فلان على فلان )
( من كنت عن ماله غنيا ... فلا أبالي إذا جفاني )
( ومن رآني بعين نقص ... رأيته بالتي رآني )
( ومن رآني بعين تم ... رأيته كامل المعاني ) والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الرابع والخمسون في ذكر الهدايا والتحف وما أشبه ذلك
قال الله تعالى ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) فسرها بعضهم بالهدية وقال " تهادوا تحابوا فانها تجلب المحبة وتذهب الشحناء " وقال " الهدية مشتركة " وقال " من سألكم بالله فاعطوه ومن استعاذكم فأعيذوه ومن أهدى إليكم كراعا فاقبلوه " وكان يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها وفي الأثر الهدية تجلب المودة إلى القلب والسمع والبصر ومن الأمثال إذا قدمت من سفر فأهد أهلك ولو حجرا
وقال الفضل بن سهل ما استرضى الغضبان ولا استعطف السلطان ولا سلبت السخائم ولا دفعت المغارم ولا استميل المحبوب ولا توقى المحذور بمثل الهدية وأتى فتح الموصلي بهدية وهي خمسون دينارا فقال حدثنا عطاء عن النبي أنه قال " من أتاه الله رزقا من غير مسألة ورده فكأنما رده على الله تعالى " وأهدى رسول الله هدية إلى عمر فردها فقال يا عمر لم رددت هديتي ؟ فقال رضي الله تعالى عنه إني سمعتك تقول خيركم من لم يقبل شيئا من الناس فقال يا عمر إنما ذاك ما كان عن ظهر مسألة فإما إذا أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك
وقالت أم حكيم الخزاعية سمعت رسول الله يقول " تهادوا فإنه يضاعف الحب ويذهب بغوائل الصدور "
ويقال في نشر المهاداة طي المعاداة

ذكر أنواع الهدايا للخلفاء وغيرهم ممن قصرت به قدرته فاهدى اليسير وكتب معه مكاتبة يعتذر بها أهدي إلى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ثمانية أشياء متباينة في يوم واحد
فيلة من ملك الهند وجارية من ملك الترك وفرس من ملك العرب وجوهر من ملك الصين واستبرق من ملك الروم ودرة من ملك البحر وجرادة من ملك النمل وذرة من ملك البعوض
فتأمل ذلك وقال سبحان القادر على جمع الأضداد وأهدى ملك الروم إلى المأمون هدية فقال المأمون أهدوا له ما يكون ضعفها مائة مرة ليعلم عز الإسلام ونعمة الله تعالى علينا ففعلوا ذلك فلما عزموا على حملها قال ما أعز الأشياء عندهم ؟ قالوا المسك والسمور وقال وكم في الهدية من ذلك ؟ قالوا مائتا رطل مسكا ومائتا فروة سمور وأهدت قطر الندى إلى المعتضد بالله في يوم نيروز في سنة اثنتين وثمانين ومائتين هدية كان فيها عشرون صينية ذهب في عشرة منها مشام عنبر وزنها أربعة وثمانون رطلا وعشرون صينية فضة في عشرة منها مشام صندل زنتها نيف وثلاثون رطلا وخمس خلع وشى قيمتها خمسة آلاف دينار وعلمت شمامات ليوم النيروز بلغت النفقة عليها ثلاثة عشر ألف دينار
وأهدى يعقوب بن الليث الصفار إلى المعتمد على الله هدية في بعض السنين من جملتها عشرة بازات منها باز أبلق لم ير مثله ومائة مهر وعشرون صندوقا على عشر بغال فيهم طرائف الصين وغرائبه ومسجد فضة بدرابزين يصلي فيه خمسة عشر إنسانا ومائة رطل من مسك ومائة رطل عود هندي وأربعة آلاف ألف درهم وأهدت ثريا بنت الأوباري ملكة افرنجة وما والاها إلى المكتفي بالله في سنة ثلاث وسبعين ومائتين خمسين سيفا وخمسين رمحا وعشرين ثوبا منسوجا بالذهب وعشرين خادما صقلبيا وعشرين جارية صقلبية وعشرة كلاب كبار لا تطيقها السباع وستة بازات وسبع صقور

ومضرب حرير مثلون بجميع الألوان كلون قوس قزح يتلون في كل ساعة من ساعات النهار وثلاثة أطيار من الأطيار الافرنجية إذا نظرت إلى الطعام أو الشراب المسموم صاحت صياحا منكرا وصفقت بأجنحتها حتى يعلم ذلك وخرزا يجذب النصول بعد نبات اللحم عليها بغير وجع وحمارة وحشية عظيمة الخلقة في قدر البغل وآذانها شبه آذان البغل وهي مخططة تخطيطا عاما لجميع خلقتها
وأهدى قسطنطين ملك الروم إلى المستنصر بالله في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة هدية عظيمة اشتملت قيمتها على ثلاثين قنطار من الذهب الأحمر كل قنطار منها عشرة آلاف دينار عربية قيمة ذلك ثلاثمائة ألف دينار عربية
وحكي أن الخيزران جارية المهدي كانت أديبة شاعرة فعزم المهدي على شرب دواء فأنفذت إليه جام بلور فيه شراب اختارته له مع وصيفة بكر بارعة الجمال وكتبت إليه تقول
( إذا خرج الإمام من الدواء ... وأعقب بالسلامة والشفاء )
( وأصلح حاله من بعد شرب ... بهذا الجام من هذا الطلاء )
( فينعم للتي قد أنفذته ... إليه بزورة بعد العشاء ) فسر بذلك ووقعت الجارية منه أعظم موقع وزار الخيزران وأقام عندها يومين وأهدى الصابي إلى عضد الدولة اسطرلابا في يوم المهرجان وكتب إليه يقول
( أهدى إليك بنو الأملاك واحتفلوا ... في مهرجان جديد أنت تبليه )
( لكن عبدك إبراهيم حين رأى ... سمو قدرك عن شيء يدانيه )
( لم يرض بالأرض يهديها إليك وقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه ) وأهدى رجل إلى المتوكل قارورة ذهب وكتب معها بأن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أوقع وأنفع

مرة أبو الهذيل إلى موسى بن عمران دجاجة ووصفها له بصفات جليلة ثم لم يزل يذكرها وكلما ذكر شيء بجمال أو سمن قال هو أحسن أو أسمن من الدجاجة التي أهديتها إليكم وإن ذكر حادث قال ذلك قبل أن أهدي لكم الدجاجة بشهر وما كان بين ذلك وبين إهداء الدجاجة إلا أيام قلائل فصارت مثلا لمن يستعظم الهدية ويذكرها
قال الشاعر
( وإن امرأ أهدى إلي صنيعة ... وذكرنيها مرة للئيم ) وقال سفيان الثوري إذا أردت أن تتزوج فأهد للأم وكان سفيان يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أهديت إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها فأهدى إليه صديق له ثيابا من ثياب مصر وعنده قوم فذكروا الخبر فقال إنما ذلك فيما يؤكل ويشرب أما في ثياب مصر فلا وكتب الحمدوني إلى جارية اسمها برهان وقد حج مواليها فقال
( حجوا مواليك يا برهان واعتمروا ... وقد أتتك الهدايا من مواليك )
( فأطرفيني بما قد أطرفوك به ... ولا تكن طرفتي غير المساويك )
( ولست أقبل إلا ما جلوت به ... ثنيتيك وما رددت في فيك ) وكتب بعضهم إلى صديقه وقد أهدى إليه هدية يسيرة يقول
( تفضل بالقبول علي إني ... بعثت بما يقل العبد عندك ) وأهدى بعضهم إلى صديقه هدية في يوم نيروز وكتب إليه يقول هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العبيد للسادة وقدر الأمير يجل عما تحيط به المقدرة وفي سؤدده ما يوجب التفضل ببسط المعذرة وقد وجهت ما حضر علما بأنه لا يستكثر ما جل ولا يستقل لعبده ما قل فإن رأى أن يتطول بقبول القليل كتطوله باهداء الجزيل فعل وجعل يقول
( رأيت كثير ما يهدى إليكم ... قليلا فاقتصرت على الدعاء )

الحسن بن عمارة إن الأعمش يقع فيه ويقول ظالم ولي المظالم فأهدى إليه هدية فمدحه الأعمش بعد ذلك وقال الحمد لله الذي ولي علينا من يعرف حقوقنا فقيل له كنت تذمه ثم الآن تمدحه فقال حدثني خيثمه عن عبد الله أن رسول الله قال " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ) وقال عبد الملك ابن مروان ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها الكتاب يدل على عقل كاتبه والرسول يدل على عقل مرسله والهدية تدل على عقل مهديها
والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الخامس والخمسون في العمل والكسب والصناعات والحرف وما أشبه ذلك
أما العمل فقد روي عن النبي أنه قال " أفضل العمل أدومه وإن فل " وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه قليل مدام عليه خير من كثير مملول وفي التوراة حرك يدك افتح لك باب الرزق
وكان إبراهيم بن أدهم يسقي ويرعى ويعمل بالكراء وبحفظ البساتين والمزارع ويحصد بالنهار ويصلي بالليل وعن علي رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله ما ينفي عني حجة العلم ؟ قال العمل
وعنه أنه قال " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " وقال الأوزاعي إذا أراد الله بقوم سوء أعطاهم الجدل ومنعهم العمل وأنشد يقول
( وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل )

وقال بعض الحكماء لا شيء أحسن من عقل زانه حلم ومن عمل زانه علم ومن حلم زانه صدق ودخل بعض الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين فقال له عظني فقال له الولي بلغني رحمك الله أن الأعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى فانظر ماذا تعرض على رسول الله من عملك
فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه وقيل من جد وجد وأنشدوا في المعنى
( إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر )
( وقل من جد في أمر يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ) وتقول العرب فلان وثاب على الفرص وقال بعضهم
( وإني إذا باشرت أمرا أريده ... تدانت أقاصيه وهان أشده ) وعن أنس رضي الله تعالى عنه يتبع الميت ثلاث يرجع إثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ولا يرجع عمله
وقال بعضهم العمل سعي الأركان إلى الله والنية سعي القلوب إلى الله والقلب ملك والأركان جنود ولا يحارب الملك إلا بالجنود ولا الجنود إلا بالملك وقيل الدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم والعلم كله هباء إلا موضع العمل والعمل كله هباء إلا موضع الاخلاص هذا هو العمل
وأما الكسب فقد جاء في تفسير قوله تعالى ( وعلمناه صنعة لبوس لكم ) أي دروع من الحديد وذلك أن داود عليه الصلاة و السلام كان يدور في الصحاري فإذا رأى من لا يعرفه تحدث معه في أمر داود فإذا سمعه عابه بشيء يصلحه من نفسه فسمع يوما من يقول إني لا أجد في داود عيبا إلا أنه يأكل من غير كسبه فعند ذلك صلى داود عليه الصلاة

في محرابه وتضرع بين يدي الله تعالى وسأله أن يعلمه ما يستعين به على قوته فعلمه الله تعالى صنعة الحديد وجعله في يده كالشمع فاحترفها واستعان بها على أمره وسار يحكم منها الدروع
وقال رسول الله ( جعل رزقي تحت ظل رمحي فكانت حرفته الجهاد ) وقال رسول الله " إن الله يحب العبد المحترف " وقال " إن الله تعالى يبغض العبد الصحيح الفارغ "
وقال عليه الصلاة والسالم " من اكتسب قوته ولم يسأل الناس لم يعذبه الله تعالى يوم القيامة " ولو تعلمون ما أعلم من المسألة لما سأل رجل رجلا شيئا وهو يجد قوت يومه وليس عند الله أحب من عبد يأكل من كسب يده إن اله تعالى يبغض كل فارغ من أعمال الدنيا والأخرة وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي " من بات كالا في طلب الحلال أصبح مغفورا له " وعن الحسن رحمه الله كسب الدرهم الحلال أشد من لقاء الزحف وقيل لمحمد بن مهران إن ههنا أقواما يقولون نجلس في بيوتنا وتأتينا أرزاقنا فقال هؤلاء قوم حمقى إن كان لهم مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن فليفعلوا وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وقال أيضا إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول أله حرفة فان قالوا لا سقط من عيني واشترى سليمان وسقا من طعام وهو ستون صاعا فقيل له في ذلك فقال إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت قال بعضهم في السعي
( خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إن الجلوس مع العيال قبيح ) وقيل إن أول من صنع لسان الميزان عبد الله بن عامر وكان الناس إنما يزنون بالشاهيني وعن أنس رضي الله عنه قال غلا السعر على عهد رسول الله فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال إن الله الخالق القابض المسعر الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمته بها في أهل ولا مال

وأما ما جاء في العجز والتواني فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال من أطاع التواني ضيع الحقوق ومن العجز طلب ما فات مما لا يمكن استدراكه وترك ما أمكن مما تحمد عواقبه
قال الشاعر
( على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا ) ومثله قوله
( على المرء أن يسعى ويبذل نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر ) وقيل احذر مجالسة العاجز فانه من سكن إلى عاجز أعداه من عجزه وأمده من جزعه وعوده قلة الصبر ونساه ما في العواقب وليس للعجز ضد إلا الحزم
وقال بعض العلماء من الخذلان مسامرة الأماني ومن التوفيق بغض التواني وروي عن رسول الله أنه قال " باكروا في طلب الرزق والحوائج فان الغدو بركة ونجاح " وقال الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه احرص على ما ينفعك ودع كلام الناس فانه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة الناس وقال علي رضي الله تعالى عنه التواني مفتاح البؤس وبالعجز والكسل تولدت الفاقة ونتجت الهلكة ومن لم يطلب لم يجد وأفضى إلى الفساد وقال حكيم من دلائل العجز كثرة الاحالة على المقادير وقال بعض الحكماء الحركة بركة والتواني هلكة والكسل شؤم وكلب طائف خير من أسد رابض ومن لم يحترف لم يعتلف
وقيل من العجز والتواني تنتج الفاقة قال هلال بن العلاء الرفاء هذين البيتين من جملة أبيات
( كأن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوجها مهرا )
( فراشا وطيئا ثم قال لها اتكي ... فإنكما لا بد أن تلدا الفقرا ) وقال آخر
( توكل على الرحمن في الأمر كله ... ولا ترغبن في العجز يوما عن الطلب )

( ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب )
( ولو شاء أن تجنيه من غير هزه ... جنته ولكن كل رزق له سبب ) وسأل معاوية رضي الله عنه سعيد بن العاص عن المروءة فقال العفة والحرفة
وكان أيوب السختياني يقول يا فتيان احترفوا فإني لا آمن عليكم أن تحتاجوا إلى القوم يعني الأمراء وقال رجل للحسن إني أنشر مصحفي فاقرؤه بالنهار كله فقال اقرأه بالغداة والعشي ويكون يومك في صنعتك وما لا بد منه ومر رحمه الله تعالى باسكاف فقال يا هذا اعمل وكل فان الله يحب من يعمل ويأكل ولا يحب من يأكل ولا يعمل وقال أبو تمام
( أعاذلتي ما أحسن الليل مركبا ... وأحسن منه في الملمات راكبه )
( ذريني وأهوال الزمان أقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه )
( أرى عاجزا يدعى جليدا لقسمه ... ولو كلف المقوى لكلت مضاربه )
( وعفا يسمى عاجزا بعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه )
( وليس بعجز المرء أخطأه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه ) وقال آخر
( فلا تركن إلى كسل وعجز ... يحيل على المقادر والقضاء ) وقال اعرابي العاجز هو الشاب القليل الحيلة الملازم للأماني المستحيلة ويقال فلان يخدعه الشيطان عن الحزم فيمثل له التواني في صورة التوكل ويريه الهوينا باحالته على القدر وقال لقمان لابنه يا بني إياك والكسل والضجر فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا وإذا ضجرت لم تصبر على حق وقال أبو العتاهية
( إذا وضع الراعي على الأرض صدره ... فحق على المعزى بأن تتبددا ) فالتواني هو الكسل وتضييع الحزم وعدم القيام على مصالح النفس

وترك التسبب والاحتراف والاحالة على المقادير وهذا من أقبح الأفعال
وأما التأني فانه خلاف التواني وهو الرفق ورفض العجلة والنظر في العواقب وقد قيل من نظر في عواقب الأمور سلم من آفات الدهور
ومما جاء في ذلك قوله تعالى ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) وقال رسول الله " من أعطى حظه من الرفق أعطى حظه من الدنيا والآخرة " وقال عليه الصلاة و السلام لعائشة " عليك بالرفق فان الرفق لا يخالط شيئا إلا زانه ولا يفارق شيئا إلا شانه " وفي التوراة الرفق رأس الحكمة وقالوا العقل أصله التثبت وثمرته السلامة
ووجد على سيف مكتوبا التأني فيما لا يخاف الفوت أفضل من العجلة في إدراك الأمل وقال بعض الحكماء إذا شككت فاجزم وإذا استوضحت فاعزم وقالوا يد الرفق تجني ثمرة السلامة ويد العجلة تغرس شجرة الندامة وأنشدوا في ذلك
( قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل ) وقالوا التأني حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة وقالوا إذا لم يدرك الظفر بالرفق والتأني فبماذا يدرك ؟ وقال المهلب أتاة في عواقبها درك خير من عجلة في عواقبها فوت وقالوا من تأنى نال ما تمنى والرفق مفتاح النجاح وقال بعض الحكماء إياك والعجلة فانها تكنى أم الندامة لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويعزم قبل أن يفكر ويحمد قبل أن يجرب وإن تصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة وجانب السلامة
وأما الصناعات والحرف وما يتعلق بها فقد روي عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله " عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل "

وكان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته ويعلف ناضحه وقال سعيد بن المسيب كان لقمان الحكيم خياطا وقيل كان إدريس عليه السلام خياطا ووقف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على خياط فقال له يا خياط ثكلتك الثواكل صلب الخيط ودقق الدروز وقارب الغروز فإني سمعت رسول الله يقول " يحشر الله الخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاط وخان فيه واحذر السقاطات فان صاحب الثوب أحق بها ولا تتخذ بها الأيادي وتطلب المكافأة " وقال فيلسوف إن من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع وفي الحديث " أكذب أمتي الصواغون الصباغون وكذب الدلال مثل " وقالوا لكل أحد رأس مال ورأس مال الدلال الكذب وقال عبد الرحمن ابن شبل سمعت رسول الله يقول " التجار هم الفجار فقيل أليس الله تعالى قد أحل البيع ؟ قال نعم ولكن يحدثون فيكذبون ويحلفون فيحنثون " وقال الفضيل بخس الموازين سواد في الوجه يوم القيامة وإنما أهلكت القرون الأولى لأنهم أكلوا الربا وعطلوا الحدودونقصوا الكيل والميزان
وقال مجاهد في قوله تعالى ( واتبعك الأرذلون ) قيل هم الحاكة الاساكفة وقيل إن حائكا سأل إبراهيم الحربي ما تقول فيمن صلى العيد ولم يشتر ناطفا ما الذي يجب عليه " فتبسم إبراهيم ثم قال يتصدق بدرهمين فلما مضى قال ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق وقيل لرجل هل فيكم حائك ؟ قال لا قيل فمن ينسج لكم ثيابكم ؟ قال كل منا ينسج لنفسه في بيته وكان أردشير ابن بابك لا يرتضي لمنادمته ذا صناعة ردئية كحائك وحجام ولو كان يعلم الغيب مثلا وقال كعب لا تستشيروا الحاكة فإن الله تعالى سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم لأن مريم عليها السلام مرت بجماعة

من الحياكين فسألتهم عن الطريق فدلوها على غير الطريق فقالت نزع الله البركة من كسبكم وقال أبو العتاهية
( ألا أنما التقوى هي العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الذل والسقم )
( وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا صحح التقوى وإن حاك او حجم ) وهذا ما أردناه سياقة في هذا الباب والله الموفق للصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السادس والخمسون في شكوى الزمان وانقلابه بأهله والصبر على المكاره والتسلي عن نوائب الدهر وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في شكوى الزمان وانقلابه بأهله
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال ما من يوم ولا ليلة ولا شهر ولا سنة إلا والذي قبله خير منه سمعت ذلك من نبيكم وكان معاوية رضي الله تعالى عنه يقول معروف زماننا منكر زمان قد مضى ومنكره معروف زمان لم يأت وكانت ناقة رسول الله العضباء لا تسبق فجاء اعرابي فسبقها فشق ذلك على الصحابة رضي الله عنهم فقال " إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه " وحكي عن شيخ من همدان قال بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع الحميري بهدايا فمكثت شهرا لا أصل إليه ثم بعد ذلك أشرف أشرافه من كوة فخر له من حول القصر سجدا ثم رأيته من بعد ذلك وقد هاجر إلى حمص واشترى بدرهم لحما وسمطه خلف دابته وهو القائل هذه الأبيات
( أف للدنيا إذا كانت كذا ... أنا منها في بلاء وأذى )
( إن صفا عيش امرئ في صحبها ... جرعته ممسيا كأس الردى )

( ولقد كنت إذا ما قيل من ... أنعم العالم عيشا قيل ذا ) وقال يونس بن ميسرة لا يأتي علينا زمان إلا بكينا منه ولا يتولى عنا زمان إلا بكينا عليه ومن قول ذلك
( رب يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه ومثله
( وما مر يوم أرتجي فيه راحة ... فأخبره إلا بكيت على أمسي ) ومن كلام ابن الأعرابي
( عن الأيام عد فعن قليل ... ترى الأيام في صور الليالي ) وقال رضي الله عنه ما قال الناس لشيء طوبى إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء قال الشاعر
( فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعهد ) ودخل داود عليه الصلاة و السلام غارا فوجد فيه رجلا ميتا وعند رأسه لوح مكتوب فيه أنا فلان ابن فلان الملك عشت ألف عام وبنيت ألف مدينة وافتضضت ألف بكر وهزمت ألف جيش ثم صار أمري إلى أن بعثت زنبيلا من الدراهم لي في رغيف فلم يوجد ثم بعثت زنبيلا من الجواهر فلم يوجد فدققت الجواهر واستفيتها فمت مكاني فمن أصبح وله رغيف وهو يحسب أن على وجه الأرض أغنى منه أماته الله كاماتني وذكر أن عبد الرحمن بن زياد لما ولي خراسان حاز من الأموال ما قدر لنفسه أنه إن عاش مائة سنة ينفق في كل يوم ألف درهم على نفسه أنه يكفيه فرؤي بعد مدة وقد احتاج إلى أن باع حلية مصحفه وأنفقها وقال هيثم بن خالد الطويل دخلت على صالح مولى منارة في يوم شات وهو جالس في قبة مغشاة بالسمور وجميع فروشها سمور وبين يديه كانون فضة يبخر فيه بالعود ثم رأيته بعد ذلك في رأس الجسر وهو يسأل الناس

ولما قتل عامر بن إسماعيل مروان بن محمد ونزل في داره وقعد على فرشه دخلت عليه عبدة بنت مروان فقالت يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه وأقعدك عليه لقد أبلغ في عظتك وقال مالك بن دينار مررت بقصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن
( إلا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يغدر بصاحبك الزمان )
( فنعم الدار تأوي كل ضيف ... إذا ما ضاق بالضيف المكان ) ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب وبه عجوزا فسألتها عما كنت رأيت وسمعت فقالت يا عبد الله إن الله يغير ولا يتغير والموت غالب كل مخلوق قد والله دخل بها الحزن وذهب بأهلها الزمان وقال أبو العتاهية
( لئن كنت في الدنيا بصيرا فإنما ... بلاغك منها مثل زاد المسافر )
( إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر ) وقال عبد الملك بن عمير رأيت رأس الحسين رضي الله عنه بين يدي ابن زياد في قصر الكوفة ثم رأيت رأس زياد بين يدي المختار ثم رأيت رأس الختار بين يدي مصعب ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال سفيان فقلت له كم كان بين أول الرؤوس وآخرها ؟ قال اثنتا عشرة سنة
( إن للدهر صرعة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الشرورا )
( قد يبيت الفتى معافى فيردى ... ولقد كان آمنا مسرورا ) وكان محمد بن عبد الله بن طاهر في قصره على الدجلة ينظر فاذا هو بحشيش في وسط الماء وفي وسطه قصبة على رأسها رقعة فدعا بها فإذا فيها مكتوب شعرا وهو للشافعي رضي الله تعالى عنه
( تاه الأعيرج واستعلى به البطر ... فقل له خير ما استعملته الحذر )
( أحسنن ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر )

( وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر ) قال فما انتفع بنفسه وأعجب ما وجد في السير خبر القاهر أحد الخلفاء وقلعه من الملك وخروجه إلى الجامع في بطانة جبة بغير ظهارة ومد يده يسأل الناس بعد أن كان ملكه لأقطار الأرض فتبارك الله يعز من يشاء ويذل من يشاء وقيل كان لمحمد المهلبي قبل اتصاله بالسلطان حال ضعيف فبينما هو في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الحرث والمحراث إلا أنه من أهل الأدب إذ أنشده يقول
( ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه )
( ألا رحم المهيمن نفس حر ... تصدق بالوفاة على أخيه ) قال فرثى له رفيقه وأحضر له بدرهم ما سد به رمقه وحفظ الأبيات وتفرقا ثم ترقى المهلبي إلى الوزارة وأخنى الدهر على ذلك الرجل الذي كان رفيقه فتوصل إلى إيصال رقعة إليه مكتوب فيها
( إلا قل للوزير فدته نفسي ... مقال مذكر ما قد نسيه )
( أتذكر إذ تقول لضنك عيش ... ألا موت يباع فأشتريه ) فلما قرأها نذكر فأمر له بسبعمائة درهم ووقع تحت رقعته ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) ثم قلده عملا يرتزق منه
ودخل مسلمة بن زيد بن وهب على عبد الملك بن مروان فقال له أي الزمان أدركته أفضل وأي الملوك أكمل ؟ فقال أما الملوك فلم أر إلا حامدا وذاما وما الزمان فيرفع أقواما ويضع آخرين وكلهم يذكر أنه يبلى جديدهم ويفرق عديدهم ويهرم صغيرهم ويهلك كبيرهم وقال حبيب بن أوس
( لم أبك من زمن لم أرض خلته ... إلا بكيت عليه حين ينصرم )

وقال آخر
( يا معرضا عني بوجه مدبر ... ووجوه دنياه عليه مقبلة )
( هل بعد حالك هذه من حالة ... أو غاية إلا انحطاط المنزلة ) وقال عبد الله بن عروة بن الزبير
( ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... بشوا إلي ورحبوا بالمقبل )
( وبقيث في خلف كأن حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في المنزل ) وقال آخر في معناه
( يا منزلا عبث الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق لا يجمع )
( أين الذين عهدتهم بك مرة ... كان الزمان بهم يضر وينفع )
( أيام لا يغشى لذكرك مربع ... إلا وفيه للمكارم مرتع )
( ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي الذين حياتهم لا تنفع ) وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي
( وإني رأيت الدهر منذ صحبته ... محاسنه مقرونة ومعايبه )
( إذا سرني في أول الأمر لم أزل ... على حذر من أن تذم عواقبه ) وقال بعضهم
( ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر )
( وبقيت في خلف يزين بعضه ... بعضا ليدفع معور عن معور )
( حلف الزمان ليأتين بمثلهم ... حنثت يمينك يا زمان فكفر )

يقال إذا أدبر الأمر أتى الشر من حيث يأتي الخير وكان يقال بتقلب الدهر تعرف جواهر الرجال ويقال زمام العافية بيد البلاء ورأس السلامة تحت جناح العطب وقال بعضهم نحن في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا والشر إلا إقبالا والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا اضرب بطرفك حيث شئت هل تنظر إلا فقيرا يكابد فقرا أو غنيا بدل نعمة الله كفرا أو بخيلا اتخذ بحق الله وفرا أو متمردا كان بسمعه عن سماع المواعظ وقرا وقال آخر نحن فلي زمان إذا ذكرنا الموتى حييت القلوب وإذا ذكرنا الأحياء ماتت القلوب ويؤيد ذلك قوله " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر أخيه فيقول يا ليتني مكانه " ويقال لا يقاوم عز الولاية بذل العزل بيت
( ما من مسيئ وإن طالت إساءته ... إلا ويكفيك يوم من مساويه ) وقال الأمين
( يا نفس قد حق الحذر ... أين المفر من القدر )
( كل امرئ مما يخاف ... ويرتجيه على خطر )
( من يرتشف صفو الزمان ... يغص يوما بالكدر ) وقال بعضهم
( وقائلة ما بال وجهك قد نضت ... محاسنه والجسم بان شحوبه )
( فقلت لها هاتي من الناس واحدا ... صفا وقته والنائبات تنوبه ) وللأمير أبي علي بن منقذ
( أما والذي لا يملك الأمر غيره ... ومن هو بالسر المكتم أعلم )
( لئن كان كتمان المصائب مؤلما ... لإعلانها عندي أشد وأعظم )
( وبي كل ما يبكي العيون أقله ... وإن كنت منه دائما أبتسم )

وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وأيم الله ما كان قوم قط في خفض عيش فزال عنهم إلا بذنوب اقترفوها لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد ولو أن الناس حين ينزل بهم الفقر ويزول عنهم الغنى فزعوا إل ربهم بصدق نياتهم لرد عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد قال الشاعر
( يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان ) وكفى بالقرآن واعظا قال الله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) والله سبحانه وتعالى أعلم
الفصل الثاني في الصبر على المكاره ومدح التثبت وذم الجزع
قد مدح الله تعالى الصبر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة وأمر به وجعل أكثر الخيرات مضافا إلى الصبر وأثنى على فاعله وأخبر أنه سبحانه وتعالى معه وحث على التثبت في الأشياء ومجانبة الاستعجال فيها فمن ذلك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة وإن الله مع الصابرين فبدأ بالصبر قبل الصلاة ثم جعل نفسه مع الصابرين دون المصلين قوله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) وقوله تعالى ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) وبالجملة فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الصبر في كتابه العزيز في نيف وسبعين موضعا وأمر نبيه به فقال تعالى ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) وقد روي عن النبي في ذلك أخبار كثيرة فمن ذلك قوله

في الصبر " وقوله عليه الصلاة و السلام " بالصبر يتوقع الفرج " وقوله " الأناة من الله تعالى والعجلة من الشيطان فمن هداه الله تعالى بنور توفيقه ألهمه الصبر في مواطن طلباته والتثبت في حركاته وسكناته وكثيرا ما أدرك الصابر مرامه أو كاد وفات المستعجل غرضه أو كاد " وقال الأشعث بن قيس دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فوجدته قد أثر فيه صبره على العبادة الشديدة ليلا ونهارا فقلت يا أمير المؤمنين إلى كم تصبر على مكابدة هذه الشدة ؟ فما زادني إلا أن قال
( اصبر على مضض الإدلاج في السحر ... وفي الروح إلى الطاعات في البكر )
( إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر )
( وقل من جد في أمر يؤمله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ) فحفظتها منه وألزمت نفسي الصبر في الأمور فوجدت بركة ذلك وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي أنه قال " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا حط الله بها من خطاياه " وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله " إذا أراد الله بعبد الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة " وقال " إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط " رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أنس بن مالك قال قال النبي " الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر والصبر عند الصدمة الأولى وعظم الأجر على قدر المصيبة ومن استرجع بعد مصيبته جدد الله له أجرها كيوم أصيب بها "

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال احفظوا عني خمسا اثنتين واثنتين وواحدة لا يخافن أحدكم إلا ذنبه ولا يرجو إلا ربه ولا يستحي أحد منكم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلم أن يقول لا أعلم وأعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد إذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور وأيما رجل حبسه السلطان ظلما فمات في حبسه مات شهيدا فان ضربه فمات فهو شهيد
وروي في الخبر لما نزل قوله تعالى ( من يعمل سوء يجز به ) قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا رسول الله كيف الفرح بعد هذه الآية ؟ فقال رسول الله غفر الله لك يا أبا بكر أليس تمرض أليس يصيبك الأذى أليس تحزن قال بلى يا رسول الله قال فهذا ما تجزون به يعني جميع ما يصيبك من سوء يكون كفارة لك وبهذا اتضح لك أن العبد لا يدرك منزلة الأخيار إلا بالصبر على الشدة والبلاء
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال بينما رسول الله يصلي عند الكعبة وأبو جهل وأصحابه جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل لعنه الله أيكم يقوم إلى سلا الجزور فيلقيه على كتفي محمد إذا سجد فانبعث أشقى القوم فأخذه وأتى به فلما سجد وضع بين كتفيه السلا والفرث والدم فضحكوا ساعة وأنا قائم أنظر فقلت لو كان لي منعة لطرحته عن ظهر رسول الله والنبي ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق انسان فأخبر فاطمة رضي الله عنها فجاءت فطرحته عن ظهره ثم أقبلت عليهم فسبتهم فلما قضى الصلاة رفع يديه فدعا عليهم فقال اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمع القوم صوته ودعاءه ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته فقال اللهم عليك بأبي جهل وعتبة وشيبة وربيعة

والوليد وأمية بن خلف فقال علي رضي الله عنه والذي بعث محمدا بالحق رأيت الذين سماهم صرعى يوم بدر وكان الصالحون يفرحون بالشدة لأجل غفران الذنوب لأن فيها كفارة السيئات ورفع الدرجات وروي عن رسول الله أنه قال " ثلاث من رزقهن فقد رزق خيري الدنيا والآخرة الرضا بالقضاء والصبر على البلاء والدعاء في الرخاء
وحكي أن امرأة من بني إسرائيل لم يكن لها إلا دجاجة فسرقها سارق فصبرت وردت أمرها إلى الله ولم تدع عليه فلما ذبحها السارق ونتف ريشها نبت جميعه في وجهه فسعى في إزالته فلم يقدر على ذلك إلى أن أتى حبرا من أحبار بني إسرائيل فشكا له فقال لا أجد لك دواء إلا أن تدعو عليك هذه المرأة فأرسل إليها من قال لها أين دجاجتك ؟ فقالت سرقت فقال لقد آذاك من سرقها قالت قد فعل ولم تدع عليه قال وقد فجعك في بيضها قالت هو كذلك فما زال بها حتى أثار الغضب منها فدعت عليه فتساقط الريش من وجهه فقيل لذلك الحبر من أين علمت ذلك ؟ قال لأنها لما صبرت ولم تدع عليه انتصر الله لها فلما انتصرت لنفسها ودعت عليه سقط الريش من وجهه فالواجب على العبد أن يصبر على ما يصيبه من الشدة ويحمد الله ويعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن المصائب والرزايا إذا توالت أعقبها الفرج والفرح عاجلا
ومن أحسن ما قيل في ذلك من المنظوم
( وإذا مسك الزمان بضر ... عظمت دونه الخطوب وجلت )
( وأتت بعده نوائب أخرى ... سئمت نفسك الحياة وملت )
( فاصطبر وانتظر بلوغ الأماني ... فالرزايا إذا توالت تولت )
( وإذا أوهنت قواك وجلت ... كشفت عنك جملة وتخلت ) ولمحمد بن بشر الخارجي
( إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتجا )

( لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا ) ولزهير بن أبي سلمى
( ثلاث يعز الصبر عند حلولها ... ويذهل عنها عقل كل لبيب )
( خروج اضطرار من بلاد يحبها ... وفرقة أخوان وفقد حبيب ) وقال بعضهم
( عليك باظهار التجلد للعدا ... ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا )
( أما تنظر الريحان يشمم ناضرا ... ويطرح في البيدا إذا ما تغيرا ) ولابن نباتة
( صبرا على نوب الزمان ... وإن أبي القلب الجريح )
( فلكل شيء آخر ... إما جميل أو قبيح ) وقال أبو الأسود وأجاد
( وإن امرء قد جرب الدهر لم يخف ... تقلب عصريه لغير لبيب )
( وما الدهر والأيام إلا كما ترى ... رزية مال أو فراق حبيب ) ومن كلام الحكماء ما جوهد الهوى بمثل الرأي ولا استنبط الرأي بمثل المشورة ولا حفظت النعم بمثل المواساة ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر وما استنجحت الأمور بمثل الصبر وقال نهشل
( ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن نار قيام على الجمر )
( صبرنا له صبرا جميلا وإنما ... تفرج أبواب الكريهة بالصبر ) قال ابن طاهر
( حذرتني وذا الحذر ... ليس يغني من القدر )
( ليس من يكتم الهوى ... مثل من باح واشتهر )

( إنما يعرف الهوى ... من على مره صبر )
( نفس يا نفس فاصبري ... فز بالصبر من صبر ) وكان يقال من تبصر تصبر وكان يقال إن نوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر وكان يقال لا دواء لداء الدهر إلا بالصبر ولله در القائل
( الدهر أدبني والصبر رباني ... والفوت أقنعني واليأس أغناني )
( وحنكتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي قد كان ينهاني ) وما أحسن ما قال محمود الوراق
( إني رأيت الصبر خير معول ... في النائبات لمن أراد معولا )
( ورأيت أسباب القناعة أكدت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا )
( فاذا نبا بي منزل جاوزته ... وجعلت منه غيره لي منزلا )
( وإذا غلا شيء علي تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا ) وقال بعضهم
( إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة ... فافرغ لها صبرا ووسع لها صدرا )
( فان تصاريف الزمان عجيبة ... فيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا ) وقال بعضهم
( وما مستني عسر ففوضت أمره ... إلى الملك الجبار إلا تيسرا ) وما أحسن ما قيل
( الدهر لا يبقى على حالة ... لا بد أن يقبل أو يدبر )
( فان تلقاك بمكروهه ... فاصبر فان الدهر لا يصبر ) ونقل عن محمد بن الحسن رحمه الله قال كنت معتقلا بالكوفة فخرجت يوما من السجن مع بعض الرجال وقد زاد همي وكادت نفسي

أن تزهق وضاقت علي الأرض بما رحبت وإذا برجل عليه آثار العبادة قد أقبل علي ورأى ما أنا فيه من الكآبة فقال ما حالك ؟ فأخبرته القصة فقال الصبر الصبر فقد روي عن النبي أنه قال " الصبر ستر الكروب وعون على الخطوب " وروي عن ابن عمه علي رضي الله تعالى عنه أنه قال الصبر مطية لا تدبر وسيف لا يكل وأنا أقول
( ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله ... عند الإله وأنجاه من الجزع )
( من شد بالصبر كفا عند مؤلمه ... ألوت يداه بحبل غير منقطع ) فقلت بالله عليك زدني فقد وجدت بك راحة فقال ما يحضرني شيء عن النبي ولكني أقول
( أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ومن ليس في كل الأمور له كفو )
( لئن كان بدء الصبر مرا مذاقه ... لقد يجتني من بعده الثمر الحلو ) ثم ذهب فسألت عنه فما وجدت أحدا يعرفه ولا رآه أحد قبل ذلك في الكوفة ثم أخرجت في ذلك اليوم من السجن وقد حصل لي سرور عظيم بما سمعت منه وانتفعت به ووقع في نفسي أنه من الأبدال الصالحين قيضه الله تعالى لي يوقظني ويؤبني ويسليني وقيل إن رجلا كان يضرب بالسياط ويجلد جلدا بليغا ولم يتكلم ويصبر ولم يتأوه فوقف عليه بعض مشايخ الطريقة فقال له أما يؤلمك هذا الضرب الشديد ؟ فقال بلى قال لم لا تصيح ؟ فقال إن في هذا القوم الذين وقفوا علي صديقا لي يعتقد في الشجاعة والجلادة وهو يرقبني بعينه فأخشى إن ضجيت يذهب ماء وجهي عنده ويسوء ظنه بي فأنا أصبر على شدة الضرب وأحتمله لأجل ذلك قال الشاعر
( على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويحمد منه الصبر مما يصيبه )
( فمن قل فيما يلتقيه اصطباره ... لقد قل فيما يرتجيه نصيبه ) وقال رسول الله لعائشة رضي الله تعالى عنها يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولى العزم من الرسل إلا بالصبر ولم يكلفني إلا ما كلفوا

به فقال عز و جل ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) وإني والله لأصبرن كما صبروا فان النبي لما صبر كما أمر أسفر وجه صبره عن ظفره ونصره وكذلك الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين هم أولو العزم لما صبروا ظفروا وانتصروا وقد اختلف أهل العلم فيهم على أقوال كثيرة فقال مقاتل رضي الله تعالى عنه هم نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويونس وأيوب صلوات الله عليهم وقال قتادة هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ويقال ما الذي صبروا عليه حتى سماهم الله تعالى أولي العزم فأقول ذكر ما صبروا عليه
أما نوح عليه الصلاة و السلام
فقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان نوح عليه الصلاة و السلام يضرب ثم يلف في لبد ويلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يعود ويخرج إلى قومه ويدعوهم إلى الله تعالى ولما أيس منهم ومن إيمانهم جاءه رجل كبير يتوكأ على عصاه ومعه ابنه فقال لابنه يا بني انظر إلى هذا الشيخ واعرفه ولا يغرك فقال له ابنه يا أبت مكني من العصا فأخذها من أبيه وضرب بها نوحا عليه الصلاة و السلام شج بها رأسه وسال الدم على وجهه فقال رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فان يكن لك فيهم حاجة فاهدهم وإلا فصبرني إلى أن تحكم فأوحى الله تعالى إليه ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا نبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك ) قال يارب وما الفلك ؟ قال بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه أهل طاعتي وأغرق أهل معصيتي قال يارب وأين الماء ؟ قال أنا على كل شيء قدير قال يارب وأني الخشب ؟ قال اغرس الخشب فغرس الساج عشرين سنة وكف عن دعائهم وكفوا عن ضربه إلا أنهم كانوا

به فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها وقال يا رب كيف اتخذ هذا البيت ؟ قال اجعله على ثلاث صور وبعث الله له جبريل فعلمه وأوحي الله تعالى اليه أن عجل بعمل السفينة فقد اشتد غضبي على من عصاني فلما فرغت السفينة جاء أمر الله سبحانه وتعالى بانتصار نوح ونجاته وإهلاك قومه وعذابهم إلا من آمن معه وفار التنور وظهر الماء على وجه الأرض وقذفت السماء بأمطار كأفواه القرب حتى عطم الماء وصارت أمواجه كالجبال وعلا فوق أعلى جبل في الأرض أربعين ذراعا وانتقم الله سبحانه وتعالى من الكافرين ونصر نبيه نوحا عليه الصلاة و السلام وفي تمام قصته وحديث السفينة كلام مبسوط لأهل التفسير ليس هذا موضع شرحه وبسطه فهذا زبدة صبر نوح عليه الصلاة و السلام وانتصاره على قومه
وأما ابراهيم عليه الصلاة و السلام
فإنه لما كسر أصنام قومه التي كانوا يعبدونها لم يروا في قتله ونصرة آلهتهم أبلغ من إحراقه فأخذوه وحبسوه ببيت ثم بنوا حائزا كالحوش طول جداره ستون ذراعا في سفح جبل عال ونادى مناد ملكهم أن احتطبوا لإحراق إبراهيم زمن تخلف عن الاحتطاب أحرقه فلم يتخلف منهم أحد وفعلوا ذلك أربعين يوما ليلا ونهارا حتى كاد الحطب يساوي رؤوس الجبال وسدوا أبواب ذلك الحائز وقذفوا فيه النار فارتفع لهبها حتى كان الطائر يمر بها فيحترق من شدة لهبها ثم بنوا بنيانا شامخا وبنوا فوقه منجنيقا ثم رفعوا ابراهيم على رأس البنيان فرفع ابراهيم عليه الصلاة و السلام طرفه الى السماء ودعا الله تعالى وقال ( حسبي الله ونعم الوكيل ) وقيل كان عمره يومئذ ستة وعشرين سنة فنزل اليه جبريل عليه الصلاة و السلام وقال يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال أما إليك فلا فقال جبريل سل ربك فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي فقال الله تعالى ( يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم )

فلما قذفوه فيها نزل معه جبريل عليه الصلاة و السلام فجلس به على الأرض وأخرج الله له ماء عذبا قال كعب ما أحرقت النار غير أكتافه وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام وقيل أكثر من ذلك ونجاه الله تعالى ثم أهلك نمرود وقومه باخس الأشياء وانتقم منهم وظفر إبراهيم عليه الصلاة و السلام بهم فهذه ثمرة صبره على مثل هذه الحالة العظمى ولم يجزع منها وصبر وفوض أمره إلى الله تعالى في ذلك وتوكل عليه ووثق به ثم جاءته قصة ذبح ولده وأمره الله تعالى بذلك فقابل أمره بالتسليم والامتثال وسارع إلى ذبحه من غير إهمال ولا إمهال وقصته مشهورة وتفاصيل القصة في كتب التفسير مسطورة ظهر صدقه ورضاه ومبادرته الى طاعة مولاه وصبره على ما قدره وقضاه عوضه الله تعالى عن ذبح ولده أن فداء واتخذه خليلا من بين خلقه واجتباه وأما الذبيح صلوات الله وسلامه عليه فإنه صبر على بلية الذبح
وتلخيصها أن الله تعالى لما ابتلى إبراهيم عليه الصلاة و السلام بذبح ولده قال إني أريد أن أقرب قربانا " فأخذ ولده والسكين والحبل وانطلق فلما دخل بين الجبال قال ابنه أين قربانك يا أبت ؟ قال إن الله تعالى قد أمرني بذبحك فانظر ماذا ترى ( قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) يا أبت أشدد وثاقي كي لا أضطرب وأجمع ثيابك حتى لا يصل اليها رشاش الدم فتراه أمي فيشتد حزنها وأسرع إمرار السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي وإذ لقيت أمي فاقرأ السلام عليها فأقبل إبراهيم عليه الصلاة و السلام على ولده يقبله ويبكي ويقول نعم العون أنت يا بني على ما أمر الله تعالى قال مجاهد لما أمر السكين على حلقه انقلبت السكين فقال يا أبت اطعن بها طعنا وقال السدي جعل الله حلقة كصحيفة من نحاس لا تعمل فيها السكين شيئا فلما ظهر فيهما صدق التسليم نودي أن يا إبراهيم هذا فداء ابنك فأتاه جبريل عليه السلام بكبش أملح

فأخذه وأطلق ولده وذبح الكبش فلا جرم أن جعل الذبيح نبيا بصبره وامتثاله لأمره
وأما يعقوب عليه الصلاة و السلام فإنه لما ابتلي بفراق ولده وذهاب بصره واشتداد حزنه قال فصبر جميل وكذلك يوسف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لما ابتلاه الله تعالى بالقائه فى ظلمة الجب وبيعه كما تباع العبيد وفراقه لأبيه وإدخاله السجن وحبسه فيه بضع سنين وأنه تلقى ذلك كله بصبره وقبوله فلا جرم أورثهما صبرهما جمع شملهما واتساع القدرة بالملك في الدنيا مع ملك النبوة في الآخرة
وأما أيوب عليه الصلاة و السلام فإنه ابتلاه الله تعالى بهلاك أهله وماله وتتابع المرض المزمن والسقم المهلك حتى أفضى أمره إلى ما تضعف القوى البشرية من حمله ولنذكر شيئا مختصرا من ذلك وهو أن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان يظلم الناس فنهاه جماعة من الأنبياء عن الظلم وسكت عنه أيوب عليه الصلاة و السلام فلم يكلمه ولم ينهه لأجل خيل كانت له في مملكته فأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه الصلاة و السلام تركت نهيه عن الظلم لأجل خيلك لأطيلن بلاءك فقال إبليس لعنه الله يارب سلطني على أولاده وماله فسلطه فبث إبليس مردته من الشياطين فبعث بعضهم إلى دوابه ورعاتها فاحتملوها جميعا وقذفوها في البحر وبعث بعضهم إلى زرعه وجناته فأحرقوها وبعث بعضهم إلى منازله وفيها أولاده وكانوا ثلاثة عشر ولدا وخدمه وأهله فزلزلوها فهلكوا ثم جاء إبليس إلى أيوب عليه الصلاة و السلام وهو يصلي فتمثل له في صورة رجل من غلمانه فقال يا أيوب أنت تصلي ودوابك ورعاتك قد هبت عليها ريح عظيمة وقذفت الجميع في البحر وأحرقت زرعك وهدمت منازلك على أولادك وأهلك فهلك الجميع ما هذه الصلاة ؟ فالتفت إليه وقال الحمد لله الذي أعطاني ذلك كله ثم قبله مني ثم قام إلى صلاته فرجع إبليس

ثانيا فقال يارب سلطني على جسده فسلطه فنفخ في إبهام رجله فانتفخ ولا زال يسقط لحمه من شدة البلاء إلى أن بقي أمعاؤه تبين وهو مع ذلك كله صابر محتسب مفوض أمره إلى الله تعالى وكان الناس قد هجروه واستقذروه وألقوه خارجا عن البيوت من نتن ريحه وكنت زوجته رحمة بنت يوسف الصديق قد سلمت فترددت إليه متفقدة فجاءها إبليس يوما في صورة شيخ ومعه سخلة وقال لها ليذبح أيوب هذه السخلة على إسمي فيبرأ فجاءته فأخبرته فقال لها إن شفاني الله تعالى لأجلدنك مائة جلدة تأمريني أن أذبح لغير الله تعالى فطردها عنه فذهبت وبقي ليس له من يقوم به فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا أحد من الناس يتفقده خر ساجدا لله تعالى وقال ( وأيوب إذ نادى ربه إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) فلما علم الله تعالى منه ثباته على هذه البلوى طول هذه المدة وهي على ما قيل ثمان عشرة سنة وقيل غير ذلك وإنه تلقى جميع ذلك بالقبول وما شكا إلى مخلوق ما نزل به عاد الله تعالى بألطافه عليه فقال تعالى ( فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ) وأفاض عليه من نعمه ما أنساه بلوى نقمه ومنحه من أقسام كرمه أن أفتاه في يمينه تحلة قسمه ومدحه في نص الكتاب فقال تعالى ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ) فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأمنى المواهب لما أمر الله تعالى به رسله ذوي الحزم وسماهم بسبب صبرهم أولى العزم وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم وسؤالهم ومنحهم من لدنه غاية أمرهم ومأمولهم ومرامهم فما أسعد من اهتدى بهداهم واقتدى بهم وإن قصر عن مداهم وقيل العسر يعقبه اليسر والشدة يعقبها الرخاء والتعب يعقبه الراحة والضيق

يعقبه السعة والصبر يعقبه الفرج وعند تناهي الشدة تنزل الرحمة والموفق من رزقه صبرا وأجرا والشقي من ساق القدر إليه جزعا ووزرا
ومما شنف السمع من نجح هذه الإشارة وأتحف النفع في نهج هذه العبارة ما روي عن الحسن البصري رضي الله تعالى عنه قال كنت بواسط فرأيت رجلا كأنه قد نبش من قبر فقلت ما دهاك يا هذا ؟ فقال أكتم على أمري حبسني الحجاج منذ ثلاث سنين فكنت في أضيق حال وأسوأ عيش وأقبح مكان وأنا مع ذلك كله صابر لا أتكلم فلما كان بالأمس أخرجت جماعة كانوا معي فضربت رقابهم وتحدث بعض أعوان السجن أن غدا تضرب عنقي فأخذني حزن شديد وبكاء مفرط وأجرى الله تعالى على لساني فقلت إلهي اشتد الضر وفقد الصبر وأنت المستعان ثم ذهب من الليل أكثره فأخذتني غشية وأنا بين اليقظان والنائم إذا آتاني آت فقال لي قم فصل ركعتين وقل يا من لا يشغله شيء عن شيء يا من أحاط علمه بما ذرأ وبرأ وأنت عالم بخفيات الأمور ومحصي وساوس الصدور وأنت بالمنزل الأعلى وعلمك محيط بالمنزل الأدنى تعاليت علوا كبيرا يا مغيث أغثني وفك أسري واكشف ضري فقد نفذ صبري فقمت وتوضأت في الحال وصليت ركعتين وتلوت ما سمعته منه ولم تختلف علي منه كلمة واحدة فما تم القول حتى سقط القيد من رجلي ونظرت إلى أبواب السجن فرأيتها قد فتحت فقمت فخرجت ولم يعارضني أحد فأنا والله طليق الرحمن وأعقبني الله بصبري فرجا وجعل لي من ذلك الضيق مخرجا ثم ودعني وانصرف يقصد الحجاز
وفيما يروى عن الله تعالى أنه أوحى إلى داود عليه الصلاة و السلام يا داود من صبر علينا وصل إلينا وقال بعض الرواة دخلت مدينة يقال لها دقار فبينما أنا أطوف في خرابها إذا رأيت مكتوبا بباب قصر خرب بماء الذهب واللازورد هذه الأبيات

( يا من ألح عليه الهم والفكر ... وغيرت حاله الأيام والغير )
( أما سمعت لما قد قيل في مثل ... عند الاياس فأين الله والقدر )
( ثم الخطوب إذا أحداثها طرقت ... فاصبر فقد فاز أقوام بما صبروا )
( وكل ضيق سيأتي بعده سعة ... وكل فوت وشيك بعده الظفر ) ولما حبس أبو أيوب في السجن خمس عشرة سنة ضاقت حيلته وقل صبره فكتب إلى بعض إخوانه يشكو إليه طول حبسه وقلة صبره فرد عليه جواب رقعته يقول
( صبرا أبا يوب صبر مبرح ... وإذا عجزت عن الخطوب فمن لها )
( إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يملك حلها )
( صبرا فإن الصبر يعقب راحة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها ) فأجابه أبو أيوب يقول
( صبرتني ووعظتني وأنا لها ... وستنجلي بل لا أقول لعلها )
( ويحلها من كان صاحب عقدها ... كرما به إذ كان يملك حلها ) فما لبث بعد ذلك أياما حتى أطلق مكرما وأنشدوا
إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... إن الذي يكشف البلوى هو الله )
( اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن فإن الصانع الله )
( إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ... فما ترى حيلة فيما قضى الله )
الفصل الثالث من هذا الباب في التأسي في الشدة والتسلي عن نوائب الدهر
قال الثوري رحمه الله تعالى لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة وقيل الهموم التي تعرض للقلوب كفارات للذنوب

حكيم رجلا يقول لآخر لا أراك الله مكروها فقال كأنك دعوت عليه بالموت فإن صاحب الدنيا لا بد أن يرى مكروها وتقول العرب ويل أهون من ويلين وقال ابن عيينة الدنيا كلها غموم فما كان فيها من سرور فهو ربح وقال العتبي إذا تناهى الغم إنقطع الدمع بدليل أنك لا ترى مضروبا بالسياط ولا مقدما لضرب العنق يبكي
وقيل تزوج مغن بنائحة فسمعها تقول اللهم أوسع لنا في الرزق فقال لها يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن وقد أخذنا بطرفي ذلك فإن كان فرح دعوني وإن كان حزن دعوك وقال وهب بن منبه إذا سلك بك طريق البلاء سلك بك طريق الأنبياء وقال مطرف ما نزل بي مكروه قط فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فاستصغرته وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يرفعه " يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله تعالى لأهل البلاء " وروى أبو عتبة عن النبي قال " إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه قالوا وما اقتناه ؟ قال لا يترك له مالا ولا ولدا " ومر موسى عليه الصلاة و السلام برجل كان يعرفه مطيعا لله عز و جل قد مزقت السباع لحمه وأضلاعه وكبده ملقاة على الأرض فوقف متعجبا فقال أي رب عبدك ابتليته بما أرى فأوحى الله تعالى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله فأحببت أن أبتليه لأبلغه تلك الدرجة
وكان عروة بن الزبير صبورا حين ابتلي حكي أنه خرج إلى الوليد ابن يزيد فوطئ عظما فما بلغ إلى دمشق حتى بلغ به كل مذهب فجمع له الوليد الاطباء فأجمع رأيهم على قطع رجله فقالوا له اشرب مرقدا فقال ما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى فأحمى له المنشار وقطعت رجله فقال ضعوها بين يدي ولم يتوجع ثم قال لئن كنت ابتليت في عضو فقد عوفيت في أعضاء فبينما هو كذلك إذ أتاه خبر ولده أنه أطلع من سطح على دواب الوليد فسقط بينها فمات فقال الحمد لله على كل حال لئن أخذت واحدا لقد أبقيت جماعة
وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير فسأله عن حاله وسبب

ذهاب بصره فقال خرجت مع رفقة مسافرين ومعي مالي وعيالي ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي فعرسنا في بطن واد فطرقنا سيل فذهب ما كان لي من أهل ومال وولد غير صبي صغير وبعير فشرد البعير فوضعت الصغير على الأرض ومضيت لآخذ البعير فسمعت صيحة الصغير فرجعت إليه فإذا رأس الذئب في بطنه وهو يأكل فيه فرجعت إلى البعير فحكم وجهي برجليه فذهبت عيناي فأصبحت بلا عينين ولا ولد ولا مال ولا أهل فقال الوليد إذهبوا إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه وقيل الحوادث الممضة مكسبة لحظوظ جليلة أما ثواب مدخر أو تطهير من ذنب أو تنبيه من غفلة أو تعريف لقدر النعمة
قال البحتري يسلي محمد بن يوسف على حبسه
( وما هذه الأيام إلا منازل ... فمن منزل رحب إلى منزل ضنك )
( وقد دهمتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب إلا بريز قبلك بالسبك )
( أما في نبي الله يوسف اسوة ... لمثلك محبوس عن الظلم والإفك )
( أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك ) وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل
( قالوا حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد )
( والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد )
( والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند )
( والحبس ما لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المتودد )
( بيت يجدد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد )
( لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا تستذلك بالحجاب الأعبد )
( غر الليالي باديات عود ... والمال عارية يعار وينفد )
( ولكل حي معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما يحمد )
( لا يؤيسنك من تفرج نكبة ... خطب رماك به الزمان الأنكد )

( كم من عليل ق تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود )
( صبرا فان اليوم يعقبه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد ) قال وأنشد اسحاق الموصلي في إبراهيم بن المهدي حين حبس
( هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال )
( يوما تريك خسيس الأصل ترفعه ... إلى العلاء ويوما تخفض العالي ) فما أمسى حتى وردت عليه الخلع السنية من المأمون رضي الله عنه وقال إبراهيم بن عيسى الكاتب في إبراهيم بن المدني حين عزل
( ليهن أبا إسحاق أسباب نعمة ... مجددة بالعزل والعزل أنبل )
( شهدت لقد منوا عليك وأحسنوا ... لأنك يوم العزل أعلى وأفضل ) وقال آخر
( قد زاد ملك سليمان فعاوده ... والشمس تنحط في المجرى وترتفع ) وقال أبو بكر الخوارزمي لمعزول الحمد لله الذي ابتلي في الصغير وهو المال وعافى في الكبير وهو الحال
( ولا عار إن زالت عن الحر نعمه ... ولكن عارا أن يزول التجمل ) وقيل المال حظ ينقص ثم يزيد وظل ينحسر ثم يعود وسئل بزرجمهر عن حاله في نكبته فقال عولت على أربعة أشياء أولها أني قلت القضاء والقدر لا بد من جريانهما الثاني أني قلت أن لم أصبر فما أصنع الثالث أني قلت قد كان يجوز أن يكون أعظم من هذا الرابع أني قلت لعل الفرج قريب والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السابع والخمسون ما جاء في اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة والفرح والسرور ونحو ذلك مما يتعلق بهذا الباب
فمما يليق بهذا الباب من كتاب الله عز و جل قوله تعالى ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) وقوله تعالى ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ) وقوله تعالى ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ) ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال لو كان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه وقال عليه الصلاة و السلام " عند تناهي الشدة يكون الفرج وعند تضايق البلاء يكون الرخاء " وقال علي رضي الله عنه عن النبي " أفضل عبادة أمتي انتظارها فرج الله تعالى " وقال الحسن لما نزل قوله تعالى ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) قال النبي " أبشروا فلن يغلب عسر يسرين " ومن كلام الحكماء إن تيقنت لم يبق هم وقال أبو حاتم
( إذا اشتملت على البؤس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب )
( وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكامنه الخطوب )

( ولم نر لانكشاف الضر وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب )
( أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب ) وقال آخر
( عسى الهم الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب )
( فيأمن خائف ويغاث عان ... ويأتي أهله النائي الغريب ) وقال آخر
( تصبر أيها العبد اللبيب ... لعلك بعد صبرك ما تخيب )
( وكل الحادثات إذا تناهت ... يكون وراءها فرج قريب ) وقال إبراهيم بن العباس
( ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج )
( ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج ) وقال آخر
( لئن صدع البين المشتت شملنا ... فللبين حكم في الجموع صدوع )
( وللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللشمس من بعد الغروب طلوع )
( وإن نعمة زالت عن الحر وانقضت ... فإن بها بعد الزوال رجوع )
( فكن واثقا بالله واصبر لحكمه ... فان زوال الشر عنك سريع )
ولنذكر نبذة ممن حصل له الفرج بعد الشدة روي أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى صالح بن عبد الله عامله على المدينة المنورة أن اخرج الحسن بن الحسن بن علي من السجن وكان محبوسا واضربه في مسجد رسول الله خمسمائة سوط فأخرجه إلى

المسجد واجتمع الناس وصعد صالح يقرأ عليهم الكتاب ثم نزل يأمر بضربه فبينما هو يقرأ الكتاب إذ جاء علي ين الحسين عليه السلام فأفرج له الناس حتى أتى الى جنب الحسن فقال يا ابن العم مالك ادع الله تعالى بدعاء الكرب يفرج الله عنك قال ما هو يا ابن العم ؟ فقال لا إله إلا الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان رب السموات ورب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين ثم أنصرف عنه وأقبل الحسن يكررهما فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل قال أراه في سجنه مظلوما أخرجوه وأنا أراجع أمير المؤمنين في أمره فأطلق بعد أيام وأتاه الفرج من عند الله تعالي وقال الربيع لما حبس المهدي موسى ابن جعفر رأى في المنام عليا رضي الله تعالى عنه وهو يقول يا محمد فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم قال الربيع فأرسل المهدي الى ليلا فراغني ذلك فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان حسن الصوت فقص علي الرؤيا ثم قال ائتني بموسى ين جعفر فجئته يه فعانقه وأجلسه الى جانبه وقال يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين يقرأ علي كذا فعاهدني أن لا تخرج علي ولا على أحد من ولدي فقال والله ما ذاك من شأني فقال صدقت ثم قال يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار ورده إلى أهله بالمدينة قال الربيع فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا على الطريق وقال إسماعيل بن بشار
( وكل حر وإن طالت بليته ... يوما تفرج غماه وتنكشف ) وقال مسلم بن الوليد كنت يوما جالسا عند خياط بازاء منزلي فمر بي انسان أعرفه فقمت اليه وسلمت عليه وجئت به الى منزلي لاضيفه وليس معي درهم بل كان عندي زوج أخفاف فارسلتها مع جاريتي لبعض معارفها فباعهما بتسعة دراهم واشترت بها ما قلته لها من الخبز واللحم فجلسنا نأكل وإذا بالباب يطرق فنظرت من شق الباب وإذا بانسان يسأل هذا منزل فلان ؟ ففتحت الباب وخرجت فقال أنت مسلم بن الوليد قلت نعم واستشهدت له بالخياط على ذلك فاخرج لي كتابا وقال هذا من الأمير

يزيد ين مزيد فإذا فيه قد بعثنا لك بعشرة آلاف درهم لتكون في منزلك وثلاثة آلاف درهم تتجمل بها لقدومك علينا فأدخلته الى دراي وزدت في الطعام واشتريت فاكهة وجلسنا فأكلنا ثم وهبت لضيفي شيئا يشتري به هدية لأهله وتوجهنا الى باب يزيد بالرقة فوجدناه في الحمام فلما خرج إستؤذن لي عليه فدخلت فإذا هو جالس على كرسي وبيده مشط يسرح به لحيته فسلمت عليه فرد أحسن رد وقال ما الذي أقعدك عنا ؟ قلت قلة ذات اليد وأنشدته قصيدة مدحته بها قال أتدري لم أحضرتك ؟ قلت لا أدري قال كنت عند الرشيد منذ ليال أحادثه فقال لي يا يزيد من القائل فيك هذه الأبيات
( سل الخليفة سيفا من بني مضر ... يمضي فيخترق الاجسام والهاما )
( كالدهر لا ينثني عما يهم به ... قد أوسع الناس إنعاما وارغاما ) فقلت والله لا أدري يا أمير المؤمنين فقال سبحان الله أيقال فيك مثل هذا ولا تدري من قاله ؟ فسألت فقيل لي هو مسلم بن الوليد فأرسلت اليك فانهض بنا الى الرشيد فسرنا اليه واستؤذن لنا فدخلنا عليه فقبلت الأرض وسلمت فرد على السلام فأنشدته ما لي فيه من شعر فأمر لي بمائتي ألف درهم وأمر لي يزيد بمائة وتسعين ألف درهم و قال ما ينبغي لي أن اساوي أمير المؤمنين في العطاء فانظر الى هذا التيسير الجسيم بعد العسر العظيم وما أحسن ما قيل
( الامن والخوف أيام مداولة ... بين الانام وبعد الضيق تتسع ) ولما وجه سليمان بن عبد المملك محمد بن يزيد الى العراق ليطلق أهل السجون ويقسم الأموال ضيق على يزيد ين أبي مسلم فلما ولي يزيد ابن عبد الملك الخلافة ولي يزيد بن أبي مسلم أفريقية وكان محمد ين يزيد واليا عليها فاستخفى محمد بن يزيد فطلبه يزيد بن أبي مسلم وشدد في طلبه فأتى به اليه في شهر رمضان عند المغرب وكان في يد يزيد ين أبي مسلم عنقود عنب فقال لمحمد بن يزيد حين رآه يا محمد ين يزيد قال

قال طالما سألت الله أن يمكنني منك فقال وأنا والله طالما سألت الله أن يجيرني منك فقال والله ما أجارك ولا أعادك وان سبقني ملك الموت الى قبض روحك سبقته والله لا آكل هذه الحبة العنب حتى أقتلك ثم أمر به فكتف ووضع في النطع وقام السياف فأقيمت الصلاة فوضع العنقود من يده وتقدم ليصلي وكان أهل أفريقية قد أجمعوا على قتله فلما رفع رأسه ضربه رجل بعمود على رأسه فقتله وقيل لمحمد بن يزيد اذهب حيث شئت فسبحان من قتل الأمير وفك الأسير قال اسحق بن إبراهيم الموصلي رأيت رسول الله في النوم وهو يقول أطلق القاتل فارتعت لذلك ودعوت بالشموع ونظرت في أوراق السجن وإذا ورقة إنسان ادعى عليه بالقتل وأقربه فأمرت بإحضاره فلما رأيته وقد ارتاع فقلت له أن صدقتني أطلقتك فحدثني انه كان هو وجماعة من أصحابه يرتكبون كل عظيمة وأن عجوزا جاءت لهم بامرأة صارت عندهم صاحت الله الله وغشي عليها فلما أفاقت قالت أنشدك الله في أمري فان هذه العجوزة غرتني وقالت ان في هذه الدار نساء صالحات وأنا شريفة جدي رسول الله وأمي فاطمة وأبي الحسين بن علي فاحفظوهم في فقمت دونها وناضلت عنها فاشتد علي واحد من الجماعة وقال لا بدمنها وقاتلني فقتلته وخلصت الجارية من يده فقالت سترك الله كما سترتني وسمع الجيران الصيحة فدخلوا علينا فوجدوا الرجل مقتولا والسكين بيدي فامسكوني وأتوا بي إليك وهذا أمري فقال اسحق قد وهبتك لله ولرسوله فقال وحق اللذين وهبتني لهما لا أعود إلى معصية أبدا وأمر الحجاج بإحضار رجل من السجن فلما حضر أمر بضرب عنقه فقال أيها الأمير أخرني الى غد قال وأي فرج لك في تأخير يوم واحد ؟ ثم أمر برده إلى السجن فسمعه الحجاج في السجن يقول
( عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر )

فقال الحجاج والله ما أخذه إلا من كتاب الله وهو قوله تعالى ( كل يوم هو في شأن ) وامر باطلاقه وقال بعض جلساء المعتمد كنا بين يديه ليلة فخفق رأسه بالنعاس فقال لا تبرحوا حتى أغفي سويعة فغفا ساعة ثم أفاق جزعا مرعوبا وقال امضوا الى السجن وائتوني بمنصور الجمال فجاؤا به فقال له كم لك في السجن ؟ قال سنة ونصف قال على ماذا ؟ قال أنا جمال من أهل الموصل وضاق علي الكسب ببلدي فأخذت جملي وتوجهت الى بلد غير بلدي لأعمل عليه فوجدت جماعة من الجند قد ظفروا بقوم غير مستقيمي الحال وهو مقدار عشرة أنفس وجدوهم يقطعون الطريق فدفع واحد منهم شيئا للأعوان فأطلقوه وأمسكوني عوضه وأخذوا جملي فناشدتهم الله فأبوا وسجنت أنا والقوم فأطلق بعضهم ومات بعضهم وبقيت أنا فدفع له المعتمد خمسمائة دينار وأجرى له ثلاثين دينارا في كل شهر وقال اجعلوه على جمالنا ثم قال أتدرون ما سبب فعلي هذا ؟ قلنا لا قال رأيت رسول الله وهو يقوم أطلق منصورا الجمال من السجن وأحسن اليه وأخذ الطاعون أهل بيت فسد بابه ففضل فيه طفل يرضع لم يشعر به أحد ففتح الباب بعد شهر فوجدوا الطفل قد عطف الله عليه كلبة ترضعه مع جرو لها فسبحان القادر على كل شئ لا إله غيره ولا معبود سواه قال الشاعر
( إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فاضيق الأمر أدناه إلى الفرج ) ( وقال آخر )
( فلا تجزعن ان أظلم الدهر مرة ... فإن إعتكار الليل يؤذن بالفجر ) ( وقال آخر )
( لعمرك ما كل التعاطيل ضائرا ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعه )

( إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم لذة الدعه )
( فان ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا رب ضيق في عواقبه سعه ) وقال الرياشي ما اعتراني هم فأنشدت قول أبي العتاهية حيث قال
( هي الأيام والغير ... وأمر الله ينتظر )
( أتيأس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر )
( إلا سرى عني وهبت ريح الفرج ... )
ويروى أن سلطان صقلية أرق ذات ليلة ومنع النوم فأرسل إلى قاعد البحر وقال له انفذ الآن مركبا إلى أفريقية يأتوني بأخبارها فعمد القائد إلى مقدم مركب وأرسله فلما أصبحوا إذا بالمركب في موضعه كأنه لم يبرح فقال الملك لقائد البحر أليس قد فعلت ما أمرتك به ؟ قال نعم قد امتثلت أمرك وأنفذت مركبا فرجع بعد ساعة وسيحدثك مقدم المركب فأمر بإحضاره فجاء ومعه رجل فقال له الملك ما منعك أن تذهب حيث أمرت ؟ قال ذهبت بالمركب فبينما أنا في جوف الليل والرجال يجدفون أذا بصوت يقول يا الله يا الله يا غياث المستغيثين يكررها مرارا فلما استقر صوته في أسماعنا ناديناه مرارا لبيك لبيك وهو ينادي يا الله يا الله يا غياث المستغيثين فجدفنا بالمركب نوح الصوت فلقينا هذا الرجل غريقا في آخر رمق من الحياة فطلعنا به المركب وسألناه عن حاله فقال كنا مقلعين من أفريقية فغرقت سفينتنا منذ أيام وأشرفت على الموت وما زلت أصيح حتى أتاني الغوث من ناحيتكم فسبحان من أسهر سلطانا وأرقه في قصره لغريق في البحر حتى استخرجه من تلك الظلمات الثلاث ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الوحدة فسبحانه لا إله غيره ولا معبود سواه
وحكي سيدي أبو بكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك قال أخبرني أبو الوليد الباجي عن أبي ذر قال كنت أقرأ على الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين ببغداد جزأ من الحديث في حانوت رجل عطار فبينما أنا جالس معه في الحانوت إذ جاء رجل من الطوافين ممن

يبيع العطر في طبق يحمله على يده فدفع إليه عشرة دراهم وقال له اعطني بها أشياء سماها له من العطر فأعطاه اياها فأخذها في طبقه وأراد أن يمضي فسقط الطبق من يده فانكب جميع ما فيه فبكى الطواف وجزع حتى رحمناه فقال أبو حفص لصاحب الحانوت لعلك تعينه على بعض هذه الأشياء فقال سمعا وطاعة فنزل وجمع له ما قدر على جمعه منها ودفع له ما عدم منها وأقبل الشيخ على الطواف يصبره ويقول له لا تجزع فأمر الدنيا أيسر من ذلك فقال الطواف أيها الشيخ ليس جزعي لضياع ما ضاع لقد علم الله تعالى أني كنت في القافلة الفلانية فضاع لي هميان فيه أربعة آلاف دينار ومعها فصوص قيمتها كذلك فما جزعت لضياعها حيث كان لي غيرها من المال ولكن ولد لي ولد في هذه الليلة فاحتجنا لامة ما تحتاج النفساء ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم فخشيت أن أشتري بها حاجة النفساء فأبقى بلا رأس مال وأنا قد صرت شيخا كبيرا لا أقدر على التكسب فقلت في نفسي أشتري بها شيئا من العطر فأطوف به صدر النهار فعسى أستفضل شيئا أسد به رمق أهلي ويبقى رأس المال أتكسب به واشتريت هذا العطر فحين انكب الطبق علمت أنه لم يبق لي الا الفرار منهم فهذا الذي أوجب جزعي
قال أبو حفص وكان رجل الجند جالسا إلى جانبي يستوعب الحديث فقال للشيخ أبي حفص يا سيدي أريد أن تأتي بهذا الرجل إلى منزلي فظننا أن يعطيه شيئا قال فدخلنا إلى منزله فأقبل على الطواف وقال له عجبت من جزعك فأعاد عليه القصة فقال له الجندي وكنت في تلك القافلة ؟ قال نعم وكان فيها فلان وفلان فعلم الجندي صحة قوله فقال وما علامة الهميان وفي أي موضع سقط منك ؟ فوصف له المكان والعلامة قال الجندي إذا رأيته تعرفه قال نعم فأخرج الجندي له هميانا ووضعه بين يديه فحين رآه صاح وقال هذا همياني والله وعلامة صحة قولي أن فيه من الفصوص ما هو كيت وكيت ففتح الهميان فوجده كما ذكر فقال الجندي خذ مالك بارك الله لك فيه فقال الطواف إن هذه الفصوص قيمتها مثل الدنانير وأكثر فخذها وأنت في حل منها ونفسي طيبة بذلك فقال الجندي ما كنت

لآخذ على أمانتي مالا وبي أن يأخذ شيئا ثم دفعها للطواف جميعها فأخذها ومضى ودخل الطواف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء اللهم أغن فقرنا ويسر أمرنا برحمتك يا أرحم الراحمين
وحكي أن الملك ناصر الدولة من آل حمدان كان يشكو وجع القولنج حتى أعيا الأطباء دواؤه لم يجدوا له شفاء فدسوا على قتله وأرصدوا له رجلا ومعه خنجر فلما كان في بعض دهاليز القصر وثب عليه ذلك الرجل وضربه بالخنجر فجاءت الضربة أسفل خاصرته فلم تخط المعي الذي فيه القولنج فخرج ما فيه من الخلط فعافاه الله تعالى وبرئ أحسن ما كان وبضد هذا ما حكاه أبو بكر الطرطوشي قال حدثنا القاضي أبو مروان الداراني بطرطوشة قال نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية فأووا إلى دار خربة هناك فاستكنوا فيها من الرياح والأمطار واستوقدوا نارهم وسووا معيشتهم وكان في تلك الخربة حائط مائل قد أشرف على الوقوع فقال رجل منهم يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط ولا يدخلن أحد في هذه البقعة فأبوا إلا دخولها فاعتزلهم ذلك الرجل وبات خارجا عنهم ولم يقرب ذلك المكان فأصبحوا في عافية وحملوا على دوابهم فبينما هم كذلك إذ دخل ذلك الرجل إلى الدار لييقضي حاجته فخر عليه الحائط فمات لوقته
قال وأخبرني أبو القاسم بن حبيش بالموصل قال لقد جرت في هذه الدار وأشار إلى دار هناك قضية عجيبة قلت وما هي ؟ قال كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخز فاتفق أنه جعل جميع ما معه من الخز في خرج وحمله على حماره وسار مع القافلة فلما نزلت القافلة أراد انزال الخرج عن الحمار فثقل عليه فأمر انسانا هناك فأعانه على انزاله ثم جلس يأكل فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه فسأله عن أمره فأخبره أنه من أهل الكوفة وأنه خرج لحاجة عرضت له بغير نفقة ولا زاد فقال له الرجل كن رفيقي آنس بك وتعينني على سفري ونفقتك ومؤنتك علي فقال له الرجل وأنا أيضا أختار صحبتك وأرغب في مرافقتك فسار معه في سفره وخدمه أحسن خدمة إلى أن وصلا إلى تكريت فنزل الرفقة خارج المدينة ودخل

الناس إلى قضاء حوائجهم فقال التاجر لذلك الرجل احفظ حوائجنا حتى أدخل المدينة وأشتري ما نحتاج إليه ثم دخل المدينة وقضى جميع حوائجه ورجع فلم يجد القافلة ولا صاحبه ورحلت الرفقة ولم ير أحدا فظن أنه لما رحلت الرفقة رحل ذلك الخادم معهم فلم يزل يسير ويجد في السير في المشي إلى أن أدرك القافلة بعد جهد عظيم وتعب شديد فسألهم عن صاحبه فقالوا ما رأيناه ولا جاء معنا ولكنه ارتحل على أثرك فظننا أنك أمرته فكر الرجل راجعا إلى تكريت وسأل عن الرجل فلم يجد له أثرا ولا سمع له خبرا فيئس منه ورجع إلى الموصل مسلوب المال فوصلها نهارا فقيرا جائعا عريانا مجهودا فاستحى أن يدخلها نهارا فتشمت به الأعداء نعوذ بالله من شماتتهم وخشى أن يحزن الصديق إذا رآه على تلك الحالة فاستخفى إلى الليل ثم عاد إلى داره فطرق الباب فقيل له من هذا قال فلان يعني نفسه فأظهروا له سرورا عظيما وحاجة إليه وقالوا الحمد لله الذي جاء بك في هذا الوقت على ما نحن فيه من الضرورة والحاجة فانك أخذت مالك معك وما تركت لنا نفقة كافية واطلت سفرك واحتجنا وقد وضعت زوجتك اليوم والله ما وجدنا ما نشتري به شيئا للنفساء فأتنا بدقيق ودهن نسرج به علينا فلا سراج عندنا فلما سمع ذلك ازداد غما على غمه وكره أن يخبرهم بحاله فيحزنهم بذلك فأخذ وعاء للدهن ووعاء للدقيق وخرج إلى حانوت أمام داره وكان فيه رجل يبيع الدقيق والزيت والعسل ونحو ذلك وكان البياع أطفأ سراجه وأغلق حانوته ونام فناداه فعرفه فأجابه وشكر الله على سلامته فقال له افتح حانوتك وأعطنا ما نحتاج إليه من دقيق وعسل ودهن فنزل البياع إلى حانوته وأوقد المصباح ووقف يزن له ما طلب فبينما هو كذلك إذ حانت من التاجر التفاتة إلى قعر الحانوت فرأى خرجه الذي هرب به صاحبه فلم يملك نفسه أن وثب إليه والتزمه وقال يا عدو الله ائتني بمالي فقال له البياع ما هذا يا فلان ؟ والله ما علمتك متعديا وأنا أبدا ما جنيت عليك ولا على غيرك فما هذا الكلام قال هذا خرجي هرب به خادم كان يخدمني وأخذ حماري وجميع مالي فقال البياع والله ما لي علم غير أن رجلا ورد علي بعد العشاء واشترى مني عشاءه وأعطاني هذا

الخرج فجعلته في حانوتي وديعة إلى حين يصبح والحمار في دار جارنا والرجل في المسجد نائم قال له أحمل معي الخرج وامض بنا إلى الرجل فرفع الخرج على عاتقه ومضى معه إلى المسجد فإذا الرجل نائمن في المسجد فوكزه برجله فقام الرجل مرعوبا فقال مالك قال أين مالي يا خائن ؟ قال ها هو في خرجك فوالله ما أخذت منه ذرة قال فأين الحمار وآلته قال هو عند هذا الرجل الذي معك فعفا عنه وخلى سبيله ومضى بخرجه إلى داره فوجد متاعه سالما فوسع على أهله وأخبرهم بقصته فازداد سرورهم وفرحهم وتبركوا بذلك المولود فسبحان من لا يخيب من قصده ولا ينسى من ذكره
( ولنلحق بهذا الباب ذكر شيء مما جاء في التهنئة والبشائر )
كتب بعضهم إلى أخيه وقد أتاه خبرا استبشر به سمعت عنك خبرا سارا كتب في الألواح وامتزج بالأرواح وعد في جملة البشائر العظام وجرى في العروق وتمشي في العظام وكان خالد بن عبد الله القسري أخا هشام بن عبد الملك من الرضاع وكان يقول له اني لأرى فيك آثار الخلافة ولا تموت حتى تليها فقال له ان أنا وليتها فلك العراق فلما ولى أتاه فقام بين الصفين وقال يا أمير المؤمنين أعزل الله بعزته وأيدك بملائكته وبارك لك فيما ولاك ورعاك فيما استرعاك وجعل ولايتك على أهل الاسلام نعمة وعلى أهل الشرك نقمة لقد كانت الولاية إليك أشوق منك إليها وأنت لها أزين منها لك وما مثلها ومثلك إلا كما قال الأحوص هذه الأبيات
( وإن الدر زاد حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا )
( وتزيدن أطيب الطيب طيبا ... إن تمسسه أين مثلك أينا ) ودخل على المهدي اعرابي فقال له فيم جئت ؟ قال أتيتك برسالة قال هاتها قال أتاني آت في منامي فقال ائت أمير المؤمنين فأبلغه هذه الأبيات
( لكم ارث الخلافة من قريش ... تزف إليكمو أبدا عروسا )

( إلى هرون تهدى بعد موسى ... تميس وما لها أن لا تميسا ) فقال المهدي يا غلام علي بالجواهر فحشا فاه حتى كاد ينشق ثم قال اكتبوا هذه الأبيات واجعلوها في بخانق صبياننا
قال إبراهيم الموصلي في تهنئة الرشيد بالخلافة
( ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هرون أشرق نورها )
( تلبست الدنيا جمالا بملكه ... فهرون واليها ويحيى وزيرها ) وغناه بهما من وراء الحجاب فوصله بمائة ألف دينار ويحيى بخمسين ألفا ودخل عطاء بن أبي صيفي على يزيد بن معاوية وهو أول من جمع بين التهنئة والتعزية فقال رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله قضى معاوية نحبه فغفر الله ذنبه ووليت الرئاسة وكنت أحق بالسياسة فاحتسب عند الله أعظم الرزية واشكر الله على أعظم العطية ومر عمر ابن هبيرة بعد إطلاقه من السجن بالرقة فاذا امرأة من بني سليم على سطح لها تحادث جارة لها ليلا وهي تقول لا والذي أسأله أن يخلص عمر بن هبيرة مما هو فيه ما كان كذا فرمى إليها بصرة فيها مائة دينار وقال قد خلص الله عمر بن هبيرة فطيبي نفسا وقري عينا والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثامن والخمسون في ذكر العبيد والاماء والخدم وفيه فصلان
الفصل الأول في مدح العبيد والاماء والاستيصاء بهم خيرا
عن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله " أول من يدخل الجنة شهيد وعبد أحسن عبادة ربه ونصح لسيده وعن ابن عمر رضي الله عنه تعالى عنهما ( رفعه ) إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين " وكان زيد بن حارثة خادما لخديجة رضي الله تعالى عنها اشترى لها بسوق عكاظ فوهبته لرسول الله فجاءه أبوه يريد شراءه منه فقال رسول الله إن رضي بذلك فعلت فسئل زيد فقال ذل الرق مع صحابة رسول الله أحب إلى من عز الحرية مع مفارقته فقال رسول الله إذا اختارانا اخترناه فأعتقه وزوجه أم أيمن وبعدها زينب بنت جحش ون علي رضي الله تعالى عنه قال كان آخر كلام رسول الله " أوصيكم بالصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم " وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم أماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي وعن ابن مسعود الأنصاري قال ضربت غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا " اعلم يا أبا مسعود إن الله أقدر عليك منك عليه " فالتفت فإذا هو النبي فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى فقال أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار
وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال جاء رجل إلى

رسول الله فقال يا رسول الله كم تعفو عن الخادم ؟ ثم أعاد عليه فصمت فلما كانت الثالثة قال له أعفو عنه كل يوم سبعين مرة وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال حدثني أبو القاسم نبي التوبة " من قذف مملوكه وهو برئ مما قال جلد له يوم القيامة حدا " وقيل أراد رجل بيع جاريته فبكت فقال لها مالك ؟ فقالت لو ملكت منك ما ملكت مني ما أخرجتك من يدي فأعتقها وتزوجها وقال أبو اليقظان إن قريشا لم تكن ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثة هم خير أمل زمانهم علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه أتى ببنات يزدجرد بن شهرياربن كسرى مسبيات فأراد بيعهن فأعطاهن للدلال ينادي عليهن بالسوق فكشف عن وجه إحداهن فلطمته لطمة شديدة على وجهه فصاح واعمراه وشكا إليه فدعاهن عمر وأراد أن يضربهن بالدرة فقال علي رضي الله تعالى عنه يا أمير المؤمنين إن رسول الله قال " أكرموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر " إن بنات الملوك لا يبعن ولكن قوموهن فقومهن وأعطاه أثمانهن وقسمهن بين الحسن بن علي ومحمد بن أبي بكر وعبد الله ابن عمر فولدن هؤلاء الثلاثة وقيل استبق بنو عبد الملك فسبقوا مسلمة وكان ابن أمة فتمثل عبد الملك بقول عمرو العبدي
( نهيتكمو أن تحملوا فوق خيلكم ... هجينا لكم يوم الرهان فيدرك )
( فتعثر كفاه ويسقط سوطه ... ويخدر ساقاه فما يتحرك )
( وهل يستوي المرآن هذا ابن حرة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك ) فقال له مسلمة يغفر الله لك يا أمير المؤمنين ليس هذا مثلي ولكن كما قال ابن المعمر هذه الأبيات
( فما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناهم بأرماحنا فسرا )
( فما زادنا فيها السباء مذلة ... ولا كلفت خبزا ولا طبخت قدرا )

( وكم قد ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقى الأبطال يطعنهم شزرا )
( ويأخذ ريان الطعان بكفه ... فيوردها بيضا ويصدرها حمرا ) فقبل رأسه وعينيه وقال أحسنت يا بني ذاك والله أنت وأمر له بمائة ألف درهم مثل ما أخذ السابق والله أعلم
الفصل الثاني في ذم العبيد والخدم
روي عن رسول الله أنه قال " بئس المال في آخر الزمان المماليك " وقال مجاهد إذا كثرت الخدم كثرت الشياطين وقال لقمان لابنه لا تأمنن امرأة على سر ولا تطأ خادما تريدها للخدمة ووصف بعضهم عبدا فقال يأكل فارها ويعمل كارها ويبغض قوما ويحب نوما وقيل لبعضهم ألك غلام ؟ فقال
( ومالي غلام فادعوا به ... سوى من أبوه أخو عمتي ) وقال أكثم
( الحر حر وإن مسه الضر ... والعبد عبد وإن ألبسته الدر ) ودعا بعض أهل الكوفة إخوانه وله جارية فقصرت فيما ينبغي لهم من الخدمة فقال
( إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... رأى خللا فيما تولى الولائد )
( فلا يتخذ منهن حر قعيدة ... فهن لعمر الله بئس القعائد ) وكان لرجل غلام من أكسل الناس فأرسله يوما يشتري له عنبا وتينا فأبطأ عليه حتى عيل صبره ثم جاء بأحدهما فضربه وقال ينبغي لك إذا استقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين فمرض الرجل

فأمر الغلام أن ييه بطبيب فغاب ثم جاء بالطبيب ومعه رجل آخر فسأله عنه فقال أما ضربتني وأمرتني أن أفضي حاجتين في حاجة فجئتك بالطبيب فان شفاك الله تعالى وإلا حفر لك هذا قبرك فهذا طبيب وهذا حفار وقيل كان عمرو الاعجمي يلي حكم السند فكتب إلى موسى الهادي إن رجلا من أشراف أهل الهند من آل المهلب ابن أبي صفرة اشترى غلاما أسود فرباه وتبناه فلما كبر وشب أشتد به هوى مولاته فراودها عن نفسها فأجابته فدخل مولاه يوما على غفلة منه من حيث لا يعلم فاذا هو على صدر مولاته فعمد إليه فجب ذكره وتركه يتشحط في دمه ثم أدركته عليه رقة وندم على ذلك فعالجه إلى أن برئ من علته فأقام الغلام بعدها مدة يطلب أن يأخذ ثأره من مولاه ويدبر عليه أمرا يكون فيه شفاء غليله وكان لمولاه إبنان أحدهما طفل والآخر يافع كأنهما الشمس والقمر فغاب الرجل يوما عن منزله لبعض الأمور فأخذ الأسود الصبيين فصعد بهما على ذروة سطح عال فنصبهما هناك وجعل يعللهما بالمطعم مرة وباللعب أخرى إلى أن دخل مولاه فرفع رأسه فرأى في شاهق مع الغلام فقال ويلك عرضت ابني للموت قال أجل والله الذي لا يحلف العبد بأعظم منه لئن لم تجب ذكرك مثل ما جببتني لأرمين بهما فقال الله الله يا ولدي في تربيتي لك قال دع هذا عنك فوالله ما هي إلا نفسي وإني لأسمح بها في شربة ماء فجعل يكرر عليه ويتضرع له وهو لا يقبل ذلك ويذهب الوالد يريد الصعود إليه فيدليهما من ذلك الشاهق فقال أبوهما ويلك فاصبر حتى أخرج مدية وأفعل ما أمرت ثم أسرع وأخذ مدية فجب نفسه وهو يراه فلما رأى الأسود ذلك رمى الصبيين من ذلك الشاهق فتقطعا وقال إن جبك لنفسك ثأري وقتل أولادك زيادة فيه فأخذ الأسود وكتب بخبره لموسى الهادي فكتب موسى لصاحب السند عمرو الأعجمي بقتل الغلام وقال ما سمعت بمثل هذا قط وأمر أن يخرج من مملكته كل أسود فما ترى أردأ من العبيد ولا أقل خيرا منهم وأكثرهم رداءة المولدون لو أحسنت إلى أحدهم الدهر كله بكل ما تصل يدك إليه أنكره كأن لم ير منك شيئا وكلما أحسنت إليه

تمرد وإن أسأت إليه خضع وذل وقد جربت أنا ذلك كثيرا وما أحسن ما قيل
( إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ) وقيل إن العبد إذا شبع فسق وإن جاع سرق وكان جدي لأمي يقول شر المال تربية العبيد والمولدون منهم ألأم من الزنوج وأردأ لأن المولد لا يعرف له أبا وربما يعرف الزنجي أبويه ويقال في المولد بغل لأنه مجنس والبغل تكون أمه فرسا وأبوه حمارا وبالعكس فلا تثق بمولد لأنه قل أن يكون فيه خير وإن كان فذاك نادر والنادر لا حكم له وأنا أستغفر الله العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب التاسع والخمسون في أخبار العرب الجاهلية و أوابدهم وذكر غرائب من عوائدهم وعجائب من أكاذيبهم
للهرب أوابد وعوائد كانوا يرونها فضلا وقد دل على بعضها القرآن العظيم وأكذب الله دعاويهم فيها فمن ذلك قوله تعالى ( وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ) قال أهل اللغة البحيرة ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان الأخير ذكرا بحروا أذنها أي شقوا أذنها وامتنعوا من ذكاتها ولا تمنع من ماء ولا مرعى وكان الرجل اذا اعتق عبدا وقال هو سائبة فلا عقد بينهما ولا ميراث وأما الوصيلة ففي الغنم كانت الشاة اذا ولدت أنثى فهي لهم وان ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فان ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلا يذبح الذكر لآلهتهم فان ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلا يذبح لآلهتهم وأما الحام فالذكر من الابل كانت العرب إذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا حمي ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى وقال تعالى ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) فالخمر ما خامر العقل ومنه سميت الخمر خمرا والميسر القمار والأنصاب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان واحداها نصب والأزلام سهام كانت

لهم مكتوب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي فاذا أراد الرجل سفرا أو أمرا يهتم به ضرب بتلك القداح فاذا خرج الأمر مضى لحاجته واذا خرج النهي لم يمض ومن أوابدهم وأد البنات أي دفنهن أحياء كانوا في الجاهلية اذا رزق أحدهم أنثى وأدها وإذا بشر بها ضاق صدره وكظم وجهه وهو قوله تعالى ( واذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) وقال تعالى ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) وقد قيل إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار وبمكة جبل يقال له أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات وقيل إن صعصعة جد الفرزدق كان يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أمية فقال أنا ابن محي الموني فأنكر الرجل ذلك فقال إن الله تعالى يقول ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )
وأما الرفادة في الحج فكانت خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم الي قصي فيصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم وإن الحجاج ضيوف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا وكانوا يخرجون ذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه اليهم وقيل أول من أقام الرفادة عبد المطلب وهو الذي حفر بئر زمزم و كانت مطمومة واستخرج منها الغزالين الذهب اللذين عليهما الدر والجوهر وغير ذلك من الحلى وسبعة أسياف وخمسة دروع سوابغ فضرب من الأسياف باب الكعبة وجعل أحد الغزالين الذهب صفائح الذهب وجعل الآخر في الكعبة

واعلم وفقني الله وإياك إنه لم يسمع بعجب أعظم من عجب سعيد بن زرارة وعبد الله بن زياد التميمي وابن سماك الاسدي الذين ضرب بهم المثل فأما سعيد ين زرارة فقيل إنه مرت به امرأة فقالت له يا عبد الله كيف الطريق الى مكان كذا فقال لها يا هنتاه مثلي يكون من عبيد الله ؟ وأما عبد الله بن زياد التميمي فقيل إنه خطب الناس بالببصرة فأحسن وأوجز فنودي منن نواحي المسجد كثر الله فينا مثلك فقال لقد كلفتم الله شططا وأما ابن سماك فإنه أضل راحلته فالتمسها فلم توجد فقال والله لئن لم يرد راحلتي على لا صليت له ابدا فوجدت وقد تعلق زمامها ببعض أغصان الشجر فقيل له قد رد الله عليك راحلتك فصل فقال انما كانت يميني يمينا قصدا فانظر رحمك الله الى هذا العجب كيف ذهب بهم حتى أفضى بهم الى الكفر وصاروا حديثا مستبشعا ومثلا بين العالمين مستشنعا نعوذ بالله من الخذلان المؤدي الى النيران ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم حكي عن الحجاج بن يوسف الثقفي انه قيل كيف وجدت منزلك بالعراق ؟ قال خير منزل ان الله أظفرني بأناس بلغني الأمل فيهم وأعانني على الانتقام منهم فكنت أتقرب اليه بدمائهم فقيل له من هم ؟ فذكر هؤلاء الثلاثة وذكر حديثهم ولا محالة أنها من محاسن الحجاج وأن قلت في جنب سيئاته والله تعالى أعلم
ذكر أديان العرب في الجاهلية كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة وكانت اليهودية في نمير وبني كنانة وبني الحرث بن كعب وكندة وكانت المجوسية في بني تميم منهم زرارة ابن عدي وابنه على وكان تزوج ابنته ثم ندم ومنهم الأقرع بن حابس كان مجوسيا وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الجزيرة وكانت بنو حنيفة اتخذوا في الجاهلية صنما من حيس فعبدوه دهرا طويلا ثم أدركتهم مجاعة فأكلوه وقد قيل إن أول من غير

الحنيفية عمرو بن لحي أبو خزاعة وهو أنه رحل الى الشام فرأى العماليق يعبدون الأصنام فأعجبه ذلك فقال ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها ؟ قالوا هذه أصنام فتمطرنا فتمطرن ونستنصرها فتنصرنا فقال أعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه وقيل إن أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل وسبب ذلك أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حتى ضاقت عليهم وتفرقوا في البلاد وما من أحد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة وأفضى ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحسنوه من الحجاره ثم خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه من دين إسماعيل فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلال وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل وأيضا اتخذوا أسافا ونائلة على موضع زمزم فينحرون عندها ويطعمون وكان أساف ونائلة رجلا وامرأة فوقع أساف على نائلة في الكعبة فيمسخهما الله حجرين واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل سفرا تمسح به حين يركب وكان ذلك آخر ما يصنع إذا توجه إلى سفره وإذا قدم من سفره بدأ به قبل أن يدخل إلى أهله واتخذت العرب الأصنام وانهمكوا على عبادتها وكانت لقريش وبني كنانة العزى وكان حجابها بني شيبة وكانت اللات لثقيف بالطائف وكان حجابها بني مغيث من ثقيف وكانت مناة للأوس والخزرج من دان بدينهم وأما يغوث ويعوق ونسر فقيل إنهم كانوا أسماء أولاد آدم عليه الصلاة و السلام وكانوا أتقياء عبادا فمات أحدهم فحزنوا عليه حزنا شديدا فجاءهم الشيطان وحسن لهم أن يصوروا صورته في قبلة مسجدهم ليذكروه إذا أنظروه فكرهوا ذلك فقال اجعلوه في مؤخر المسجد ففعلوا وصوره من صفر ورصاص ثم مات آخر ففعلوا ذلك الى ان ماتوا كلهم فصورهم هناك وأقام من بعدهم على ذلك الى ان تركوا الدين وحسن لهم الشيطان عبادة شئ غير الله فقالوا له من نعبد ؟ قال آلهتكم المصورة في

مصلاكم فعبدوها الى أن بعث الله نوحا عليه الصلاة و السلام فنهاهم عن عبادتها فقالوا كما أخبر الله عنهم ( لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ) الآية ولما عم الطوفان الأرض طمها وعلا عليها التراب زمانا طويلا فأخرجها الشيطان لمشركي العرب فعبدوها وذكر الواحدي في الوسيط أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام فسول الشيطان لقومهم بعد موتهم أن يصوروا صورهم ليكون أنشط وأشوق للعبادة كلما رأوهم ففعلوا ثم نشأ بعدهم قوم جهال بالأحوال فحسن لهم عبادتها وأن من سبقهم من قومهم عبدوها فسموها بأسمائهم وقال الواقدي كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر والله تعالى اعلم أي ذلك كان
ذكر أوابدهم الرتم شجر معروف كانت العرب اذا خرج أحدهم الى سفر عمد الى شجرة منه فيقعد غصنا منها فاذا عاد من سفره ووجده قد انحل قال قد خانتني امرأتي وان وجده على حالته قال لم تخني الرئمية ناقة كانت العرب اذا مات واحد منهم عقلوا ناقته عند قبره وسدوا عينيها حتى تموت يزعمون أنه إذا بعث من قبره ركبها التعمية والتفقئة كان الرجل اذا بلغت إبله ألفا قلع عين الفحل يقولون ان ذلك يدفع عنها العين فاذا ازدادت على الألف فقأ عينه الأخرى العرداء يصيب الابل شبه الجرب كانوا يكوون السليمة ويزعمون ان ذلك بيرئ داء من العر ضرب الثور عن البقر كانت البقر اذا امتنعت عن الشرب ضربوا الثور يزعمون أن الجن يركبون الثيران فيصدون البقر عن الشرب الهامة كانوا يزعمون أن الانسان اذا قتل ولم يؤخذ بثأره يخرج من رأسه طائر يسمى الهامة وهو كالبومة فلا يزال يصيح على قبره اسفوني الى ان يؤخذ بثأره

وكان للعرب مذاهب في الجاهليه في النفس وتنازع في كيفياتها فمنهم من زعم أن النفس هي الدم وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم الانسان الذي منه نفسه وقالوا ان الميت لا يوجد فيه الدم وانما يوجد في الحياة مع الحرارة والرطوبة لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة فإذا مات ذهبت حرارته وحل به اليبس والبرودة وطائفة منهم يزعمون ان النفس طائر ينشط من جسم الانسان اذا مات أو قتل ولا يزال متصورات في صورة الطائر يصرخ على قبره مستوحشا له وفي ذلك يقول بعضهم
( سلط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام ) ثم جاء الاسلام والعرب ترى صحة أمر الهام حتى قال النبي ( لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هام ) وزعموا ان هذا الطائر يكون صغيرا ويكبر حتى يصير كضرب من البوم ويتوحش ويصرخ ويوجد في الديار المعطلة والنواويس ومصارع القتلى ويزعمون ان الهامة لا تزال عند ولد الميت لتعلم ما يكون من خبره فتخبر الميت والصفر زعموا ان الإنسان إذا جاع عض على شرسوفه الصفر وهي حية تكون في البطن تثنية الضربة زعموا ان الحية تموت في أول ضربة فإذا تثنيت عاشت
الغيلان والتغول للعرب في الغيلان والتغول أخبار وأقاويل يزعمون أن الغول يتغول لهم في الخلوات في أنواع الصور فيخاطبونها وتخاطبهم وزعمت طائفة من الناس أن الغول حيوان مشؤوم وأنه خرج منفردا لم يستأنس وتوحش وطلب القفار وهو يشبه الانسان والبهيمة ويتراءى لبعض السفار في اوقات الخلوات وفي الليل وحكي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رآه في سفره الى الشام فضربه بالسيف وقال الجاحظ الغول كل شئ يتعرض للسيارة ويتلون في ضروب من الصور والثياب وفيه خلاف وقالوا إنه ذكر

وأنثى الا أن أكثر كلامهم أنه أنثى وأما القطرب في قولهم فهو نوع من الأشخاص المتشيطنة يعرف بهذا الاسم فيظهر في أكناف اليمن وصعيد مصر في أعاليه وربما أنه يلحق الانسان فينكحه فيدود دبره فيموت وربما نذا على الانسان وأمسكه فيقول أهل تلك النواحي التي ذكرناها أمنكوح هو أو مذعور ؟ فان كان قد نكحه أيسوا منه وإن كان قد ذعر سكن روعه وشجع قلبه واذا رآه الانسان وقع مغشيا عليه ومنهم من يظهر له فلا يكترث به لشهامته وثبات قلبه
ذكر الهواتف أما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب وكان أكثرها أيام ولد سيدنا رسول الله وان من حكم الهواتف ان تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي
ومن عجيب ما حكي من امر الهواتف ما حكاه ابو عمرو بن العلاء قال خرجنا حجاجا فصاحبنا رجل وجعل يقول في طريقه ليت شعري هل بغت علي فلما انصرفنا من مكة قالها في بعض الطريق فأجابه صوت في الظلام نعم نعم وناكها حجيه وهو رجل احمر ضخم في قفاه كيه فسكت الرجل فلما سرنا إلى البصرة أخبرنا ذلك الرجل قال دخل جيراني يسلمون علي فإذا فيهم رجل أحمر ضخم في قفاه كيه فقلت لأهلي من هذا ؟ قالت رجل كان ألطف جيراننا بنا فجزاه الله خيرا فسألتها عن اسمه فقالت حجية فقلت الحقي بأهلك وأما بكاء المقتول فكانت النساء لا يبكين المقتول حتى يؤخذ بثأره فاذا أخذ بثأره بكينه وأما رمي السن فكانوا يزعمون أن الغلام اذا ثغر فرمى سنه في عين المس بسبابته وإبهامه وقال أبدليني بأحسن منها فإنه يأمن من على أسنانه العوج والفلج

وما خضاب النحر فكانوا اذا أرسلوا الخيل على الصيد فسبق واحد منها خضبوا صدره بدم الصيد علامة وأما نصب الراية فكانت العرب تنصب الرايات على أبواب بيوتها لتعرف بها وأما جز النواصي فكانوا اذا أسروا رجلا ومنوا عليه وأطلقوه جزوا ناصيته
وأما الالتفات فكانوا يزعمون ان من خرج في سفر والتفت وراءه لم يتم سفره فان التفت تطيروا له وكانوا يقولون من علق عليه كعب الأرنب لم تصبه عين ولا سحر وذلك أن الجن تهرب من الأرانب لأنها تحيض وليست من مطايا الجن ويزعمون أن المرأة إذا أحبت رجلا وأحبها ثم لم يشق عليها رداءه وتشق عليه برقعها فسد حبهما ويزعمون أن الرجل اذا قدم قرية فخاف وباءها فوقف على بابها قبل ان يدخلها ونهق كما تنهق الحمير لم يصبه وباؤها ويزعمون ان الحرقوص وهو دويبة أكبر من البرغوث تدخل في فروج الأبكار فتفتضهن ويزعمون ان الرجل إذا ضل فقلب ثيابه اهتدى وكانوا يزعمون ان الناقة اذا نفرت وذكر اسم أمها فإنها تسكن وكانت لهم خرزة يزعمون ان العاشق اذا حكها وشرب ما يخرج منها صبر وتسمى السلوان ونكاح المقت من سنتهم وهو ان الرجل اذا مات قام ولده الاكبر فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها فإن لم يكن له بها حاجة زوجها لبعض أخوته بمهر جديد فكانوا يرثون النكاح كما يرثون المال ولهم حكايات عجيبة وأحوال غريبة والله تعالى اعلم بالصواب واليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الستون في الكهنانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والفراسة والنوم والرؤية وما أشبه ذلك
اما الكهانة فكانت فاشية في الجاهلية حتى جاء الاسلام فلم يسمع فيه بكاهن وكان ذلك من معجزات النبوة وآياتها وللكهنة أخبار فمنهم سطيح ورد عليه عبد المسيح وهو يعالج الموت وأخبره على ما يزعمون بما جاء لأجله وذلك أن الموبذان رأى ابلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجله وانتشرت في بلادها فلما أصبح أعلم كسرى بذلك فتصبر كسرى تشجعا ثم رأى ان لا يكتم ذلك عن وزرائه ورؤساء مملكته فلبس ناجه وقعد على سريره وجمع وزراءه ورؤساء مملكته فأخبرهم بالخبر فبينما هم كذلك اذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران وارتجاس الايوان فازدادوا غما على غمهم فكتب كسرى كتابا الى النعمان بن المنذر اما بعد فوجه الى رجلا عالما بما أريد ان أسأله عنه فوجه اليه عبد المسح الغساني فقال له كسرى أعندك علم بما أريد ان أسألك عنه ؟ قال ليخبرني الملك فان كان عندي علم منه والا أخبرته بمن يعلمه به فأخبره بما رآه الموبذان فقال علم ذلك عند كاهن يسكن مشارف الشام يقال له سطيح قال فأته فاسأله عما سألتك وائتني بالجواب فركب عبد المسيح وتوجه الى سطيح فوجده قد اشرف على الضريح فسلم عليه وحياه ولم يخبر عبد المسيح بما جاء بسببه غير أنه

أنشده شعرا يذكر فيه أنه جاء برسالة من قبل ملك العجم ولم يذكر له السبب فرفع رأسه وقال عبد المسيح على جمل يسيح الى سطيح بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الايوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى ابلا صعابا تقود خيلا عرابا قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح اذا كثرت التلاوة وفاض وادي سماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما ولا العجم لعبد المسيح مقاما يرتفع امر العرب وأظن ان وقت ولادة محمد قد اقترب يملك منهم ملوكا وملكات بعدد الشرافات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه فثار عبد المسيح الى راحلته وعاد فأخبر كسرى بذلك
وحكي أن ربيعه ين مضر اللخمي رأى مناما هاله فأراد تفسيره فقال له أهل مملكته ما يفسره لك الاشق وسطيح فأحضرهما وقال لسطيح اني رأيت مناما هالني فان عرفته فقد أصبحت تفسيره فقال رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض نهمة فأكل منها كل ذات جمجمة فقال له الملك ما أخطأت شيئا ما تفسره قال ليهبطن بأرضك الحبش وتملك ما بين أبين إلى جرش فقال الملك ان هذا لغائط موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ قال بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضي من السنين ثم يقتتلون بها أجمعين ويخرجون منها هاربين قال ومن ذا الذي يملك بعدهم ؟ قال أراه ذا يزن يخرج عليهم من عدن فما يترك منهم أحدا باليمن قال الملك فيدوم ذلك أم ينقطع ؟ قال بل ينقطع قال ومن يقطعه ؟ قال نبي زكي يأتيه الوحي من العلى قال وممن يكون هذا النبي ؟ قال من ولد عدنان بن فهر بن مالك بن النضر يكون في قومه الملك إلى آخر الدهر قال وهل للدهر من آخر ؟ قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى المسيئون قال أو حق ما تخبر قال والشفق والقمر إذا اتسق ان ما أنبأتك به لحق ثم دعا بشق فقال مثل ما قال سطيح ومن ذلك ما حكي أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن عبد مناف إلى المفاخرة فقال له هاشم أفاخرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة فرضي أمية بذلك وجعل بينهم الخزاعي الكاهن حكما فخبؤا إليه شيئا وخرجا إليه ومعهما جماعة

من قومهما فقالوا قد خبأنا لك خبيا فان علمته تحاكمنا إليك وان لم تعلمه تحاكمنا إلى غيرك فقال لقد خبأتم لي كيت وكيت قالوا صدقت أحكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس أيهما أشرف بيتا ونسبا فقال والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو طائر وما اهتدى بعلم مسافر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر ولأمية أواخر فأخذ هاشم الابل ونحرها وأطعهما من حضر وخرج أمية إلى الشام وأقام بها عشر سنين ويقال إنها أول عداوة وقعت بين بني هاشم وبني أمية
وحكي أن هند بنت عتبة بن ربيعة كانت تحت الفاكه بن المغبرة وكان الفاكه من فتيان قريش وكان له بيت ضيافة خارجا عن البيوت تغشاه الناس من غير إذن فخلا البيت ذات يوم واضطجع فيه هو وهند ثم نهض لحاجة فأقبل رجل ممن كن يغشى البيت فولجه فلما رأى هندا رجع هاربا فلما نظره الفاكه دخل عليها فضربها برجله وقال لها من هذا الذي خرج من عندك ؟ قالت ما رأيت أحدا قط وما انتبهت حتى أنبهتني قال فأردجعي إلى بيت أبيك وتكلم الناس فيها فقال أبوها يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك الكلام فان يكن الرجل صادقا دسيت عليه من يقتله لينقطع كلام الناس وان يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن فقالت له لا والله ما هو علي بصادق فقال له يا فاكه انك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن فخرج الفاكه في جمعة من بني مخزوم وخرج أبوها في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة فلما شارفوا البلاد قالوا غدا نرد على هذا الرجل فتغيرت حالة هند فقال لها أبوها اني أرى حالك قد تغير وما هذا إلا لمكروه عندك فقالت لا والله ولكن أعرف انكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب ولا آمنه أن يسمني بسيما تكون علي سبة فقال لها لا تخشي فسوف أختبره فصفر لفرسه حتى أدلى ثم أدخل في احليله حبة حنطة وربطه فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم ونحر لهم فلما تغدوا

له عتبة قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئة نختبرك بها قال خبأتم لي تمرة في كمدة قال اني أريد أن أبين من هذا قال حبة بر في أحليل مهر قال فانظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يأتي إلى كل واحدة منهن ويضرب بيده على كتفها ويقول لها انهضي حتى بلغ هندا فقال انهضي غير رسحاء ولا زانية وستلدين ملكا اسمه معاوية فنهض اليها الفاكه فأخذ بيدها فجذبت يدها من يده وقالت اليك عني فوالله اني لأحرص أن يكون ذلك من غيرك فتزوجها أبو سفيان فولدت منه أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه
وأما القيافة فهي على ضربين قيافة البشر وقيافة الاثر فأما قيافة الشر فالاستدلال بصفات أعضاء الانسان وتختص بقوم من العرب يقال لهم بنو مدلج يعرض على أحدهم مولود في عشرين نفرا فيلحقه بأحدهم
وحكي عن بعض أبناء التجار أنه كان في بعض أسفاره راكبا على بعيره يقوده غلام أسود فمر بهؤلاء القبيلة فنظر إليه واحد منهم وقال ما أشبه الركب بالقائد قال ولد التاجر فوقع في نفسي من ذلك شيء فلما رجعت إلى أمي ذكرت لها القصة فقالت يا ولدي ان أباك كان شيخا كبيرا ذا مال وليس له ولد فخشيت أن يفوتنا ما له فمكنت هذا الغلام من نفسي فحملت بك ولولا أن هذا شيء ستعلمه غدا في الدار الآخرة لما أعلمتك به في الدنيا وأما قيافة الأثر فالاستدلال بالاقدام والحوافر والخفاف وقد اختص به قوم من العرب أرضهم ذات رمل إذا هرب منهم هارب أو دخل عليهم سارق تتبعوا آثار قدمه حتى يظفروا به ومن العجب أنهم يعرفون قدم الشاب من الشيخ والمرأة من الرجل والبكر من الثيب والغريب من المستوطن ويذكر أن في قطبة وثغر البرلس أقواما بهذه الصفة وقد وقعت من قريش حين خرج النبي وأبو بكر إلى الغار على صخر صلد وأحجار صم ولا طين ولا تراب تبين فيه الأقدام

فحجبهم الله تعالى عن نبيه بما كان من نسيج العنكبوت وما لحق القائف من الحيرة وقوله إلى ههنا انتهت الاقدام هذا ومعهم الجماعة من قريش أبصارهم سليمة ولولا أن هناك لطيفة لا يتساوى الانسان فيها يعني في علمها لما استأثر بعلم ذلك طائفة دون أخرى وقيل القيافة لبني مدلج في أحياء مضر واختلف رجلان من القافة في أمر بعير وهما بين مكة ومنى فقال أحدهما هو جمل وقال الآخر هي ناقة وقصدا يتبعان الاثر حتى دخلا شعب بني عامر فاذا بعير واقف فقال أحدهما لصاحبه أهو ذا ؟ قال نعم فوجداه خنثى فأصابا جميعا ومنهم من كان يخط الرمل في الأرض ويقول فيوافق قوله ما يأتي بعد وقال رجل شردت لي ابل فجئت إلى خراش فسألته عنها فأمر بنته أن تخط لي في الأرض فخطت ثم قامت فضحك خراش ثم قال أتدري قيامها لأي شيء ؟ قلت لا قال قد علمت أنك تجد ابلك وتتزوجها فاستحيت ثم خرجت فوجدت ابلي ثم تزوجتها وخرج عمرو بن عبد الله بن معمر ومعه مالك بن خراش الخزاعي غازيين فمرا بامرأة وهي تخط للناس في الأرض فضحك منها مالك هزوا وقال ما هذا ؟ فقالت أما والله لا تخرجي من سجستان حتى تموت وينزوج عمرو هذا زوجتك فكان كما ذكرت
وأما الزجر والعرافة فاحسنه ما روي إن كسرى أبرويز بعث إلى النبي حين بعث زاجرا ومصورا فقال للزاجر أنظر ما ترى في طريقك وعنده وقال للمصور أئتني بصورته فلما عاد إليه أعطاه المصور صورته فوضعها كسرى على وسادته ثم قال للزاجر ماذا رأيت ؟ قال ما رأيت ما أزجر به إلا أنه سيعلوا أمره عليك لأنك وضعت صورته على وسادتك
وبعث صاحب الروم إلى النبي رسولا وقال له انظر إليه ومل إلى جانبه وأنظر إلى ما بين كتفيه حتى ترى الخاتم والشامة فقدم الرسول فرأى النبي على نشز عال واضعا قدميه في الماء وعن يمينه علي رضي الله عنه فلما رآه رسول الله قال له تحول فانظر ما أمرت به فنظر

فلما رجع إلى صاحبه أخبره الخبر فقال ليعلون أمره وليملكن ما تحت قدمي فتفاءل بالنشز العلو وبالماء الحياة وقال المدايني وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان حين أتاها فخرج هاربا ونزل بقرية من قرى الصعيد فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان فقال للرسول ما اسمك ؟ قال طالب بن مدرك فقال أواه ما أظن أني أرجع إلى الفسطاط فمات ولم يرجع وكانت نائلة بنت عمار الكلبي تحت معاوية فقال لفاختة بنت قرظة اذهبي فانظري إليها فذهبت ونظرت فقالت ما رأيت مثلها ولكني رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن معه رأس زوجها في حجرها فطلقها معاوية وتزوجها بعده رجلان حبيب ابن مسلمة والنعمان بن بشير فقتل أحدهما ووضع رأسه في حجرها وبينما مروان بن محمد جالس في ايوانه يتفقد الأمور إذ تصدعت زجاجة من الايوان فوقعت منها الشمس على منكب مروان وكان هناك عراف وقيل قياف فقام فتبعه ثوبان مولى مروان فسأله فقال صدع الزجاج صدع السلطان ستذهب الشمس بملك مروان بقوم من الترك أو خراسان ذلك عندي واضح البرهان فما مضى غير شهرين حتى مضى ملك مروان
وروى المدايني أن عليا رضي الله عنه بعث معقلا في ثلاثة آلاف ليقيم بالرقة وذلك في وقعة صفين فسار حتى نزل الحديبية فبينما هو ذات يوم جالس إذ نظر إلى كبشين ينتطحان فجاء رجلان فأخذ كل واحد منهما كبشا فذهب به فقال شداد بن أبي ربيعة الخثعمي الزاجر إنكم لتصرفون من موجهكم هذا لا تغلبون ولا تغلبون أما ترى الكبشين كيف انتطحا حتى حجز بينهما فتفرقا ولا فضل لأحدهما على الآخر
وحكي ان الاسكندر ملك بعض البلاد فدخل فيها فوجد امرأة تنسج ثوبا فلما رأته قالت له أيها الملك قد أعطيت ملكا ذا طول وعرض ثم دخل عليها بعد ذلك فقالت ستعزل من الملك قال فغضب عند ذلك فقالت له لا تغضب فانك في المرة الأولى دخلت علي والشقة بيدي أدير طولها وعرضها ودخلت علي الآن والشقة في يدي أريد قطعها لأني

قد فرغت من نسجها فلا تغضب فان النفوس تعلم أشياء بعلامات قال الراوي فكان كذلك
وحكي أن سيف بن ذي يزن لما استنجد كسرى على قتال الحبشة بعث إليه بجيش عظيم فخرج اليهم ملك الحبشة وهو مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة وكان بين عينيه ياقوتة حمراء بعلاقة من الذهب على تاجه تضيء كالنور وهو على فيل عظيم قال وكان في عسكر ذي يزن رجل يقال له زهير فتأمل ذلك منه ثم قال لأميره اصبر لتنظر ما يكون من أمره فقال فتحول مسروق من الفيل إلى جمل فقال أصبر فتحول بعد ذلك إلى فرس ثم إلى بغل ثم إلى حمار وكأنه أنف من مقاتلتهم على شيء من ذلك الا على حمار لما أنه استصغرهم وأستحقرهم وتفرس ذلك الرجل فيه من الانتقال من أعلى إلى أدنى وقال أحملوا عليهم فإن ملكهم قد ذهب فإنه انتقل من كبير إلى صغير فحملوا عليهم فكسروهم وقتل الملك
وحكي أنه كان عراف من الطرقيين ببغداد يخبر بما يسئل عنه فلم يخطئ فسأله رجل عن شخص محبوس هل ينطلق قال نعم ويخلع عليه قال فقلت له بأي شيء عرفت ذلك ؟ فقال إنك لما سألتني التفت يمينا وشمالا فوجدت رجلا على ظهره قربة ماء ففرغها ثم حملها على كتفه فأولت الماء بالمحبوس وتفريق بالانطلاق ووضعها على كتفه بالخلعة قال وكان الأمر كذلك
وأما الفأل فقد روي أن النبي كان يحب الفأل الصالح والاسم الحسن وروي أنه لما نزل المدينة على كلثوم دعا غلامين له يا بشار ويا سالم فقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه أبشر يا أبا بكر فقد سلمت لنا الدار وقال الأصمعي سألت ابن عون عن الفأل فقال هو أن يكون مريض فيسمع يا سالم أو طالب حاجة فيسمع يا واجد وما أشبه ذلك

وأما الطيرة فقد كن يحب الفال ويكره الطيرة وقيل ذكرت الطيرة عند رسول الله فقال من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وعنه أنه قال ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له وعن ابن عباس رضي الله عنهما ( رفعه ) من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر وعن أبي هريرة رضي الله عنه من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول أو أتى امرأته حائضا في دبرها فقد برئ مما نزل على محمد وأنشد المبرد هذه الأبيات يقول
( لا يعلم المرء ليلا ما يصبحه ... الا كواذب ما يجري به الفال )
( والفال والزجر والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب اقفال ) وقال لبيد
( لعمري ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرت الطير ما الله صانع ) وقال آخر
( تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور )
( بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير ) وكانت العرب تتطير بأشياء كثيرة منها العطاس وسبب تطيرهم منه ان دابة يقال لها العاطوس كانوا يكرهونها وكانوا إذا ارادوا سفر خرجوا من الغلس والطير في أوكارها على الشجر فيطيرونها فإن أخذت

أخذوا يمينا وإن أخذوا شمالا أخذوا شمالا ومنه قوله امرئ القيس
( وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل )
( مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من على ) والعرب أعظم ما يتطيرون منه الغراب فالقول فيه أكثر من أن يطلب عليه شاهد ويسمونه حاتما لأنه يحتم عندهم بالفراق ويسمونه الأعور على جهة التطير بصرا وفيه يقول بعضهم
( إذا ما غراب البين صالح فقل به ... ترفق رماك الله يا طير بالبعد )
( لأنت على العشاق أقبح منظر ... وأبشع في الابصار من رؤية اللحد )
( تصيح ببين ثم تعثر ماشيا ... وتبرز في ثوب من الحزن مسود )
( متى صحت صح البين وانقطع الرجا ... كأنك من يوم الفراق على وعد ) وأعرض بعضهم عن الغراب وتطير بالإبل وسبب ذلك لكونها تحمل أثقال من ارتحل وفي ذلك قال بعضهم مفردا أجاد
( زعموا بأن مطيهم سبب النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب ) وقالوا من تطير من شيء وقع فيه
وحكي عن ابراهيم بن المهدي قال أرسل إلي محمد بن زبيدة في ليلة من ليالي الصيف مقمرة يقول يا عم إني مشتاق إليك فاحضر الآن عندنا فجئته وقد بسط له على سطح زبيدة وعنده سليمان بن أبي جعفر وجاريته نعيم فقال لها غنينا شيئا فقد سررت بعمومتي فغنت وهي تقول هذه الأبيات
( همو قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه )
( بني هاشم كيف التواصل بيننا ... وحبند أخيه سيفه ونجائبه )

قال فغضب وتطير وقال لها ما قصتك ويحك انتبهي وغني ما يسرني فغنت تقول
( كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأكثر حزما منك ضرج بالدم ) فقال لها ويحك ما هذا الغناء في هذه الليلة غني غيره فغنت تقول هذه الأبيات
( ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء )
( تبكي فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للمشتاق بكاء ) قال فانتهرها وقال لها قومي إلى لعنة الله فقالت والله يا مولاي لم يجر على لساني غير هذا وما ظننت إلا أنك تحبه ثم إنها قامت من بين يديه وكان بين يديه قدح بلور وكان أبوه يحبه فأصابه طرف ردائها فانكسر قال إبراهيم بن المهدي فالتفت إلي وقال يا عمي أرى أن هذا آخر أمرنا فقلت كلا بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك فسمعت هاتفا يقول قضي الأمر الذي فيه تستفيان فقال لي أسمعت ما سمعت يا عم ؟ فقلت ما سمعت شيئا وما هذا إلا توهم فإذا الصوت قد علا فقال يا عم إذهب إلى بيتك فمحال أن يكون بعد هذا اجتماع قال فانصرفت من عنده وكان هذا آخر عهدي به وخرج أبو الشمقمق مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلد الموصل فلما أراد الدخول إليها اندق لواؤه في أول درب منها فتطير لذلك فأنشده أبو الشمقمق يقول
( ما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مبذلا )
( لكن هذا الرمح ضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا ) فسر خالد وأمر لأبي الشمقمق بعشرة آلاف درهم ودخل الحجاج الكوفة متوجها إلى عبد الملك فصعد المنبر فانكسر تحت قدمه فعلم أنهم قد تطيروا له بذلك فالتفت إلى الناس قبل أن يحمد الله تعالى فقال شاهت الوجوه وتبت الأيدي ويؤتم بغضب من الله إذا انكسر عود جذع ضعيف

تحت قدم أسد شديد تفاءلتم بالشؤم وإني على أعداء الله تعالى لأنكد من الغراب الأبقع وأشأم من يوم نحس مستمر وإني لاعجب من لوط وقوله لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فأي ركن أشد من الله تعالى أو ما علمتم ما أنا عليه من التوجه إلى أمير المؤمنين وقد وليت عليكم أخي محمد بن يوسف وأمرته بخلاف ما أمر به رسول الله معاذا في أهل اليمن فانه أمره أن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وقد أمرته أن يسيء إلى محسنكم وأن لا يتجاوز عن مسيئكم وأنا أعلم أنكم تقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة وأنا معجل لكم الجواب لا أحسن الله عليكم الخلافة أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم وخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد فأول من استقبله أعور فضربه وأمر بحبسه ثم ذهب للصيد فاصطاد صيدا كثيرا فلما عاد استدعى بالأعور فأمر له بمال فقال لا حاجة لي به ولكن ائذن لي في الكلام فقال تكلم فقال أيها الملك إنك تلقيتني فضربتني وحبستني وتلقيتك فصدت وسلمت فأينا أشأم صباحا على صاحبه ؟ فضحك منه وأمر له بصلة
وحكي أيضا إن صاحب قرطبة أصابه وجع فأمر بعض جواريه أن تغنيه ليلهو عن وجعه فقالت
( هذي الليالي علمنا أن ستطوينا ... فشعشعينا بماء المزن واسقينا ) قال فتطير من ذلك وأمرها بالانصراف ولم يقم بعد ذلك غير خمسة أيام ومات
وحكي أن نور الدين محمودا وهمام الدين ركبا في يوم عيد وخرجا للتفرج فتجاولا في الكلام ثم قال محمودا يا من درى هل نعيش إلى مثل هذا اليوم ؟ فقال له همام الدين قل هل نعيش إلى آخر هذا الشهر فإن العام كثير قال فاجرى الله على منطقهما ما كان مقدرا في الأزل فمات أحدهما قبل تمام الشهر ومات الآخر قبل تمام العام

وأما الفراسة فقد قال الله تعالى ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) وقال رسول الله " اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله " وقال علي رضي الله تعالى عنه ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه وقيل أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على علي رضي الله تعالى عنه بشيء فلم يعمل به ثم ندم فقال يرحم الله ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق
وحكى أبو سعيد الخراز أنه كان في الحرم فقير ليس عليه إلا ما يستر عورته فانفت نفسي منه فتفرس ذلك مني فقرأ ( وأعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذوره ) فندمت واستغفرت الله في قلبي فتفرس ذلك أيضا فقرأ ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده )
وحكي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما رأ يا رجلا فقال أحدهما إنه نجار وقال الآخر أنه حداد فسأله عن صنعته فقال كنت حدادا وأنا الآن نجار
وحكي ان شخصا من أهل القرآن سأل بعض العلماء مسألة فقال له إجلس فإني أشم من كلامك رائحة الكفر فاتفق بعد ذلك أنه سافر السائل فوصل إلى القسطنطينية فدخل في دين النصرانية قال من رآه ولقد رأيته متكئا على دكة وبيده مروحة يروح بها عليه فقلت السلام عليكم يا فلان فسلم علي وتعارفنا ثم قلت له بعد ذلك هل القرآن باق على حاله أم لا ؟ فقال له لا أذكر منه إلا آية واحدة وهي قوله تعالى ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) قال فبكيت عليه وتركته وانصرفت وكان الحسن ابن السقاء من موالي بني سليم ولم يكن

في الأرض أحزر منه كان ينظر إلى السفينة فيحزر ما فيها فلا يخطئ وكان حذره للمكيول والموزون والمعدود سواء كان يقول في هذه الرمانة كذا وكذا حبة وزنتها كذا وكذا ويأخذ العود الآس فيقول فيه كذا وكذا ورقة فلا يخطئ وقالوا إذا رأيت الرجل يخرج بالغداة ويقول لشيء ما عند الله خير وأبقى فاعلم إن جواره وليمة ولم يدع إليها وإذا رأيت قوما يخرجون من عند قاض وهم يقولون ا شهدنا إلا بما علمنا فاعلم أن شهادتهم لم تقبل وإذا قيل للمتزوج صبيحة البناء على أهله كيف ما تقدمت عليه ؟ فقال الصلاح خير من كل شيء فاعلم أن امرأته قبيحة وإذا رأيت إنسانا يمشي ويلتفت فاعلم أنه يريد أن يحدث وإذا رأيت فقيرا يعدو ويهرول فاعلم أنه في حاجة غني وإذا رأيت رجلا خارجا من عند الوالي وهو يقول يد لله فوق أيديهم فاعلم أنه صفع ويقال عين المرء عنوان قلبه وكانوا يقولون عظم الجبين يدل على البله وعرضه يدل على قلة العقل وصغره يدل على لطف الحركة وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد والعين المتوسطة في حجمها دليل الفطنة وحسن الخلق والمروءة والتي يطول تحديقها يدل على السمع والأذن الكبيرة المنتصبة تدل على حمق وهذيان وكانت الفرس إذ تقول فشا الموت في الوحوش دل على ضيقه وإذا فشا في الفأر دل على الخصب وإذا نعق غراب فجاوبته دجاجة عمر الخراب وإذا قوقت دجاجة فجاوبها غراب خرب العمار والله أعلم بكل شيء عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد أو عنده مفاتح الغيب لا يعلما إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين
وأما النوم والسهر وما جاء فيهما فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الرسول أنه قال " أشراف أتي حملة القرآن وأصحاب الليل وروي أن أم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قالت يا بني لا تكثر النوم بالليل

فان صاحب النوم يجيء يوم القيامة مفلسا وكان زمعة بن صالح ليلا طويلا فإذا أسحر نادى أهله
( يا أيها الركب المعرسونا ... أكل هذا الليل ترقدونا ) فيتواثبون بين باك وداع ومتضرع فإذا أصبح نادى عند الصباح يحمد القوم السرى ( وأنشدوا )
( يا أيها الراقد كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد )
( وخذ من الليل وساعاته ... حظا إذا ما هجع الرقد )
( من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد )
( قل لذوي الألباب أهل التقى ... قنطرة الحشر لكم موعد ) وقيل أن نومة الضحى تورث الغم والخوف ونومة العصر تورث الجنون وأنشد بعضهم
( إلا إن نومات الضحى تورث الفتى ... غموما ونومات العصير جنون ) وعن العباس بن عبد المطلب أنه مر يوما بابنه وهو نائم نومةالضحى فوكزه برجله وقال له قم لا أنام الله عينك أتنام في ساعة يقسم الله تعالى فيها الرزق بين العبد ؟ أو ما سمعت ما قالت العرب أنها مكسلة مهزلة منسية للحاجة والنوم على ثلاثة أنواع نومة الخرق ونومة الخلق ونومة الحمق فنومة الخرق نومة الضحى ونومة الخلق هي التي أمر النبي بها أمته فقال قيلوا فان الشيطان لا تقيل ونومة الحمق النومة بعد العصر لا ينامها إلا سكران أو مجنون وكان هشام بن عبد الملك يقول لولده لا تصطبح بالنوم فانه شؤم ونكد وقال الثوري لطبيب دلني على شيء إذا أردت النوم جاءني فقال ادهن رأسك وأكثر من ذلك واتق الله وكان طاوس يقول لأن تختلف السياط على ظهري أحب إلي من أن أنام يوم الجمعة والإمام يخطب وكان شداد بن أوس يتلوى على فراشه كالحبة على المقلى ويقول اللهم إن النار منعتني النوم وأنشدوا في المعنى

( غيرت موضع مرقدي ... يوما ففارقني السكون )
( قل لي فأول ليلتي ... في حفرتي أني أكون ) وأنشد أبو دلف
( أمالكتي ردي علي رقاديا ... ونومي فقد شردته عن وساديا )
( أما تتقين الله في قتل عاشق ... أمت الكرى عنه فأحيا اللياليا ) وأنشد أبو غانم الثقفي
( رقدت رقاد الهيم حتى لو أنني ... يكون رقادي مغنما لغنيت ) فقيل لمن هذا ؟ فقال لرقاد من رقاد العرب وقيل ان نوم عبود يضرب به المثل وكان عبود هذا عبدا أسود قيل إنه نام اسبوعا وقل إنه تماوت على أهله وقال اندبوني لأعلم كيف تندبوني إذا أنا مت فسجى ونام وندب فإذا هو قد مات
وأما الرؤيا فقد قيل فيها أقاويل وهو أنهم قالوا أن النوم هو اجتماع الدم وانحداره إلى الكبد ومنهم من رأى ان ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح ومنهم من زعم ان مايجده الانسان في نومه من الخواطر انما هو من الأطعمة والأغذية والطبائع وذهب جمهور الأطباء إلى أن الأحلام من الأخلاط وان ذلك بقدر مزاج كل واحد منها وقوته فالذي يغلب عليه الصفراء يرى بحورا وعيونا ومياها كثيرة ويرى أنه يسبح ويصيد سمكا ومن غلبت على مزاجه السوداء رأى في منامه أجداثا وأمواتا مكفنين بسواد وبكاء وأشياء مفزعة ومن غلب على مزاجه الدم رأى الخمر والرياحين وأنواع الملاهي والثياب المصبغة والذي يقع عليه التحقيق ان الرؤيا الصالحة كما قد جاء جزء من ستين جزء من النبوة وكان النبي أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق

الصبح والرؤيا على ضربين فمنهم من يرى رؤيا فتجيء على حالها لا تزيد ولا تنقص ومنهم من يرى الرؤيا في صورة مثل ضرب له
فمن ذلك ما حكي أن النبي رأى في الجنة غرفا فقال لمن هذه ؟ فقيل أبي جهل بن هشام فقال ما لأبي جهل والجنة والله لا يدخلها أبدا قال فأتاه عكرمة ولده مسلما فتأولها به وكذلك تأول في قتل الحسين لما رأى أن كلبا أبقع يلغ في دمه وكان ذلك بعد رؤياه عليه الصلاة و السلام بخمسين عاما وكذلك حين قال بأبي بكر رضي الله تعالى عنه اني رأيت كأني رقيت أنا وأنت درجا في الجنة فسبقتك بدرجتين ونصف فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله أقبض بعدك بسنتين ونصف ورأت عائشة رضي الله تعالى عنها سقوط ثلاثة أقمار في حجرتها فأولها أبوها بموته وموت النبي وموت عمر رضي الله تعالى عنهما ودفنهم في حجرتها فكان الأمر كذلك
وحكي أن أم الشافعي رضي الله تعالى عنه لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من فرجها وانقض بمصر ثم تفرق في كل بلد قطعة فأول بعالم يكون بمصر وينتشر علمه بأكثر البلاد فكان كذلك
وحكي أيضا ان عاملا أتى عمر رضي الله تعالى عنه فقال رأيت الشمس والقمر اقتتلا فقال له عمر مع من كنت ؟ قال مع القمر فقال مع الآية الممحوة والله لا وليت لي عملا فعزله ثم اتفق ان عليا رضي الله تعالى عنه وقع بينه وبين معاوية ما وقع فكان ذلك الرجل مع معاوية
وأما من مهر في تعبير الرؤيا فهو ابن سيرين جاءه رجل فقال له رأيت كأني اسقي شجرة زيتون زيتا فاستوى جالسا فقال ما التي تحتك ؟ قال عجلة اشتريتها وفي رواية جارية وأنا أطؤها فقال

أخاف أن تكون أمك فكشف عنها فوجدها أمه وجاءه رجل فقال رأيت كأن في يدي خاتما أختم به فروج النساء وأفواه الرجال فقال له أنت مؤذن تؤذن بالليل فتمنع الرجال والنساء من الاكل والوطء وجاءه رجل فقال رأيت جارة لي قد ذبحت في بيت من دارها فقال هي امرأة نكحت في ذلك البيت وكانت امرأة لصديق ذلك الرجل فاغتم لذلك ثم بلغه أن الرجل قدم في تلك الليلة وجامع زوجته في ذلك البيت وجاءه رجل معه جراب فقال له رأيت في النوم كأني أسد الزقاق سدا وثيقا شديدا فقال له أنت رأيت هذا ؟ قال نعم فقال لمن حضره ينبغي أن يكون هذا الرجل يخنق الصبيان وربما تكون في جرابه آلة الخنق فوثبوا عليه وفتشوا الجراب فوجدوا فيه أوتارا وحلقا فسلموه إلى السلطان وجاءته امرأة وهو يتغدى فقالت له رأيت في النوم كأن القمر دخل في الثريا ونادى مناد من خلق ان ائتني ابن سيرين فقص عليه فتقلصت يده وقال ويلك كيف رأيتي هذا ؟ فأعادت عليه فقال لاخته هذه تزعم اني أموت لسبعة أيام وأمسك يده على فؤاده وقام يتوجع ومات بعد سبعة أيام وجاءه رجل فقال رأيت كأني آخذ البيض وأقشره فآكل بياضه وألقي صفاره فقال ان صدق منامك فأنت نباش الموتى فكان ذلك
وحكي ان ابن سيرين رأى الجوزاء قد تقدمت على الثريا فجعل يوصي وقال يموت الحسن وأموت بعده وهو أشرف مني فمات الحسن ومات بعده بمائة يوم
وحكى أن رجلا رأى عيسى عليه السلام فقال له يا نبي الله صلبك حق قال نعم فعبره على بعضهم فقال تكذب رؤياك بقوله تعالى ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) ولكن هو عائد على الرائي فكان كذلك وأتى ابنة مغيث آت في المنام فقال لها
( لك البشيرى بولد ... أشبه شيء بالاسد ... إذا الرجال في كبد )
( تغالبوا على بلد ... كان له حظ الأسد )

المختار بن أبي عبيد وذلك في عام الهجرة وقال رجل لسعيد بن المسيب رأيت كأني بلت خلف المقام أربع مرات قال كذبت لست صاحب هذه الرؤيا قال هو عبد الملك فقال يلي أربعة من صلبه الخلافة وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه رأيت عليا رضي الله تعالى عنه في المنام فقال لي ناولني كتبك فناولته إياها فأخذها وبددها فأصبحت أخا كآبة فأتيت الجعد فأخبرته فقال سيرفع الله شأنك وينشر علمك
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي أنه قال من رآني في منامه فقد رآني حقا فإن فان الشيطان لا يتمثل بي وجاء إلى النبي فقال رأيت كأن رأسي قد قطع وأنا أنظر إليه فضحك رسول الله وقال بأي عين كنت تنظر إلى رأسك فلم يلبث رسول الله أن توفي وأولوا رأسه بنبيه ونظره إليه باتباع سنته وقال رجل لعلي بن الحسين رأيت كأني أبول في يدي فقال تحتك محرم فنظروا فإذا بينه وبين امرأته رضاع وقال أبو حنيفة رضي الله عنه رأيت كأني نبشت قبر رسول الله فضممت عظامه إلى صدري فهالني ذلك فسألت ابن سيرين فقال ما ينبغي لأحد من أهل هذا الزمان أن يرى هذه الرؤيا قلت أنا رأيتها قال إن صدقت رؤياك لتحيين سنة نبيك وقال النبي الرؤيا الصالحة بشارة للمؤمن بما له عند الله من الكرامة في الدنيا والآخرة وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال تضرعت إلى ربي سنة أن يرين أبي في النوم حتى رأيته وهو يمسح العرق عن جبينه فسألته فقال لولا رحمة الله لهلك أبوك إنه سألني عن عقال بعير للصدقة فسمع بذلك عمر بن عبد العزيز فصاح وضرب بيده على رأسه وقال فعل هذا بالتقي الطاهر فكيف بالمقترف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم أجمعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم

الباب الحادي والستون في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى بلوغ المقاصد والتيقظ والتبصر الحيلة من فوائد الآراء المحكمة وهي حسنة ما لم يستبح بها محظور وقد سئل بعض الفقهاء عن الحيل في الفقه فقال علمكم الله ذلك فانه قال ( وخذ بيدك ضغثا ) ( فاضرب به ولا تحنث ) وكان إذا أراد غزوة وروي بغيرها وكان يقول " الحرب خدعة " ولما أراد عمر رضي الله عنه قتل الهرمزان استسقى ماء فأتوه بقدح فيه ماء فأمسكه في يده واضطرب فقال له عمر لا بأس عليك حتى تشربه فألقى القدح من يده فأمر عمر بقتله فقال أولم تؤمني ؟ قال كيف أمنتك قال قلت لا بأس عليك حتى تشربه وقولك لا بأس عليك أمان ولم أشربه فقال عمر قاتلك الله أخذت مني أمانا ولم أشعر وقيل كان دهاة العرب أربعة كلهم ولدوا بالطائف معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والسائب بن الأقرع وكان يقال الحاجة تفتح أبواب الحيل وكان يقال ليس العاقل الذي يحتال للأمور إذا وقع فيها بل العاقل الذي يحتال للأمور أن لا يقع فيها وقال الضحاك بن مزاحم النصراني لو أسلمت فقال ما زلت محبا للإسلام إلا أنه يمنعني منه حبي للخمر فقال أسلم وأشربها فلما أسلم قال له قد أسلمت فان شربتها حديناك وإن ارتددت قتلناك فاختر لنفسك فاختار الاسلام وحسن إسلامه فأخذه بالحلية

وقيل دليت من السماء سلسلة في أيام داود عليه الصلاة و السلام عند الصخرة التي في وسط بيت المقدس وكان الناس يتحاكمون عندها فمن مد يده اليها وهو صادق نالها ومن كان كاذبا لم ينلها إلى أن ظهرت فيهم الخديعة فارتفعت وذلك أن رجلا أودع رجلا جوهرة فخبأها في مكانه في عكازة ثم أن صاحبها طلبها من الذي أودعها عنده فأنكرها فتحاكما عند السلسلة فقال المدعي اللهم إن كنت صادقا فلتدن مني السلسلة فدنت منه فمسها فدفع المدعى عليه العكازة للمدعي وقال اللهم إن كنت تعلم إني رددت الجوهرة إليه فلتدن مني السلسلة فدنت منه فمسها فقال الناس قد سوت السلسلة بين الظالم والمظلوم فارتفعت بشؤم الخديعة وأوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة و السلام ( أن أحكم بين الناس بالبينة واليمين ) فبقي ذلك إلى قيام الساعة وكان المختار بن أبي عبيدة الثقفي من دهاة ثقيف وثقيف دهاة العرب قيل أنه وجه إبراهيم بن الأشتر إلى حرب عبيد الله بن زياد ثم دعا برجل من خواصه فدفع إليه حمامة بيضاء وقال له إن رأيت الأمر عليكم فارسلها ثم قال للناس إني لأجد في محكم الكتاب وفي اليقين والصواب أن الله ممدكم بملائكة غضاب صعاب تأتي في صور الحمام تحت السحاب فلما كادت الدائرة تكون على أصحابه عمد ذلك الرجل إلى الحمامة فأرسلها فتصايح الناس الملائكة الملائكة وحملوا فانتصروا وقتلوا ابن زياد وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال خرجت امرأتان ومعهما صبيان فعدا الذئب على صبي إحداهما فأكله فاختصما في الصبي الباقي إلى داود عليه الصلاة و السلام فقال كيف أمركما ؟ فقصتا عليه القصة فحكم به للكبرى منهما فاختصما إلى سليمان عليه الصلاة و السلام فقال ائتوني بسكين أشق الغلام نصفين لكل منهما نصف فقالت الصغرى أتشقه يا نبي الله ؟ قال نعم قالت لا تفعل ونصيبي فيه للكبرى فقال خذيه فهو ابنك وقضى به لها وجاء رجل إلى سليمان بن داود عليه الصلاة و السلام وقال يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي فلا أعرف السارق فنادى الصلاة جامعة ثم خطبهم وقال

في خطبته وإن أحدكم ليسرق أوز جاره ثم يدخل المسجد والريش على رأسه فمسح الرجل رأسه فقال سليمان خذوه فهو صاحبكم
وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة وكان شابا جميلا فأرسلت إليهما أن يحضرا عندها فحضرا وجلست بحيث تراهما وتسمع كلامهما فلما رأى المغيرة ذلك الشاب وعاين جماله علم أنها تؤثره عليه فأقبل على الفتى وقال لقد أوتيت جمالا فهل عندك غيره هذا ؟ قال نعم فعدد محاسنه ثم سكت فقال له المغيرة كيف حسابك مع أهلك ؟ قال ما يخفى علي منه شيء وإني لأستدرك منه أدق من الخردل فقال المغيرة لكني أضع البدرة في بيتي فينفقها أهلي على ما يريدون فلا أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها فقالت المرأة والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إلى من هذا الذي يحصي علي مثقال الذرة فتزوجت المغيرة
وبلغ عضد الدولة أن قوما من الأكراد يقطعون الطريق ويقيمون في جبال شامخة ولا يقدر عليهم فاستدعى بعض التجار ودفع إليه بغلا عليه صندوقان فيهما حلوى مسمومة كثيرة الطيب في ظروف فاخرة ودنانير وافرة وأمره أن يسير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية لأحد نساء الأمراء ففعل التاجر ذلك وسار أمام القافلة فنزل القوم فأخذوا الأمتعة والأموال وانفرد أحدهم بالبغل وصعد به الجبل فوجد به الحلوى فقبح على نفسه أن ينفرد بها دون أصحابه فاستدعاهم فأكلوا على مجاعة فماتوا عن آخرهم وأخذ أرباب الأموال أموالهم
وأتي لبعض الولاة برجلين قد اتهما بسرقة فأقامهما بين يديه ثم دعى بشربة ماء فجئ له بكوز فرماه بين يديه فارتاع أحدهما وثبت الآخر فقال للذي ارتاع اذهب إلى حال سبيلك وقال للآخر أنت أخذت المال وتلذذت به وتهدده فأقر فسئل عن ذلك فقال إن اللص قوي القلب والبرئ يجزع ولو تحرك عصفور لفزع منه
وقصد رجل الحج فاستودع إنسانا مالا فلما عاد طلبه منه

فجحده المستودع فأخبر بذلك القاضي أياسا فقال أعلم بأنك جئتني قال لا قال فعد إلي بعد يومين ثم إن القاضي إياسا بعث إلى ذلك الرجل فأحضره ثم قال له أعلم أنه قد تحصلت عندي أموال كثيرة لأيتام وغيرهم وودائع للناس وإني مسافر سفرا بعيدا وأريد أن أودعها عندك لما بلغني من دينك وتحصين منزلك فقال حبا وكرامة قال فاذهب وهيئ موضعا للمال وقوما يحملونه فذهب الرجل وجاء صاحب الوديعة فقال له القاضي إياس امض إلى صاحبك وقل له إدفع إلي مالي وإلا شكوتك للقاضي أياس فلما جاء وقال له ذلك دفع إليه ماله واعتذر إليه فأخذه وأتى إلى القاضي إياس وأخبره ثم بعد ذلك أتى الرجل وتبعه الحمالون لطلب الأموال التي ذكرها له القاضي فقال له القاضي بعد أن أخذ الرجل ماله منه بدا لي ترك السفر امض لشأنك لا أكثر الله في الناس مثلك ولما أراد شيرويه قتل أبيه ابرويز قال إبرويز للداخل عليه ليقتله إني لأدلك على شيء فيه غناك لوجوب حقك علي قال وما هو ؟ قال الصندوق الفلاني فلما قتله وذهب إلى شيرويه وأخبره الخبر فأخرج الصندوق فإذا فيه حق فيه حب ورقعة مكتوب فيها من تناول منه حبة واحدة افتض عشرة أبكار وكان لشيرويه غرام في الباه فتناول منه حبة فهلك من ساعته فكان أبرويز أول مقتول أخذ بثأره من قاتله ولما بايع الرشيد لأولاده الثلاثة بولاية العهد تخلف رجل مذكور من الفقهاء فقال له الرشيد لم تخلفت ؟ فقال عاقني عائق فقال اقرأوا عليه كتاب البيعة فقال يا أمير المؤمنين هذه البيعة في عنقي إلى قيام الساعة فلم يفهم الرشيد ما أراد وظن أنه إلى قيام الساعة يوم الحشر وما أراد الرجل إلا قيامه من المجلس وقال المغيرة بن شعبة لم يخدعني غير غلام من بني الحرث بن كعب فإني ذكرت امرأة منهم لأتزوجها فقال أيها الأمير لا خير لك فيها فقلت ولم ؟ قال رأيت رجلا يقبلها فاعرض عنها فتزوجها الفتى فلمته وقلت ألم تخبرني أنك رأيت رجلا يقبلها ؟ قال نعم رأيت أباها يقبلها وأتى رجل إلى الأحنف فلطمه فقال ما حملك على هذا ؟ فقال جعل

لي جعل على أن ألطم سيد بني تميم فقال لست بسيدهم عليك بحارثة ابن قدامة فانه سيدهم فمضى إليه فلطمه فقطعت يده
وقال الشعبي وجهني عبد الملك إلى ملك الروم فقال لي من أهل بيت الخلافة أنت ؟ قلت لا ولكني رجل من العرب فكتب إلى عبد الملك رقعة ودفعها إلي فلما قرأها عبد الملك قال لي أتدري ما فيها ؟ قلت لا قال فيها " العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف يولون أمرهم غيره " قال أتدري ما أراد بهذا ؟ قلت لا قال حسدني عليك فأراد أن أقتلك فقلت إنما كبرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يترك شيئا إلا سألني عنه وأنا أجيبه فبلغ ملك الروم ما قاله عبد الملك للشعبي فقال لله أبوه ما عدا ما في نفسي ولما ولي عبد الملك بن مروان أخاه بشرا الكوفة وكان شابا ظريفا غزلا بعث معه بن زنباع وكان شيخا متورعا فثقل على بشر مرافقته فذكر ذلك لندمائه فتوصل بعض ندمائه إلى أن دخل بيت روح بن زنباع ليلا في خفية فكتب على حائط قريب في مجلسه هذه الأبيات
( يا روح من لبنيات وأرملة ... إذا نعاك لأهل المغرب الناعي )
( إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل بنفسك يا روح بن زنباع ) فتخوف من ذلك وخرج من الكوفة فلما وصل إلى عبد الملك أخبره بذلك فاستلقى على قفاه من شدة الضحك قال ثقلت على بشر وأصحابه فاحتالوا لك
ومن الحيل الطريفة ما حكي أن النبي لما فتح خيبر وأعرس بصفية وفرح المسلمون جاءه الحجاج بن علاط السلمي وكان أول من أسلم في تلك الأيام وشهد خيبر فقال يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة ولي مال متفرق عند تجار مكة فأذن لي يا رسول الله في العود إلى مكة

أسبق خبر إسلامي إليهم فإني أخاف إن علموا بإسلامي أن يذهب جميع مالي بمكة فأذن لي لعلي أخلصه فأذن له رسول الله فقال يا رسول الله إني احتاج إلى أن أقول فقال له رسول الله قل وأنت في حل قال الحجاج فخرجت فلما انتهيت إلى الثنية ثنية البيضاء وجدت بها رجالا من قريش يتسمعون الأخبار وقد بلغهم أن رسول الله سار إلى خيبر فلما أبصروني قالوا هذا لعمر الله عنده الخبر أخبرنا يا حجاج فقد بلغنا أن القاطع يعنون محمدا قد سار إلى خيبر قال قلت إنه سار إلى خيبر وعندي من الخبر ما يسركم قال فأحدقوا حول ناقتي يقولون إيه يا حجاج ؟ قال فقلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وأسر محمد وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال فصاحوا بمكة قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم قال فقلت أعينوني على جمع مالي من غرمائي فإني أريد أن اقدم خيبر فأغنم من ثقل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك فقاموا معي فجمعوا لي مالي كأحسن ما أحب فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أقبل علي حتى وقف إلى جانبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به ؟ قال فقلت وهل عندك حفظ لما أودعه عندك من السر ؟ فقال نعم والله قال قلت استأخر عني حتى الفاك على خلاء فإني في جمع مالي كما ترى فانصرف عني حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت على الخروج لقيت العباس فقلت له احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى أن يتبعوني فاكتم على ثلاثة أيام ثم قل ماشئت قال لك علي ذلك قال قلت والله ما تركت ابن أخيك إلا عروسا على ابنة ملكهم يعني صفية وقد افتتح خيبر وغنم ما فيها وصارت له ولأصحابه قال أحق ما تقول يا حجاج ؟ قال قلت أي والله ولقد أسلمت وما جئت إلا مسلما لآخذ مالي خوفا من أن أغلب عليه فإذا مضت ثلاثة فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب قال فلما كان في اليوم الرابع لبس العباس حلة له وتخلق بالطيب

وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله هو التجلد لحر المصيبة قال كلا والذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنه ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه قالوا من جاءك بهذا الخبر ؟ قال الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله وانطلق ليلحق محمدا وأصحابه ليكون معهم قالوا تفلت عدو الله أما والله لو علمنا به لكان لنا وله شأن قال ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك فتوصل الحجاج بفطنته واحتياله إلى تخليصه وتحصيل
ماله ولما اجتمعت الاحزاب على حرب رسول الله عام الخندق وقصدوا المدينة وتظاهروا وهم في جمع كثير وجم غفير من قريش وغطفان وقبائل العرب وبني النضير وبني قريظة من اليهود ونازلوا رسول الله ومن معه من المسلمين واشتد الأمر واضطرب المسلمون وعظم الخوف على ما وصفه الله تعالى في قوله تعالى ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) فجاء نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني إلى رسول الله فقال يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال له رسول الله خذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية فقال يا بني قريظة قد علمتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم فإن البلد بلدكم وبه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان قد جاؤا الحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وأموالهم وأولادهم ونساؤهم بغير بلدكم وليسوا مثلكم لأنهم إن رأوا فرصة إغتنموها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل

ببلدكم ولا طاقة لمن به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديهم ثقة لمن على أن تقاتلوا معهم محمدا قالوا أشرت بالرأي ثم أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب وكان إذ ذاك قائد المشركين من قريش ومن معه من كبراء قريش قد علمتم ودي لكم وفراقي محمدا وإنه قد بلغني أمر وأحببت أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموه علي قالوا نعم قال اعلموا أن معشر يهود بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه يقولون إنا قد ندمنا على نقض العهد الذي بيننا وبينك فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنسلمهم إليك فتضرب رقابهم ثم نكون معك على من بقي منهم فنستأصلهم فأرسل يقول نعم فان بعث إليكم يهود بني قريظة يلتمسون منكم رهائن من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو ورؤس بني غطفان إلى بني قريظة يقولون لهم إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر فاعتدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ فيما بيننا وبينه فأرسلوا يقولون لهم إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى إن دهمتكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجال في بلدنا ولا طاقة لنا به فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بني قريظة يقولون إنا لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فان كنتم تريدون القتال فأخرجوا وقاتلوا فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل إن الكلام الذي ذكره نعيم بن مسعود لحق وما يريد القوم إلا أن تقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك شمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم فخذل الله تعالى بينهم وأرسل

عليهم الريح فتفرقوا وارتحلوا وكان هذا من لطف الله تعالى أن ألهم نعيم بن مسعود هذه الفتنة وهداه إلى اليقظة التي عم نفعها وحسن وقعها
وأما ما جاء في التيقظ والتبصر في الأمور فقد قالت الحكماء من أيقظ نفسه وألبسها لباس التحفظ أيس عدوه من كيده له وقطع عنه أطماع الماكرين به وقالوا اليقظ حارس لا ينام وحافظ لا ينسام وحاكم لا يرتشى فمن تدرع بها أمن من الاختلال والغدر والجور والكيد والمكر وقيل إن كسرى أنو شروان كان أشد الناس تطلعا في خفايا الأمور وأعظم خلق الله تعالى في زمانه تفحصا وبحثا عن أسرار الصدور وكان يبث العيون على الرعايا والجواسيس في البلاد ليقف على حقائق الأحوال ويطلع على غوامض القضايا فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب والمصلح فيجازيه الاحسان ويقول متى غفل الملك عن تعرف ذلك فليس له من الملك إلا اسمه وسقطت من القلوب هيبته
وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ليلة من الليالي يطوف يتفقد أحوال المسلمين فرأى بيتا من الشعر مضروبا فلم يكن قد رآه بالأمس فدنا من ه فسمع فيه أنين امرأة ورأى رجلا قاعدا فدنا منه وقال له من الرجل ؟ فقال له رجل من البادية قدمت إلى أمير المؤمنين لأصيب من فضله قال فما هذا الأنين ؟ قال امرأة تتمخض قد أخذها الطلق قال فهل عندها أحد ؟ قال لا فانطلق عمر لرجل لا يعرفه فجاء إلى منزله فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بنت فاطمة الزهراء رضي الله عنهما هل لك في أجر قد ساقه الله تعالى لك ؟ قالت وما هو ؟ قال امرأة تتمخض ليس عندها أحد قالت إن شئت قال فخذي معك ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن وائتني بقدر وشحم وحبوب فجاءت به فحمل القدر ومشت خلفه حتى أتى البيت فقال ادخلي إلى المرأة ثم قال للرجل أوقد لي نارا ففعل فجعل عمر ينفخ

النار ويضرمها والدخان يخرج من خلال لحيته حتى أنضجها وولدت المرأة فقالت أم كلثوم رضي الله عنها بشر صاحبك يا أمير المؤمنين بغلام فلما سمعها الرجل تقول يا أمير المؤمنين ارتاع وخجل وقال واخجلتاه منك يا أمير المؤمنين أهكذا تفعل بنفسك ؟ قال يا أخا العرب من ولي شيئا من أمور المسلمين ينبغي له أن يتطلع على صغير أمورهم وكبيره فإنه عنها مسؤول ومتى غفل عنها خسر الدينا والآخرة ثم قام عمر رضي الله عنه وأخذ القدر من على النار وحملها الى باب البيت وأخذتها أم كلثوم وأطعمت المرأة فلما استقرت وسكنت طلعت أم كلثوم فقال عمر رضي الله عنه للرجل قم الى بيتك وكل ما في البرمة وفي غد ائت الينا فلما أصبح جاءه فجهزه بما أغناه به وانصرف وكان رضي الله عنه من شدة حرصه على تعرف الأحوال وإقامة قسطاس العدل وإزاحة أسباب الفساد وإصلاح الأمة يعس بنفسه ويباشر أمور الرعية سرا في كثير من الليالي حتى أنه في ليلة مظلمة خرج بنفسه فرأى في بعض البيوت ضوء سراج وسمع حديثا فوقف على الباب يتجسس فرأى عبدا أسود قدامه إناء فيه مزر وهو يشرب ومعه جماعة فهم بالدخول من الباب فلم يقدر من تحصين البيت فتسور على السطح ونزل إليهم من الدرجة ومعه الدرة فلما رأوه قاموا وفتحوا الباب وانهزموا فمسك الأسود فقال له يا أمير المؤمنين قد أخطأت وإني تائب فاقبل توبتي فقال أريد أن أضربك على خطيئتك فقال يا أمير المؤمنين إن كنت قد أخطأت في واحدة فأنت قد أخطأت فقال يا أمير المؤمنين إن كنت قد أخطأت في واحدة فأنت قد أخطأت في ثلاث فان الله تعالى قال ( ولا تجسسوا ) وأنت تجسست وقال تعالى ( وأتوا البيوت من أبوابها ) وأنت أتيت من السطح وقال تعالى ( ولا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) وأنت دخلت وما سلمت فهب هذه لهذه وأنا تائب إلى الله تعالى على يدك أن لا أعود فأستتوبه فاستحسن كلامه

وله رضي الله تعالى عنه وقائع كثيرة مثل هذه
وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد سلك طريق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك وكان زياد بن أبيه يسلك مسلك معاوية في ذلك حتى نقل عنه أن رجلا كلمه في حاجة له وجعل يتعرف إليه ويظن أن زيادا لا يعرفه فقال أنا فلان ابن فلان فتبسم زياد وقال له أتتعرف إلي وأنا أعرف بك منك بنفسك ؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأعرف أمك وأعرف جدك وجدتك وأعرف هذه البردة التي عليك وهي لفلان وقد أعارك إياها فبهت الرجل وارتعد حتى كاد يغشى عليه
ثم جاء بعدهم من اقتدى بهم وهو عبد الملك بن مروان والحجاج ولم يسلك بعدهما ذلك الطريق واقتفى آثار ذلك الفريق إلا المنصور ثاني خلفاء بني العباس ولي الخلافة بعد أخيه السفاح وهي في غاية الاضطراب فنصب العيون وأقام المتطلعين وبث في البلاد والنواحي من يكشف له حقائق الأمور والرعايا فاستقامت له الأمور ودانت له الجهات ولقد ابتلي في خلافته بأقوام نازعوه وأرادوا خلعه وتمردوا عليه وتكاثروا فلولا أن الله تعالى أعانه بتيقظه وتبصره ما ثبت له في الخلافة قدم ولا رفع له مع قصد أولئك القاصدين علم لكنه بث العيون فعرف من انطوى على خلافه فعالجه باتلافه واطلع على عزائم المعاندين فقط رؤوس عنادهم بأسيافه وكان بكمال يقظته يتلقى المحذور بدفعه دون رفعه ويعاجل المخوف بتفريق شمله قبل جمعه فذلت له الرقاب ولانت لخلافته الصعاب وقرر قواعدها وأحكمها بأوثق الأسباب فمن آثار يقظته وفطنته ما نقله عنه عقبة الأزدي قال دخلت مع الجند على المنصور فارتابني فلما خرج الجند أدناني وقال لي من أنت ؟ فقلت رجل من الأزد وأنا من جند أمير المؤمنين قدمت الآن مع عمر ابن حفص فقال إني لأرى لك هيبة وفيك نجابة وإني أريدك لأمر وأنا به معنى فإن كفيتنيه رفعتك فقلت إني لأرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين فقال أخف نفسك واحضر في يوم كذا قال فغبت

عنه إلى ذلك اليوم وحضرت فلم يترك عنده أحدا ثم قال لي اعلم أن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيد ملكنا واغتياله ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم فخذ معك عينا من عندي وألطافا وكتبا واذهب حتى تأتي عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب فاقدم عليه متخشعا والكتب على ألسنة أهل تلك القرية والالطاف من عندهم إليه فإذا رآك فإنه سيردك ويقول لا أعرف هؤلاء القوم فاصبر عليه وعاوده وقل له قد سيروني سرا وسيروا معي ألطافا وعينا وكلما جبهك وأنكر أصبر عليه وعاوده واكشف باطن أمره قال عقبة فأخذت كتبه والعين والألطاف وتوجهت إلى جهة الحجاز حتى قدمت على عبد الله ابن الحسن فلقيته بالكتب فأنكرها ونهرني وقال ما أعرف هؤلاء القوم قال عقبة فلم أنصرف وعاودته القول وذكرت له اسم القرية وأسماء أولئك القوم وأن معي ألطافا وعينا فأنس بي وأخذ الكتب وما كان معي قال عقبة فتركته ذلك اليوم ثم سألته الجواب فقال أما كتاب فلا أكتب إلى أحد ولكن أنت كتابي إليهم فاقرئهم السلام وأخبرهم أن ابني محمدا وإبراهيم خارجان لهذا الأمر وقت كذا وكذا قال عقبة فخرجت من عنده وسرت حتى قدمت على المنصور فأخبرته بذلك فقال لي المنصور إني أريد الحج فإذا صرت بمكان كذا وكذا وتلقاني بنو الحسن وفيهم عبد الله فإني اعظمه وأكرمه وأرفعه وأحضر الطعام فإذا فرغ من أكله ونظرت إليه فتمثل بين يدي ووقف قدامه فإنه سيصرف وجهه عنك فدر حتى تقف من ورائه واغمز ظهره بابهام رجلك حتى يملأ عينيه منك ثم انصرف عنه وإياك أن يراك وهو يأكل ثم خرج المنصور يريد الحج حتى إذا قارب البلاد تلقاه بنو الحسن فأجلس عبد الله إلى جانبه وحادثه فطلب الطعام للغداء فأكلوا معه فلما فرغوا أمر برفعه فرفع ثم أقبل على عبد الله بن الحسن وقال يا أبا محمد قد علمت أن مما أعطيتني من العهود والمواثيق أنك لا تريدني بسوء ولا تكيد لي سلطانا قال فأنا على ذلك يا أمير

المؤمنين قال عقبة فلحظني المنصور بعينه وقمت حتى وفقت بين يدي عبد الله بن الحسن فاعرض عني فدرت من خلفه وغمزت ظهره بإبهام رجلي فرفع رأسه وملأ عينيه مني ثم وثب حتى جثى بين يدي المنصور وقال أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله فقال له المنصور لا أقالني الله إن لم أقتلك وأمر بحبسه وجعل يتطلب ولديه محمد وإبراهيم ويستعلم أخبارهما
قال علي الهاشمي صاحب غدائه دعاني المنصور يوما فإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها ويلك إصدقيني فوالله ما أريد إلا الألفة ولئن صدقتيني لأصلن رحمه ولأتبعن البر إليه وإذا هو يسألها عن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن أبي طالب وهي تقول لا أعرف له مكانا فأمر بتعذيبها فلما بلغ العذاب منها أغمي عليها فقال كفوا عنها فلما رأى أن نفسها كادت تتلف قال ما دواء مثلها ؟ قالوا شم الطيب وصب الماء البارد على وجهها وأن تسقى السويق ففعلوا بها ذلك وعالج المنصور بعضه بيده فلما أفاقت سألها عنه فقالت لا أعلم فلما رأى إصرارها على الجحود قال لها أتعرفين فلانة الحجامة فلما سمعت منه ذلك تغير وجهها وقالت نعم يا أمير المؤمنين تلك من بني سليم قال صدقت هي والله أمتي إبتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها وصيفها من عندي سيرتها وأمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أحوالكم وأخباركم ثم قال لها أتعرفين فلانا البقال ؟ قالت نعم يا أمير المؤمنين هو في بني فلان قال صدقت هو والله غلامي دفعت إليه مالا وأمرته أن يبتاع به ما يحتاج إليه من الأمتعة وأخبرني أن أمة لكم يوم كذا وكذا جاءت إليه بعد صلاة المغرب تسأله حناء وحوائج فقال لها ما تصنعين بهذا ؟ قالت كان محمد بن عبد الله بن الحسن في بعض الضياع بناحية البقيع وهو يدخل الليلة وأردنا هذا ليتخذ النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب فلما سمعت الجارية هذا الكلام من المنصور ارتعدت من شدة الخوف وأذعنت له بالحديث وحدثته بكل ما أراد والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثاني والستون في ذكر الدواب والوحوش والطير والهوام والحشرات وما أشبه ذلك مرتبا على حرف المعجم
( حرف الهمزة ) ( الأسد ) من السباع والأنثى أسدة وله أسماء كثيرة فمن أشهرها أسامة والحرث وقسورة والغضنفر وحيدرة والليث والضرغام ومن كناه أبو الأبطال وأبو شبل وأبو العباس وهو أنواع منها ما وجهه وجه إنسان وشكل جسده كالبقر وله قرون سود نحو شبر ومنه ما هو أحمر كالعناب وغير ذلك وتلده أمه قطعة لحم وتستمر تحرسه ثلاثة أيام ثم يأتي أبوه فينفخ فيه فتنفرج أعضاؤه وتتشكل صورته ثم ترضعه وتستمر عيناه مغلوقة سبعة أيام ثم تفتتح ويقيم على تلك الحالة بين أبيه وأمه إلى ستة أشهر ثم يتكلف الكسب بعد ذلك وله صبر على الجوع والعطش وعنده شرف نفس يقال أنه لا يعاود فريسته ولا يأكل من فريسة غيره ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب وفي ذلك يقول بعضهم
( سأترك حبكم من غير بغض ... وذاك لكثرة الشركاء فيه )
( إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه )
( وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه ) وإذا أكل نهش نهشا وريقه قليل جدا و لذلك يوصف بالبحر وعنده شجاعة وجبن وكرم فمن شجاعته الإقدام على الأمور وعدم الاكتراث بالغير ومن جبنه أنه يفر من صوت الديك والسنور

ويتحير عند رؤية النار ومن كرمه انه لا يقرب المرأة خصوصا إذا كانت حائضا وقيل أربع عيون تضئ بالليل عين الأسد وعين النمر وعين السنور وعين الأفعى
وروي أنه لما تلا رسول الله ( والنجم إذا هوى ) قال عتبة بن أبي لهب كفرت برب النجم يعني نفسه فقال رسول الله اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ينهشه فخرج مع أصحابه في عير الى الشام حتى إذا كانوا بمكان يقال له الزرقاء زأر الأسد فجعلت فرائصه ترتعد فقالوا له من أي شئ ترتعد فرائصك فوالله ما نحن وأنت إلا سواء ؟ فقال ان محمدا دعا علي و والله ما أظلت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه ثم جاء النوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم وجعلوه بينهم وناموا فجاء الأسد يتهمس وشمهم رجلا رجلا حتى إنتهى اليه فضغطه ضغطة كانت إياها فسمع وهو بآخر رمق يقول ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس ولبعضهم في الأسد
( عبوس شموس مصلخد مكابد ... جريء على الأقران للقرن قاهر )
( براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضى في وجهه الشر ظاهر )
( يديل بأنياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق عنها خناجر ) فائدة إذا أقبلت على واد مسبع فقل أعوذ بدانيال والجب من شر الأسد وسبب ذلك على ما قيل إن بختنصر رأى في نومه أن هلاكه يكون على يد مولود فجعل يأمر بقتل الأطفال فخافت أم دانيال عليه فجاءت الى بئر فألقته فيه فأرسل الله له أسدا يحرسه وقيل إن بختنصر توهم ذلك في دانيال فضري له أسدين وجعلهما في الجب وألقاه

فلم يؤذياه وصار يبصبصان حوله ويلحسانه فأقام ما شاء الله تعالى أن يقيم ثم اشتهى الطعام والشراب فأوحى الله تعالى إلى أرمياء بالشأم أن اذهب الى أخيك دانيال يحب كذا بمكان كذا قال أرمياء فسرت إلى ذلك الموضع فلما وقفت على رأس الجب ناديته فعرفني فقال من أرسلك إلي ؟ قلت أرسلني الله إليك بطعام وشراب فقال الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره والحمد لله الذي لا يخيب من قصده والحمد لله الذي وثق به لا يكله إلى غيره والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا وبالصبر نجاة وغفرانا والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تسوء ظنوننا بأعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا قال ثم صعد يه أرمياء من الجب وأقام عنده مدة ثم فارقه ورجع وحكي أن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام مر بقبر دانيال عليه الصلاة و السلام فسمع منه صوتا يقول سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت قال بعض الصالحين من قال هذه الكلمات استغفر له كل شئ
وحكي أن إبراهيم ين أدهم كان في سفره ومعه رفقة فخرج عليهم الأسد فقال لهم قولوا أللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واحفظنا بركنك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك وأنت رجاؤنا يا ألله يا ألله يا ألله قال فولى الأسد هاربا وقيل لما حمل نوح عليه الصلاة و السلام في سفينته من كل زوجين اثنين قال أصحابه كيف نطمئن ومعنا الأسج ؟ فسلط الله عليه الحمى وهي أول حمى نزلت في الأرض ثم شكوا اليه المعذرة فأمر الله تعالى الخنزير لا فعطس فخرج منه الفأر فلما كثر وزاد ضرره فشكوا ذلك لنوح عليه الصلاة واللام فأمر الله سبحانه وتعالى الأسد فعطس فخرج منه الهر فحجب الفأر عنهم ويحرم أكل السبع لنهيه عليه الصلاة و السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير

خواصه فمن خواصه أن صوته يقتل التماسيح وشحمه من طلى به يده لم يقربه سبع ومرارة الذكر منه تحل المعقود ولحمه ينفع من الفالج واذا وضعت قطعة من جلده في صندوق لم يقربه سوس ولا أرضة واذا وضع على جلد غيره من السباع تساقط شعره وهو من الحيوان الذي يعيش ألف سنة على ما ذكر وعلامة ذلك كثرة سقوط أسنانه
( الإبل ) قيل ما خلق الله شيئا من الدواب خير من الإبل إن حملت أثقلت وإن سارت أبعدت وإن حلبت أروت وإن نحرت أشبعت وفي حديث ( الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخيل معقود بنواصيها الخير الى يوم القيامة ) وهي من الحيوان العجيب وان كان عجبه قد سقط لكثرة مخالطته الناس وقد أطاعها الله للآدمي وغيره حتى قيل ان قطارا كان ببعض حبله دهن فمرت فأرة فجذبته فسار معها القطار بواسطة جذبها له وهي مراكب البر ولذلك قرنها الله تعالى بالسفن فقال تعالى ( وعليها وعلى الفلك تحملون ) ولما كانت مراكب البر والبر فيه ما ماؤه قليل وما ماؤه كثير جعل الله تعالى لها صبرا على العطش حتى قيل إنه يرتع ظمؤها الى عشر وفي الحديث ( لا تسبوا الإبل فانها من فنفس الله تعالى أي مما يوسع به على الناس ) حكاه ابن سيده والذي يعرف لا تسبوا الريح فانها من نفس الرحمن قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان ليس لشيء من الطحول مثل ما للجمل عند هيجانه فإنه يسوء خلقه فيظهر زبده ويقل رغاؤه فلو حمل عليه ثلاثة أضعاف عادته حمل ويقل أكله ويخرج له عند رغرئه شقشقة لا تعرف من أي شيء هي من أجزائه وهو من الأحرار حتى قيل إنه لا ينزو لا على أمه ولا على أخته حتى قيل إن بعض العرب ستر ناقته بثوب ثم أرسل عليها ولدها فلما عرف ذلك عمد إلى أحليله فأكله ثم حقد على صاحبه حتى قتله وليس له مرارة ولذلك كثر صبره وقيل يوجد على كبده شيء رقيق يشبه المرارة ينفع الغشاوة

في العين كحلا وفي معدته قوة حتى أنها تهضم الشوك وتستطيبه ويحل أكله بالنص والإجماع وأما تحريم يعقوب عليه الصلاة و السلام أكلها فباجتهاد منه وذلك أنه كان يسكن البوادي فاشتكى عرق النسا فلم يجد ما يل ائمه إلا ترك أكل لحومها فلذلك حرمها وأما انتقاض الوضوء بأكل لحمها فاختلف العلماء في ذلك فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض وعليه الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبي وابن عباس وأبوا الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين وبه أخذ مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وخالف في ذلك أحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي وهو مذهب الشافعي القديم
خواصه قال ابن زهير وغيره أكل لحمه يزيد في الباه وفي الإنعاظ بعد الجماع وبوله يفيق السكران ووبره إذا أحرق وذر على دم سائل قطعه وقراده إذا ربط على كم عاشق يزول عشقه
( الأرضة ) بفتح الهمزة والراء دويبة صغيرة كنصف العدسة تأكل الخشب والورق ولما كان فعلها في الأرض أضيف اسمها إليها قال القزويني إذا أتى على الأرضة سنة نبت لها جناحان طويلان تطير بهما ويقال إنها الدبةالتي دلت الجن على موت سليمان عليه الصلاة و السلام ومن شأنها أنها تبني لنفسها بيتا من عيدان تجمعها مثل بيت العنكبوت منخرطا من أسفله إلى أعلاه وله في إحدى جهاته باب مربع ومنه تعلم الأوائل وضع النواويس لموتاهم والنمل عدوها وهو أصغر منها فيأتي من خلفها ويحتملها ويمشي بها إلى حجره لأنه إذا أتاها مستقبلا لا يغلبها
( الأرنب ) حيوان شبه العناق قصير اليدين طويل الرجلين يطأ الأرض على مؤخر قدميه وهو اسم يطلق على الذكر والأنثى وله شدة شبق وربما تسفد وهي حبلى ويكون عاما ذكرا وعاما أنثى ومن عجائبها أنها

تنام وعيناها مفتوحتان فيأتي الصياد فيظنها مستيقظة قيل من رأى أرنبا عند خروجه من بيته أول ما يخرج أو رآه عند قيامه من نومه واصطبح به لم تقض له حاجة في ذلك اليوم ومن عجيب أمره أن تحمل الأنثى منه باثنين وثلاثة وأربعة ولا تلد إلا تحت الأرض خوفا على أولادها من الإنسان وتحفر تحت الأرض الحفائر القوية حتى أنها تخرب الجدران وعند ولادتها ينتحل شعرها وهي تحضن الأولاد إلى عشرين يوما ومن طبعه إنه أبله وفيه قوة وشدة وفي سفاده حالة نزوة يصرخ الذكر والأنثى كالسنانير فإدا وقع منع الإنزال وقع على الأرض قليل الحركة وعند سفاده تدير له وجهها فإذا ملكها بعد ذلك فإنها تجري به وهو راكب عليها ويجري معها
فائدة ذكر ابن الأثير في الكامل أن صديقا له أصطاد أرنبا وله أنثيان وذكر وفرج وقيل التقطت الأرنب تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يتخاصمان إلى الضب فقالت الأرنب يا أبا حسل فقال سميعا دعوت قالت أتيناك لنختصم قال عادلا وحكيما قالت فاخرج إلينا قال في بيته يؤتى الحكم قالت إني وجدت تمرة حلوة قال فكليها قالت اختلسها الثعلب قال لنفسه بغي الخير قالت فلطمته قال بحقك أخذت قالت فلطمني قال اقتص قالت فاقض بيننا قال قد قضيت فذهبت أقواله أمثالا
ومن ذلك ما حكي أن عدي بن أرطأة أتى شريحا القاضي في مجلس حكمه فقال له أين أنت ؟ قال بينك وبين الحائط قال فاسمع مني قال للاستماع جلست قال إني تزوجت امرأة قال بالرفاه والبنين قال فشرط أهلها أن لا أخرجها من بينهم قال أوف لهم بالشرط قال فأنا أريد الخروج قال الشرط أملك قال أريد أن أذهب قال في حفظ الله قال فاقض بيننا قال قد فعلت قال فعلى من قضيت ؟ قال على ابن أمك قال بشهادة من ؟ قال ؟ بشهادة ابن أخت خالك
الخواص قال الجاحظ من علق عليه كعب أرنب لم تضره عين ولا

سحر وأكل دماغه يبرئ من الارتعاش العارض من البرد وإن شربت المرأة الحامل أنفحة الذكر ولدت ذكرا وإن شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى وإن علقت عليها زبلها لم تحمل والأرنب البحري من السموم فلا يحل أكله
( سقنقور ) دابة شكلها كالوزغة إذا أخذت وسلخت وملحت وشربت منها مثقال زاد في الباه وهر من الأشياء النفيسة عند أهل الهند يقال إنه يهدى إليهم فيذبحونه بسكين من الذهب ويحشونه من ملح مصر فإذا وضعوا منه مثقالا على لحم أو بيض نفع نفعا عظيما ( الأفعى ) الأنثى من الحيات والذكر أفعوان وهو يعيش ألف سنة على ما يقال ويعرف بالشجاع والأسود وهو أشر الحيات وأشرها حيات وأفاعي سجستان ومن عجيب ما يحكى عنها أنها لدغت إنسانا في رجله فانصدعت جبهته
وحكي أنها نهشت ناقة وفصيلها يرضع فمات قبل أمه وقيل لما دخل شبيب بن شبة على المنصور قال له يا شبيب أدخلت سجستان ؟ فقال له نعم قال صف لي أفاعيها قال يا أمير المؤمنين هي دقاق الأعناق صغار الأذناب مقلصة الرؤوس رتش برش كأنما كسين أعلام الحبرات كبارهن حتوف وصغارهن سيوف وقيل إنها تتدفن في التراب أربعة أشهر في البرد ثم تخرج وقد أظلمت عيناها فتمر بشجر الرازيانج وهو الشمر الأخضر فتحك عينيها به فيرجع إليها بصرها فسبحان من ألهمها ذلك وقال الزمخشري إذا عميت الأفعى بعد ألف سنة ألهما الله تعالى أن تأني البساتين وتلقي نفسها على هذه الشجرة وتحك عينيها بها فتبصر وقيل إذا قطع ذنبها عاد منا كان وإذا قلع نابها عاد بعد ثلاثة أيام وهي أعدي عدو للانسان وقال بعضهم رأيت حية قد ابتلعت كبشا عظيم القرنين فجعلت تضرب به الحجارة يمينا ويسارا حتى كسرت القرنين وابتلعته وقرنيه والله تعالى أعلم وقيل إذا قطع ذنب الحية تعيش إن سلمت من الذر وقيل إن بالحبشة حيات لها أجنحة تطير بها وقيل إن جلدها ينسلخ عنها في

كل سنة مرة وقيل إن الجلد لا ينسلخ وإنما الذي ينسلخ قشر فوق الجلد وغلاف يخلق لها كل عام وهي تبيض على عدد أضلاعها أي ثلاثين بيضة فيجتمع عليها النمل فيفسدها بقدرة الله تعالى إلا نادرا ومن عجيب أمرها أنها لا ترد المرء ولا ترده ولكنها إذا شمت رائحة الخمر فلا تكاد تصبر عنه مع أنه سبب هلاكها لأنها إذا شربت سكرت فتعرضت للقتل والذكر لا يقيم في الموضع وإنما تقيم الأنثى لأجل فراخها حتى تكتسب قوة فإذا قويت أخذتهم وإنسابت فأي جحر وجدته دخلت فيه وأخرجت صاحبه منه وعينها لا تدور وإذا قلعت عادت ومن عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتقرب منها وتحب اللبن حبا شديدا وإذا دخلت بصدرها في جحر لا يستطيع أقوى الناس إخراجها منه ولو قطعت قطعا وليس لها قوائم ولا أظفار وإنما تقوى بظهرها لكثرة أضلاعها
وحكى عمر بن يحيى العلوي قال كنا في طريق مكة فأصاب رجلا منا استسقاء فاتفق العرب أن سرقوا منا فطار جمال على أحدها ذلك الرجل قال ثم بعد أيام جمعتنا المقادير فوجدته قد برئ فسألناه عن حاله فقال إن العرب لما أخذوني جعلوني في أواخر بيوتهم فكنت في حالة أتمنى فيها الموت وبينما أنا كذلك إذ أتوا يوما بأفاعي اصطادوها وقطعوا رؤوسها وأذنابها وشووها بعد ذلك فقلت في نفسي هؤلاء إعتادوها فلا تضرهم فلعلي إن أكلت منها مت فاسترحت فاستطعمتهم فأطعموني واحدة فلما استقرت في بطني أخذني النوم فنمت نوما ثقيلا ثم استيقظت وقد عرقت عرقا شديدا واندفعت طبيعتي نحو مائة مرة فلما أصبحت وجدت بطني قد ضمر وقد انقطع الألم فطلبت منهم مأكولا فأكلت وأقمت عندهم أياما فلما نشطت ووثقت من نفسي بالحركة أخذت في الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة
فائدة قيل إن الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى وإنما وجد في زمانه وسببه أن كسرى كان ذات يوم جالسا في بعض متفرجاته إذا

جاءته حية فانسابت ين يديه وتمرغت وصارت تتقلق مثل الذي يشتكي فأراد بعض الجند قتلها فمنعهم الملك ثم قال لهم انظروا أمرها فلما سمعت ذلك انسابت بين يديه فأمرهم أن يتبعوها إلى المكان الذي تريده قال فجاءت إلى بئر وصارت تنظر فيه قال فنظروا فإذا فيه حية عظيمة وعلى ظهرها عقرب أسود فنخسها بعضهم برمح فقتلها وتركوها ورجعوا فأخبروا الملك بذلك فلما كان الغد جاءت الحية للملك وفي فمها بزر فنثرته بين يدي الملك وذهبت فقال الملك إنها أرادت مكافأتنا اجعلوه في الأرض لننظر ما يكون من أمره قال ففعلوا ذلك فطلع منه الريحان قال فلما انتهى أمره أتوا به إلى الملك قال وكان به زكام فشمه فبرئ
لطيفة من غريب ما اتفق لعماد الدولة أنه لما ملك شبراز اجتمع عليه أصحابه وطلبوا منه مالا ولم يكن عندهم ما يرضيهم به فاغتم لذلك ونام مستلقيا على قفاه مفكرا في ذلك وإذا بحية عظيمة خرجت من سقف ذلك المجلس ودخلت في سقف آخر قال فطلب سلما وصعد لينظر المكان الذي خرجت منه فلما رآه وجد كوة فنطر في داخلها فإذا هي مطمورة فدخلها فوجد فيها صندوقا فيه خمسمائة ألف دينار فأمر بإخراجه وإنفاقه على عسكره
ومن ألطف ما اتفق له أيضا أنه كان بتلك البلد خياط أطروش وكان الملك الذي قبله قد أودع عنده وديعة مال قال فطلبه عماد الدولة ليخيط له على عادته لأنه هو الذي يخيط للملوك قال فتوهم الأطروش أنه غمز عليه بسبب الوديعة فلما حضر بين يدي عماد الدولة قال له إن فلانا الملك لم يدع عندي سوى اثني عشر صندوقا ولم أدر ما فيها فأمر باحضارها فأحضرها فأخذها عماد الدولة ووسع بها على جنده وتعجب من هاتين القضيتين فكانت هذه الأسباب من دلائل السعادة له وأمر النبي بقتل الحيات بعد أن تنذر ثلاث مرات وقيل ثلاثة أيام وأما سكان البيوت

فالانذار لها متعين وفي الحديث " من قتل حية فكأنما قتل مشركا ومن لبس خفا فلينفضه ومن آوى إلى فراشه فلينظفه
الخواص يقال أن دمها يجلو البصر وقلبه إذا علق على إنسان لا يؤثر فيه السحر وضرسها إذا علق على من به وجع الضرس سكن الأيمن للأيمن والأيسر للأيسر ولحمها قال بقراط الحكيم من أكله أمن من الأمراض الصعبة
( الأنيس ) وتسميه الرماة الأنسية لأنه من طيور الواجب عندهم وهو طير له لون حسن غذاؤه الفاكهة ومأواه الأنهار والبساتين والغياض وله صوت حسن كالقمري ( الأوز ) طير السباحة وفراخه تخرج من البيضة تسبح
الخواص في جوفه حصاة تنفع المبطون ودهنه ينفع من ذات الجنب وداء الثعلب إذا طلي به ولسانه ينفع لقطار البول وغذاؤه جيد إلا أنه بطيء الهضم ( الإيل ) بتشديد الياء المكسورة ذكر الوعل وله أسماء باختلاف اللغات وهو يشبه بقر الوحش وإذا خاف من الصياد رمى بنفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك وإذا لسعته حية ذهب إلى البحر فأكل السرطان فيشفى
خواصه إن السمك يحب رؤيته وهو يحب ذلك ولذلك أكثر ما يكون بقرب البحر والصيادون يعرفون ذلك فيلبسون جدله ليراهم السمك فيأتي لهم وهو مولع بأكل الحيات وربما لسعته فتسيل دموعه تحت محاجر عينيه حتى تصير نفرتين من كثرة ذلك ثم تجمد تلك الدموع فتصير كالشمع فتؤخذ وتجعل دواء للسم وهو الذي يسمى بالبنزهير الحيواني وأجوده الأصفر وأكثر ما يكون ببلاد الهند والسند وفارس وإذا وضع على لسعة الحيات أبرأها وإن وضعه الملسوع في فيه نفعه وهذا الحيوان لا تنبت قرناه إلا بعد سنتين وينبتان في أول الأمر مستقيمين

ثم بعد ذلك يحصل فيهما التشعب ولا يزال يزيد إلى ست سنين فحينئذ يصيران كنخلتين ثم بعد ذلك يلقيهما في كل سنة مرة ثم ينبتان قال أرسطو وهذا النوع يصاد بالصفير والأصوات المطربة فإنه يحب الطرب والصيادون يشغلونه بذلك ويأتونه من ورائه فإذا رأوه قد استرخت أذناه وثبوا عليه وقرنه مصمت واحليله من عصب لا عظم فيه ولا لحم وهو من الحيوان الذي يزيد في السمن فإذا حصل له ذلك فر من مكانه خوفا من الصيادين وحكمه حل أكله
الخواص إذا بخر بقرنه البيت طرد الهوام التي فيه وإذا أحرق واستاك به الذي به صفرة الأسنان زال ذلك عنه ومن علق عليه شيء منه ذهب نومه ومن خواصه أن دمه يفتت الحصاة التي بالمثانة شربا والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
( حرف الباء الموحدة ) ( باز ) كنيته أبو الأشعث وهو من أشد الحيوان تكبرا وأضيقها خلقا قال القزويني إنها لا تكون إلا أنثى وذكرها من غيرها إما من جنس الحدأة أو الشواهين ولأجل ذلك تختلف ألوانها وهو أصناف منها البازي والباشق والشاهين والبيدق والبقر والبازي آخرها مزاجا لأنه لا يصبر على العطش فلذلك لا يفارق الماء والأشجار المتسعة والظل والظليل وهو خفيف الجناح سريع الطيران تكثر أمراضه من كثرة طيرانه لأنه كلما طار انحط لحمه وهزل وأحسن أنواعه ما قل ريشه واحمرت عيناه مع حدة فيهما قال الشاعر
( لو استضاء المرء في إدلاجه ... بعينه كفته عن سراجه ) ودونه الأزرق الأحمر العينين والأصفر دونهما ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين شديد الانحطاط من الجو غليظ الذراعين مع قصر فيهما

لطيفة من عجيب أمره أن الرشيد خرج ذات يوم للصيد فأرسل بازا فغاب قليلا ثم أتي وفي فمه سمكة فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل يا أمير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إن الجو معمور بأمم مختلفة الخلق وفيه دواب تبيض وتفرخ على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذوات ريش فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه ( باله ) سمكة عظيمة قال القزويني يقال إن طولها يبلغ خمسمائة ذراع وقال غيره خمسون ويقال لها العنبر وهي تظهر في بعض لأحايين لأصحاب المراكب فإذا رأوها طبلوا بالطبول حتى أنها تنفر لأن لها جناحين كالقناطر إذا نشرتها أغرقتهم فإذا بغت على حيوان البحر وزاد شرها أرسل الله عليها سمكة نحو الذراع تلتصق بأذنها ولا خلاص لها منهافتنزنل إلى قعر البحر وتضرب رأسها به حتى تموت ثم تطفو بعد ذلك فيقذفها الريح إلى الساحل فيأخذها أهله ويشقون جوفها ويستخرجون منها العنبر ( ببغاء ) هي أصناف كثيرة منها الأخضر والرمادي والأصفر والأبيض يتخذها الملوك والرؤساء لحسن لونها وصوتها وفصاحتها
حكي أنه أهدي لمعز الدولة درة بيضاء سوداء الرجلين والمنقار ويقال إن نوعا منها يقرأ القرآن
الخواص من أكل لسانها تفصح وإذا جفف دمها وجعل بين الصديقين حصلت بينهما الخصومة وزبلها يخلط بماء الحصرم ويكتحل به ينفع من الرمد وظلمة البصر ( بج ) طائر أبيض اللون يميل إلى الصفرة طويل المنقار كبير البطن أكثر أكله السمك ( يح ) طائر لطيف يأوي أطراف الماء وهو خلقة شريفة لم يوجد غالبا إلا اثنين فقط ( براق ) هو الدابة التي ركبها النبي وهو دون البغل وفوق الحمار أبيض اللون ( برذون ) نوع من الخيل دون الفرس العربي وفي الحديث أن النبي ركبه وكذا عمر رضي الله تعالى عنه فلما ركبه عمر جعل يتخلخل به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا أعلم والله علمك هذه الحيلاء ولم

يركب بزذونا قبله ولا بعده وكنيته أبو الأخطل لطول ذنبه وأنشد السراج الوراق في ذم البراذين يقول
( لصاحب الأحباس برذونة ... بعيدة العهد عن القرط )
( إذا رات خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطي )
( تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنما تكتب بالقبطي )
الخواص إذا شربت امرأة دمه لم تحبل أبدا وزبله يخرج المشيمة والجنين الميت وإذا جفف وذر منه على من به الرعاف انقطع رعافه وكذا الجرح ( برغوث ) تفتح منه الباء وتضم وكنيته أبو طامر وأبو عدي وأبو وثاب وهو يثب إلى ورائه
حكي أنه يعرض له الطيران كالنمل وهو يطيل السفاد ويبيض ويفرخ وأصله أولا من التراب لا سيما في الأماكن المظلمة وسلطانه في أواخر الشتاء وأول فصل الربيع ويقال أنه على صورة الفيل وله أنياب وخرطوم وقال بعضهم دبيبها من تحتي أشد من عضها وليس ذلك بدبيب ولكن البرغوث خبيث يستلقي على ظهره ويرفع قوائمه فيزغزغ بها فيظن من لا علم له أنه يمشي تحت جنبيه وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يفلي ثوبه فيلتقط البراغيث ويدع القمل فقال له أنس في ذلك فقال أبدأ بالفرسان وأكر على الرجالة وأنشد أعرابي
( ليل البراغيث أعياني وأنصبني ... لا بارك الله في ليل البراغيث )
( كأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوء أغاروا في المواريث ) وقال أبو الرماح الأزدي
( تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بوادي الغضى ليلي علي يطول )
( تؤرقني حدب قصار أذلة ... وإن الذي يؤذينه لذليل )

( إذا جلت بعض الليل منهن جولة ... تعلقن في رجلي حيث أجول )
( إذا ما قتلناهن أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهن قتيل )
( ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل ) وقال ابن أيبك الصفدي
( أشكو إلى الرحمن ما نالني ... من البراغيث الخفاف الثقال )
( تعصبوا بالليل لما دروا ... أني تقنعت بطيف الخيال ) ولا يسب البرغوث لما ورد أن النبي سمع رجلا يسب برغوثا فقال لا تسبه فإنه أيقظ نبيا إلى الصلاة الفجر
فائدة سئل مالك عن البرغوث من يقبض روحه فقال أله نفس قيل نعم قال الله يتوفى الأنفس حين موتها ولقد شكا عامل افريقية إلى عمر بن عبد العزيز شر الهام فكتب إليه إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقرأ ( وما لنا ألا نتوكل على الله ) الآية وقال حنين بن إسحاق الحيلة في دفع البرغوث أن تأخذ شيئا من الكبريت فتدخن به في البيت فإنها تفر من ذلك وقيل يرش البيت بماء السذاب وقيل مشاق المراكب يحرق في البيت مع قشور النارنج ( بعوض ) قيل إنه أكثر أعضاء منه فان للفيل أربعة أرجل وللبعوض ستة ويزيد عليه بأربعة أجنحة وله خرطوم مجوف نافذ فإذا طعن به جسد إنسان استقي الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو انسان يتبع مسام العروق فإنها أرق وأسرع له في اخراج الدم وعنده شره في مصه حتى قيل إنه لا يمص شيئا فيتركه باختياره إلى أن ينشق أو يطار ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع فيتركه طريحا وقال الجاحظ من علم البعوض إن وراء جلد الجاموس دما وأن ذلك الدم غذاء لها وأنها إذا طعنت في ذلك الجلد الغليظ نفذ فيه خرطومها مع ضعفه ولو أنك طعنت فيه بمسلات شديدة المتن رهيفة الحد لانكسرت فسبحان من رزقها على ضعفها بقوته وقدرته قال بعضهم

( أقول لنازل البستان طوبى ... لعيشك لم تشك فيه البعوض )
( يململه فليس له قرار ... ويثخنه فليس له نهوض )
( حماه قرصه وطنينه أن ... يبيت وعينه فيها غموض )
( كأنك حين تهدى بالأغاني ... تكر وفي مسامعك العروض )
ومن الحكم التي أودعها الله تعالى إياها أن جعل الله فيها قوة الحافظة والفكر وحاسة اللمس والبصر والشم ومنفذ الغذاء وجوفا وعروقا ومخا وعظاما فسبحان من قدر فهدى ولم يترك شيئا سدى وقال الزمخشري في تفسير سورة البقرة في ذلك
( يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل )
( ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ من تلك العظام النحل )
( ويرى خرير الدم في أوداجها ... متنقلا من مفصل في مفصل )
( ويرى وصول إذا الجنين ببطنها ... في ظلمة الأحشا بغير تمقل )
( ويرى مكان الوطء من أقدامها ... في سيرها وحثيثها المستعجل )
( ويرى ويسمع حس ما هو دونها ... في قاع بحر مظلم متهول )
( امنن علي بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول ) ( بغل ) معروف وكنيته أبو قموص وأبو حرون وله كنى غير ذلك كثيرة وهو مركب من الفرس والحمار ولذلك صار له صلابة الحمار وعظم الخيل وهو عقيم لا نسل له روى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن علي كرم الله وجهه أنها كانت تتناسل فدعا عليها إبراهيم الخليل لأنها كانت تسرع في نقل الحطب لنار

المنجنيق فقطع الله نسلها وهو أشر الطباع لأنه تجاذبه الاعراق المتضادة والاخلاق المتباينة والعناصر المتباعدة ومن العجيب أن كل عضو فرضته منه كان بين الفرس والحمار
الخواص يقال إن حافر البغلة السوداء ينفع لطرد الفار إذا بخر به البيت وإذا سحق حافره بعد حرقه وخلط بدهن الآس وجعل على رأس الاقرع نبت شعره وزبله إذا شمه المزكوم زال زكامه على ما ذكر
( بقر ) هو حيوان شديد القوة خلقه الله تعالى لمنفعة الانسان وهو أنواع الجواميس وهي أكثر ألبانا وكل حيون انائه أرق أصواتا من ذكوره إلا البقر وأنثاه يضربها الفحل في السنة مرة وإذا اشتد شبقها تركت المرعى وذهبت وإذا طلع عليها الفحل التوت تحته إذا أخطأ المجرى لشدة صلابة ذكره قال المسعودي رأيت بالري البقر تحمل كالبعير فتبرك على ركبتيها ثم تثور بالحمل ( عجيبة ) حكي في الأحياء أن شخصا كان له بقرة وكان يشوب لبنها بالماء ويبيعه فجاء السيل في بعض الأودية وهي واقفة ترعى فمر عليها فغرقها فجلس صاحبها يندبها فقال لها بعض بنيه يا أبت لا تندبها فان المياه التي نخلطها بلبنها اجتمعت فغرقتها
فائدة ذكر ابن الفضل في كتاب عن وهب ابن منبه أنه قال لما خلق الله تعالى الأرض ماجت واضطربت كالسفينة فخلق الله تعالى ملكا في نهاية العظم والقوة وأمره أن يدخل تحتها ويجعلها على منكبيه فدخل وأخرج يدا من المشرق ويدا من المغرب وقبض على أطراف الأرض وأمسكها ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق الله تعالى صخرة من ياقوتة حمراء في وسطها سبعة آلاف ثقب فخرج من كل ثقب بحر لا يعلم عظمه إلا الله تعالى ثم أمر الصخرة أن تدخل تحت قدمي الملك ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق الله تعالى ثورا عظيما يقال له كيوثاء له أربعة آلاف عين ومثلها أنوف وآذان وافواه وألسنة وقوائم ما بين كل قائمتين منها مسيرة خمسمائة عام وأمر الله تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه ثم لم يكن للثور قرار فخلق الله تعالى حوتا يقال له يهموت ثم أمره الله تعالى أن

يدخل تحته ثم جعل الحوت على ماء ثم جعل الماء على الهاء ثم جعل الهواء على ماء ايضا ثم جعل الماء على الثرى على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق
الخواص شحم البقر إذا خلط بزرنيخ أحمر طرد العقارب وإذا طلي به إناء اجتمعت البراغيث إليه وإذاشرب لبنها زاد في الانعاظ وقرنها إذا سحق وجعل في طعام صاحب الحمى فأكله زالت الحمى ومرارتها إذا خلطت بماء الكراث نفعت من البواسير طلاء وإذا طلي به عل الأثر الأسود في البدن ازاله وخصيه الفحل إذا جففت وسحقت وجعلت في عسل وأكلت فانها تزيد في الباه وشعرها إذا احرق واستيك به نفع من وجع الاسنان وإذا خلط مع السكنجيين وشرب نفع من الطحال على ما ذكر ( بومة ) وكنيتها أم الخراب وأم الصبيان ومن طبعها أن تدخل على كل ير في وكره وتأكل أفراخه ولمعاداة الطيور لها يجعلها الصيادون في أشراكهم حتى يقع عليها الطير ونقل المسعودي عن الجاحظ أن البرمة لا تخرج بالنهار خوفا من العين لأنها تظن أنها حسناء وهي أصناف وكلها تحب الخلوة بنفسها
الخواص من خواصها أنها تنام باحدى عينيها والاخرى مفتوحة فإذا أخذت المفتوحة وجعلت تحت فص خاتم فمن لبسه لم ينم ما دام في يده وعكسها المغموضة وإذا أردت معرفة ذلك فالقهما في الماء فالراسبة للنوم والطافية لليقظة وإذا أخذ قلب البومة وجعل على الي اليسرى من المرأة وهي نائمة تحدثت بجميع بجميع ما فعلته في نومها ( بوقير ) طير أبيض يأتي منه في كل سنة طائفة إلى جبل بالصعيد يقال له جبل الطير فيه كوة فتجخهل من تلك الكوة فيمسك منها شيء فان أمسكت واحدة كان ذل العام متوسط الخصب وان أمسكت اثنتين كان كثير الخصب وإن لم تمسك شيئا كانت السنة مجذبة وأهل تلك الناحية تعرف ذلك وهذا الجبل بالقرب من بلدة مارية أم ابراهيم ولد النبي
( حرف التاء ) ( تمساح ) حيوان عجيب على صورة الضب له فم واسع وفيه ستون نابا وقيل ثمانون وبين كل نابين سن صغيره وهي انثى في

ذكر إذا أطبق فمه على شيء لا يفلته حتى يخلعه من موضعه وله لسان طويل وظهر كالسلحفاة ولا يعمل الحديد فيه وله أربعة أرجل وذنب طويل وهو لا يوجد إلا بنيل مصر وقال المسافرون أنه يوجد ببحر الهند وطوله في الغالب ستة أذرع إلى عشرة في عرض ذراعين أو ذراع ويقيم في البحر تحت الماء أربعة أشهر لا يظهر وذلك في زمن الشتاء ويتغوط من فيه في الغالب ويحصل في فيه الدود فيؤذيه فيلهمه الله تعالى فيخرج إلى بعض الجزائر ويفتح فاه فيرسل الله تعالى له طيرا يقال له القطقاط فيدخل في فيه فيأكل ما فيه من الدود فيحصل له راحة فعند ذلك يطبق فمه على الطير ليأكله فيضربه بريشتين خلقهما الله تعالى في جناحيه كريشة الفصاد فيؤلمه فيفتح فاه فيخرج ولذلك يضرب به المثل فيقال جازه مجازاة التماح وزعم بعض الباحثين عن أحوال التمساح أن له ستين نابا وستين عرقا ويسفد ستين مرة ويبيض ستين بيضة ويحضن ذلك ستين يوما ويعيش ستين سنة فإذا أفرخ فما صعد لجبل صار ورلا وما نزل البحر صار تمساحا وفكه الأسفل لا يستطيع تحريكه لأن فيه عظما متصلا بصدره وإذا أراد السفاد أخذ انثاه وطلع بها إلى البر وقلبها وجامعها فإذا قضى حاجته قلبها ثانيا لأنه لو تركها على تلك الحالة بقيت حتى تموت وما ذلك إلا أنها لا تستطيع الانقلاب ليبوسة ظهرها وصلابته وقد سلط الله تعالى عليه أضعف الحيوان وهو كلب الماء يقال انه يتبلط بالطين ويغافل التمساح ويقذف بنفسه في فيه فيبتلعه لنعومته فإذا حصل في جوفه ذاب ا عليه من سخونة بطنه فيعمد إلى أمعائه فيقطعها ويقطع مراق بطنه فيقتله
الخواص عينه تشد على من به رمد اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى وشحمه إذا قطر في أذن من به صم نفعه
( تنين ) ضرب من الحيات وهو طويل كالنخلة السحوق وجسده كالليل أحمر العينين لهما بريق واسع الفم والجوف يبتلع الحيوان وأول أمره يكون حية متمردة ثم تطغى وتتسلط على حيوان البر فيستغيث منها فيأمر الله تعالى ملكا فيحملها ويلقيها في البحر فتقيم فيه مدة ثم تتسلط على حيوانه

فيستغيث منها إلى ربه فيأمر الله تعالى بإلقائها في النار فيعذب بها الكافرين وقيل يأمر الله تعالى بإلقائها على يأجوج ومأجوج وروى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول يسلط الله على الكافرين في قبره تسعه وتسعين تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة ولو أن تنينا نفخ على الأرض ما نبتت فيها خضراء
( حرف الثاء ) ( ثعلب ) وهو معروف ذو مكر وخديعة وله حيل في طلب الرزق فمن ذلك أن يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده وحيلته هذه لا تتم على كلب الصيد
ومن حيلته انه إذا تعرض للقنفذ نفش القنفذ شوكه فيسلح هو عليه فيلم شوكه فيقبض على مراق بطنه ويأكله وسلحه أنتن من سلح الحباري
ومن لطيف أمره أنه إذا تسلطت عليه البراغيث حملها وجاء إلى الماء وقطع قطعة من صوفه وجعلها في فيه ونزل في الماء والبراغيث تطير قليلا قليلا حتى تجمتع في تلك الصوفة فيلقيها في الماء ويخرج وفروه أدفى الفرا وفيه الأبيض والرمادي وغير ذلك وذكر في عجائب المخلوقات أنه أهدى إلى أبي منصور الساماني ثعلب له جناحان من ريش إذا قرب الانسان منه نشرهما وإذا بعد لصقهما
لطيفة ذكر ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء عن الشعبي أنه قال مرض الأسد فعادته السباع والوحوش ما خلا الثعلب فنم عليه الذئب فقال الأسد إذا حضر فاعلمني فلما حضر الثعلب أعلمه الذئب بذلك وكان قد أخبر بما قاله الذئب فقال الأسد أين كنت يا أبا الفوارس ؟ قال كنت أتطلب لك الدواء قال وأي شيء أصبته ؟ قال قيل لي خرزة في عرقوب أبي جعد قال فضرب الأسد بيده في ساق الذئب فأدماه ولم يجد شيئا فخرج ودمه يسيل على رجله وانسل الثعلب فمر به الذئب فناداه يا صاحب الخف الأحمر

قعدت عند ملوك فانظر ما يخرج منك فإن المجالس بالأمانات وقيل خرج الأسد والثعلب والذئب يتصيدون فاصطادوا حمار وحش وضبا وغزالا ثم جلسوا يقتسمون فقال الأسد للذئب اقسم علينا فقال حمار الوحش لي والغزال لأبي الحرث والضب للثعلب فضربه الأسد في فرضخمها فقال الثعلب أنا أقسم حمار الوحش لأبي الحرث يتغذى به والغزال لأبي الحرث يتعشى به والضب لأبي الحرث يتنقل به فيما بين ذلك فقال له الأسد لله درك من فرضي ما أعلمك بالفرائض من علمك هذا قال علمني التاج الأحمر الذي ألبسه هذا وأشار إلى الذئب
وحكي أن الثعلب مر في السحر بشجرة فرأى فوقها ديكا فقال له أما تنزل نصلي جماعة ؟ فقال إن الإمام نائم خلف الشجرة فأيقظه فنظر الثعلب فرأى الكلب فضرط وولى هاربا فناداه أما تأتي لنصلي ؟ فقال قد انتقض وضوئي فاصبر حتى أجدد لي وضوءا وأرجع
ومن العجيب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله والثعلب يصيد القنفذ فيأكله والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها والافعى تصيد العصفور والعصفور يصيد الجراد والجراد يصيد الزنابير والزنابير تصيد النحل والنحل تصيد الذباب والذباب يصيد البعوض والبعوض يصيد النمل والنمل يأكل كل ما تيسر من صغير وكبير فتبارك الله الذي أتقن ما صنع
الخواص رأسه إذا ترك في برج حمام هرب الحمام منه ونابه يشهد على الصبي بحسن خلقه ومرارته تجعل منها في أنف المصروع يبرأ ولحمه ينفع من اللقوة والجذام وخصيته تشد على الصبي تنبت أسنانه وفروه أنفع شيء للمربوط ودمه إذا جعل على رأس أقرع نبت شعره لذا كان دون بلوغ وطحاله يشد على من به وجع الطحال يبرأ ( ثعبان ) هو الكبير من الحيات ذكرا كان أو انثى وهو عجيب الشأن في هلاك بني آدم يلتوي على ساق الانسان فيكسرها وليس له عدو إلا النمس ولولا النموس لأكلت الثعابين أهل مصر

لطيفة قيل إن عبد الله بن جدعان كان في ابتداء أمره صعلوكا وكان شريرا يفتك ويقتل وكان أبوه يعقل عنه فضجر من ذلك وأراد قتله فخرج هاربا على وجهه فتوصل لجبل فوجد فيه شقا فدخل فيه فوجد في صدره شيا كهيئة الثعبان فدنا منه وقال لعله يثب علي فيقتلني وأستريح قال فدنا منه فوجده مصنوعا من ذهب وعيناه ياقوتتان ثم وجد من داخله بيتا فيه جثث طوال بالية على أسرة الذهب والفضة وعند رؤوسهم لوح مكتوب فيه تاريخهم وإذا بهم رجال من جرهم وفي وسط البيت كوم من الياقوت الأحمر والزمرد والذهب والفضة واللؤلؤ فأخذ منه قدر ما يحل وعلم الشق وذهب إلى قومه فأغناهم ورجع فلم يدر مكان الشق قال رسول الله لقد كنت أستظل بجفنة عند عبد الله بن جدعان من الهجير قالت عائشة يا رسول الله هل ينفعه ذلك شيئا ؟ قال لا لأنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
( حرف الجيم ) ( جراد ) حيوان معروف وليس له جهة مخصوصة وإنما يكون هائما هاربا وإذا أراد أن يبيض ذهب إلى بعض الصخور فضربها بذنبه فتنفرج له فيلقي بيضه فيها وله ستة أرجل وطرفا أرجله كالمنشار وهو ألوان عديدة وفيه خلقة عشرة من الجبابرة وجه فرس وعينا فيل وعنق ثور وقرنا إبل وصدر أسد وبطن عقرب وجناحا نسر وفخذ جمل ورجلا نعامة وذنب حية وهومن الحيوان الذي ينقاد إلى رئيسه كالعسكري إذا ظن أميره تتابع خلعه وفي الحديث ان جراده وقعت بين يدي رسول الله فإذا مكتوب على جناحها بالعبرانية نحن جند الله الأكبر ولنا تسعة وتسعون بيضة ولو تمت لنا المائة لاكلنا الدنيا بما فيها فقال عليه الصلاة و السلام " اللهم اقتل كبارها وأمت صغارها وأفسد بيضها وسد أفواهها عن مزارع المسلمين وعن معايشهم انك سميع الدعاء " قال فجاء جبريل فقال أنه قد استجيب لك في بعضها وفي الحديث أن رسول الله قال ان الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر وان أول هلاك هذه الامة الجراد فإذا هلك الجراد تتابعت الامم مثل الدر إذا قطع سلكه قيل

طعام يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام الجراد وقلوب الشجر وكان يقول من أنعم منك يا يحيى وقد أجمع المسلمون على أكل لحمه ومن خواصه إن الإنسان إذا تبخر به نفعه من عسر البول ( جرو ) بكسر الجيم وفتحها وضمها وهو الصغير من أولاد الكلاب والسباع وقد كان أمر بقتل الكلاب وسببه أن جبريل عليه السلام وعده ليأتيه فتأخر قال فلقيه النبي بعد ذلك فقال ما أخرك عن وعدك فقال ما تأخرت ولكن لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب فأمر بقتلها وروى مسلم والطبراني عن خولة بزيادة ولفظها أن جروا دخل تحت سرير لي بيته فمات فمكث النبي أياما لا يأتيه الوحي قال لعله حدث في البيت شيء فخرج للمسجد فنزل عليه الوحي قالت خولة فقمت للبيت فوجدت الكلب تحت السرير
عجيبة حكي أن رجلا لم يولد له ولدفكان يأخذ أولاد الناس فيقتلهم فنهته زوجته عن ذلك وقالت يؤاخذك الله بذلك فقال لو آخذ لفعل في يوم كذا وصار يعدد افعاله لها فقالت له إن صاعك لم يمتلئ ولو امتلأ آخذك قال فخرج ذات يوم وإذا بغلامين يلعبان ومعهما جرو فأخذهما الرجل ودخل البيت فقتلهما وطرد الجرو قال فطلبهما أبوهما فلم يجدهما فانطلق إلى نبي لهم فأخبره بذلك فقال ألهما لعبة كان يلعبان بها قال جرو كلب قال ائتني به فأتاه به فجعل خاتمه بن عينيه ثم قال له اذهب خلفه فأي بيت دخله ادخل معه فإن اولادك فيه قال فجعل الجرو يجوب الدروب والحارات حتى دخل بيت القاتل فدخل الناس خلفه وإذا بالغلامين متعفران بدمهما وهو قائم يحفر لهما مكانا يدفنهما فيه فامسكوه وأتوا به لنبيهم فأمر بصلبه فلما رأته زوجته على الخشبة قالت ألم أحذرك من هذا اليوم تقول ما تقول الآن امتلأ صاعك وسيأتي الكلام على الكلب في حرف الكاف إن شاء الله تعالى
( جعل ) دويبة معروفة تسمى أبا جعران والزعقوق يعض البهائم في وجهها فتهرب منه وهو أكبر من الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة للذكر قرنان يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس قيل إنه يتولد من أخثائها

شأنه جمع الروث وادخاره ومن عجيب أمره أنه إذا شم الورد مات ويعيش بعوده للروث وله جناحان لا يكادان يريان إلا إذا طار وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا وهو يمشي القهقري ومن طبعه أنه يحرس النيام فإذا قام أحدهم يتغوط تبعه ليأكل من رجعية وذلك من شدة شهوته للغائط
( حرف الحاء ) ( حجل ) طير فوق الحمامة أغبر اللون أحمر المنقار والرجلين يسمى دجاج البر وهو صنفان نجدي وتهامي النجدي أغبر والتهامي أبيض وله شدة الطيران وإذا تقاتل ذكر أن تبعث الانثى الغالب له شدة شبق وافراخه تخرج من البيض كاسية ويعمر في الغالب عشرين سنة وإذا قوي على غيره أخذ بيضه فحضنه ومن سر الله تعالى أنه إذا أفرخ ذلك البيض تبع الفرخ أمه التي باضته ومن طبعه أنه يخدع غيره في قرقرته ولذلك يتخذه الصيادون في إشراكهم
غريبة قيل أن أبا نضر بن مروان أكل مع بعض مقدمي الأكراد فأتى على سماطه بحجلتين مشؤيتين فلما رآها ضحك فقال مم تضحك ؟ قال كنت اقطع الطريق في عنفوان شبابي فمر بي تاجر فأخذته فلما أردت قتله تضرع إلي فلم أقتله فلما علم أنه لا بد لي من قتله التفت يمينا وشمالا فرأى حجلتين كانتا بقربنا فقال اشهدا لي أنه قاتلي ظلما فقتلته فلما رأيت هاتين الحجلتين تذكرت حمقه في استشهاده بهما فقال أبو نصر والله لقد شهدتا عليك عند من أقادك بالرجل ثم أمر به فضربت عنقه
الخواص لحمها جيدة معتدل الهضم ومرارتها تنفع الغشاوة في العين وإذا سعط بها إنسان في كل شهر مرة جاد ذهنه وقل نسيانه وقوي بصره ( حدأة ) بكسر الحاء وفتح الدال مع همزة أخس الطير وتبيض بيضتين وربما باضت ثلاثا وتحضن عشرين يوما ومن ألوانها الأسود والرمادي وهي لا تصيد الا خطفا وفي طبعها أنها تقف في الطيران وهي أحسن الطير مجاورة لانها اذا جاعت لاتأكل أفراخ جارها ويقال إنها طرشاء وفي طبعها

أنها لا تخطف من الجهة اليمنى لانها عسراء وهي سنة ذكر وسنة انثى كالأرنب
( عجيبة ) روى الحافظ السلفي في فضائل الأعمال أن عاصم بن أبي النجود شيخ القراء في زمانه قال أصابتني خصاصة فجئت الى بعض اخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة فخرجت من منزله الى الجبانة فصليت ما شاء الله ثم وضعت رأسي على الأرض وقلت يا سامع الأصوات يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك وأغنيني بفضلك عمن سواك قال فوالله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فإذا بحدأة قد طرحت كيسا أحمر فقمت فأخذته فإذا فيه ثمانون دينارا وجوهرة ملفوفة في قطن قال فاتجرت بذلك واشتريت لي عقارا وتزوجت
الخواص مرارتها تجفف في الظل وتنقع في إناء زجاج فمن لسع قطر منها في ذلك الموضع واكتحل مخالفا لجهة اللسع ثلاثة أميال أبرأته ودسمها إذا خلط بقليل من المسك وماء الورد وشرب على الريق نفع من ضيق النفس وإذا وضع في بيت لم تدخله حية ولا عقرب
( حرباء ) دويبة صغيرة على هيئة السمك ورأسها تشبه رأس العجل إذا رأت الإنسان انتفشت وكبرت ولها أربعة أرجل وسنام كهيئة الجمل ولها كنى كثيرة منها أم قرة ويقال لها جمل اليهود وهي أبدا تطلب الشمس فمن أجل ذلك يقال انها مجوسية وتستقبلها بوجهها وتدور معها كيفما دارت فإذا غابت الشمس أخذت في كسبها ومعاشها ويقال إن لسانها طويل نحو ذراع وهو مطوي في حلقها فذلك تخطف به ما بعد عنها من الذباب وتبتلعه والانثى من هذا النوع تسمى أم حبين ويقال أن الصبيان ينادونها أم حبين انشري برديك إن الأمير ناظر إليك وضارب بسوطه جنبيك فإذا زادوا عليها نشرت جناحيها وانتصبت على رجليها فإذا ازدادوا عليها أيضا نشرت أجنحة أحسن من تلك ملونة وإذا مشت تطأطئ برأسها وتتلون ألوانا ولذا يقال يتلون كالحرباء

( حمار أهلي ) معروف ليس في الحيوان من ينزو على غير جنسه إلا هو والفرس ونزوه بعد تمام ثلاثين شهرا وكنيته أبو محمود وأبو جحش وغير ذلك وهو أنواع فمنه ما هو لين الأعطاف سريع الحركة ومنه ما هو بضد ذلك ويوصف بالهداية إلى سلوك الطريق
( لطيفة ) في الحديث عن النبي أنه لما فتح خيبر أصاب حمارا أسود فكلمه فقال ما اسمك فقال يزيد بن شهاب أخرج الله تعالى من نسل جدي ستين حمارا كلها لا يركبها إلا نبي ولم يبق من الأنبياء غيرك وكنت أتوقعك لتركبني وأنا عند يهودي يجيع بطني ويضرب ظهري وكنت أعثر به عمدا فمساه النبي يعفورا وقال له أتشتهي الاناث ؟ قال لا وكان يركبه في حوايجه وإذا أراد حاجة عند إنسان أرسله اليه فيدفع الباب برأسه فيخرج صاحب البيت فيعرفه ويقضي حاجته فلما مات النبي ذهب الى بئر كانت لأبي الهيثم فتردى فيها جزعا على النبي فكانت قبره وقيل هذا الحديث منكر وقد ذكره السهيلي في التعريف والاعلام وللناس في ذمه ومدحه أقوال متباينة بحسب الأغراض فمن مدحه أن أبا صفوان وجد راكبا على حمار فقيل له في ذلك فقال عير هي من نسل الاكراد يحمل الرجل ويبلغ العقبة ويمنعني أن أكون جبارا في الأرض وقال آخر وأقل الدواب مؤنة وأكثرها معونة وأخفضها مهوى وأقربها مرتعا وكان حمار أبي يسارة مثلا في الصحة والقوة وهو حمار أسود حمل الناس عليه من منى إلى المزدلفة أربعين سنة وكان خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي يختاران ركوب الحمار ويجعلان أبا يسارة قدوة لهما وحجة ومن ذمه ما نقل عن عبد الحميد الكاتب انه قال لا تركب الحمار فإنه إ ن كان فارها أتعب يدك وإن كان بليدا اتعب رجلك وقيل ما ينبغي لمركب الدجال أن يكون مركبا للرجال وقال أعرابي الحمار بئس المطية إن أوقفته أدلى وأن تركته ولى كثير الروث قليل الغوث سريع إلى الفرارة بطيء في الغارة لا توقي به الدماء ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء قال الزمخشري
( إن الحمار ومن فوقه ... حماران شرهما الراكب )

العرب من لا يركبه أبدا ولو بلغت به الحاجة والجهد
فيل كان لرجل بالبادية حمار وكلب وديك فالديك يوقظه للصلاة والكلب يحرسه إذا نام والحمار يحمل أثاثه إذا رحل قال فجاء الثعلب فأكل الديك فقال عسى أن يكون خيرا ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عسى أن يكون خيرا ثم جاء الذئب فبقر بطن الحمار فقال عسى أن يكون خيرا قال ثم إن جيرانه من الحي أغير عليهم فأخذوا فأصبح ينظر إلى منازلهم وقد خلت فقيل لهم إنما أخذوا بأصوات دوابهم فقال إنما كانت الخيرة في هلاك ما عندي فمن عرف لطف الله رضي بفعله
( حمام ) هو أنواع كثيرة والكلام في الذي ألف البيوت وهو قسمان أحدهما بري وهو الذي يوجد في القرى والآخر أهلي وهو أنواع وأشكال فمنه الرواعب والمراعيش والشداد والغلاب والمنسوب ومن طبعه أنه يطلب وكره ولو كان في مسافة بعيدة ولا جل ذلك يحمل الأخبار ومنه من يقطع عشرة فراسخ في يوم واحد وربما صيد وغاب عن وطنه عشر سنين وهو على ثبات عقله وقوة حفظه حتى يجد فرصة فيطير ويعود إلى وطنه وسباع الطير تطلبه أشد الطلب وخوفه من الشاهين أشد من غيره وهو أطير منه لكن إذا أبصره يعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد والشاة إذا رأت الذئب والفأر إذا رأى الهر ومن طبعه أنه لا يريد إلا ذكره إلى أن يهلك أو يفقد أحدهما ويحب الملاعبة والتقبيل ويسفد لتمام أربعة أشهر ويحمل أربعة عشر يوما ويبيض بيضتين ويحضن عشرين يوما ويخرج من إحدى البيضتين ذكر والأخرى أنثى واتخاذها في البيوت لا بأس به غير أنه لا يجوز تطييرها والاشتغال بها والارتقاء بها على الأسطحة وعليه حمل أمل العلم قوله عليه الصلاة و السلام ( شيطان يتبع شيطانة حين رأى شخصا يتبع حمامة فإن لم يحصل شيء مما ذكر جاز اتخاذها قال رسول الله ( اتخذوا الحمام في بيوتكم فإنها تلهي الجن عن صبيانكم واللعب بها من عمل قوم لوط ) وقال النخعي من لعب بالحمام لم يمت حتى يذوق ألم الفقر ولم يوجد شيء أبله من الحمام فإنه

تؤخذ أفراخه فتذبح في مكان ثم يعود في ذلك المكان ويبيض فيه ويفرخ وقال الجاحظ وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمامة قد تبتاع بخمسمائة دينار ولم يبلغ ذلك القدر شيء من الطير وغيره وهو الهادر الذي جاوز الغاية قالوا ولو دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة ولو حدثت أن برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار لكان ذلك سمرا وقد تباع البيضة الواحدة من بيض ذلك الحمام بخمسة دنانير والفرخ بعشرين فمن كان له زوج منه قام في الغلة مقام ضيعة وأصحابه يبنون من أثمانه الدور والحوانيت وهو مع ذلك ملهى عجيب ومنظر أنيق
الخواص دمه ينفع الجراحات العارضة للعين والغشاوة ويقطع الرعاف ويبرئ حرق النار إذا خلط بالزيت منه وزبل الأحمر ينفع للسع العقرب إذا وضع عليه وإذا شرب منه مقدار درهمين مع ثلاثة دراهم دار صيني نفع من الحصاة
( حرف الخاء ) ( الخطاف ) أنواع كثيرة فمنه نوع دون العصفور رمادي اللون يسكن ساحل البحر ومنه ما لونه أخضر وتسميه أهل مصر الخطار ونوع طويل الأجنحة رقيق يألف الجبال ونوع أصفر يألف المساجد يسميه الناس السنونو وزعم بعضهم أنه الطير الأبابيل ويقال أن آدم عليه الصلاة و السلام لما أهبط إلى الأرض حصل له وحشة فخلق الله له هذا الطير يؤنسه فلأجل ذلك لا تجدها تفارق البيوت وهي تبني بيتها في أعلى مكان بالبيت وتحكم بنيانه وتطينه فإن لم تجد الطين ذهبت إلى البحر فتمرغت في التراب والماء وأتت فطينته وهي لا تزبل داخله بل على حافته أو خارجا عنه وعنده ورع كثير لأنه وإن ألف البيوت لا يشارك أهلها في أقواتهم ولا يلتمس منهم شيئا ولقد أحسن واصفه حيث يقول
( كن زاهدا فيما حوته يد الورى ... تبقى إلى كل الأنام حبيبا )
( وانظر إلى الخطاف حرم زادهم ... أضحى مقيما في البيوت ربيبا )

شأنه إنه لا يفرخ في عش عتيق بل يجدد له عشا وأصحاب اليرقان يلطخون أفراخه بالزعفران فيذهب فيأتي بحجر اليرقان ويلقيه في عشه لتوهمه أن اليرقان حصل لأولاده وهو حجر صغير فيه خطوط يعرفه غالب الناس فعند ذلك يأخذه من به اليرقان ويحكه ويستعمله ومن عجيب أمره إنه يكاد يموت من صوت الرعد وإذ عمي ذهب إلى شجرة يقال لها عين شمس فيتمرغ فيها فيفيق من غشوته ويفتح عينيه
لطيفة قيل إن خطافا وقف على قبة سليمان وتكلم مع خطافة وراودها عن نفسها فامتنعت فقال بها تتمنعين مني ولو شئت قلبت هذه القبة قال فسمع سليمان فدعاه وقال ما حملك على ما قلت ؟ فقال يا نبي الله إن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم
الخواص مرارته تسود الشعر ولحمه يورث السهر وقلبه يهيج الباه إذا أكل جافا ودمه يسكن الصداع خفاش طير يوجد في الأماكن المظلمة وذلك بعد الغروب وقبل العشاء لأنه لا يبصر نهارا ولا في ضوء القمر وقوته البعوض وهذا الوقت هو الذي يخرج فيه البعوض أيضا لطلب رزقه فيأكله الخفاش فيتسلط طالب رزق على طالب رزق وهو من الحيوان الشديد الطيران قيل إنه يطير الفرسخين في ساعة وهو يعمر مثل النسر وتعاديه الطيور فتقتله لأنه قيل إن عيسى عليه الصلاة و السلام لما سأله النصارى في طير لا عظم فيه صنع لهم ذلك بإذن الله تعالى فهي تكرهه لأنه مباين لخلقتها ومن طبعه الحنو على ولده حتى قيل إنه يرضعه وهو طائر ( خنزير ) حيوان معروف وله كنى كثيرة منها أبو جهم وأبو زرعة وأبو دلف وهو مشترك بين البهيمة والسبع لأنه ذو ناب ويأكل العشب والعلف وهو كثير الشبق حتى قيل أنه يجامع الأنثى وهي سائرة فيرى في مشيها ستة أرجل فيتوهم الرائي إنه حيوان بستة أرجل وليس كذلك والذكر مثله فمن غلب استقل بالنزو على الأنثى وتحرك أذنابها في زمن هيجانها وتطأطئ رأسها وتغير أصواتها وتحمل من نزوة واحدة وتحمل ستة أشهر وتضع عشرين ولدا وينزوا الذكر إذا بلغ ستة أشهر وقيل أربعة باختلاف البلاد وقيل ثمانية وإذا بلغت

الأنثى خمس عشرة سنة ولا تحمل وهذا الجنس أفسد الحيوان والذكر أقوى الفحول وليس لذوات الأربع ما للخنزير في نابه من القوة حتى قيل إنه يضرب به السيف والرمح فينقطع ما لافاه وإذا التقى ناباه من الطول مات لأنهما حينئذ يمنعانه من الأكل ومن عجيب أمره أنه ياكل الحيات ولا يؤثر فيه سمها وإذا عض كلبا سقط شعره وإذا مرض واطعم السرطان يفيق ومن عجيب أمره أنه إذا ربط على ظهره حمار وبال الحمار وهو على ظهره مات ولا يسلخ جلده إلا بالقلع مع شيء من لحمه على ما ذكروا ( خنفساء ) دويبة تتولد من عفونات الأرض وبينها وبين العقرب مودة وكنيتها أم فسو لأن كل من وضع يده عليها يشم رائحة كريهة
فائدة قيل إن رجلا رأى خنفساء فقال ما يصنع الله بهذه فابتلاه الله تعالى بقرحة عجز الأطباء فيها فبينما هو ذات يوم إذا بطرقي يقول من به وجع كذا إلى أن قال من به قرحة فخرج إليه ذلك الرجل فلما رأى ما به قال ائتوني بخنفساء فضحك منه الحاضرون فقال ائتوه بالذي يطلب فأتوه بها فأخذها فأحرقها وأخذ رمادها وجعل منه على تلك القرحة فبرئت فعلم ذلك المقروح أن الله تعالى ما خلق شيئا سدى وأن في أخس المخلوقات أهم الأدوية فسبحان القادر على كل شيء
الخواص إذا قطعت رؤوس الخنافس وجعلت في برج الحمام كثر الحمام في ذلك البرج والاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر ويجلو الغشاوة والبياض وإذا بخر المكان بورق الدلب هربت منه الخنافس على ما ذكر ( خيل ) جماعة الأفراس وسميت بذلك لأنها تختال في مشيتها وهي من الحيوان المشرف ولقد مدحها الله تعالى ووصى بها النبي عليه الصلاة و السلام فقال " الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة " وقال " عليكم باناثا الخيل فإن ظهورها عز وبطونها كنز " وروي عن ابن عباس أو علي رضي الله عنهما أن رسول الله قال لما أراد الله تعالى خلق الخيل أوحى إلى الريح الجنوب وقال إني

خالق منك خلقا فاجتمعي فاجتمعت فأتي جبريل فأخذ منها قبضة فخلق الله منها فرسا كميتا وقال خلقتك عربيا وفضلتك على سائر البهائم فالرزق بناصيتك والغنائم تقاد على ظهرك وبصهيلك أرهب المشركين وأعز المؤمنين ثم وسمه بغرة وتحجيل فلما خلق الله تعالى آدم قال يا آدم اختر أي الدابتين الفرس أو البراق فقال الفرس يارب فقال الله تعالى اخترت عزك وعز أولادك وفي الحديث " ما من فرس إلا ويقول في كل يوم اللهم من جعلتني له فاجعلني أحب أهله إليه " وقيل الخيل ثلاثة فرس للرحمن وهي المغزو عليها وفرس لك وهي التي تسابق عليها وفرس للشيطان وهي التي جعلت للخيلاء وفي الحديث " إن الملائكة لا تحضر شيئا من اللهو إلا في مسابقة الخيل وملاعبة الرجل أهله " ولقد سابق النبي على الخيل وقيل إن الذكر من الخيل أقوى من الأنثى ولا يرد علينا ركوب جبريل في قصة موسى وفرعون الأنثى لأن ذلك من حكمة الله تعالى حتى تبعتها أحصنهم فأغرقوا لأن الحصان إذا رأى الحجرة تبعها وقيل إن الله تعالى أمر نبيه موسى عليه الصلاة و السلام أن يعبر البحر فعبره وهم خلفه فأعمى أعينهم عن الماء فكانوا يرون بلقعا والخيل تراه ماء فلولا دخول جبريل البحر بفرسه لما دخلت خيلهم وهي أصناف منها الصافنات وهي التي إذا ربطت في مكان وقفت على إحدى رجليها وقلبت بعض الأخرى في الوقوف وقيل غير ذلك وكانت الصافنات ألف فرس لسليمان عليه الصلاة و السلام فعرضها يوما ففاتته الصلاة قيل صلاة العصر فأمر بعقرها فعوضه الله عنها الريح فكانت فرسه وقيل إنما عقرها على وجه القرى كالهدي وقيل إن الفرس لا يحب الماء الصافي ولا يضرب فيه بيده كما يضرب بها في الاء الكدر فرحا به فإنه يرى شخصه في الماء الصافي فيفزعه ولا يراه في الماء الكدر وقد قيل في الحث على حب الخيل
( أحبوا الخيل واصطبروا عليها ... فإن العز فيها والجمالا )
( إذا ما الخيل ضيعها أناس ... ربطناها فأشركت العيالا )

( نقاسمها المعيشة كل يوم ... وتكسبنا الأباعر والجمالا )
( حرف الدال ) ( دابة ) اسم لكل ما دب على الأرض وأما التي ذكرها الله تعالى في سورة سبأ فقيل الأرضة وقيل السوسة وسبب ذلك أن سليمان عليه الصلاة و السلام كان قد أمر الجن ببناء صرح فبنوه ودخل فيه وأراد أن يصفو له يوم واحد من دهره فدخل عليه شاب فقال له كيف دخلت من غير استئذان ؟ فقال أذن لي رب البيت فعلم سليمان أن رب البيت هو الله تعالى وإن الشاب ملك الموت أرسل ليقبض روحه فقال سبحان الله هذا اليوم طلبت فيه الصفاء فقال طلبت ما لم يخلق قال وكان قد بقي من بناء المسجد الأقصى بقية فقا له يا أخي يا عزرائيل امهلني حتى يفرغ قال ليس في أمر ربي مهلة قال فقبض روحه وكان من عادته الانقطاع في التعبد شهرين وثلاثة ثم يأتي فنيظر ما صنعت الجن فلما قبض كان متوكئا على عصاه واستمر ذلك مدة والجن تتوهم أنه مشرف عليها فتعمل كل يوم بقدر عشرة أيام حتى أراد الله ما أراد فسلط على العصا الأرضة فأكلتها فخر ميتا تفترقت الجن عنه وقيل إن واحدا منهم مر عليه فسلم فلم يجبه فدنا منه فلم يجد له نفسا فحركه فسقطت العصا فإذا هو ميت قال وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة والعصا التي اتكأ عليها من خرنوب قال الله تعالى ( فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) قال فشكرت الجن الأرضة حتى قيل أنهم كانوا يأتونها بالماء حيث كانت وأما الدابة التي من أشراط الساعة فاختلف في أمرها فقيل تخرج من الصفا وهو الصحيح وقيل من الطائف وقيل من الحجر وطولها ستون ذراعا ذات قوائم وهي مختلفة الألوان وذلك في ليلة يكون الناس مجتمعين بمنى أو سائرين إلى منى ومعها عصا منوسى وخاتم سليمان

لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تلحق المؤمن فتضربه بالعصا فتكتب في وجهه مؤمن وتدرك الكافر فتسمه بالخاتم وتكتب في وجهه كافر وروي أنها تخرج إذا انقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقل الخير
( داجن ) وهو ما يربيه الناس في البيوت من صغار الغنم والحمام والدجاج وغير ذلك وفي حديث الأفك ما نعلم لها قضية غير أنها جارية حديثة السن تعجن وتنام فتأتي الداجن فتأكل العجين ( دب ) من السباع وكنيته أبو جهل وأبو جهينة وغير ذلك ولا يخرج زمن الشتاء حتى يطيب الهواء وإذا جاع يمص يديه ورجليه فيندفع جدعه وهو كثير الشبق وينعزل بانثاه وتضع جروا واحدا وتصعد به إلى أعلى شجرة خوفا عليه من النمل لأنها تضعه قطعة لحم ثم لا تزال تلحسه وترفعه في الهواء حتى تنفرج أعضاؤه وتخشن ويصير له جلد وفي ولادتها صعوبة وربما ماتت منها وقد تلده ناقص الخلق شوقا منها للسفاد وهي من الحيوان الذي يدعو الانسان للفعل به وقيل إن الدب يقيم أولاده تحت شجرة الجوز ثم يصعد فيرمي بالجوز إليها إلى أن تشبع وربما قطع من الشجر الغصن العتل الضخم الذي لا يقطع إلا بالفأس والجهد ثم يشد به على الفارس فلا يضرب أحدا إلا قتله ( دجاجة ) وكنيتها أم ناصر الدين وأم الوليد وغير ذلك وإذا هرمت لم يبق لبيضها مخ وتوصف بقلة النوم قيل أن نومها بقدر ما تتنفس وعندها خوف في الليل ولأجل ذلك تطلب وقت الغروب مكانا عاليا وتخشى الثعلب قيل إنها إذا رأيته ألقت نفسها إليه من شدة الخوف ولا تخشى من بقية السباع وقيل يعرف الذكر من الأنثى بإمساك منقاره فإن تحرك فذكر وإلا فأنثى ومن الدجاج مايبيض في اليوم مرتين وهو من أسباب موتها ويستكمل خلق البيضة في بطن الدجاجة في عشرة أيام وفي الحديث أن النبي أمر باتخاذ الغنم للأغنياء وباتخاذ الدجاج للفقراء ومن العجيب في صنعة الله تعالى أن خلق الفروج من البياض وجع ل الصفار غذاء له كما خلق الطفل من المني وجعل دم الحيض غذاء له فتبارك الله أحسن الخالقين
الخواص لحم الدجاج الفتي يزيد في العقل ويصفي اللون ويزيد

في المني ويقيم الباه والمداومة عليه تورث النقرس والبواسير على ما ذكر
( دج ) طير كبير أغبر يكون بساحل البحر كثيرا وبالقرب من الإسكندرية والناس يصطادونه ويأكلونه ( دود ) إسم جنس ومنه دود القز ويقال لها الهندية ومن عجيب أمرها أنها تكون أولا مثل بزر التين ثم تصير دودا وذلك في أوائل فصل الربيع ويكون عند خروجه مثل الذر في قدره ولونه ويخرج في الأماكن الدافئة إذا كان مصرورا في حق وربما تأخر خروجه فتجعله النساء تحت ثديهن بصرته فيخرج وغذاؤه ورق التوت الأبيض قال ولا يزال يكبر حتى يصير بقدر أصبع ويتنقل السواد إلى البياض وكل ذلك في مدة ستين يوما قال ثم يأخذ في النسج بما يخرجه من فيه إلى أن ينفذ ما ف جوفه ثم يخرج شيئا كهيئة الفراش له جناحان لا يسكنان من الاضطراب وعند خروجه يهيج إلى السفاد ويلصق الذكر مؤخره إلى مؤخر الأنثى ويلتحمان مدة ثم يفترقان قال ويكون قد فرش لهما خرقة بيضاء فينشران البزر عليها ثم يموتان هذا إذا أريد منهما البزر وإن أريد الحرير تركا في الشمس بعد فراغهما من النسج فيموت وهو سريع العطب حتى إنه ليخشى عليه من صوت الرعد والعطاس ومس المرأة الحائض والرجل الجنب ورائحة الدخان والحر الشديد والبرد الشديد ونحو ذلك قال أبو الفتح البستي
( ألم تر أن المرء طول حياته ... معنى بأمر لا يزال يعالجه )
( كذلك دود القز يسنج دائما ... ويهلك غما وسط ما هو ناسجه ) وقال آخر
( يفنى الحريص بجمع المال مدته ... وللحوادث ما يبقى وما يدع )
( كدودة القز ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع )
( ديك ) وكنيته أبو حسان وأبةو حماد وغير ذلك ويسمى الأنيس والمؤانس ومن طبعه لا يألف زوجة واحدة وهو أبله الطبيعة لأنه إذا سقط من بيت أصحابه لا يهتدي إلى الرجوع إليه وفيه من الخصال الحميدة ما لا يحصر منها أنه يساوي بين أزواجه في الطعمة ويذكر الله

تعالى في الليل حتى قيل إنه ليوقته ويقسمه وربما لا يخرم في توقيته وفي الصحيح إذا سمعتم صياح الديك فاذكروا الله تعالى فإنه يصيح بصياح ديك للعرش وروى الغزالي عن ميمون بن مهران أن لله ملكا تحت العرش على صورة الديك فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحيه وقال ليقم المسملون فإذا مضى الثلث الثاني ضرب بجناحيه وقال ليقم الذاكرون فإذا كان السحر وطلع الفجر ضرب بجناحيه وقال ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم وفي الحديث ان النبي قال " إن لله ديكا أبيض له جناحان موشحان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ورأسه تحت العرش وقوائمه في الهواء فإذا كان ثلث الليل الأول خفق بجناحيه وقال سبحان الملك القدوس فإذا كان الثلث الثاني خفق بجناحيه وقال قدوس فإذا كان الثلث الثالث خفق بجناحيه وقال ربنا الرحمن الرحيم لا إله إلا هو " وروى الثعلبي باسناده عن النبي أنه قال ثلاثة أصوات يحبها الله تعالى صوت الديك وصوت قارئ القرآن وصوت المستغفر بالأسحار وفي الحديث " لا تسبوا الديك فإنه يؤقت للصلاة "
وزعم أهل التجربة أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل ينكب في أهله وماله
نادرة قيل كان لإبراهيم بن مزيد ديك وكان كريما عليه فجاء العيد وليس عنده شيء يضحي عليه فأمر امرأته بذبحه واتخاذ طعام منه وخرج إلى المصلى فأرادت المرأة تمسكه ففر فتبعته فصار يخترق من سطح إلى سطح وهي تتبعه فسألها جيرانها وهم هاشميون عن موجب ذبحه فذكرت لهم حال زوجها فقالوا ما نرضى أن يبلغ الاضطرار بأبي إسحاق إلى هذا القدر فأرسل إليه هذا شاة وهذا شاتين وهذا بقرة وهذا كبشا حتى امتلأت الدار فلما جاء ورأى ذلك قال ما هذا ؟ فقصت عليه زوجته القصة فقال إن هذا الديك لكريم على الله فإن إسماعيل نبي الله فدي بكبش واحد وهذا فدي بما أرى

( حرف الذال ) ( ذباب ) وكنتيه أبو جعفر وهو أصناف كثيرة يتولد من العفونة ومن عجيب أمره أنه يلقي رجيعه على الأبيض يسود وعلى الأسود يبيض ولا يقعد على شجرة الدباء وفي الحديث " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه دواء وفي الأخرى داء وإن من طبعه أن يلقي نفسه بالجناح الذي فيه الداء
وحكي أن المنصور كان جالسا فألح عليه الذباب حتى أضجره فقال انظروا من بالباب من العلماء فقالوا مقاتل بن سليمان فدعا به ثم قال له هل تعلم لأي حكمة خلق الله الذباب ؟ قال ليذل به الجبابرة قال صدقت ثم أجازه ومن خصائص النبي أنه كان لا يقع عليه ذباب قط وقال المأمون قالوا أن الذباب إذا دلك به موضع لسعة الزنبور سكن ألمه فلسعني زنبور فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة فما سكن له ألم فقالوا هذا كان حتفا قاضيا ولولا هذا العلاج لقتلك
وقال الجاحظ من منافع الذباب أنها تحرق وتخلط بالكحل فإذا اكتحلت به المرأة كانت عينها أحسن ما يكون وقيل إن المواشط تستعمله ويأمرن به العرائس وقيل إن الذباب إذا مات وألقي عليه برادة الحديد عاش وإذا بخر البيت بورق القرع هرب منه الذباب
( ذئب ) حيوان معروف وكنيته أبو جعدة وأبو جاعد وأبو ثمامة لونه رمادي وهو من الحيوان الذي ينام بأحدى عينيه ويحرس بالأخرى حتى تمل فيغمضها ويفتح الأخرى كما قال بعض واصفيه
( ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع ) وإذا أراد السفاد اختفى ويطول في سفاده كالكلب وإذا جاع عوى فتجمع الذئاب حوله فمن هرب منها أكلوه وإذا خاف منه الإنسان طمع فيه وليس في الأرض أسد يعض على عظم إلا ويسمع

لتكسيره صوت بين لحييه إلا الذئب فإن لسانه يبري العظم بري السيف ولا يسمع له صوت وقيل إذا أدماه الأنسان فشم الذئب رائحة الدم لا يكاد ينجو منه وإن كان أشد الناس قلبا وأتمهم سلاحا كما أن الحية إذا خدشث طلبها الذر فلا تكاد تنجو منه وكالكلب إذا عض الإنسان يطلبه الفأر فيبول عليه فيكون في ذلك هلاكه فيحتال له بكل حيلة وقيل لا يعرف الالتحام عند السفاد إلا في الكلب والذئب وإذا هجم الصياد على الذئب والذئبة وهما ينسافدان قتلهما كيف شاء والله أعلم
( حرف الراء ) ( رخ ) طير عظيم الخلقة يوجد بجزائر الصين قال أبو حامد الأندلسي ذكر لي بعض المسافرين في البحر أنهم أرسوا بجزيرة فلما أصبحوا وجدوا في طرفها لمعانا وبريقا فتقدموا إليه وإذا هم بشيء مثل القبة قال فجعلوا يضربون فيه بالفؤوس إلى أن كسروه فوجدوه كهيئة البيضة وفيه فرخ عظيم قال فتعلقوا بريشه وجروه ونشبوا القدور وخرجوا يحتطبون من تلك الحزيرة حطبا يقال له حطب الشباب فلما أكلوا ذلك الطعام اسودت لحية ولمة كل ذي شيب قال فلما أصبحوا جاءهم الرخ فوجدهم قد صنعوا بفرخه ما صنعوا فذهب وأتى في رجليه بحجر عظيم وتبعهم بعدما ساروا في البحر وألقاه على سفينتهم فسبقت السفينة وكانت مشرعة بتسع قلوع ووقع الحجر في البحر فنجاهم الله تعالى منه وكان ذلك من لطف الله تعالى بهم قال وقد كان بقي معهم أصل ريشة قيل إنهم كانوا يجعلون فيها الماء فتسع مقدار قربة فسبحان الخالق الأكرم ( رخم ) طير أغبر أصفر المنقار معروف وهو من أشر الطيور ويقال أنها صماء وسبب ذلك ما قيل في بعض الحكايات إن موسى عليه الصلاة و السلام لما مات تكلمت بموته وكانت تعرف مكانه فأصمها الله تعالى حتى لا ترشد أحدا إلى موضعه

( حرف الزاي ) ( زرافة ) حيوان غريب الخلقة ولما كان مأكولها ورق الشجر خلق الله تعالى يديها أطول من رجليها وهي ألوان عجيبة يقال إنها متولدة من ثلاث حيوانات الناقة الوحشية والنقرة الوحشية والضبع فينزو الضبع على الناقة فيأتي بذكر فينزو ذلك الذكر على البقرة فتتولد منه الزرافة والصحيح أنها خلقة بذاتها ذكر وأنثى كبقية الحيوانات لأن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا بحكمة
( زنبور ) حيوان فوق النحل له ألوان وقد أودعه الله حكمة في بنيانه بيته وذلك أنه يبنيه مربعا له أربعة أبواب كل باب مستقبل جهة من الرياح الأربع فإذا جاء الشتاء دخل تحت الأرض ويبقى إلى أيام الربيع فينفخ الله تعالى فيه الروح فيخرج ويطير وفي طبعه التهافت على الدم واللحم ومن خاصيته أنه إذا وضع في الزيت مات وفي الخل عاش ولسعته تزال بعصارة الملوخية
( حرف السين ) ( سعلاة ) نوع من المتشيطنة قال السهيلي هو حيوان يتراءى للناس بالنهار ويغول بالليل وأكثر ما يوجد بالغياض وإذا انفردت السعلاة بإنسان وأمسكته صارت ترقصه وتلعب به كما يلعب القط بالفأر قال وربما صادها الذئب وأكلها وهي حينئذ ترفع صوتها وتقول أدركوني فقد أخذني الذئب وربما قالت من ينقذني منه وله ألف دينار وأهل تلك الناحية يعرفون ذلك فلا يلتفتون إلى كلامها
( سمندل ) حيوان يوجد بأرض الصين ومن عجيب أمره أنه يبيض في النار ويفرخ فيها ويؤخذ وبره فينسج ويجعل منه المناشف وهذه المناشف إذا اتسخت جعلت في النار فتأكل النار وسخها ولا تحرقها حكي أن شخصا بل واحدة من هذه المناشف بالزيت وجعلت في النار وأوقدت ساعة ولم تحترق ( سنجاب ) حيوان كهيئة الفأر يوجد في بلاد الترك على قدر اليربوع إذا أبصر الإنسان هرب منه وشعره كشعر الفأر وهو ناعم فيؤخذ ويسلخ جلده ويجعل فروا يلبس وطبعه

موافق لكل طبع وأحسنه الأزرق ( سنور ) حيوان متواضع ألوف خلقه الله تعالى لدفع الفأر والحشرات كناه وأسماؤه كثيرة
حكي أن أعرابيا صاد سنورا فرآه شخص فقال ما تصنع بهذا القط ؟ ولقيه آخر فقال ما تصنع بهذا الخيدع ولقيه آخر فقال ما تصنع بهذا الهر ؟ قال أبيعه قال بكم ؟ قال بمائة درهم فقال إنه يساوي نصف درهم قال فرمى به وقال لعنه الله ما اكثر أسماءه وأقل قيمته وهذا الحيون يهيج في زمان الشتاء في شهرين منه وتراهن يترددن صارخات في طلب السفاد فكم من حرة خجلت وذي غيرة هادت حميته وعزب تحركت شهوته وطيب فم النسور كطيب فم الكلب في النكهة وقيل أن الهرة تحمل خمسين يوما وهو يجمع بين العض والناب والخمش بالمخلاب وليس كل سبع كذلك وهو يناسب الانسان في بعض الأحوال فيعطس ويتمطى ويغسل وجهه بلعابه ويلطخ وبر ولده بلعابه حتى يصير كأن الدهن يسري في جلده وقيل إذا بال الهر شم بوله ودفنه قيل لأجل الفأر فإذا شمه علم أن هناك هرا فلم يخرج وأما سنور الزباد فهو الفهد بالهند ويوجد الزباد تحت أبطيه وفخذيه ( سوس ) هو دود الحبوب والفاكهة
ومن الفوائد التي تكتب في الحبوب فلا تسوس أسماء الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة وقد نظمها بعضهم فقال
( ألا كل من لا يتقدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه )
( فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه )
( حرف الشين ) ( شاد هوار ) حيوان يوجد بأرض الترك يقال أن له قرنا عليه اثنتان وسبعون شعبة مجوفة فإذا هبت الريح سمع لها تصويت عجيب يكاد يدهش وربما قيل إن فيه شعبة يورث سماعها البكاء والحزن وأخرى

تورث الفرح والضحك وأنه أهدي إلى بعض الملوك شيء من شعهبا فرأى فيه ذلك ويقال إن من الحيوان شيئا يوجد بالغياض في قصبة أنفه إثنا عشر ثقبا إذا تنفس يسمع له صوت كصوت المزمار فتأتيه الحيوانات لتسمعه فتدهش فيغفل بعضها من الطرب فيثب عليه فيأخذه وياكله وهي تعلم ذلك منه وتحترز فإذا لم يمسك منها شيئا ضاق خلقه وصاح بها صيحة فتهرب وتتركه
( شاهين ) طير يكون كهيئة الصقر إلا أنه عظيم الهامة واسع العينين ومزاجه أيبس من مزاج الصقر وحركته من العلو إلى أسفل أقوى ولذلك ينقض على الطير بشدة فربما يخطئه فيضرب نفسه بالأرض بشدة فيموت وقيل أول من صاد به قسطنطين وذلك أنه قد جعل له الحكماء الشواهين تظله من الشمس إذا سار فاتفق في بعض الأيام أنه ركب فدارت الشواهين عليه وسار قال فطار واحد منها وانقض على صيد فأخذه فأعجب الملك ذلك وصار يتصيد به ( شحرور ) طير أسود فوق العصفور يصوت بأصوات مطربة
( حرف الصاد ) ( صرد ) حيان يسمى الصرصار على قدر الخنفساء له جناحان ويقال له الصوام لأنه أول طير صام يوم عاشوراء ( صعو ) طير من صغار العصافير أحمر الرأس
( حرف الضاد ) ( ضأن ) نوع من الحيوانات ذوات الأربع وهو من الحيوانات المباركة تحمل الأنثى منه بواحد واثنين وفيها البركة وغيرها تحمل بالسبعة والتسعة وليس فيها بركة وإذا رعت زرعا نبت عوضه وذلك لبركتها بخلاف ذوات الشعر ومن عجيب أمرها أنها إذا رأت الذئب تخور وتخاف منه ولا يخاف من سائر السباع قال بعض القصاص مما أكرم الله تعالى به الكبش أن خلقه مستور العورة من قبل ومن دبر ومما أهان به التيس أن خلقه مهتوك الستر مكشوف العورة من قبل ومن

دبر ويقال الضأن من دواب الجنة وهي صفوة الله من البهائم ويقال في المدح هو كبش من الكباش وفي الذم هو تيس من التيوس وأهدى بعضهم إلى صديقه شاة هزيله فقال
( تقول لي الأخوان حين طبختها ... أتطبخ شطرنجا عظاما بلا لحم ) ومن العجب أنه يأتي غنم من الهند للكبش منها ألية في صدره وأليات في كتفيه وأليه على ذنبه وربما تكبر ألية الضأن حتى تمنعه من المشي ومن عجيب أمرها أنها إذا تسافدت وقت المطر لا تحمل وعند هبوب الريح إن كانت شمالية حملت ذكرا وجنوبية حملت أنثى والله أعلم
ومن خواصها أن لحمها ينفع للسوادء ويزيد في المني والباه وإذا تحملت المرأة بصوفها قطع حبلها وإذا غطي إناء العسل بصوف الضأن الأبيض منع وصول النمل إليه وإذا دفن قرن كبش تحت شجرة كثر حملها على ما ذكر والله أعلم
( ضب ) حيوان يجعل جحره في الأرض الصلدة وعنده بلم فربما لا يهتدي لجحره إا خرج منه فلذلك لا يحفره إلا بقرب كودية أو اشارة وهو من الحيوان الذي يعمر قيل إنه يعيش سبعمائه سنة ومن طبعه أنه يصير على الماء يقال إنه لا يشرب فإنه يبول في كل أربعين يوما قطرة والأنثى تبيض سبعين بيضة وأكثر وتجعلها في الأرض وتتعاهدها في كل يوم إلى أربعين يوما فيخرج وبيضها قدر بيض الحمام وهذا الحيوان شديد الخوف من الآدمي وللك يجعل العقارب في جحره حتى يمتنع بها ويخرج من جحره كليل البصر فيستقبل الشمس فيحصل له بذلك حدة في بصره وإذا عطش نشق النسيم فيروى وبينه وبين الافاعي مناسبة وذلك أنه لا يخرج زمن الشتاء
فائدة قيل أن أعرابيا أتى النبي وفي كمه ضب قد صاده وقال لولا أن تسميني العرب عجولا لقتلتك وسررت الناس بقتلك فقال عمر دعني يا رسول الله أقتله فقال عليه الصلاة و السلام مهلا يا عمر أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا ؟ قال ثم أقبل الأعرابي

على النبي وقال والله لا آمنت بك إلا أن يؤمن بك هذا الضب وأخرجه من كمه قال فعند ذلك قال النبي ياضب فأجابه بلسان فصيح لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين فقال من تعبد ؟ قال الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عذابه فقال من أنا يا ضب ؟ قال رسول رب العالمين قد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك قال فقال الاعرابي عند ذلك يا ويلاه ضب اصطدته بيدي من البرية يشهد لك بالرسالة أنا أولى منه بذلك هات يدك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقا ولقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أكثر بغضا مني إليك ولقد صرت الآن أذهب من عندك وما على وجه الأرض أحدا أكثر محبة مني إليك ولأنت الساعة أحب إلي من أهلي وولدي وما تملك يدي فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي فقال النبي الحمد لله الذي هداك لهذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه ولكن لا يقبله الله إلا بصلاة ولا يقبل الصلاة إلا بقراءة قال فعلمني يا حبيبي قال فعلمه سورة الفاتحة وسورة الأخلاص وقال من قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن قال لهذا يقبل اليسير ويعفو عن الكثير ثم سأله ألك مال ؟ فقال يا حبيبي ليس في بني سليم أفقر مني فقال لأصحابه أعطوه فأعطوه حتى أثقلوه فقال عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله عندي ناقة عشارية أعطيها له فقال إن الله يعطيك ناقة في الجنة من درة قوائمها من الزبر جد الأخضر وعيناها من الياقوت الأحمر وعليها هودج نم السندس تخطفك من الصراط كالبرق قال فخرج الإعرابي من عنده فتلقاه ألف فارس من المشركين كلهم يريدون قتل النبي فأخبرهم بقصته فأسلموا عن آخرهم وأمر النبي خالد بن الوليد عليهم وهذه القصة ذكرها الدار قطني بتمامها والبيهقي والحاكم وابن عدي
الخواص قلبه يذهب الحزن والخفقان وشحمه يطلى به الذكر يزيد في الباه وكعبه يشد على وجع الضرس يبرأ وإذا جعل على وجه فرس لا يسبقه شيء وبعره يذهب البرص والكلف طلاء ومن أكل

لحمه لا يعطش زمانا طويلا
( ضبع ) حيوان معروف ومن كناه أم عامر ومن طبعه حب لحم الآدمي حتى قيل إنه ينبش القبور وإذا مر بانسان نائم حفر تحت رأسه ووثب عليه وبقر بطنه وشرب دمه
الخواص من شرب دمه ذهب وسواسه ومن علق عليه عينه أحبه الناس وإذا جعلها في خل سبعة أيام ثم جعلها تحت فص خاتم فكل من كان به سحر وجعل الخاتم في قليل ماء وشربه زال سحره
( ضفدع ) حيوان يتولد من المياه الضعيفة الجري ومن العفونات وعقيب الأمطار وأول ما يظهر مثل الحب الأسود ثم ينمو ثم تتشكل له الأعضاء وإذا نق جعل فكه الأسفل في الماء والأعلى من خارج وفي صوته حدة قال سفيان ليس من الحيوان أكثر ذكرا لله تعالى من الضفدع وفي الآثار أن داود عليه الصلاة و السلام قال لأسبحن الله تعالى بتسبيح ما سبحه أحد قبلي فنادته ضفدعة يا داود تمن على الله تعالى بتسبيحك وأنا لي تسعون سنة ما جف لساني عن ذكر الله تعالى قال فما تقولين في تسبيحك ؟ قالت أقول سبحان من هو مسبح بكل لسان سبحان من هو مذكور بكل مكان فقال داود ما عسى أن أقول وقال بعضهم إنها كانت تأخذ الماء بفيها وتجعله على نار إبراهيم الخليل والله سبحانه وتعالى أعلم
( حرف الطاء ) ( طاوس ) طير مليح ذو ألوان عجيبة وعنده الزهو في نفسه والعجب ومن طبعه العفة وهو من الطير كالفرس من الحيوان والأنثى تبيض حين يمضى لها من العمر ثلاث سنين وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر ويتم لونه وتبيض الأنثى مرة واحدة في كل شهر ففي السنة اثنتا عشرة بيضة أو أقل أو أكثر ويسفد الذكر في أيام الربيع ويرمي ريشه في أيام الخريف كالشجر فاذا بدأ طلوع الورق طلع ريشه ومدة حضنه ثلاثون يوما
فائدة قيل إن آدم لما غرس الكرمة جاء إبليس لعنه الله فذبح عليها طاوسا فشربت دمه فلما طلعت أوراقها ذبح عليها قردا

فشربت دمه فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا فشربت دمه فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه فمن أجل ذلك تجد شارب الخمر أول ما يشربها وتدب فيه يزهو بنفسه ويميس عجبا كالطاولس فإذا جاء مبادئ السكر لعب وصفق بيديه كالقرد فإذا قوي سكره قام وعربد كهيئة الأسد فإذا انتهى سكره انقبض كما ينقبض الخنزير ثم يطلب النوم والناس تتشاءم باقامته بالدور قيل لأنه كان سببا لدخول إبليس الجنة وخروج آدم منها والله على كل شيء قدير
( حرف الظاء ) ( ظبي ) واحد الغزلان وهو ثلاثة أصناف الأول الآرام وهو ظباء الرمل ولونها رمادي وهي سمينة العنق والثاني العفر ولونها أحمر وهي قصيرة العنق والثالث الآدم وهي طويلة العنق وتوصف بحدة البصر وقيل إن الظبي يقضم الحنظل ويمضغه مضغا وماؤه يسيل من شدقيه ويرد الماء الملح فيشرب الماء الأجاج ويغمس خرطومه فيه كما تغمس الشاة لحييها في العذب فأي شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر ويستحلي مرارة الحنظل
الخواص لسانه يجفف ويطعم للمرأة السليطة تزول سلاطتها وبعره وجلده يحرقان ويسحقان ويجعلان في طعام الصبي يزيد ذكاؤه ويصير فصيحا ذلقا حافظا ( ظربان ) دويبة فوق جرو الكلب منتنة الريح تزعم العرب أن من صادها وفست في ثوبه لا تزول الرائحة منه حتى يبلى الثوب ويحكى من شؤمها أنها تأتي بيت الظبي فتفسو فيه ثلاث مرات فتقتل ما فيه وتأكله بعد ذلك
( حرف العين ) ( عجل ) حيوان معروف وهو ذكر البقر وسمي بذلك لاستعجال بني اسرائيل بعبادته والسبب في ذلك أن موسى عليه الصلاة و السلام وقت الله له ثلاثين ليلة ثم أنمها بعشر وكان فيهم شخص يسمى موسى بن ظفر

السامري في قلبه من حب عبادة البقر شيء فابتلى الله به بني اسرائيل فقال ائتوني بحلى قال فأتوه بجميع حليهم فصنع منه عجلا جسدا وألقى عليه قبضة من التراب أخذه من أثر فرس جبريل عليه السلام فصار له خوار كما أخبر الله تعالى فعكفوا على عبادته من دون الله تعالى وكانوا يأتون إليه ويرقصون حوله ويتواجدون فيخرج منه تصويت كهيئة الكلام فيتعجبون من ذلك ويظنون أنه تكلم وإنما فعل ذلك باغواء ابليس لعنة الله حتى يطغيهم
( فائدة ) نقل القرطبي عن سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمهما الله أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان فيقرؤن من القرآن ثم ينشد لهم الشعر فيرقصون ويطربون ثم يضرب لهم بعد ذلك بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أم حرام فقال مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة وضلالة وما الاسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذوا العجل فهذه الحالة هي حالة عباد العجل وإنما كان النبي مع أصحابه في جلوسهم كأنما على رؤسهم الطير مع الوقار والسكنية فينبغي لولاة الأمر وفقهاء الإسلام أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى ( عقرب ) هو من الحشرات قال الجاحظ أنها تلد من فيها مرتين وتحمل أولادها على ظهرها وهم كهيئة القمل كثير العدد وقال غيره إذا حملت تسلط عليها أولادها فاكلوا بطنها وخرجوا كهيئة الذر ثم يكثرون ويطوفون بالأرض ولها ثمانية أرجل ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب النائم إلا إذا تحرك شيء منه والخنافس تأوي إلهيا وربما لسعت التنين العظيم فقتلته ( غريبة ) قال ذو النون المصري بينما أنا في بعض سياحتي إذ مررت بشاطء البحر فرأيت عقربا أسود قد أقبل إلى أن جاء إلى شاطئ البحر فظننت أنه يشرب فقمت لأنظر فإذا بضفدع قد خرج من الماء وأتاه

فحمله على ظهره وذهب به إلى ذلك الجانب قال ذو النون فاتززت بمئزري وعمت خلفه حتى إذا صعد من ذلك الجنانب صعدت وسرت وراءه فما زال حتى جاء إلى شجرة فوجدت تحتها غلاما نائما من شدة السكر قد أقبل عليه تنين عظيم قال فلصقت العقرب برأس التنين ولسعته فقتلته ثم رجعت إلى ظهر الضفدع فعبر بها إلى الماء وسار بها إلى المكان الذي جاءت منه قال ذو النون فتعجبت من ذلك وأنشدت
( يا راقدا والجليل يحفظه ... من كل سوء يكون في الظلم )
( كيف تنام العيون عن ملك ... يأتيك منه فوائد النعم ) ثم أيقظت الغلام وأخبرته بذلك قال فلما سمع ذلك قال أشهدك على أني قد تبت عن هذه الخصلة ثم جرينا ذلك التنين ورميناه في البحر ولبس ذلك الغلام مسحا وساح إلى أن مات رحمه الله تعالى عليه وما أحسن ما قال بعضهم
( إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب )
( ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب )
( فقد هد قدما عرش بلقيس هدهد ... وخرب فأر قبل ذا سد مأرب )
( إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من التضييع في غير واجب )
( فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب )
فائدة إذا لدغ أحد فاقرأ عليه هذه الكلمات وهي سلام على نوح في العالمين وصلى الله على سيدنا محمد في المرسلين أعيذك من حاملات السم أجمعين لا دابة بين السماء والأرض إلا ربي آخذ بناصيتها كذلك يجزي عباده المحسنين إن ربي على صراط مستقيم نوح قال لكمن من ذكرني لا تلدغوه إن ربي بكل شيء عليم وصلى الله على سيدنا محمد الكريم وقال بعض العلماء من قال عقدت زبان العقرب ولسان الحية

ويد السارق يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أمن من العقرب والحية والسارق وفي البخاري أن رجلا جاء إلى النبي وقال يا رسول الله ماذا لقيت من عقرب لدغتني البارحة فقال له النبي أما إنك لو قلت إذا امسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك وروى الترمذي أن من قال حين يمسي أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات ثم قال سلام على نوح في العالمين لم تضره الحية والعقرب والسر في ذكر نوح دون غيره هو أنه لما ركب في السفينة سألته الحية والعقرب أن يحملهما معه فشرط عليهما أنهما لا يضران من ذكر اسمه بعد ذلك فشرطا له ذلك
الخواص من بخر البيت بزرنيخ أحمر وشحم بقر هربت منه العقارب ومن شرب مثقالين من حب الاترج أبرأه من سمها ومن علق عليه شيء من ورق الزيتون برئ أيضا لوقته
( عقعق ) طير ذو لونين طويل الذنب قدر الحمامة على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة وهو لا يأوي إلا الأماكن العالية وإذا باض جعل حول بيضه ورق الدلب خوفا عليه من الخفاش لا يفسده الخواص ذمه إذا جعل على قطن وألصق على موضع النصل والشوكة الغائبة في البدن أخرجه ( علق ) دود أحمر وأسود يكون بالماء بعلق بالخيل والآدمي فإذا علقت بك فرش عليها ماء وملحا وإذا علقت بفرس فبخره بوبر الثعلب فانها تنفصل من رائحة دخانه ومن خواصة ان البيت إذا بخر به هرب ما فيه من البق والبعوض وإذا جفف وسحق وقلع الشعر وطلي به مكانه منع نباته
( عنقاء ) اختلف فيها فقال بعضهم هو طائر عظيم الخلقة له وجه

انسان وفيه من كل حيوان لون وقال بعضهم هو طير غريب الشكل يبيض بيضا كالجبال ويبعد في طيرانه وسميت بذلك لأنه كان في عنقها طوق أبيض قال القزويني إنها تخطف الفيلة لعظمها وكبر جثتها كما تخطف الحدأة الفأر قال وكانت في قديم الزمان بين الناس إلى أن خطفت عروسا بحليها فذهب أهلها إلى نبي دلك الزمان فشكوها إليه فدعا عليها فذهب بها إلي بعض الجزائر التي خلف خط الاستواء وهي جزيرة لا يصل إليها أحد وجعل لها فيها ما تقتات به من السباع كالفيل والكركند و غير ذلك وقال أصحاب التواريخ إن هذا الطير يعمر حتى قيل إنه يعيش ألفي سنة ويتزوج إذا مضى عليه خمسمائة
وحكى الزمخشري في ربيع الأبرار أن الله تعالى خلق في زمن موسى عليه الصلاة و السلام طيرا يقال له العنقاء له وجه كوجه الانسان وأربعة أجنحة من كل جانب وخلق له أنثى مثله ثم أوحى الله تعالى إلى موسى إني خلقت خلقا كهيئة الطير وجعلت رزقه الوحوش والطير التي حول بيت المقدس قال فتناسلا وكثر نسلهما فلما توفي موسى عليه الصلاة و السلام انتقلت إلى نجد والعرق فلم تزل تأكل الوحوش وتخطف الصبيان إلى أن تنبأ خالد بن سنان العبسي فشكوها له فدعا عليها فانقطعت وانقطع نسلها وانقرضت
( عنكبوت ) دويبة لها ثمانية أرجل وستة عيون وهي من الحيوان الذي صيده الذباب وولده يخرج قويا على النسج من غير تعليم ولا تلقين ويخرج أولاده دردا صغيرا ثم يتغير وتصير عنكبوتا وتكمل صورته
فائدة قيل إن امرأة ولدت جارية ثم قالت لخادم لها إقتبس لنا نارا فخرج فوجد بالباب سائلا فقال له ما ولدت سيدتك ؟ فقال بنتا فقال لا تموت حتى تبغي بألف رجل ويتزوجها خادما ويكون موتها بالعنكبوت فقال الخادم وأنا أصبر لهذه حتى يحصل منها ما يحصل فصبرت حتى قامت أمها لتقضي بعض شؤونها وعمد إلى البنت فشق بطنها بسكين وهرب قال فجاءت أمها فوجدتها على تلك الحالة فدعت بمن يعالجها حتى شفيت فلما كبرت بغت قال

ثم إنها سافرت وأتت مدينة على ساحل من سواحل البحر فأقامت هناك تبغي قال وأما الرجل فإنه صار من التجار وقدم لتلك المدينة ومعه مال كثير فقال لامرأة عجوز هناك أخطبي لي امرأة حسنة أتزوج بها قال فوصفتها له وقالت ليس هنا أحسن منها ولكنها تبغي فقال العجوز ائتني بها قال فذهبت وأخبرتها بالقصة فقالت لها حبا وكرامة فإني قد تبت عن البغي فتزوج الرجل بها وأحبها حبا شديدا وأقام معها أياما وكان يود أن يراها متجردة فلم يمكنه ذلك حتى إذا كان في بعض الأيام خرج على عادته لقضاء أشغاله ودخلت هي الحمام وعرضت له حاجة فرجع إلى الدار وصعد إلى قصرها فلم يرها فسأل عنها فقيل له هي في الحمام فدخل عليها فرآها متجردة ورأى في بطنها أثرا كالخياطة فقال ما هذا ؟ قالت لا أعلم إلا أن أمي أخبرتني أنه كان لنا خادما وأنه يوم ولادتي غافل أمي وشق بطني بسكين وهرب وأنها حين رأتني كذلك دعت بعض الأطباء فخاط بطني وعالجني حتى أندمل جرحي وشفيت وبقي هذا الأثر فقال لها أنا ذلك الخادم وحكى لها السبب وأن ذلك السائل أخبره أنها تموت بالعنكبوت ثم إنه اهتم بأمرها وجمع مهندسي البلدة التي هم فيها وسألهم أن يبنوا له بناء لا ينسج عليه العنكبوت فقالوا كل بناء ينسج عليه إلا أن يكون البلور لنعومته لا ينسج عليه فأمرهم أن يصنعوا لها قصرا من البلور وبذل لهم ما أرادوا فعملوه وفرشه وأمرها أن تقيم فيه لا تخرج منه خوفا عليها من العنكبوت قال فبينما هو ذات يوم إذ رأى عنكبوتا قد نسج في ذلك القصر فقام إليه فرماه وقال لها هذا الذي يكون موتك منه قال فداسته بإبهامها وقالت كالمستهزئة أهذا الذي يقتلني فشدخته فتعلق بطرف إبهامها من مائة شيء فعمل بها حتى ورمت ساقها ثم وصل الورم إلى قلبها فقتلها فما أفاده قصره ولا صرحه سيئا قال الله تعالى ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) الآية

فائدة نسج العنكبوت على ثلاثة مواضع على غار النبي وعلى غار عبد الله بن أنيس لما بعثه النبي لخالد الهذلي فقتله وحمل رأسه ودخل به في غار خوفا من أهله ونسج على عورة زيد ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم لما صلب عريانا وقيل إنها نسجت مرتين على داود حين كان جالوت يطلبه
الخواص نسجها إن وضع على الجراح الطرية يقطع دمها ويجلو الفضة إذا دلكت به والذي يوجد من نسجها في بيت الخلاء ينفع المحموم إذا تبخر به
( ابن عرس ) حيوان معروف وهو بأرض مصر كثير ويسمى العرسة وهو عدو للفأر وعنده الحيل قيل إنه عدا خلف فأر فصعد منه على شجرة فصعد خلفه وأمر إنثاه أن تقف تحت الشجرة ثم قطع الغصن الذي كان عليه الفأر فسقط فأخذته أنثاه ومما يحكى عنه أنه يحب الذهب فيسرقه ويلد عليه عجيبة قيل إن رجلا صاد فرخا من أولاده وحبسه تحت طاسة فجاء أبوه فوجده فذهب وأتى بدينار فوضعه فلم يفلته ثم ذهب وأتى بآخر وما زال كذلك حتى أتى بخمسة دنانير فلم يفلته ثم أتى بخرقة فلم يفلته فأراد ابن عرس أن يأخذ ما برطله به فلما علم الرجل ذلك فهم أنه لم يبق عنده شيء فأفلته له
( حرف الغين ) ( غراب ) وكنيته أبو حاتم وله كنى غير ذلك وهو أنواع كثيرة منها الأكحل وغراب الزرع والأزرق وهذا النوع يحكي جميع ما سمعه والعرب تتفاءل بصياح الغراب فتقول إذا صاح مرتين فشر وإذا صاح ثلاثة فخير وهو كالإنسان عند الجماع وفي طبعه الاستتار عن الناس عند مجامعته والأنثى تبيض ثلاثا أو أربعا أو خمسا وتحضن ذلك والأب يسعي في طعمتها إلى أن تفرخ فإذا فرخت خرجت أفراخها قبيحة المنظر فتتفرق منها وتتركها وتغيب فيرسل الله لها البعوض

به ثم لا تزال تتعاهدها حتى ينبت لها الريش فتأتيها ومنه قول الحريري
( يا رازق النعاب في عشه ... وجابر العظم الكسير المهيض ) ومن طبعه أنه لا يتعاطى الصيد بل إن وجد رمة أكل منها ويقم من الأرض ما وجد ويسمى بالفاسق لأنه لما أرسله نوح عليه السلام ليكشف عن الماء فوجد في طريقه رمة فسقط عليها وترك ما أرسل إليه ويسمى بالبين لأنه إذا رحل العرب من مكان نزل فيه وزعق في أثرهم ومن الغرائب أن بين الغراب وبين الذئب إلفة وذلك إنه إذا رأى الذئب بقر بطن شاة سقط وأكل منها ومعه الذئب لا يضره
الخواص إذا غمس الغراب في الخل ثم جفف وسحق ريشا وطلي به الشعر سوده وإذا علق منقاره على إنسان زالت عنه العين وزبل الغراب الأبقع ينفع الخوانيق والخنازير طلاء وإن صر في خرقة على من به السعال زال
( غرغر ) دجاج بني إسرائي يقال إن فرقة من بني إسرائيل كانت بتهامة فطغت وبغت وتجبرت وكفرت فعاقبهم الله تعالى بأن جعل رجالهم القردة وكلابهم الأسود وعينهم الأراك وجوزهم المقل ودجاجهم الغرغر وهو دجاج الحبشة فلا ينفع لحمه لرائحته الكريهة وهذا مشاهد في زماننا هذا الآن على ما نقل والله سبحانه وتعالى أعلم
( حرف الفاء ) ( فاختة ) طير أغبر من ذوات الأطواق بقدر الحمام لها حسن الصوت يحكى أن الحيات تهرب من صوتها وفي طبعها الأنس فمن أجل ذلك

تتخذ بيتها في البيوت وهي من الحيوان الذي يعمر وقد ظهر منها ما عاش خمسا وعشرين سنة
الخواص دمها ينفع من الآثار في العين من ضربة أو قرحة إذا قطر فيها
( فأرة ) وكنيتها أم خراب وغير ذلك وتسمى بالفويسقة وذلك أن النبي انتبه ليلة فوجدها قد جذبت الفتيلة وأحرقت طرف سجادته فقتلها وأمر بقتلها وهي التي قطعت حبل سفينة نوح وأذاها لا يكاد ينحصر ومنه أنها تأتي إلى إناء الزيت فتشرب منه فإذا نقص صارت تشرب بذنبها فإذا لم تصل إليه ذهبت وأتت في فيها بماء وأفرغته فيه حتى يعلو لها الزيت فتشربه وربما وضعت فيه حجرا فكسرته ويقال إنها بقايا الممسوخين الذين كانوا يهودا ومن أراد أن يعلم ذلك فليضع لها لبن ناقة في إناء فإن لم تشربه فهي منهم
الخواص عينه تشد على الماشي يسهل تعبه وإذا بخر البيت بزبل الذئب أو الكلب ذهب منه الفأر ( فرس البحر ) حيوان غليظ أفطس الوجه ناصيته كالفرس ورجلاه كالبقر وذنبه قصير يشبه ذنب الخنزير وجلده يوجد بالنيل ووجهه أوسع من وجه الفرس يصعد البر ويرعى الزرع وربما قتل الانسان وغيره
( فهد ) حيوان شرس الأخلاق قال أرسطو هو متولد من الأسد والنمر في طبعه مشابهة بطيع الكلب ونومه ثقيل وفي طبعه الحنو على أنثاه وقيل أول من صاد به كليب بن وائل وأول من حمله على الخيل يزيد بن معاوية وأكثر من اشتهر باللعب به أبو مسلم الخراساني
( فيل ) حيوان يوجد بأرض الهند وكنيته أبو الحجاج والأنثى أم سبل وهو ينزو على أثاه إذا بلغ من العمر خمس سنين وتحمل أنثاه سنتين ثم تضع ولا يقربها الذكر في مدة حملها ولا بعده بثلاث سنين ولا يلقح إلاببلاده وإذا أردات الوضع دخلت النهر لأن رجليها لا ينثنيان فتخاف عليه والذكر يحرسها خوفا على ولده من الحيات فإنها تأكله وهو عند شدة غلمته كالجمل ويهيج في زمن الربيع وزعم أهل الهند أن لسانه مقلوب ولولا ذلك لكان يتكلم لشدة ذكائه وقيل إن ثدييه في صدره كالإنسان وهو أضخم الحيوان

وأعظمه جرما وما ظنك بخلق ربما كان نابه أكثر من ثلاثمائة سن وهو مع ذلك أملح وأظرف من كل نحيف الجسم رشيق وربما مر الفيل مع عظم بدنه خلف القاعدة فلا يشعر برجله ولا يحس بمروره لخفة همسه واحتمال بعض جسده لبعض وأهل الهند يزعمون أن أنياب الفيل وقرناه يخرجان مستبطنين حتى يخرقان وخرطوم أنفه ويده وبه يتناول الطعام إلى جوفه وبه يقاتل وبه يصيح وصياحه ليس في مقدار جرمه وقيل أن الفيل جيد السباحة وإذا سبح رفع خرطومه كما يغيب الجاموس جميع بدنه إلا منخريه ويقوم خرطومه مقام عنقه والخرق الذي في خرطومه لا ينفذ وإنما هو وعاء إذا ملأه من طعام أو ماء أولجه في فيه لأنه قصير العنق لا ينال ماء ولا مرعى وأهل الهند تجعله في القتال وهو أيضا يقاتل مع جنسه فمن غلب دخلوا تحت أمره وقيل جعل الله في طبع الفيل الهرب من السنور
حكي عن هارون مولى الأزد أنه خبأ معه هرا ومضى بسيف إلى الفيل فلما دنا منه رمى بالهر في جهه فأدبر هاربا وكبر المسلمون وظنوا أنه هرب منه قال أبو الشمقمق
( يا قوم إني رأيت الفيل بعدكم ... تبارك الله لي في رؤية الفيل )
( رأيت بيتا له شيء يحركه ... فكدت أفعل شيئا في السراويل ) وقيل إذا اغتم الفيل لم يكن لسواسه هم إلا الهرب بأنفسهم ويتركونه ومن عجيب أمره أن سوطه الذي به يحث ويضرب محجن حديد أحد طرفيه في جبهته والآخر في يد راكبه فإذا أراد شيئا غمزه به في لحمه وأول شيء يؤدبون به الفيل يعلمونه السجود للملك
قيل خرج كسرى أبرويز لبعض الأعياد وقد صفوا له ألف فيل وأحدق به ثلاثون ألف فارس فلما رأته الفيلة سجدت له فما رفعت رؤوسها حتى جذبت بالمحاجن وراضتها الفيالون وتزعم أهل الهند أن

جبهة الفيل تعرق كل عام عرقا غليظا سائلا أطيب من رائحة المسك ولا يعرض ذلك العرق إلا في بلادها الخاصة وإن عظام الفيل كلها عاج إلا أن جوهر نابه أكرم وأثمن ولولا شرف العاج وقدره لما فخر الأحنف ابن قيس على أهل الكوفة في قوله نحن أكثر منكم عاجا وساجا وديباجا وخراجا وقيل أن الفيلة لا تتسافد في غير بلادها
فائدة من قرأ سورة الفيل ألف مرة في كل يوم عشرة أيام متوالية ثم جلس على ماء جار وقال اللهم أنت الحاضر المحيط بمكنونات الضمائر اللهم عز الظالم وقل الناصر وأنت المطلع العالم اللهم إن فلانا ظلمني وأساءني ولا يشهد بذلك غيرك انت مالكه فأهلكه اله سربله سربال الهوان وقمصه قميص الردى اللهم اقصفه ست مرات اللهم اخفضه مرتين فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق فإن الله يستجيب له ما لم يكن ظالما
الخواص جلده إذا بخر به بيت هرب بقه وإذا سقي إنسان من وسخ أذنه نام نومة طويلة وإذا علق من نابه شيء على شجرة لم تثمر وإذا عمل من جلده ترس يكون أصلب من كل ترس
( حرف القاف ) ( قاقم ) دويبة تشبه السنجاب إلا أنه أبرد منه مزاجا وهو أبيض يقق وجلده أعز قيمة من السنجاب
( قاوند ) طير يكون بساحل البحر يبيض في الرمل ويحضن بيضه سبعة أيام ثم تخرج افراخه بعد ذلك فيزقها بعد سبعة أيام ويقال ما يمسك الله البحر في هيجانه عن أن يفيض على الساحل إلا إكراما له لأنه يقال أنه يبر والديه
خواصه أنه يقيم المقعد ويحلل البلاغم المزمنة وينفع الأمراض الباردة وأوجاع الأعصاب
( قرد ) حيوان معروف وكنيته ابو خالد وغير ذلك وهو قبيح المنظر ملح الذكاء سريع الفهم يتعلم الصنائع قيل إنه أهدي للمتوكل قرد خياط وآخر صائغ

وأهل اليمن يعلمون القرد البيع والجلوس في الدكاكين حتى قيل إنه يخرز النعل ويصر القرطاس وهو ذو غيرة وعنده لواط حتى قيل إنه يعدو خلف المليح من شدة المحبة والتفت ابن الرومي يوما إلى أبي الحسن الأخفش وهو يحاكي القرد فقال
( هنيئا يا أبا الحسن المفدى ... بلغت من الفضائل كل غاية )
( شركت القرد في قبح وسخف ... وما قصرت عنه في الحكاية )
( قنفذ ) بالذال المعجمة وكنيته أبو سفيان ومن عجيب أمره أنه يصعد الكرم فيرمي العنقود ثم ينزل فيأكل منه ما أطاق فإن كان له أفراخ تمرغ في الباقي فيتعلق بشوكه فيذهب به إلى أولاده وهو مولع بأكل الأفاعي فإذا لدغته لا يؤثر فيه سمها لدفع ذلك بشوكه وإذا تأذى منها ذهب فأكل السعتر البري فيزول أذاها وهو الحيوان الذي يسفد مباطنة كالرجل وله خمسة أرجل
( حرف الكاف ) ( كركند ) حيوان يوجد ببلاد الهند والنوبة وهو دون الجاموس وله قرن واحد عظيم لا يستطيع رفع رأسه منه لثقله وهو مصمت قوي يقاتل به الفيل فيغلبه ولا تعمل ناباه شيئا معه وعرض قرنه شبران وليس بطويل جدا وهو محدد الرأس شديد الملامسة وإذا نشر قرنه ظهرت في معاطفه صور عجيبة كالطواويس والغزلان وأنواع الطير والشجر وبني آدم ولذلك يتخذ منه صفائح الأسرة والناطق للملوك ويتغالون في ثمنها بحيث تبلغ المنطقة اربعة آلاف أو اكثر والأنثى تحمل ثلاث سنين ويخرج ولدها نابت الأسنان والقرون قوي الحافر ويقال إنها إذا قاربت الوضع أخرج الولد رأسه من بطنها وصار يرعى أطراف الشجر فإذا شبع أدخل رأسه في بطن أمه ويزعم أهل الهند أنه إذا كان ببلاد لم يدع فيها من الحيوان شيئا حتى يكون بينها وبينه مائة فرسخ من جميع الجهات هيبة له وهربا منه ويسمى الحمار الهندي وهو شديد العداوة للإنسان يتبعه إذا سمع صوته فيقتله ولا يأكل منه شيئا

( كروان ) طير معروف لا ينام غالب الليل خصوصا في القمر وعنده ذكاء قيل إنه يتكلم بجميع ما يبصره ولا يحتمل المغابنة
( كركي ) طير محبوب للملوك وله مشتى ومصيف فمشتاه بأرض مصر ومصيفه بأرض العراق وهو من الحيوان الرئيس قيل إذا نزل بمكان اجتمع حلقه ونام وقام عليه واحد يحرسه وهو يصوت تصويتا لطيفا حتى يفهم أنه يقظان فإذا تمت نوبته أيقظ غيره لنوبته قال القزويني وإذا مشى وطئ الأرض بأحدى رجليه وبالأخرى قليلا خوفا من أن يحس به وإذا طار سار سطرا يقدمه واحد كهيئة الدليل ثم تتبعه البقية
( كلب ) معروف وهو نوعان أهلي وسلوقي وهذان النوعان سواء إلا أن أنثى السلوقي أسرع في التعلم من ذكره وهذا الحيوان حليم وعنده رياضة وفي طبعه إكرام الأجلاء من الناس
وحكي أن رجلا عزم جماعة فتخلف شخص منهم في منزله ودخل على زوجة صاحب المنزل فضاجعها فوثب الكلب عليهما فقتلهما فرجع صاحب المنزل فوجدهما قتيلين فأنشد يقول
( وما زال ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عهدي والخليل يخون )
( فواعجبا للخل يهتك حرمتي ... وواعجبا للكلب كيف يصون ) وحكى أبو عبيدة قال خرج رجل إلى الجبانة ومعه أخوه وجاره لينظروا إلى الناس فتبعه كلب له فضربه ورماه بحجر فلم ينته ولم يرجع فلما قعد ربض الكلب بين يديه فجاء عدو له في طلبه فلما رآه خاف على نفسه فإذا بئر هناك قريبة القعر فنزل فيها وأمر أخاه وجاره أن يهيلا عليه التراب ثم ذهب أخوه وجاره إلى سبيلهما وصار الكلب ينبح حوله فلما انصرف العدو أتاه الكلب فما زال يبحث في التراب إلى أن كشفه عن رأسه فتنفس الرجل ومر به أناس فتناولوه وردوه إلى أهله فلما تمات ذلك الكلب عمل له قبرا ودفنه فيه وجعل عليه قبة وسمى ذلك قبر الكلب وفي ذلك قيل
( تفرق عنه جاره وشقيقه ... وما حاد عنه كلبه وهو ضاربه )

ومن ذلك ما حكي أن رجلا قتل ودفن وكان معه كلب فصار يأتي كل يوم إلى الموضع الذي دفن فيه وينبح وينبش ويتعلق برجل هناك فقال الناس إن لهذا الكلب شأنا فكشفوا عن ذلك وحفروا ذلك الموضع فوجدوا قتيلا فقبضوا على ذلك الرجل الذي ينبح عليه الكلب وضربون فأقر بقتله فقتل وهو من الحيوان الذي يعرف الحسنة وقيل أن الأنثى تحيض في كل شهر سبعة أيام وأكثر ما تضع إثنا عشر جروا وذلك في النادر والغالب خمسة أو ستة وربما ولدت واحدا ويعيش الكلب في الغالب عشر سنين وربما بلغ عشرين سنة ووصف للمتوكل كلب بأرمينية يفترس الأسد فأرسل من جاء به إليه فجوع أسدا وأطلقه عليه فتهارشا وتواثبا حتى وقعا ميتين وقيل كلب الصياد يشبه به الفقير المجاور للغني لأنه يرى من نعمته وبؤس نفسه ما يفتت كبده وقيل لرجل ما بال الكلب يرفع رجله إذ بال ؟ قال يخاف أن يلوث ذراعيه قيل أو للكلب ذراعان ؟ قال هو يتوهم ذلك
فائدة حكي أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه سمع شخصا من وراء النهر يروي أحاديث مثلثة فسار إليه ودخل عليه فوجده يطعم كلبا وهو مشتغل به قال الامام أحمد فأخذت في نفسي وأضمرت أن أرجع إذا لم يلتفت الرجل إلي ثم قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال " من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه يوم القيامه فلم يلج الجنة وإن أرضنا هذه ليست بأرض كلاب وقد قصدني هذا الكلب فخشيت أن أقطع رجاءه " قال فقال الإمام أحمد رحمه الله هذا الحديث يكفيني ثم رجع قافلا إلى أهله فائدة اخرى قال الترمذي لما هبط الله تعالى آدم إلى الأرض سلط عليه إبليس السباع وكان أشدها الكلب قال فنزل عليه جبريل عليه السلام وأمره أن يضع يده عليه ففعل واطمأن إليه وألفه وصار يحرسه وبقيت الألفة فيه لأولاده إلى يوم القيامة وقيل أن أول من اتخذ الكلب بعد آدم نوح عليهما الصلاة والسلام وذلك لأن

قومه كانوا يعمدون بالليل فيفسدون ما صنعه في السفينة بالنهار فأمره الله أن يتخذ كلبا حارسا ففعل قال فكان الكلب إذا أتاه مفسد قام عليه فيتيقظ نوح عليه الصلاة و السلام فيدفعه
فائدة أخرى قيل كان كلب أهل الكهف أسمر واسمه قطمير وقيل أصفر وقيل خلنجي اللون وليس في الحيوان ما يدخل الجنة إلا هو وكبش إسماعيل وناقة صالح وحمار العزيز وبراق النبي فائدة أخرى إذا نبح عليك كلب وخفت منه فاقرأ ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ) وقل بعد ذلك لا إله إلا الله فإنك تكفاه
( حرف اللام ) ( لغلغ ) طير معروف قيل إنه من طيور الفواخت ويأتي إلى أرض مصر في أيام الشتاء فيأكل ما قسم الله له من الرزق ويأكل منه من له فيه رزق ثم يرحل إلى بلاده
( حرف الميم ) ( مالك الحزين ) طير يوجد بالضحضاح غذاؤه السمك وسمي بذلك لأنه قيل أنه لا يشرب حتى يروى خوفا من أن ينقص الماء وإذا نشف الضحضاح حزن لأنه لا يستطيع العوم ونظيره دويبة بأرض فارس معروفة عندهم يقال إن غذاءها التراب فإذا أكلت لا تشبع خوفا من أن يفرغ
( حرف النون ) ( نمل ) قال عليه الصلاة و السلام إلا تنظرون إلى صغير من خلق الله كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه وفلق له السمع والبصر وسوى له العظم والبشر انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد

تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر كيف دبت على الأرض وسعت في مناكبها وطلبت رزقها تنقل الحبة إلى جحرها تجمع في حرمها لبردها في وردها لصدرها لا يغفل عنها المنان ولا يحرمها الديان ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا وللقيت من وصفها تعبا فتعالى الذي اقامها على قوائهما وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ولم يعنه على خلقها قادر لا إله إلا هو ولا معبود سواه وقيل إذا خافت على حبها أن يعفن أخرجته إلى ظهر الأرض ليجف وقيل إنها تفلق الحبة نصفين خوفا من أن تنبت فتفسد إلا الكزبرة فإنها تفلقها أربعا لأنها من دون الحب ينبت نصفها وليس كل أرباب الفلاحة يعرف هذا فسبحان من ألهمها ذلك وقيل إنها تشم رائحة الشيء من بعيد ولو وضعته على أنفك لم تجد له رائحة وإذا عجزت عن حمل شيء استعانت برفقتها فيحملونه جميعا إلى باب جحرها وقيل إذا انفتح باب قرية النمل فجعلت فيه زرنيخا أو كبريتا هجرتها والله أعلم ( نحل ) حيوان ليس له نظر في العواقب وله معرفة بفصول السنة وأوقاتها وأوقات المطر وفي طبعه الطاعة لأميره والانقياد له ومن شأنه في تدبير معاشه أنه يبني له بيتا من الشمع شكلا مسدسا لا يوجد فيه اختلاف كالقطعة الواحدة إذا طار ارتفع في الهواء وحط على الأماكن النظيفة وأكل نوار الزهر والأشاء الحلوة وشرب من الماء الصافي وأتى فأخرج ذلك فأول ما يخرج الشمع ليكون كالوعاء ثم العسل وقيل إنه يقسم الأعمال فبعضه يعمل البيوت وبعضه يعمل الشمع وبعضه يعمل العسل وفي طبعه النظافة فيجعل رجيعه خارج الخلية وما مات منه أخرجه ورماه وعند الطرب فيحب الأصوات اللذيذة وله آفات تقطعه كالظلمة والغيم والريح والمطر والدخان والنار وكذلك المؤمن له آفات تقطعه منها ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام ونار الهوى
فائدة قيل مرض شخص فقال أئتوني بماء وعسل فأتوه

بذلك فخلط الجميع وشربه فشفي وروي أن شخصا شكا النبي بطن أخيه فأمره بشرب العسل فشربه ثم جاء ثانيا فأمره بشربه ثم جاء في الثالثة فقال يا رسول الله إن بطنه لم يزل فقال رسول الله إن بطنه لم يزل فقال رسول الله " صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا فسقاه الثالثة فشفي "
نادرة قيل إن بعضهم حضر مجلس المنصور فقال بعض الحاضرين المراد من قوله تعالى ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) أهل البيت فإنهم النحل والشراب القرآن فقال له بعض من حضره من اللطفاء جعل الله طعامك وشرابك ما يخرج من بطون بني هاشم فضحك الحاضرون عليه وأبهته
الخواص إذا خلط العسل الخالص بمسك خالص واكتحل به نفع من نزول الماء في العين والتلطخ به يقتل القمل ولعقه علاج لعضة الكلب والمطبوخ منه نافع للمسموم
( نسر ) هو سيد الطيور ويعمر طويلا قيل أنه يعيش ألف سنة وله قوة على الطيران حتى قيل أنه يقطع من المشرق إلى المغرب في يوم وجثته عظيمة حتى قيل أنه يحمل أولاد الفيلة وله قوة حاسة الشم حتى قيل أنه يشم رائح الجيفة من مسيرة أربعمائة فرسخ وإذا سقط على جيفة تباعدت عنها الطيور هيبة له حتى يفرغ من الأكل وعنده شره قيل أنه ياكل حتى يضعف عن الحركة بحيث أن أضعف الناس لو أراد إمساكه في تلك الحالة أمسكه وإذا باض ذهب وأتى بورق الدلب فجعله في عشه خوفا من الخفاش أن يفسد بيضه وهو لا يحضن البيض وإنما يبيض في الأماكن العالية ويبقيه في الشمس فتكون حرارتها بمنزلة الحضن ومن طبعه أنه لو شم الطيب مات وعنده الحزن على فراق إلفه حتى قيل إنه ليموت كمدا ويقال للأنثى منه أم قشعم وفي الحديث " أتاني جبريل عليه السلام فقال يا محمد لكل شيء سيد فسيد البشر آدم وسيد ولد آدم أنت وسيد الروم صهيب وسيد فارس سلمان وسيد الحبش بلال وسيد

الطيور النسر وسيد الشهور رمضان وسيد الأيام الجمعة وسيد الكلام العربي وسيد العربي القرآن وسيد القرآن سورة البقرة
الخواص إذا أخذ قلب النسر وجعل في جلد الذئب وعلق على شخص كان مهابا عند الناس مقضي الحاجة وإذا عسر على المرأة الوضع جعل تحتها من ريشه يسهل وضعها
( نعام ) يذكر ويؤنث وتسمى الأنثى بأم البيض والذكر بالظليم ومن عجيب أمرها أنها تبيض بيضا طوالا متساوية القدر وتجعلها أثلاثا للحضن وثلثا تأكله في حضنها وثلثا تكسره وتفتحه فيتعفن ويدود فيكون منه غذاء أولادها وعندها الحمق أنها تخرج من حضنها فتجد
بيض غيرها فتحضنه وتترك بيض نفسها
فائدة روى كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى لما خلق القمح وأنزله على آدم كان على قدر بيض النعام وقال له هذا رزقك ورزق أولادك قم فاحرث وازرع قال ولم يزل الحب على ذلك مدة ثم نزل إلى بيض الدجاجة ثم الحمامة ثم النبق وكان في زمن العزيز على قدر الحمص وقيل كل حيوان إذا كسرت رجله مشى بالأخرى إلا النعام فإنه يبرك إلى أن يموت وخلق الله تعالى له قوة الشم البليغ حتى قيل أنه يشم رائحة القناص من مسيرة نصف ميل وهي لا تشرب الماء كالضب ويقال إن القناص إذا أدركها أدخلت رأسها في شيء له شعب أو حجر تظن أنها قد استترت منه ولها معدة قوية تقطع الحديد والصوان والجمر وفي طبعها الأذى يقال أنها تخطف الحلق من أذن الصغير وقيل أن الذئب لا يتعرض لبيض النعام وأفراخه ما دام الأبوان حاضرين لأنهما إذا راياه ركضه الذكر إلى أن يسلمه إلى الأنثى فتركضه إلى أن تسلمه إلى الذكر ولا يزالان به حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا وقيل أشد ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح وتقول العرب صنفان من الحيوان لأصمان ا يسمعان النعام والأفاعي وسأل أبو عمرو الشيباني بعض العرب عن الظليم هل يسمع فقال يعرف بعينيه وأنفه ولا يحتاج معهما إلى سمع
( نمير ) حيوان أغبر وكنيته أبو الصعب وهو صنفان صنف عظيم الجثة صغير الذنب والآخر بالعكس قال

الجاحظ وهو يحب الشراب وعنده شراسة في خلقه ويقال أن أنثاه لا تدع ولدها إلا مطوقا بحية ولا يضرها نهشها وذلك لأجل الصياد حتى لا يظفر به وإذا مرض أكل الفأر فيبرأ وفي طبعه عداوة الأسد وعنده شرف في نفسه يقال أنه لا يأكل جيفة ولا يأكل من صيد غيره ولا يملك نفسه عند الغضب وأدنى وثبته عشرون ذراعا وأكثرها أربعون الخواص من حمل من جلده شيئا صار مهابا عند الناس ومن كان به بواسير فجلس على جلده زالت بواسيره
( حرف الهاء ) ( هدهد ) طير معروف وهو من رسل سليمان عليه الصلاة و السلام وعنده حدة البصر حتى قيل أنه يرى الماء تحت الأرض وسب غيابه عن خدمة سليمان عليه الصلاة و السلام حين سأل عنه ولم يجده هو أن هدهدا من سبأ أخبره أن عرش بلقيس صفته كذا وكذا فذهب لينظره فدخلت الشمس من مكانه فرآها سليمان عليه الصلاة و السلام فتفقده وطلبه فلما حضر قال يا نبي الله إني رأيت كيت وكيت وقص عليه القصة ويقال أنه قال لسيمان عليه الصلاة و السلام لما أراد تعذيبه يا نبي الله أذكر وقوفك بين يدي الله تعالى فارتعد سليمان من هذا الكلام وأطلقه
الخواص إذا بخر البيت بريشه طرد الهوام عنه وعينه إذا علقت على صاحب النسيان ذكر ما نسيه وريشه إذا حمله إنسان وخاصم غلب خصمه وقضيت حاجته وظفر بما يريد ولحمه إذا اكل مطبوخا نفع من القولنج وإن بخر بمخه برج حمام لم يقربه شيء يؤذيه ومن علق عليه لحيه الأسفل أحبه الناس والله سبحانه وتعالى أعلم
( حرف الواو ) ( ورشان ) طير يتولد بين الحمام والفاختة وهو حسن شديد الحنو يقال إنه يكاد يقتل نفسه إذا أمسك القناص أولاده من شدة حنوه وقال

بعضهم أنه يقول في صياحه لدوا للموت وابنوا للخراب والهدهد إذا نزل القضاء عمي البصر والفاختة تقول ليت هذا الخلق ما خلقوا وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا وليتهم عملوا لما علموا والخطاف يقول قدموا خيرا تجدوه عند ربكم والحمامة تقول سبحان ربي الأعلى والبازي يقول سبحان ربي وبحمده والسرطان يقول سبحان المذكور بكل لسان والدراج يقول الرحمن على العرش استوى والعقاب يقول البعد عن الناس رحمة ومن الطيور من يقرأ الفاتحة كالدرة ويمد صوته في الضالين كالقارئ
( حرف الياء ) ( يأجوج ومأجوج ) سموا بذلك لكثرتهم وقيل بل هو اسم أعجمي غير مشتق قال مقاتل وهو ولد يافث بن نوح عليه الصلاة و السلام وقول من قال إن آدم نام فاحتلم فالتصق منيه بالتراب فتولد منه هذا الحيوان مردود بعدم احتلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي الحديث " يأجوج ومأجوج أمة عظيمة لا يموت أحدهم حتى يرى من صلبه ألف نسمة " انتهى وهم أصناف منهم منا طوله عشرون ذراعا وما طوله ذراع وأقل وأكثر وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن لهم مخالب الطير وأنياب السباع وتداعي الحمام وتسافد البهائم ولهم شعور تقيهم الحر والبرد وإذا مشوا في الأرض كان أولهم بالشام وآخرهم بخراسان يشربون مياه المشرق إلى بحيرة طبرية ويمنعهم الله تعالى من دخول مكة والمدينة وبيت المقدس ويأكلون كل شيء يمرون به ومن مات منهم اكلوه ويقال أن صنفا منهم له أذنان إحداهما صلدة والأخرى وبرة فهو يلتحف باحداهما ويفترش الأخرى وفي الحديث أنه عليه الصلاة و السلام سئل هل بلغتهم الدعوة ؟ فقال عليه الصلاة و السلام دعوتهم ليلة أسري بي فلم يجيبوا فهم خلق النار وفي الحديث أيضا إن الله عز و جل إذا كان يوم القيامة قال يا آدم أرسل بعث النار فيقول يارب وما بعث النار ؟ فيقول الله تعالى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للنار وواحدة للجنة قال فاشتد الأمر

على المسلمين فقال رسول الله أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم واحدا وفي الحديث أن رجلا جاء إلى النبي فأخبره بالردم فقال صفه فقال يا رسول الله انطلقت إلى أرض ليس لأهلها إلا الحديد يعلمونه فدخلت في بيت فلما كان وقت الغروب سمعت ضجة عظيمة أفزعتني فارتعدت منها قال فقال صاحب البيت لا بأس عليك إن هذه الضجة أصوات قوم يذهبون هذه الساعة من خلف هذا الردم أتريد أن تنظر إليه فإذا لبنه مثل الصخرة ومساميره مثل جذوع النخل كله من حديد كأنه البرد المخبر فقال رسول الله من سره أن ينظر إلى من رأى الردم فلينظر هذا الرجل قال المفسرون وهذا هو السد الذي بناه ذو القرنين وهذه الأمة خلفه تطلب المجيء إلى هذه الجهة تنقبه كل يوم فيعيره الله كما كان إلى أن يقضي الله أمره ثم يسلط الله عليهم بعد ذلك دورا يطلع في حلاقيمهم فيهلكهم الله به والأخبار في ذلك كثيرة
( جمور ) دابة وحشية لها قرنان طويلان كأنهما منشاران تنشر بهما الشجر وقيل هو كالأيل يلقي قرنيه في كل سنة وهما صامتان وقال الجوهري هو الحمار الوحشي
نادرة قيل ترافق رجلان في طريق فلما قربا من مدينة من المدن قال أحدهما للآخر قد صار لي عليك حق وإني رجل من الجان ولي إليك حاجة قال وما هي ؟ قال إذا وصلت إلى المكان الفلاني من هذه المدينة فهناك عجوز عندها ديك فاشتره منها واذبحه فقال له الآخر وأنا أيضا لي إليك حاجة قال وما هي ؟ قال إذا ركب الجني إنسانا ما يعمل له قال تشد بهاميه بسير من جلد اليحمور وتقطر في أذنيه من ماء السذاب في اليمنى أربعا وفي اليسرى ثلاثا فإن الراكب له يموت تفرقا ودخل الأنسي ففعل ما أمره به الجني من شراء الديك وذبحه فلم يشعر بعد أيام إلا وقد أحاط به أهل صبية من تلك البلدة وقالوا له أنت ساحر ومن حين ذبحت الديك سلبت من صبية عندنا عقلها فلا نفلتك إلا إلى صاحب المدينة قال ائتوني بسير من جلد اليحمور وقليل من ماء السذاب ودخلت على الصبية فشددت وقطرت

ماء السذاب في أذنيها فسمعت صوتا يقول آه علمتك على نفسي ثم مات ساعته وشفي الله تلك الشابة
فصل في خواص الطير والحيوان على الاجمال
الضب والخنزير لا يلقيان شيئا من أسنانهما أبدا وكل حيوان يعوم بالطبع الانسان والقرد وكل ذي عين فإن أهداب عينه في الجهة العليا فقط إلا الانسان من الجهتين والفرس لا طحال له والبعير لا مرارة له والظليم لا مخ لعظمه والحيات لا ألسنة لها والسمكة لا رئة لها لأنها تتنفس من كبدها وكل حيوان لا حافر له فله قرن وما لا قرن له فله حافر والحيوان المتهم باللواك القرد والخنزير والحمار والسنور والعيون التي تضيء بالليل عين الأسد والنمر والأفعى والسنور والذي يدخر القوت من الحيوان الانسان والفأر والغراب والنحل والنمل والذي يحيض من الحيوان الإنسان والفرس والكلب والأرنب والضبع والخفاش ويقال أيضا الرعاد من السمك فتبارك الله أحسن الخالقين وهذا آخر ما قصدت إيراده في هذا الباب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب

الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
ذكر المسعودي في كتابه عن بعض العلماء أن الله سبحانه وتعالى خلق في الأرض قبل آدم ثمانيا وعشرين أمة على خلق مختلفة وهي أنواع منها ذوات أجنحة وكلامهم قرقعة ومنها ما له أبدان كالأسود ورؤوس كالطير ولهم شعور وأذناب وكلامهم دوي ومنها ما له وجهان واحد من قبله والآخر من خلفه وأرجل كثيرة ومنها يشبه نصف الانسان بيد ورجل وكلامهم مثل صياح الغرانيق ومنها ما وجهه كالآدمي وظهره كالسلحفاة وفي رأسه قرن وكلامهم مثال عوي الكلاب ومنها ما له شعر أبيض وذنب كالبقر ومنها ما له أنياب بارزة كالخناجر وآذان طوال ويقال إن هذه الأمم تناكحت وتناسلت حتى صارت مائة وعشرين أمة ولم يخلق الله تعالى أفضل ولا أحسن ولا أجمل من الإنسان وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه خلق الله تعالى ألف أمة وعشرين أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة وعشرون في البر وفي الإنسان من كل خلق فلذلك سخر الله له جميع الخلق واستجمعت له جميع اللذات وعمل بيده جميع الآلات وله النطق والضحك والبكاء والفكرة والفطنة واختراعات الأشياء واستنباط جميع العلوم واستخراج المعادن وعليه وقع الأمر والنهي والوعد والوعيد والنعيم والعذاب وإياه خاطب وله قرب وخلق الله تعالى إسرافيل عليه السلام على صورة الانسان وهو أقرب الملائكة إليه وفي الحديث " لا تضربوا الوجوه فإنها على صورة إسرافيل " وآيات الله تعالى في

أكثر من أن تحصر ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) وقال الشيخ عبد الله صاحب كتاب تحفة الألباب دخلت إلى باشقرد فرأيت قبور عاد فوجدت سن أحدهم طوله أربعة أشبار وعرضه شبران وكان عندي في باشقرد نصف ثنية أخرجت لي من فك أحدهم الأسفل فكان نصف الثنية شبرين ووزنها ألف ومائة مثقال وكان دور فك ذلك العادي سبعة عشر ذراعا وطول عظم عضد أحدهم ثمانية أذرع وعرض كل ضلع من أضلاعهم ثلاثة أشبار كلوح الرخام قال ولقد رأيت في بلغار سنة ثلاثين وخمسمائة من نسل عاد رجلا طويلا طوله أكثر من سبعة وعشرين ذراعا كان يسمى دنقي أو ديقي وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الولد الصغير وكان من قوته يكسر بيده ساق الفرس ويقطع جلده وأعضاءه كما يقع باقة البقل وكان صاحب بلغار قد اتخذ له درعا تحمل على عجلة وبيضة عادية لرأسه كأنها قطعة من جبل وكان يأخذ في يده شجرة من البلوط كالعصا لو ضرب بها الفيل لقتله وكان خيرا متواضعا كان إذا لقيني يسلم علي ويرحب بي ويكرمني وكان رأسي لا يصل إلى ركبتيه رحمه الله تعالى عليه ولم ين في بلغار حمام يمكنه دخولها إلا حمام واحدة وكانت له أخت على طوله ورأيتها مرات في بلغار وقال لي قاضي بلغار يعقوب ابن النعمان إن هذه المرأة العادية قتلت زوجها وكان اسمه آدم وكان أقوى أهل بلغار قيل إنها ضمته إليها فكسرت أضلاعه فمات من ساعته
وروي عن وهب بن منبه في عوج بن عنق أنه كان من أحسن الناس وأجملهم إلا أنه كان لا يوصف طوله قيل إنه كان يخوض في الطوفان فلم يبلغ ركبتيه ويقال إن الطوفان علا على رؤوس الجبال أربعين ذراعا وكان يجتاز بالمدينة فيتخطاها كما يتخطى أحدكم الجدول الصغير وعمره الله دهرا طويلا حتى أدرك موسى عليه السلام وكان جبارا في أفعاله يسير في الأرض برا وبحرا ويفسد ما شاء ويقال

إنه لما حصر بنو إسرائيل في التيه ذهب فأتى بقطعة من جبل على قدرهم واحتملها على رأسه ليلقيها عليهم فبعث الله طيرا في منقاره حجر مدور فوضعه على الحجر الذي على رأسه فانثقب من وسطه وانخرق في عنقه وأخبر الله عز و جل نبيه موسى عليه الصلاة و السلام بذلك فخرج إليه وضربه بعصا فقتله ويقال إن موسى عليه الصلاة و السلام كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع وقفز في الهواء عشرة أذرع وضربه فلم يصل إلى عرقوبه فتبارك الله أحسن الخالقين ومن ذلك ما قيل عن أمه عنق بنت آدم عليه الصلاة و السلام وكانت مفردة بغير أخ وكانت مشوهة الخلقة لها رأسان وفي كل يد عشرة أصابع ولكل أصبع ظفران كالمنجلين وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هي أول من بغى في الأرض وعمل الفجور وجاهر بالمعاصي واستخدم الشياطين وصرفهم في وجوه السحر وكان قد أنزل الله على آدم عليه الصلاة و السلام أسماء عظيمة تطيعه الشياطين بها وأمره أن يدفعها إلى حواء لتحترز بها فغافلتها عنق وسرقتها واستخدمت بها الشياطين وتكلمت بشيء من الكهانة فدعا عليها آدم وأمنت على ذلك حواء فأرسل الله عليه أسدا أعظم من الفيل فهجم عليها وقتلها وذلك بعد ولادتها عوجا بسنتين
ومن ذلك ما حكي عن بعض فقهاء الموصل أنه شاهد ببلاده الأكراد المحمدية في جبل من جبال المصل إنسانا طوله تسعة أذرع وهو صبي لم يبلغ وكان يأخذ بيده الرجل القوي ويرميه خلف ظهره فأراد صاحب الموصل استخدامه فقيل له في عقله خبل فتركه
وروي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال دخلت بلدة اليمن فرأيت بها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن واحد ومن وسطه إلى أعلاه بدنان مفترقان برأسين ووجهين وأربع أيد وهما يأكلان ويشربان ويتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان قال ثم غبت عنهما قليلا ورجعت فقيل لي أحسن الله عزاءك في أحد الشقين فقلت وكيف

صنع به ؟ فقيل ربط في أسفله حبل وثيق وترك حتى ذبل ثم قطع ورأيت الجسد الآخرب بالسوق ذاهبا وراجعا
ومنه ما أرسله بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة وهو رجلان في جسد واحد فأحضر الأطباء وسألهم عن انفصال أحدهما عن الآخر فسألوهما هل تجوعان معا وتعطشان معا ؟ قال نعم فقالوا له لا يمكن فصلهما ويقال إنه أحضر أباهما فسأله عن حالهما فأخبر أنهما يختصمان في بعض الأحيان وأنه يصلح بينهما ومن ذلك ما ذكر أنه أهدي إلى أبي منصور الساماني فرس له قرنان وثعلب له جناحان إذا قرب منه إنسان نشرهما وإذا بعد ألصقهما وذكر القاضي عياض رحمة الله تعالى عليه أنه ولد له مولود على حد جنبيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله وهذا لا يبعد فإنه يوجد كثيرا في السنور الدبركي وذكر أنه ولد بالقاهرة غلام له أربعة أرجل ومثلها أيد وذكر أنه كان لبعض ولاة مصر مملوك يدعى طقطو فولاه فوض من أعمال الصعيد فتزوج بها وولد له ولد ثم انقلب امرأة فتزوج بها وولدت ولدين وأما كبش بأربعة قرون ودجاجة بأربعة أرجل وحيوان برأسين والمخرج واحد فكثير وعجائب الله تعالى في مصنوعاته غير متناهية فلله الحمد على ما أنعم به علينا لا نحصي ثناء عليه
ومن ذلك إنسان الماء وهو حيوان يشبه الآدمي وفي بعض الأوقات يطلع ببحر الشام شيخ بلحية بيضاء ويستبشر الناس برؤيته في تلك السنة بالخصب
ومن ذلك بنات الماء وهم أمة ببحر الروم يشبهن النساء ذوات شعور وثدي وفروج وهن حسان ولهن كلام لا يفهم وضحك ولعب ولهن رجال من جنسهن ويقال إن الصيادين يصطادونهن ويجامعونهن فيجدون لذة عظيمة لا توجد في غيرهن من النساء ثم يعيدوهن في البحور ثانيا ويقال إن هذا الصنف يوجد بالبرلس ورشيد على ما ذكر

وحكي عن الشيخ أبي العباس الحجازي قال حدثني بعض التجار أنه في سنة من السنين خرجت إليه سمكة عظيمة فنقبوا أذنها وجعلوا فيها الحبال وأخرجوها ففتحت أذنها فخرجت جارية حسناء بيضاء سوداء الشعر حمراء الخدين كحلاء العينين من أحسن ما يكون من النساء ومن صرتها إلى نصف ساقيها شيء كالثوب يستر قبلها ودبرها ودائر عليها كالإزار فأخذها الرجال إلي البر فصارت تلطم وجهها وتنتف شعرها وتعض يدها وتصيح كما تصيح النساء حتى ماتت في أيديهم فألقوها في البحر فتبارك الله أحسن الخالقين
وحكى القزويني عن بعض البحريين أن الريح ألقتهم على جزيرة ذات أشجار وأنهار فأقاموا بهامدة وكانوا إذا جاء الليل يسمعون بها همهمة واصواتا وضحكا ولعبا فخرج من المراكب جماعة وكمنوا في جانب البحر فلما جاء الليل خرج بنات الماء على عادتهن فوثبوا عليهن فأخذوا منهن اثنتين فتزوج بهما شخصان فأما أحدهما فوثق بصاحبته فأطلقها فوثبت في البحر وأما الآخر فبقي مع صاحبته زمانا وهو يحرسها حتى ولدت له ولدا كأنه القمر فلما طاب الهواء وركبوا البحر ووثق بها فأطلقها فأغفلته وألقت نفسها في البحر فتأسف عليها تأسفا عظيما فلما كان بعد أيام ظهرت من البحر ودنت من المراكب وألقت لصاحبها صدفا فيه در وجوهر فباعه وصار من التجار
ونظير هذه الحكاية ما ذكره ابن زولاق في تاريخه أن رجلا من الأندلس من الجزيرة الخضراء صاد جارية منهن حسناء الوجه سوداء الشعر حمراء الخدين نجلاء العينين كأنها البدر ليلة التمام كاملة الأوصاف فأقامت عنده سنين وأحبها حبا شديدا وأولدها ولدا ذكرا وبلغ من العمر أربع سنين ثم إنه أراد السفر فاستصحبها معه ووثق بها فلما توسطت البحر أخذت ولدها وألقت نفسها في البحر فكاد أن يلقي نفسه خلفها حسرة عليها فلم يمكنه أهل المركب من ذلك فلما كان بعد ثلاثة أيام ظهرت له ألفت له صدفا كثيرا فيه در ثم سلمت عليه وتركته

فكان ذلك آخر العهد بها فتبارك الله ما أكثر عجائب خلقه وما لم نشاهده ونسمع به أكثر فسبحان القادر على كل شيء لا إله إلا هو ولا معبود سواه فالعاقل يعرف الجائز والمستحيل ويعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدره الله تعالى قليل وإذا سمع عجبا جائزا استحسنه ولم يكذب قائله والجاهل إذا سمع ما لم يشاهده قطع بتكذيب قائله وتزييف ناقله وذلك لقلة عقله وقد وصف الله تعالى الجاهل بعدم العقل بقوله تعالى ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ) وقد أودع الله تعالى من عجائب المصنوعات في الآفاق والسماوات ما يدل عليه قوله تعالى ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) فلا تكن منكر العجائب فكل الأشياء من آياته
( فيا عجبا كيف يعصى الاله ... أم كيف يجحده الجاحد )
( وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد ) ومن شاهد حجر المغناطيس وجذبه للحديد وكذلك حجر الماس الذي يعجز عن كسره الحديد ويكسره الرصاص ويثقب الياقوت والفولاذ ولا يقدر على ثقب الرصاص يعلم أن الذي أودعه هذا السر قادر على كل شيء فلا تكن مكذبا بما لا تعلم وجه حكمته فإن الله تعالى قال ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) قال صاحب تحفة الألباب إن في بلاد السودان أمة لا رؤوس لهم
وقد ذكرهم الشعبي في كتاب سير الملوك وذكر في بلاد المغرب أمة من ولد آدم كلهم نساء ولا يعيش في أرضهم ذكر وأن هؤلاء النساء يدخلن في ماء عندهم فيحبلن من ذلك وتلد كل امرأة منهن بنتا ولا يلدن ذكرانا أبدا وقيل إن ولد تبع اليماني وصل إليهم لما أراد أن يصل إلى الظلمات التي دخلها ذو القرنين وإن ولد تبع هذا كان إسمه أفريقش وهو الذي

بنى إفريقية وسماها باسمه وأنه وصل إلى وادي السبت وهو واد يجري فيه الرمل كما يجري فيه السيل لا يمكن أن يدخل فيه حيوان إلا هلك فلما رآه استعجل الرجوع وذو القرنين لما وصل إليه أقام إلى يوم السبت فسكن جريانه فعبره إلى أن وصل إلى الظلمات فيما يقال والله سبحانه وتعالى أعلم وتلك الأمة التي لا رؤوس لهم أعينهم في مناكبهم وأفواههم في صدورهم وهم كثيرون كالبهائم يتناسلون ولا مضرة على أحد منهم وأما الملك العظيم والعدد الكثير والنعم الجزيلة والسياسة الحسنة والرخاء والأمن الذي لا خوف معه ففي بلاد الهند وبلاد الصين وأهل الهند أعلم الناس بعلم الطب وعلم النجوم والهندسة والصناعات العجيبة التي لا يقدر أحد سواهم على أمثالها وفي بلادهم وجزائرهم ينبت العود وشجر الكافور وجميع أنواع الطيب كالقرنفل والسنبل والدرصيتي والكبابة والبسباسة وأنواع العقاقير والأدوية وعندهم حيوان المسك وهو حيوان كالغزال يجتمع المسك في سرعته وعندهم حيوان الزباد وهو حيوان كالسنور يخرج منه عرق كالقطران أسود ثخين يسيل من جسده وتزيد رائحته بالتغرب بحيث تكون أذكى من المسك الأذفر ويخرج من بلادهم أنواع اليواقيت وأكثرها في جزيرة سرنديب وعلى جبلها نزل آدم عليه الصلاة و السلام من الجنة فيما يقال
وحكي إنه كان ببابل سبع مدائن كل مدينة فيها أعجوبة كان في إحداها تمثال الأرض فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته وامتنعوا عن القيام بالخراج خرج أنهارها عليهم في التمثال فلا يطيق أهل تلك الناحية سد الماء حتى يعتدلوا وما لم يسد التمثال لا سيد في ذلك البلد وفي الثانية حوض إذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه أتى كل واحد بما أحب من الشراب فصبه ذلك الحوض فاختلطت الأشربة فكل من سقى من ذلك الحوض كان شرابه الذي جاء به وفي الثالثة طبل إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب عن أهله قرعوه فإ ن كان حيا سمع له صوت وإن كان ميتا لم يسمع له صوت وفي الرابعة مرآة إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب فيها فأبصروه على أي حالة هو عليها

كأنهم يشاهدونه وفي الخامسة أوزة من نحاس فإذا دخل الغريب صوتت الأوزة صوتا يسمعه أهل المدينة وفي السادسة قاضيان جالسان على الماء فيأتي الخصمان فيمشي المحق على الماء حتى يجلس مع القاضيين ويقع المبطل في الماء وفي السابعة شجرة ضخمة لا تطل إلا ساقها فإن جلس تحتها أحد أظلته إلى ألف شخص فإذا أرادوا على الألف واحدا جلسوا في الشمس كلهم ولو بسطت المقال في ذلك لاتسع المجال وقد اقتصرت في ذلك على ما ذكرت والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الرابع والستون في خلق الجان وصفاتهم روي عن الشيخ عبد الله صاحب تحفة الألباب أنه قال قرأت في بعض الكتب المتقدمة المأثورة عن العلماء رحمهم الله تعالى أن الله تعالى لما أراد أن يخلق الجان خلق نار السموم وخلق من مارجها خلقا سماه جانا كما قال الله تعالى ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) وقال الله تعالى في موضع آخر ( وخلق الجان من مارج من نار ) وقيل إن الله تعالى خلق الملائكة من نور النار والجان من لهبها والشياطين من دخانها وقد جاء في بعض الأخبار أن نوعا من الجن في قديم الزمان قبل خلق آدم عليه الصلاة و السلام كانوا سكانا في الأرض قد طبقوها برا وبحرا سهلا وجبلا وكان فيهم الملك والنبوة والدين والشريعة وكانوا يطيرون الى السماء ويسلمون على الملائكة ويستعلمون منهم خبر ما في السماء وكثرت نعم الله عليهم إلى أن بغوا وطغوا وتركوا وصايا أنبيائهم فأرسل الله تعالى عليهم جندا من الملائكة فحصل بينهم مقتلة عظيمة وغلبوا الجن وطردوهم إلى أطراف البحار وأسروا منهم أمما كثيرة وذكر المسعودي أن الفرس واليونان قالوا كان الجن بالأرض قبائل منهم من يسترق السمع ومنهم من ينط مع لهب النار ومنهم من يطير ولكل قبيلة ملك وكان من جملتهم إبليس لعنه الله ثم بعد خمسة آلاف سنة افترقوا وملكوا عليهم ملوكا وأقاموا على ذلك مدة طويلة ثم تحاسدوا على الملك وأغار بعضهم على بعض

وجرت بينهم وقائع وحروب وكان إبليس لعنه الله يصعد إلى السماء ويختلط بالملائكة فبعثه الله تعالى بجيوش من الملائكة فهزم الجن وقتلهم وتملك الأرض مدة طويلة إلى أن خلق آدم عليه الصلاة و السلام واتفق له معه ما اتفق وأهبط آدم إلى الأرض وعظم شأنه فعند ذلك انتقل إبليس إلى البحر المحيط وسكن هناك ثم ألقى عليه قوة شهوة السفاد فهو لا يلد لكنه يلقح كالطير ويبيض ويفرخ قيل إنه يخرج من كل بيضة ستون ألف شيطان فيسلطهم على الخلق وأقربهم إليه وأدناهم منه ومن مجلسه أكثرهم إيذاء للخلق وفي الحديث أن إبليس لعنه الله قال يا رب أنزلتني إلي الأرض وطردتني وجعلتني رحيما فاجعل لي مسكنا قال مسكنك الأسواق قال فاجعل لي طعاما قال ما لم يذكر اسمي عليه قال فاجعل لي شرابا قال كل مسكر قال فاجعل لي مؤذنا قال المزامير قال فاجعل لي صيدا أو قال مصائد قال النساء
فصل في مكايده لعنه الله
منها أنه كان في بني إسرائيل عابد يدعى برصيصا وله جار له بنت فحصل لها مرض فقال له جيرانه لو حملتها إلى جارك برصيصا ليدعو لها قال فجاء إبليس إلى العابد وقال إن لجارك عليك حق الجوار وإن له بنتا مريضة فما ضرك لو جعلتها عندك في جانب البيت ودعوت الله لها عقب عبادتك فعسى أن تشفى من مرضها قال فلما أتاه جاره بالبنت قال له العابد دعها وانصرف قال فتركها عنده مدة حتى شفيت فجاء له إبليس ووسوس له حتى وطئها فحملت منه فلما حملت جاء له إبليس لعنه الله فقال له اقتلها لئلا تفتضح قال فقتلها ودفنها قال فعند ذلك ذهب الشيطان إلى أهلها وأعلمهم بذلك فجاؤا إلى العابد وكشفوا عن قضيته ثم أخذوه ومضوا ليقتلوه فعارضه إبليس اللعين في الطريق فقال له إن سجدت لي خلصتك منهم

فسجد له فعند ذلك تبرأ منه ومات الرجل كافرا اللهم اعصمنا من مكائد الشيطان برحمتك يا أرحم الراحمين
ومن ذلك ما اتفق أن بني إسرائيل اتخذوا شجرة وصاروا يعبدونها فجاء بعض عبادهم بفأس ليقطعها فعارضه إبليس لعنه الله وقال له تركت عبادتك وجئت لشيء لا يعود عليه نفعه ولم يزل به حتى تقاتل معه فصرعه العابد وجلس على صدره ثم رجع ولم يزل يعمل معه ذلك في كل يوم إلى ثلاثة أيام فلما رآه لا يرجع قال له اترك قطعها وأنا أجعل لك في كل يوم دينارين تستعين بهما على نفقتك وعبادتك وعاهده على ذلك فرجع قال فجعل له تحت وسادته دينارين ثم دينارين ثم دينارين ثم قطع ذلك عنه فأخذا العابد الفأس وذهب إلى قطع الشجرة فعارضه إبليس في الطريق وتحاور معه وتجاذبا فصرعه إبليس وجلس على صدره وقال له إن لم ترجع عن قطعها وإلا ذبحتك فقال له العابد خل عني واخبرني كيف غلبتني فقال له لما غضبت لله غلبتني ولما غبت لنفسك غلبتك
ومنها أشياء كثيرة ليس هذا محل استيفائها قال الله تعالى ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهو لكم عدو بئس للظالمين بدلا )
فصل في المتشيطنه وهم أنواع كثيرة
منها الولهان يوجد في جزائر البحار على صورة الإنسان
حكى بعض المسافرين أنه عرض لمركب وهو راكب على نعامة يريد أخذ المركب وصاح بهم صيحة عظيمة خروا منها على وجوههم

بعض من في المركب ومنها السعلاة يحكى أن صنفا منها يتزيا بزي النساء ويتراءى
للرجال وحكي أن بعضهم تزوج امرأة منهن وهو لا يعلم فأقامت معه مدة وولدت منه أولادا ذكورا وإناثا فلما كانت ذات ليلة صعدت معه السطح فنظرت فرأت نارا من بعد عند الجبانة فاضطربت وقالت ألم تنر نيران السعالى وتغير لونها وقالت بنوك وبناتك أوصيك بهم خيرا ثم ط ارت ولم تعد إليه ومنها نوع يقال له المذهب يخدم العباد ومقصوده بذلك أن يعجبوا بأنفسهم
وحكي أن بعض العباد نزل صومعة يتعبد فيها فأتاه شخص بسراج وطعام فتعجب العابد من ذلك فقال له شخص بالصومعة إنه المذهب يريد أن يخيل لك أن ذلك من كرامتي والله إني لأعلم أنه شيطان وقال بعض الصوفية المذهب أصناف منهم من يحمل الفانوس بين يدي الشيخ ومنهم من يأتيه بالطعام والشراب وغير ذلك ومنهم من ينشد الشعر
وقال بعض المسافرين أبق لي غلام فخرجت في أثره فإذا أنا بأربعة يتناشدون شعر الفرزدق وجرير قال فدنوت منهم وسلمت عليهم فقالوا ألك حاجة ؟ فقلت لا فقال بعضهم تريد غلامك قلت وما أعلمك بغلامي ؟ قال كعلمي بجهلك قلت أو جاهل أنا ؟ قال نعم وأحمق قال ثم غاب وأتاني بالغلام مقيدا فلما رأيته غشي علي فلما أفقت قال أنفخ في يده ففعلت فانفرج العيد عنه وصرت لا أنفخ في شيء من ذلك ولا في وجع من الأوجاع إلا برئ ووخلص صاحبه ومنها نوع يقال له العفريت يخطف النساء يقال إن رجلا اختطفت ابنته في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
وقال بعض المسافرين بينما نحن سائرون ذات ليلة إذا عرض لي قضاء الحاجة فانفردت عن رفقتي وضللت عنهم فبينما أنا سائر في أثرهم إذ رأيت نارا عظيمة وخيمة فجئت إلى جانبها وإذا أنا=

ج3. : المستطرف في كل فن مستظرف
المؤلف : شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي
--

بجارية جميلة جالسة فيها فسألتها عن حالها فقالت أنا من فزارة اختطفني عفريت يقال له ظليم وجعلني ههنا فهو يغيب عني بالليل ويأتيني بالنهار فقلت لها امضي معي فقالت أهلك أنا وأنت فإنه يتبعنا ويأتينا فيأخذني ويقتلك فقلت لا يستطيع أخذك ولا قتلي وما زلت أرددها الحديث حتى رضيت فأنخت لها ناقتي فركبتها وسرت بها حتى طلع الفجر فالتفت فإذا أنا بشخص عظيم مهول قد أقبل ورجلاه تخطان في الأرض فقالت ها هو قد أتانا فأنخت ناقتي وخططت حولها خطا وقرأت آيات من القرآن وتعوذت بالله العظيم فتقدم وأنشد يقول
( يا ذا الذي للحين يدعوه القدر ... )
( خل عن الحسناء ثم سر ... )
( وإن تكن ذا خبرة فينا اصطبر ... ) قال فأجبته
( يا ذا الذي للحين يدعوه الحمق ... )
( خل عن الحسناء رسلا وانطلق ... )
( ما أنت في الجن بأول من عشق ... ) قال فتبدى لي في صورة أسد وجاذبني وجاذبته ساعة فلم يظفر أحد منا بصاحبه فلما أيس مني قال هل لك في جز ناصيتي أو إحدى ثلاث خصال ؟ قلت وما هن ؟ قال مائتان من الإبل أو أخدمك أيام حياتي أو ألف دينار الساعة وخل بيني وبين الجارية فقلت لا أبيع ديني بدنياي ولا حاجة لي بخدمتك فاذهب من حيث أتيت فال فانطلق وهو يتكلم بكلام لا أفهمه وسرت بالجارية إلى أهلها وتزودت بها وجاءني منها أولاد

وقيل لما سخر الله تعالى الجن لسليمان عليه الصلاة و السلام نادى جبريل عليه السلام أيها الجن أجيبوا نبي الله سليمان بن داود بإذن الله تعالى قال فخرجت الجن والشياطين من الجبال والكهوف والغيران و الأودية والفلوات والآجام وهم يقولون لبيك لبيك والملائكة تسوقهم سوق الراعي للغنم حتى حشرت بين يدي سليمان عليه الصلاة و السلام طائعة ذليلة وكانوا إذ ذاك أربعا وعشرين فرقة فنطر إلى ألوانها فإذا هي سود وشقر ورقط وبيض وصفر وخضر وعلى صور جميع الحيوانات ومنهم من رأسه رأس أسد وبدنه بدن الفيل ومنهم من له خرطوم وذنب ومنهم من له قرون وحوافر وغير ذلك من الأنواع قال فعند ذلك تعجب نبي الله سليمان عليه الصلاة و السلام من هذه الأشكال وسجد شكرا لله تعالى وقال إلهي ألبسني هيبة من عندك وجعل يسألهم عن طباعهم وعن طعامهم وشرابهم وهو يجيبونه ثم فرقهم في الصنائع من قطع الصخور والأحجار والأشجار والغوص في البحار وأبنية الحصون وفي استخراج المعادن والجواهر قال الله تعالى ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) ونكتفي من ذلك بهذا القدر اليسير والله المسؤول في تيسير كل عسير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الخامس والستون في ذكر البحار وما فيها من العجائب وذكر الأنهار والآبار وفيه فصول
الفصل الأول في ذكر البحار
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال لما أراد الله تعالى أن يخلق الماء خلق ياقوتة خضراء لا يعلم طولها وعرضها إلا الله سبحانه وتعالى ثم نظر إليها بعين الهيبة فذابت وصارت ماء فاضطرب الماء فخلق الريح ووضع عليها الماء ثم خلق العرش ووضعه على متن الماء وعليه قوله تعالى ( وكان عرشه على الماء )
واعلم أن بحر الظلمات لا يدخله شمس ولا قمر وإن بحر الهند خليج منه وبحر اللاذقية خليج منه وبحر الصين خليج منه وبحر الروم خليج منه وبحر فارس خليج منه وكل هذه البحار التي ذكرتها أصلها من البحر الأسود الذي يقال له البحر المحيط وأما بحر الخرز وبحر خوارزم وبحر أرمينية والبحر الذي عند مدينة النحاس وغير ذلك من البحار الصغار فهي منقطعة عن البحر الأسود ولذلك ليس فيها جزر ولا مد وقيل سئل النبي عن الجزر والمد فقال هو ملك عال قائم بين البحرين إن وضع رجله في البحر حصل له المد وإذا رفعها حصل له الجزر قيل إنما سمي البحر الأسود لأن ماءه فيه

رأى العين كالحبر الأسود فإن أخذ منه الإنسان في يده شيئا رآه أبيضا صافيا إلا أنه أمر من الصبر مالح شديد الملوحة فإذا صار ذلك الماء في بحر الروم تراه أخضر كالزنجار والله تعالى يعلم لأي شيء ذلك وكذلك يرى في بحر الهند خليج أحمر كالدم وبحر أصفر كالذهب وخليج أبيض كاللبن تتغير هذه الألوان في هذه المواضع والماء في نفسه أبيض صاف وقيل إن تغير الماء بلون الأرض
وأما ما يخرج من البحر من السمك وغيره فقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال بعثنا رسول الله إلى ساحل البحر وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه نتلقى عير قريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصها ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل فأشرفنا على ساحل البحر فرأينا شيئا كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هو دابة من دواب البحر تدعى العنبر فأقمنا شهرا نأكل منها ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من الدهن الذي في وقب عينيها بالفلال ونقطع منه القطعة كالثور ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينها وأخذ ضلعا من أضلاعها فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمها فلما قدمنا المدينة ذكرنا لرسول الله ذلك فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم شيء من لحمها فتطعمونا فأرسلنا له منه فأكله وقيل يخرج من البحر سمكة عظيمة فتتبعها سمكة أخرى أعظم منها لتأكلها فتهرب منها إلى مجمع البحرين فتتبعها فتضيق عليها مجمع البحرين لعظمها وكبرها فترجع إلى البحر الأسود وعرض مجمع البحرين مائة فرسخ فتبارك الله رب العالمين
وقال صاحب تحفة الألباب ركبت في سفينة مع جماعة فدخلنا إلى مجمع البحرين فخرجت سمكة عظيمة مثل الجبل العظيم فصاحت صيحة عظيمة لم أسمع قط أهول منها ولا أقوى فكاد قلبي ينخلع وسقطت على وجهي أنا وغيري ثم ألقت السمكة نفسها في البحر

فاضطرب البحر اضطرابا شديدا وعظمت أمواجه وخفنا الغرق فنجانا الله تعالى بفضله وسمعت الملاحين يقولون هذه سمكة تعرف بالبغل قال ورأيت في البحر سمكة كالجبل العظيم ومن رأسها إلى ذنبها عظام سود كأسنان المنشار كل عظم أطول من ذراعين وكنا بيننا وبينها في البحر أكثر من فرسخ فسمعت المالحين يقولون هذه السمكة تعرف بالمنشار إذا صادفت أسفل السفينة قصمتها نصفين ولقد سمعت أنا من يقول أن جماعة ركبوا سفينة في البحر فأرسوا على جزيرة فخرجوا إلى تلك الجزيرة فغسلوا ثيابهم واستراحوا ثم أوقدوا نارا ليطبخوا فتحركت الجزيرة وطلبت البحر وإذا بها سمكة فسبحان القادر على كل شيء لا إله إلا هو ولا معبود سواه وقيل إن في البحر سمكة تعرف بالمنارة لطولها يقال إنها تخرج من البحر إلى جانب السفينة فتلقى نفسها عليها فتحطمها وتهلك من فيها فإذا أحس بها أهل السفينة صاحوا وكبروا وضجوا وضربوا الطبول ونقروا الطسوت والسطول والأخشاب لأنها إذا سمعت تلك الأصوات ربما صرفها الله تعالى عنهم بفضله ورحمته وقال الشيخ عبد الله صاحب تحفة الألباب كنت يوما في البحر على صخرة فإذا أنا بذنب حية صفراء منقطة بسواد طولها مقدار باع فطلبت أن تقبض على رجلي فتباعدت عنها فأخرجت رأسها كأنه رأس أرنب من تحت تلك الصخرة فسللت خنجرا كبيرا كان معي فطعنت به رأسها فغار فيه فلم أقدر على خلاصه منها فأمسكت نصابه بيدي جميعا وجعلت أجره حتى ألصقتها بباب الجحر فتركت الجحر وخرجت من تحت الصخرة فإذا هي خمس حيات في رأس واحد فتعجبت من ذلك وسألت من كان هناك عن اسم هذه الحية فقال هذه تعرف بأم الحيات وذكروا أنها تقبض على الآدمي في الماء فتمسكه حتى يموت وتأكله وأنها تعظم حتى تكون كل حية اكثر من عشرين ذراعا وأنا تقلب الزوارق وتأكل من قدرت عليه من أصحابها وأن جلدها أرق من جلد البصل ولا يؤثر فيها الحديد شيئا قال ورأيت مرة في البحر صخرة عليها شيء كثير من النارنج

الأحمر الطري الذي كأنه قطع من شجرة فقلت في نفسي هذا قد وقع من بعض السفن فذهبت إليه فقبضت منه نارنجة فإذا هي ملتصقة بالحجر فجذبتها فإذا هي حيوان يتحرك ويضرب في يدي فلففت يدي بكم ثوبي وقبضت عليه وعصرته فخرج من فيه مياه كثيرة وضمر فلم أقدر أن أقلعه من مكانه فتركته عجزا عنه وهو من عجائب خلق الله تعالى وليس له عين ولا جارحة إلا الفم والله سبحانه وتعالى أعلم لأي شيء يصلح ذلك
قال ولقد رأيت يوما على جانب البحر عنقود عنب أسود كبير الحب أخضر العرجون كأنما قطف من كرمه فأخذته وكان ذلك في أيام الشتاء وليس في تلك الأرض التي كنت فيها عنب فرمت أن آكل منه فقبضت على حبة منه وجذبتها فلم أقدر أن أقلعها من العنقود حتى كأنها من الحديد قوة وصلابة فجذبتها جذبة أقوى من الأولى فانقشرت قشرة من تلك الحبة كقشر العنب وفي داخلها عجم كعجم العنب فسألت عن ذلك فقيل لي هذا من عنب البحر ورائحته كرائحة السمك وفي البحر أيضا حيوان رأسه يشبه رأس العجل وله أنياب كأنياب السباع وجلده له شعر كشعر العجل وله عنق وصدر وبطن وله رجلان كرجل الضفدع وليس له يدان يعرف بالسمك اليهودي وذلك أنه إذا غابت الشمس ليلة السبت يخرج من البحر ويلقي نفسه في البر ولا يتحرك ولا يأكل ولو قتل ولا يدخل البحر حتى تغيب الشمس ليلة الأحد فحينئذ يدخل البحر ولا تلحقه السفن لخفته وقوته وجلده يتخذ منه نعل لصاحب النقرس فلا يجد له ألما ما دام ذلك الجلد عليه وهو من العجائب وقيل إن في بحر الروم سمكا طويلا طول السمكة مائة ذراع وأكثر وله أنياب كأنياب الفيل تؤخذ وتباع في بلاد الروم وتحمل إلى سائر البلاد وهي أحسن وأقوى من أنياب الفيل وإذا شق الناب منها يظهر فيه نقوش عجيبة ويسمونه الجوهر ويتخذون منه نصبا للسكاكين وهو مع قوته وحسن لونه ثقيل الوزن كالرصاص وفي البحر أيضا سمك يسمى الرعاد إذا دخل في شبكة فكل من جر تلك الشبكة أو وضع يده عليها أو على

حبل من حبالها تأخذه الرعدة حتى لا يملك من نفسه شيئا كما يرعد صاحب الحمى فإذا رفع يده زالت عنه الرعدة فإن أعادها عادت إليه الرعدة وهذا أيضا من العجائب فسبحان الله جلت قدرته
وقال صاحب تحفة الألباب حدثني الشيخ أبو العباس الحجازي قال حدثني رجل يعرف بالهاروني من ولد هارون الرشيد أنه ركب سفينة في بحر الهند فراى طاوسا قد خرج من البحر أحسن من طاوس البر وأجمل ألوانا قال فكبر بالحسنة فجعل يسبح وينظر لنفسه وينشر أجنحته وينظر إلى ذنبه ساعة ثمن غاص في البحر وفي البحر دابة يقال لها الدرفين تنجي الغريق لأنها تدنو منه حتى تضع يده على ظهرها فيستعين بالإتكاء عليها ويتعلق بها فتسبح به حتى ينجيه الله بقدرته فسبحان من من دبر هذا التدبير اللطيف وأحكم هذه الحكمة البالغة وزعموا أن السمك يتجه نحو الغناء والصوت الحسن ويصبو لسماعه وربما قيل إن بعض الصيادين يحفرون في البحر حفائر ثم يجلسون فيضربون بالمعازف والآت الطرب فيجتمع المسك ويقع في تلك الحفائر وقيل إن الدرفين وأنواع السمك إذا سمعت صوت الرعد هربت إلى قعر البحر وقيل إن خيل البحر توجد بنيل مصر وهي صفة خيل البر وقيل إنها تأكل التماسيح وربما خرجت فرعت الزرع وإذا رأى أهل مصر أثر حوافرها حكموا أن ماء النيل ينتهي في طلوعه إلى ذلك المكان وقيل إن في البحر المحيط شيئا يتراءى كالحصون فيرتفع على وجه الماء ويظهر منه صور كثيرة ويغيب ومن عجيب ما حكى أن فيه جزيرة فيها ثلاث مدن عامرة وهي كثيرة الأمطار وأهلها يحصدون زرعها قبل جفافه لقلة طلوع الشمس عندهم ويجعلونه في بيت ويوقدون حوله النيران حتى يجف وعجائبه لا تحصى ولا يمكن حصرها ويقال إن الاسكندر لما سار إلى بحر الظلمات مر بجزيرة بها أمة رؤوسهم مثل رؤوس الكلاب يخرج من أفواههم مثل لهب النار وخرجوا إلى مراكبه وحاربوه ثم تخلص منهم وسار فرأى صورا متلونة بألوان شتى وسمكا طوله مائة ذراع وأكثر وأقل فسبحان الله تعالى ما أكثر عجائب خلقه

ويقال إنه مر في بعض الجزائر على قصر مصنوع من البلور على قلعة محكمة البناء وحولها قناديل لا تطفأ ومن جزائر البحر جزيرة القمر يقال إن بها شجرا طول الشجرة مائتا ذراع ودور ساقها مائة وعشرون ذراعا وبها طوائف من السودان عرايا الأبدان يلتحفون بورق الشجر وهو ورق يشبه ورق الموز لكنه أسمك وأعرض وأنعم ويقال إن هذه الجزيرة بالقرب من نيل مصر وإن هذه الأمة التي بها يتمذهبون بمذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وهم في غاية اللطافة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالقرب منهم معدن الذهب والياقوت وبها الفيلة البيض وحيوانات مختلفة الأشكال من الوحوش وغيرها وبها العود القماري والآبنوس والطواويس وبها مدن كثيرة ومنها جزيرة الواق خلف جبل يقال له اصطفيون داخل البحر الجنوبي ويقال إن هذه الجزيرة كانت ملكتها امرأة وإن بعض المسافرين وصل إليها ودخلها ورأى هذه الملكة وهي جالسة على سرير وعلى رأسها تاج من ذهب وحولها أربعمائة وصيفة كلهن أبكار وفي هذه الجزيرة من العجائب شجر يشبه شجر الجوز وخيار الشنبر ويحمل حملا كهيئة الانسان فإذا انتهى سمع له تصويت يفهم من واق واق ثم يسقط وهذه الجزيرة كثيرة الذهب حتى قيل إن سلاسل خيمهم ومقاود كلابهم وأطواقها من الذهب ومنها جزيرة الصين يقال إن بها ثلاثمائة مدينة ونيفا سوى القر والأطراف وأبوابها اثنا عشر بابا وهي جبال في البحر بين كل جبلين فرجة وهذه الجبالى تمر بها المراكب مسيرة سبعة أيام وإذا جاوزت السفينة الأبواب سارت في ماء عذب حتى تصل إلى الموضع الذي تريده وفيها من الأودية والأشجار والأنهار ما لا يمكن وصفه فتبارك الله رب العالمين
وقيل إن الاسكندر لما فرغ من بناء سده حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم نام وإذا بحيوان عظيم صعد من البحر إلى أعلى وسد الأفق فظن من حول الملك أنه يريد ابتلاعهم ففزعوا فانتبه فقال ما لكم ؟ فقالوا له انظر ما حل بنا فقال ما كان الله ليأخذ نفسا قبل انقضاء أجلها وقد منعني من العدو فلا يسلط علي حيوانا من البحر قال

فإذا بالحيوان قد دنا من الملك وقال أيها الملك أنا حيوان من هذا البحر وقد رأيت هذا السد بني وخرب سبع مرات ولم يزد على ذلك ثم غاب في البحر فتبارك من له الملك العظيم لا إله إلا هو العزيز الحكيم
وقيل إن بجزيرة النسناس باليمن مدينة بين جبلين وليس لها ماء يدخل فيها إلا من المطر وطولها نحو ستة فراسخ وهي حصينة ذات كروم ونخيل وأشجار وغير ذلك وإذا أراد إنسان الدخول فيها حثى وجهه التراب فإن أبى إلا الدخول خنق أو صرع وقيل إنها معمورة بالجان وقيل بخلق من النسناس ويقال إنهم من بقايا عاد الذين أهلكهم الله بالريح العقيم وكل واحد منهم شق إنسان ونقل عن بعض المسافرين أنه قال بينما نحن سائرون إذ أقبل علينا الليل فبتنا بواد فلما أصبح الصباح سمعنا قائلا يقول من الشجرة يا أبا بجير الصبح قد أسفر والليل قد أدبر والقناص قد حضر فالحذر الحذر قال فلما ارتفع النار أرسلنا كلبين كانا معنا نحو الشجرة فسمعت صوتا يقول ناشدتك قال فقلت لرفيقي دعهما قال فلما وثقا بنا نزلا هاربين فنبعهما الكلبان وجدا في الجرى فامسكا شخصا منهما قال فأدركناه وهو يقول
( الويل لي مما به دهاني ... دهري من الهموم والأحزان )
( قفا قليلا أيها الكلبان ... إلى متى إلي تجريان ) قال فأخذناه ورجعنا فذبحه رفيقي وشواه فعفته ولم آكل منه شيئا فتبارك الله ما اكثر عجائب خلقه لا إله إلا هو ولا معبود سواه
الفصل الثاني في ذكر الأنهار والآبار والعيون
قال الله تعالى ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع

في الأرض ) وقال المفسرون هو المطر ومعنى سلكه أدخله في الأرض وجعله عيونا ومسايل ومجاري كالعروق في الجسد فمن الأنهار ما هو من الأمطار المجتمعة ولهذا ينقطع عند فراغ مادته ومنها ما ينبع من الأرض وأطول ما يكون من الأنهار ألف فرسخ وأقصره عشرة فراسخ إلى اثنين وثلاثة وبين ذلك وكلها تبتدئ من الجبال وتنتهي إلى البحار والبطائح وفي ممرها تسقي المدن والقرى وما فضل منها ينصب في البحر المالح ويختلط به ولا يمكن استيفاء عددها لكنا نشير إلى بعضها فنقول
النيل المبارك ليس في الأنهار أطول منه لأنه مسيرة شهرين في بلاد الإسلام وشهرين في بلاد النوبة وأربعة في الخراب وقيل إن مسافته من منبعه إلى أن ينصب في البحر الرومي ألف وسبعمائة فرسخ وثمانية وأربعون فرسخا قال ذلك صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر واختلف في زيادته فقيل إن الأنهار والعيون تمده في الوقت الذي يريده الله تعالى وفي الحديث " إنه من أنهار الجنة " وقال أهل الأثر إن الأنهار التي من الجنة تخرج من أصل واحد من قبة في أرض الذهب ثم تمر بالبحر المحيط وتشق فيه قالوا ولولا ذلك لكانت أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور
نهر الفرات يوجد بأرض أرمينية فضائله كثيرة والنيل أصدق حلاوة منه وبه من السمك الأبيض ما تكون الواحدة قنطارا بالدمشقي وطول هذا النهر من حين يخرج من عند ملطية إلى أن يأتي إلى بغداد ستمائة وثلاثون فرسخا وفي وسطه مدن وجزائر تعد من أعمال الفرات
جيحون نهر عظيم تتصل به أنهار كثيرة ويمر على مدن كثيرة حتى يصل إلى خوارزم ولا ينتفع به شيء من البلاد سوى خوارزم لأنها منسفلة عنه ثم يصب في بحيرة بينها وبين خوارزم ستة أيام وهو يجمد في الشتاء خمسة أشهر والماء يجري من تحت الجمد فيحفر أهل

خوارزم منه لهم أماكن ليستقوا منها وإذا اشتد جموده مروا عليه بالقوافل والعجل المحملة ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق ويعلوه التراب ويبقى على ذلك شهرين
سيحون نهر عظيم قيل إن مبدأه من حدود الترك ويجري حتى يتصل ببلاد الفرغانه وربما يجتمع مع جيحون في بعض الأماكن
الدجلة نهر بغداد وله أسماء غير ذلك وماؤه أعذب المياه بعد النيل وأكثرها نفعا قيل مقداره ثلاثمائة فرسخ وفي بعض الأوقات يفيض حتى قيل إنه يخشى على بغداد الغرق منه وهو نهر مبارك كثيرا ما ينجو غريقه
حكي إنه وجد به غريق فيه الروح فلما أفاق سألوه عن حاله فأخبرهم أنه لما غلب على نفسه رأى كأن أحدا يحمله ويصعد به وروي في الأثر أن الله تعالى أمر دانيال عليه الصلاة و السلام أن يحفر لعباده ما يستقون منه وينتفعون به فكان كلما مر بأرض ناشده أهلها أن يحفر ذلك عندهم إلى أن حفر دجلة والفرات
وأما الأنهار الصغار فكثيرة ولكنا نذكر منها طرفا فنقول نهر حصن المهدي قال صاحب تحفة الألباب إنه بين البصرة والأهواز وإنه يرتفع منه في بعض الأوقات شيء يشبه صورة الفيل ولا يعرف أحد شأنه
نهر أذربيجان قيل إن بالقرب منه نهرا يجري فيه الماء سنة ثم ينقطع ثمان سنين ثم يعود في التاسعة وقيل إنه ينعقد حجرا ويستعمل منه اللبن ويبنى به وقيل إن في تلك الأرض بحيرة تجف فلا يوجد فيها ماء ولا سمك ولا طين سبع سنين ثم يعود الماء والسمك والطين فتبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء
قدير نهر صقلاب يجري فيه الماء يوما واحدا في كل أسبوع ثم ينقطع ستة أيام

نهر العاصي بأرض حماة وقيل بحمص وهو نهر معروف وفيه يقول بعضهم
( مدينة حمص كعبة القصف أصبحت ... يطوف بها الداني ويسعى لها القاضي )
( بها روضة من حسنها سندسية ... تعلق في أكناف أذيالها العاصي )
نهر العمود بأرض الهند عليه شجرة نابتة من حديد وقيل من نحاس وتحتها عمود من نحاس وقيل من حديد طوله من فوق الماء نحو عشرة أذرع وعرضه ذراع وعلى رأسه ثلاث شعب مسنونة محدودة وعنده رجل يقرأ كتاب الله تعالى ويقول يا عظيم البركة طوبى لمن صعد هذه الشجرة وألقى بنفسه على هذا العمود فيدخل الجنة وقال أهل تلك الناحية من يريد ذلك فيصعد على تلك الشجرة ويلقي نفسه فيتقطع
نهر باليمن قال صاحب تحفة الألباب إنه عند طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب وعند غروبها يجري من المغرب إلى المشرق نهر ببلاد الحبشة والسودان يجري إلى المشرق يشبه النيل في زيادته ونقصانه وأرضه بها الخصب والبركة وبها شجر كالأراك يحمل ثمرا كالبطيخ داخله شيء يشبه القند في الحلاوة ولكن فيه بعض حموضة وهذا النهر يجري في بلادهم ثمانية أشهر ثم ينصب في البحر المحيط فسبحان من دبر هذا التدبير وأحكم هذه الصنعة لا إله إلا هو الحكيم الخبير
الفصل الثالث في ذكر الآبار
قال مجاهد كنت أحب أن أرى كل شيء غريب فسمعت أن ببابل بئر هاروت وماروت فسرت إليها فلما وصلت إلى ذلك

المكان وجدت عنده بيوتا فدخلت في بعضها فوجدت شخصا فسلمت عليه فرحب بي وسألني عن حاجتي فذكرت له غرضي فأمر يهوديا معي فيوقفني على البئر ويطلعني على الملكين قال فسرنا إلى البئر ففتح سردابا ونزلنا فأمرني أن لا أذكر اسم الله تعالى قال فلما رأيت الملكين رأيت شيئا كالجبلين العظيمين منكسين على رؤوسهما الحديد من أعناقهما إلى ركبهما قال مجاهد فلما رأيت ذلك ذكرت الله تعالى قال فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا يقطعان السلاسل قال ففر اليهودي فتعلقت به فقال أما أمرتك أن لا تذكر اسم الله تعالى كدنا والله نهلك
بئر برهوت بقرب حضرموت وهي التي قال النبي إنها مجمع أرواح الكفار قال علي كرم الله وجهه أبغض البقاع إلى الله تعالى بئر برهوت ماؤها أسود منتن تأوي إليها الكفار والموكل بها ملك يسمى دومة
بئر عسفان ماؤها يستشفى به قيل إن النبي تفل فيها قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما كنا نغسل المريض منها فيعافى وقيل إن النبي توضأ منها
بئر معروفة بأرض حلب خاصيتها أنها إذا شرب منها المكلوب زال كلبه ما لم يجاوز الأربعين وبنيسابور آبار كثيرة وهي معادن الفيروزج وإنما يمنع الناس عنها كثرة عقاربها وبأرض فارس بئر ينبع منها ماء في وقت من السنة فيرتفع على وجه الأرض لمحة واحدة ويجري فينتفع به في سقي الزرع ثم يعود إلى ما كان وعجائب الله كثيرة لا تكاد تنحصر لا إله إلا الله ولا معبود سواه

الباب السادس والستون في ذكر عجائب الأرض وما فيها من الجبال والبلدان وغرائب البنيان وفيه فصول
الفصل الأول في ذكر الأرض وما فيها من العمران
روى وهب بن منبه رضي الله عنه عن النبي أنه قال إن لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم الدنيا منها عالم واحد وما العمران في الخراب إلا كخردلة في كف أحدكم وقال رواة الأثر إن لله عز و جل دابة في مرج من مروجه في غامض علمه رزقها في كل يوم بقدر رزق العالم بأسره وجميع مدائن الدنيا أربعة آلاف مدينة وخمسمائة وست وخمسون مدينة وقيل غير ذلك وأقاليم الأرض سبعة الأقليم الأول الهند والثاني الحجاز والثالث اقليم مصر الرابع اقليم بابل الخامس اقليم الروم والشام السادس اقليم الترك السابع اقليم الصين وأوسط الأقاليم اقليم بابل وهو أعمرها وفيه جزيرة العرب وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا وبغداد في وسط هذا الاقليم فلاعتداله اعتدلت ألوان أهله فسلموا من شقرة الروم وسواد الحبشة وغلظ الترك وجفاء أهل الجبال ودمامة أهل الصين والممالك المشهورة التي ضبطت عدتها في زمن المأمون ثلاثمائة وثلاث وأربعون مملكة أوسعها ثلاثة أشهر وأضيقها ثلاثة أيام وقال أهل الهيئة إنه يكون عند خط الاستواء ربيعان وصيفان وخريفان وشتاءان في سنة واحدة وأنه

يكون في بعض البلاد ستة أشهر ليل وستة أشهر نهار وبعضها حر وبعضها برد فسبحان من خلق كل شيء فأتقنه لا إله إلا هو ولا معبود سواه
الفصل الثاني في ذكر الجبال
قيل إن الله تعالى لما خلق الأرض ماجت واضطربت فخلق الجبال وأرساها بها فاستقوت ومجموع ما عرف بالأقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وتسعون جبلا فمنها ما طوله عشرون فرسخا ومنها ما طوله مائة فرسخ إلى ألف فرسخ ولنذكر منها ما هو مشهور ومعروف بين
الناس فمن أعجبها جبل سرنديب وطوله مائتان ونيف وستون ميلا وفيه أثر قدم آدم عليه الصلاة و السلام حين أهبط وحوله الياقوت وفي أوديته الماس الذي يقطع به الصخور ويثقب به اللؤلؤ وفيه العود والفلفل ودابة المسك ودابة الزباد
جبل الروم الذي فيه السد طوله سبعمائة فرسخ وينتهي إلى بحر الظلمات
جبل أبي قيس سمي بذلك لآن آدم عليه الصلاة و السلام كناه بذلك حين اقتبس منه النار التي بين أيدي الناس وقيل غير ذلك
جبل القدس جبل شريف مبارك فيه غار يضيء بالليل من غير سراج ويزوره الناس
جبل أروند بهمذان برأسه عين تخرج من صخرة أياما معدودة في السنة تقصد من كل وجه يستشفى بها جبل الشام لونه أسود كالفحم وترابه أبيض تبيض به الثياب جبل الأندلس فيه غار إذا دهنت فتيلة وأدخلتها فيه أوقدت وبها جبل به عينان إحداهما باردة والأخرى حارة والمسافة التي بينهما مقدار شبر وجبل به معدن الكبريت والزئبق والزنجفر

جبل سمرقند يقطر منه ماء في الصيف يصير جليدا وفي الشتاء يحرق من حرارته
جبل الصور بكرمان يكسر حجره فيخرج منه كصور الآدميين قائمين وقاعدين ومضطجعين وإذا سحق وطرح في الماء يرى كذلك جبل الأرجان بطبرستان يقطر منه ماء كل قطرة تصير حجرا مسدسا أو مثمنا جبل هرمز ينزل منه ماء إلى وهدة فإن صاح إنسان
صيحة وقف فإن ثنى جرى جبل الطير بإقليم الصعيد يجتمع عنده الطير في كل سنة مرة ويدخل في كوة هناك فتمسك الكوة على واحدة وتطير البقية ويكون ذلك علامة الخصب في تلك النسنة ولنقتصر على ذلك ومن أراد الوقوف على جميعها فعليه بتاريخ مرآه الزمان
الفصل الثالث في ذكر المباني العظيمة وغرائبها وعجائبها
قال أهل التواريخ ونقلة الأخبار أن أول بناء بني على وجه الأرض الصرح الذي بناه نمرود الأكبر بن كوش بن حام بن نوح عليه الصلاة و السلام وبقعته بكوثى من أرض بابل وبه إلى عصرنا أثر ذلك البناء كأنه جبال شاهقات قالوا كان طوله خمسة آلاف ذراع بناه بالحجارة والرصاص والشمع واللبان ليمتنع هو وقومه من طوفان ثان فأخرب الله تعالى ذلك الصرح في ليلة واحدة بصيحة فتبللت بها ألسنة الناس فسميت أرض بابل
إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد
حكى الشعبي في كتاب سير الملوك أن شداد بن عاد ملك جميع

الدنيا وكان قومه قوم عاد الأولى زادهم الله بسطه في الأجسام وقوة حتى قالوا من أشد منا قوة قال الله تعالى ( أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ) وأن الله تعالى بعث اليهم هودا نبيا عليه الصلاة و السلام فدعاهم إلى الله تعالى فقال له شداد إن آمنت بإلهك فماذا لي عنده ؟ قال يعطيك في الآخرة جنة مبنية من ذهب ويواقيت ولؤلؤ وجميع أنواع الجواهر قال شداد أنا أبني مثل هذه الجنة ولا أحتاج إلى ما تعدني به قال فأمر شداد ألف أمير من جبابرة قوم عاد أن يخرجوا ويطلبوا أرضا واسعة كثيرة الماء طيبة الهواء بعيدة من الجبال ليبني فيها مدينة من ذهب قال فخرج أولئك الأمراء ومع كل أمير ألف رجل من خدمه وحشمه فساروا في الأرض حتى وصلوا إلى جبل عدن فرأوا هناك أرضا واسعة طيبة الهواء فأعجبتهم تلك الأرض فأمروا المهندسين والبنائين فخطوا مدينة مربعة الجوانب دورها أربعون فرسخا من كل جهة عشرة فراسخ فحفروا الأساس إلى الماء وبنوا الجدران بحجارة الجزع اليماني حتى ظهر على وجه الأرض ثم أحاطوا به سور ارتفاعه خمسمائة ذراع وغشوه بصفائح الفضة المموهة بالذهب فلا يكاد يدركه البصر إذا أشرقت الشمس وكان شداد قد بعث إلى جميع معادن الدنيا فاستخرج منها الذهب واتخذه لبنا ولم يترك في أحد من الناس في جميع الدنيا شيئا من الذهب إلا غضبه واستخرج الكنوز المدفونة ثم بنى داخل المدينة مائة ألف قصر بعدد رؤساء مملكته كل قصر على عمد من أنواع الزبرجد واليواقيت معقودة بالذهب طول كل عمود مائة ذراع وأجرى في وسطها أنهارا وعمل منها جداول لتلك القصور والمنازل وجعل حصاها من الذهب والجواهر واليواقيت وحلى قصورها بصفائح الذهب والفضة وجعل على حافات الأنهار أنواع الأشجار جذوعها من الذهب وأوراقها وثمرها من أنواع الزبرجد واليواقيت واللآلئ وطلى حيطانها بالمسك والعنبر وجعل فيها جنة مزخرفة له وجعل أشجارها الزمرد واليواقيت وسائر أنواع المعادن ونصب عليها أنواع الطيور المسموعة الصادح والمغرد وغير ذلك

ثم بنى حول المدينة مائة ألف منارة برسم الحراس الذين يحرسون المدينة فلما كمل بناؤها أمر في مشارق الأرض ومغاربها أن يتخذوا في البلاد بسطا وستورا وفرشا من أنواع الحرير لتلك القصور والغرف وأمر باتخاذ أواني الذهب والفضة فاتخذوا جميع ما أمر به فلما فرغوا من ذلك جميعه خرج شداد من حضرموت في أهل مملكته وقصد مدينة إرم ذات العماد فلما أشرف عليها ورآها قال قد وصلت إلى ما كان هود يعدني به بعد الموت وقد حصلت عليه في الدنيا فلما أراد دخولها أمر الله تعالى ملكا فصاح بهم صيحة الغضب وقبض ملك الموت أرواحهم في طرفة عين فخروا على وجوههم صرعى قال الله تعالى ( وإنه أهلك عادا الأولى ) وذلك قبل هلاك عاد بالريح العقيم وأخفى الله تعالى تلك المدينة عن أعين الناس فكانوا يرون بالليل في تلك البرية التي بنيت فيها معادن الذهب والفضة واليواقيت تضيء كالمصابيح فإذا وصلوا إليها لم يجدوا هناك شيئا
وقد نقل أن رجلا من أصحاب رسول الله يقال له عبد الله بن قلابة الأنصاري دخل
إلهيا وذلك أنه ضلت له إبل فخرج في طلبها فوصل إليها فلما رآها دهش وبهت ورآى ما أذهله وحيره وقال في نفسه هذه تشبه الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين في الآخرة فقصد بابا من أبوابها فلما وصل إليه أناخ راحلته ودخل المدينة فرأى تلك القصور والأنهار والأشجار ولم ير في المدينة أحدا فقال ارجع إلى معاوية وأخبره بهذه المدينة وما فيها ثم حمل معه شيئا من تلك الجواهر واليواقيت في وعاء وجعله على راحلته وعلم على المدينة علامة وقال قربها من جبل عدن كذا ومن الجهة الفلانية كذا ثم انصرف عنها بعدما ظفر بإبله ثم دخل على معاوية رضي الله تعالى عنه بدمشق وأخبره بجميع ما رآه فقال له معاوية في اليقظة رأيتها أم في المنام ؟ قال بل في اليقظة وقد حملت من حصبائها وأخرج له شيئا مما حمله من الجواهر واليواقيت فتعجب معاوية من ذلك ثم أرسل إلى كعب الأحبار رضي الله

عنه فلما دخل عليه قال له معاوية يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة من ذهب ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين وقد ذكرها الله عز و جل في القرآن لنبيه بقوله عز من قائل ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ) وقد أخفاها الله تعالى عن أعين الناس وسيدخلها رجل من هذه الأمة يقال له عبد الله بن قلابة الأنصاري ثم التقت فرأى عبد الله بن قلابة فقال هاهو يا أمير المؤمنين وصفه واسمه في التوراة ولا يدخلها أحد بعده إلى يوم القيامة وقيل إن ذلك كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأن الرجل الذي دخلها حكى ذلك لعمر بن الخطاب فلم ينكره ولا من كان حاضرا بل قال إن النبي قال يدخلها بعض أمتي والله سبحانه وتعالى أعلم
ومن المباني العجيبة الخورنق الذي بناه النعمان بن امرئ القيس وهو النعمان الأكبر بناه في عشرين سنة فلما انتهى أعجبه فخشي أن يبنى لغيره مثله فأمر أن يلقى بانيه من أعلاه فألقوه فتقطع واسم بانيه سنمار فصارت العرب تضرب به المثل يقولون جزاه جزاء سنمار قال الشاعر
( جازى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار ) ومن المباني العجيبة حائط العجور واسمها دلوك القبطية وسبب بنائها لذلك أنها ولدت ولدا فأخذت له الرصد فقيل لها عليه من التمساح فلما شب الغلام خافت عليه فبنت الحائط وجعلته من العريش إلى إسوان شاملا لكورة مصر من الجانب الشرقي وقيل بنته خوفا على مصر وأهلها بعد غرق فرعون أن يطمع الملوك فيها وقد قيل إنها أرادت أن تخوف ولدها من التمساح حتى لا ينزل البحر فصورت له صورة التمساح فرآه شكلا مهولا فأذهله وأخذه الفزع والهم فضعف وانسل إلى أن مات لا مفر من قضاء الله تعالى

المباني العجيبة الأهرام وهي بالجانب الغربي من مصر مشاهدة في زماننا هذا قيل أن دور الهرم الأكبر من الثلاثة ألفا ذراع من كل جهة خمسمائة ذراع وعلوه خمسمائة ذراع وقد ذهب المأمون إلى مصر حتى شاهدها على ما ذكر وفتح منها هرما وتعجب من بنيانها وصفتها قيل إن كل حجر من حجارتها ثلاثون ذراعا في عرض عشرة أذرع وقد أحكم إلصاقه ونحته وتسويته ولا يقدر النجار الصانع أن يتخذ من خشب صندوقا صغيرا على إحكامه وهي من عجائب الدنيا قال بعضهم
( أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع )
( تتخلف الآثار عن سكانها ... حينا ويدركها الفناء فتصرع ) وزعم قوم أن الأهرام الموجودة بمصر قبور لملوك عظام أرادوا أن يتميزوا بها عن الناس بعد مماتهم كما تميزوا عنهم في حياتهم ورجوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبها فنقب أحدها بعد جهد شديد وعناء طويل فوجد داخله مزاليق ومهاوي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ووجد في أعلاه بيت وفي وسطه حوض من رخام مطبق فلما كشف غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمة بالية فعند ذلك أمر المأمون بالكف عما سواه ويقال إن الذي بناها اسمه سوريد بن سهراق بن سرياق لرؤيا رآها وهي آفة تنزل من السماء وهي الطوفان فقالوا إنه بناها في ستة أشهر وقال قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة سنة والهدم أيسر من البنيان وكسوناها الديباج الملون فليكسها حصرا والحصر أهون من الديباج والأمر فيها عجيب جدا والله سبحانه وتعالى أعلم
ومن المباني العجيبة منار الاسكندرية التي بناها ذو القرنين قيل إنها كانت مبنية بحجارة منهدمة مغموسة في الرصاص فيها نحو من ثلاثمائة بيت تصعد الدابة بحملها إلى كل بيت وللبيوت طاقات تطل على البحر ويقال إن طولها كان ألف ذراع وفي أعلاها تماثيل من نحاس منها تماثل رجل قد أشار بيده إلى البحر فإذا صار العدو على نحو ليلة منه

له تصويت يعلم به أهل المدينة مجيء العدو فيستعدون له ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوت تصويتا مطربا ويقال إنه كان بأعلاها مرآة من الحديد الصيني عرضها سبعة أذرع كانوا يرون فيها المراكب بجزيرة قبرص وقيل كانوا يرون فيها من يخرج من البحر من جميع بلاد الروم فإن كانوا أعداء تركوهم حتى يقربوا من المدينة فإذا مالت الشمس للغروب أرادوا المرآة مقابلة الشمس واستقبلوا بها السفن فيقع شعاعها بضوء الشمس على السفن فتحرق في البحر ويهلك كل من فيها وكانت الروم تؤدي الخراج ليأمنوا بذلك من إحراق السفن ولم تزل كذلك إلى زمن الوليد بن عبد الملك
قال المسعودي قيل إن ملكا من الروم تحيل على الوليد وأظهر أنه يريد الاسلام وأرسل إليه تحفا وهدايا وأظهر له بواسطة حكماء كانوا عنده أن ببلاده دفائن وأرسل له بذلك قسيسين من خواصه وأرسل معهم أموالا قيل إنهم حفروا بقرب المنارة ودفنوا تلك الأموال وقالوا للوليد إن تحت المنارة كنوزا لا تنفذ وبازائها خبية بها كذا وكذا ألف دينار فأمرهم باستخراج ما بالقرب من المنارة فإن كان ذلك حقا استخرجوا ما تحت المنارة بعد هدمها فحفروا واستخرجوا ما دفنوه بأيديهم فعند ذلك أمر الوليد بهدم المنارة واستخراج ما تحتها فهدموها فلم يجدوا تحتها شيئا وهرب أولئك القسيسون فعلم الوليد أنها مكيدة عليه فندم على ذلك غاية الندم ثم أمر ببنائها بالآجر ولم يقدروا أن يرفعوا إليها تلك الحجارة فلما أتموها نصبوا عليها المرآة كما كانت فصدئت ولم يروا فيها شيئا مثل ما كانوا يرون أولا وبطل إحراقها فندموا على مافعلوا وفاتهم من جهلهم وطمعهم نفع عظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
ذوقد علمت الجن لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في الإسكندرية مجلسا على أعمدة من الجزع اليماني المصقول كالمرآة إذا نظر الانسان إليها يرى من يمشي خلفه لصفائها وفي وسط ذلك المجلس عمود من الرخام طولة مائة وأحد عشر ذراعا وفي تلك الأعمدة عمود واحد يتحرك

شرقا وغربا بطلوع الشمس وغروبها يشاهد الناس ذلك ولا يعلمون ما سببه
وفي مدينة حمص مدينة أخرى تحت المدينة المسكونة العليا فيها من عجائب البنيان والبيوت والغرف والماء الجاري في كل طريق من طرقها ما لا يعلمه إلا الله تعالى وعند حوران مدينة عظيمة يقال لها اللجأة فيها من البنيان ما يعجز عن وصفه ألسنة العقلاء كل دار منها مبنية من الصخر المنحوت ليس في الدار خشبة واحدة بل أبوابها وغرفها وسقوفها وبيوتها من الصخر المنحوت الذي لا يستطيع أحد أن يعمله من الخشب وفي كل دار بئر وطاحون وكل دار مفردة لا يلاصقها دار أخرى ولك دار كالقلعة الحصينة إذا خاف تلك النواحي من العدو دخلوا إلى تلك المدينة فينزل كل إنسان في دار بجميع عياله وخيله وغنمه وبقره ويغلق بابه ويجعل خلف الباب حصاة فلا يقدر أحد على فتح ذلك الباب لإحكامه وفي هذه المدينة أكثر من مائتي ألف دار فيما يقال ولا يعلم أحد من بناها وسمتها العرب اللجأة لأنهم يلجأون إليها عند الخوف
ومن المباني العجيبة إيوان كسرى أنو شروان بناه سابور ذو الأكتاف في نيف وعشرين سنة وطوله مائة ذراع في عرض خمسين بناه بالآجر والجص وجعل طول كل شرافة من شراريفه خمسة عشر ذراعا ولما ملك المسلمون المدائن أحرقوا هذا الإيوان فأخرجوا منه ألف دينار ذهبا
ووحكي أن المنصور لما أراد بناء بغداد عزم على هدمه وأن يجعل آلته في بنائه فقيل له إن نقضه يتكلف بقدر العمارة فلم يسمع وهدم شرافة وحسب ما أنفق عليه فوجد الأمر كذلك وقيل إن بعض رؤساء مملكته قال له لما أراد هدمه هو آية الاسلام فلا تهدمه
وحكي أنه كان بمدينة قيسارية كنيسة بها مرآة إذا اتهم الرجل امرأته بزنا نظر في تلك المرآة فيرى صورة الزاني فاتفق أن بعض الناس قتل غريمه فعمد أهله اليها فكسروها والله سبحانه وتعالى أعلم وقد اقتصرت من ذلك على هذا القدر اليسير وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
المعادن لا تكاد تحصى لكن منها ما يعرفه الناس ومنها ما لا يعرفونه وهي مقسومة إلى ما لا يذوب وإلى ما لا يذوب والذي اشتهر بين الناس من المعادن سبعة وهي الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والأسرب والخارصيني ولنبدأ أولا بذكر ( الذهب ) فقيل طبعة حار لطيف لشدة اختلاط أجزائه المائية بالترابية قيل إن النار لا تقدر على تفريق أجزائه فلا يحترق ولا يبلى ولا يصدأ وهو لين براق حلو الطعم أصفر اللون فالصفرة من ناريته والليونة من دهنيته والبراقة من صفاء مائه
خواصه يقوي القلب ويدفع الصرع تعليقا ويمنع الفزع والخفقان ويقوي العين كحلا ويجلوها إذا كان ميلا ويحسن نظرها وإذا ثقبت به الأذن لم تلتحم وإذا كوى به لم ينفط يبرأ سريعا وإمساكه في الفم يزيل البخر
( الفضة ) قريبة منه وتصدأ وتحترق وتبلى بالتراب وإذا أصابها رائحة الرصاص والزئبق تكسرت أو رائحة الكبريت أسودت ومن خواصها أنها تزيل البخر من الفم إذا وضعت فيه وإذا أذيبت مع الزئبق وطلي بها البدن نفع ذلك من الحكة والجرب وعسر البول
( النحاس ) قريب منها لكنه أيبس وأغلظ في الطبع
ومن خواصه إذا صدئ وطلي بالحامض زال صدؤه والأكل في آنيته يولد أمراضا لا دواء لها
( الحديد ) كثير الفائدة إذ ما من صنعة إلا وله فيها مدخل

ومن خواصه أنه يمنع غطيط النائم إذا علق عليه وحمله يقوي القلب ويزيل الخوف والأفكار والأحلام الرديئة ويسر النفس وصدؤه ينفع أمراض العين كحلا والبواسير تحملا ( القصدير ) صنف من الفضة دخل عليه آفات من الأرض ومن خواصه أنه إذا ألقي في قدر لم ينضج ما فيها ( الأسرب ) هو الرصاص ( ومن خواصه ) أنه يكسر الماس ومن خواص الماس الدخول في كل شيء وإذا شد من الرصاص قطعة على الخنازير والغدد أبرأتها ( الخارصيني ) حجر لونه أسود لونه يعطي حمرة ومن خواصه إذا عمل منه مرآة ونظر فيها في الظلمات نفعت للقوة وإذا نتف الشعر بملقاط منه لم ينبت الأحجار الجوهرية أصل الجوهر وهو الدر على ما قيل أن حيوانا يصعد من البحر على ساحله وقت المطر ويفتح أذنه يلتقط بها المطر ويضمها ويرجع إلى البحر فينزل إلى قراره ولا يزال طابقا أذناه على ما فيها خوفا أن يختلط بأجزاء البحر حتى ينضج ما فيها ويصير درا فإن كانت القطرة صغيرة كانت الدرة صغيرة وإن كانت كبيرة فكبيرة فإن كان في بطن هذا الحيوان شيء من الماء المر كانت الدرة كدرة وإن لم يكن كانت صافية وقيل غير ذلك والدر نوعان كبير وصغير قيل إنه تصل الواحدة إلى مثقال
خواصه أنه يفرح القلب ويبسط النفس ويحسن الوجه ويصفي دم القلب وإذا خلط مع الكحل شد عصب العين
( الياقوت ) سيد الأحجار وأصول الوانه أربعه الأحمر والأصفر والأزرق والإسمانجوني ويتولد منها ألوان كثيرة وأعدلها الأحمر الخالص الرماني الشبيه بحب الرمان الأحمر ودونه الأحمر المشرب ببياض ثم الوري ثم الخمري ثم العصفري وأردؤه الأزرق الذي لونه يشبه زهر السوسن وأقله قيمة الأبيض
خواصه أنه لا يعمل فيه الفولاذ ولا حجر الماس ولا تدنسه النار

ويورث لابسه مهابة ووقارا ويسهل قضاء الحوائج ويدر الريق في الفم ويقطع العطش ويدفع السم ويقوي القلب وجميعه ينفع للمصروع تعليقا والأبيض منه يبسط النفس ويوجد من الأصفر ما وزنه ثلاثون مثقالا على ما قيل
( البلخش ) هو مقارب الياقوت في القيمة ودونه في الشرف ومن خواصه أنه يورث قبض النفس وسوء الخلق والحزن وهو ألوان أحمر وأخضر وأصفر
( البنقش ) أصناف أحمر مفتوح اللون صاف وأحمر قوي الحمرة وأسود يعلوه حمرة مطوسة بزرقة خفيفة ثم أصفر مفتوح اللون ( عين الهر ) حجر يتكون من معدن الياقوت والغالب عليه البياض الناصع باشراق مفرط ومائيته رقيقة شفافة وفي مائيته سر إذا حرك يمينا تحركت يسارا وبالعكس ومن خواصه إذا علق على العين أمن عليها من الجدري على ما قليل ( الماس ) يوجد بواد بالهند يقال إنه مشحون بالحيات فيأتي من يريد استخراجه من ذلك الوادي فيضع في الوادي مرآة كبيرة فتأتي الحيات فتنظر إلى خيالها في المرآة فتفر من ذلك الجانب فينزل فيأخذ ما له فيه رزق وقيل إنهم ينحرون الجزر ويلقون لحمها في ذلك الوادي فيلتصق الماس وغيره باللحم فتأتي الطير فتختطف اللحم وتصعد به إلى الجبال فتأكل اللحم وتترك الحجر فيأخذه صاحب اللحم وقيل إن الحيات لها مشتى ستة أشهر في مكان ومصيف ستة أشهر في مكان آخر فإذا ذهبت إلى مشتاها ومصيفها أخذ الحجر في غيبتها والله أعلم بصحة ذلك ومن عجيب أمره أنه إذا أريد كسره جعل في أنبوبة قصب وضرب فإنه يتفتت وكذا إذا جعل في مع أو قار وإذا جعل عليه شمع تيس وقرب من النار ذاب
ومن خواصه أن الملوك يتخذونه عندهم لشرفه وهو من السموم القاتلة القطعة الصغيرة منه إذا حصلت في الجوف ولو بقدر السمسمة خرقت الأمعاء
ومن خواصه الجليلة أنه يعرق عند وجود السم أو الطعام المسموم

( الزمرد ) ويسمى الزبرجد وهو ألوان أخضر وزنجاري وصابوني ويكون الحجر منه خمسة مثاقيل وأقل ومن خواصه أنه يدفع العين ويفرح القلب ويقوي البصر ويصفي الذهن وينشط النفس ( الفيروزج ) نوعان إسحاقي وخلنجي وأجوده الاسحاقي الأزرق الصافي خواصه النظر فيه يجلو البصر ويقويه وينشط النفس ولا يصيب المتختم به آفة من قتل أو غرق وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ما افتقرت يد تختمت بفيروزج وإذا مضى له بعد خروجه من معدنه عشرون سنة نقض لونه ولا يزال كذلك حتى ينطفئ ( العقيق ) معدن بأرض صنعاء باليمن وهو ألوان ويوجد عليه غشاوة ويحمى عليه ببعر الابل ثم يبرد ويكسر وقيل يوجد بالهند ولكن اليمن أجود
خواصه التختم به وحمله يورث الحلم والأناة وتصويب الرأي ويسر النفس ويكسب حامله وقارا وحسن خلق ويسكن الجدة عند الخصومة قال رسول الله ( من تختم بالعقيق لم يزل في بركه )
( الجزع ) هو حجر أيضا يؤتى به من اليمن والصين وألوانه كثيرة والناس يكرهونه لأنه يورث الهم والأحلام الرديئة وسوء الخلق وتعسر قضاء الحوائج ويكثر بكاء الصبي وسيلان لعابه ويثقل اللسان إذا سحق وشرب ماؤه وإذا وضع بين قوم لا علم لهم به حصلت بينهم العداوة لكنه يسهل الولادة تعليقا ( البلور ) هو صنف من الزجاج يحكى أن ببلاد كيسان جبلين أحدهما بلور وإذا أريد قطع البلور في ذلك الموضع قطع في الليل لأنه في النهار يكون له شعاع عظيم خواصه النظر فيه يشرح القلب ويبسط النفس ويسكن وجع الضرس ( المرجان ) هو واسطة بين النبات والمعدن لأنه بتشجره يشبه النبات وبتحجره يشبه المعدن ولا يزال لينا في معدنه فإذا فارقه تحجر ويبس

خواصه النظر فيه يشرح الصدر ويبسط النفس ويفرح القلب ويذهب بالداء المحتبس في العين ويسكن الرمد وسحاقته المخلوطة بالخل تجلو قلح الأسنان وإذا وضع على الجرح منعه من الانتفاخ وأنواعه كثيرة أحمر وأزرق وأبيض وأصله من البحر قيل إنه شجر ينبت وقيل إنه من حيوانه ( حجر الماطليس ) هو حجر هندي لا يعمل فيه الحديد والبيت الذي يكون فيه لا يدخله السحر ولا الجن ولأجل ذلك كان الاسكندر يجعله في عسكره ( الحجر الماهاني ) من تختم به أمن من الروع والهم والحزن والغم ولونه أبيض وأصفر ويوجد بأرض خراسان ( حجر مراد ) يوجد بناحية الجنوب وخاصيته إن الجن تتبع حامله وتعمل له ما أراد ( الدهنج ) خاصيته أنه إذا سقي إنسان من محكه يفعل فعل السم وإذا سقي شارب السم منه نفعه وإذا مسح به موضع اللدغ سكن وينفع من خفقان القلب وإذا طلي بحكاكته بياض البرص أزاله وإن علق على إنسان غلب عليه الباه ( السبج ) خواصه أنه يقوي النظر الضعيف من الكبر أو نزول الماء ولبسه ينفع عسر البول وإدمان النظر فيه يحد البصر وسحاقته تجلو البصر وإذا علق على من به صداع زال عنه ( المغناطيس ) يوجد في بحر الهند وهناك لا يتخذ في السفن حديد ويوجد ببلاد الأندلس أيضا وأجود أنواعه ما كان أسود يضرب إلى حمرة خواصه الاكتحال بسحاقته يورث ألفة بين المكتحل وبين من يحبه ويسهل الولادة تعليقا ومن تختم به كانت حاجته مقضية وتعليقه في العنق يزيد في الذهن وإذا سحق وشرب من سحاقته من به سم بطل سمه وإذا أصابته رائحة الثوم بطلت خاصيته وإذا غسل بالخل عاد إلى حالته وأجوده ما جذب نصف مثقال من الحديد ( حجر الخطاف ) الخطاف يوجد في عشه حجران أحدهما أحمر والآخر أبيض فالأحمر إذا علق على من يفزع في نومه زال فزعه والأبيض إذا علق على من به صرع زال عنه ( حجر الزاج ) إذا دخن البيت بسحافته هرب منه الفأر والذباب ( حجر الزنجفر ) أصله من الزئبق واستحال

وخاصيته أنه يدمل الجراحات وينبت اللحم ( حجر الملح ) هو أنواع وأجوده ما يوجد بأرض سدوم بالقرب من بحر لوط وقد جعله الله قواما للدنيا
ومن خاصيته أنه يحسن الذهب ويزيد في صفرنه وعن النبي أنه قال يا علي ابدأ بالملح واختم به فإن فيه شفاء من سبعين داء ( حجر النطرون ) قال أرسطو ينفع الأرحام التي غلبت عليها الرطوبة ينشفها ويقويها وإذا ألقي في العجين طيبه وبيضه ونشفه وهو نوعان أبيض وأحمر ( حجر اللازورد ) مشهور قال أرسطو من تختم به عظم في أعين الناس وينفع من السهر وا لله أعلم ومن أراد التعمق في ذلك فعليه بالكتب الموضوعة له ولكن قد ذكرنا ما هو معروف والحمد لله على كل حال وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثامن والستون في الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس فيه ومن كرهه ومن استحسنه وما ذكرت ذل إلا لأني كرهت أن يكون كتابي هذا بعد اشتماله على فنون الأدب والتحف والنوادر والأمثال عاطلا من هذه الصناعة التي هي مراد السمع ومرتع النفس وربيع القلب ومجال الهوى ومسلاة الكئيب وأنس الوحيد وزاد الراكب لعظم موقع الصوت الحسن من القلب وأخذه بمجامع النفس
فصل في الصوت الحسن
قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى ( يزيد في الخلق ما يشاء ) هو الصوت الحسن وعن النبي أنه قال أتدرون متى كان الحداء ؟ قالوا لا بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله قال إن أباكم مضر خرج في طلب مال له فوجد غلاما قد تفرقت إبله فضربه على يده بالعصا فعدا الغلام في الوادي وهو يصي ح وايداه فسمعت الإبل صوته فعطفت عليه فقال مضر لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان كلاما تجتمع عليه الإبل فاشتق الحداء وقال النبي لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما أعجبه حسن صوته لقد رأيت مزمارا من مزامير آل داود وقيل إن داود عليه الصلاة و السلام كان يخرج

إلى صحراء بيت المقدس يوما في الأسبوع وتجتمع عليه الخلق فيقرأ الزبور بتلك القراءة الرخيمة وكان له جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فكانتا تضبطان جسده ضبطا شديدا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب وكانت الوحوش والطير تجتمع لاستماع قراءته قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى بلغنا أن الله تعالى يقيم داود عليه الصلاة و السلام يوم القيامة عند ساق العرش فيقول يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم وقال سلام الحادي للمنصور وكان يضرب المثل بحدائه مر يا أمير المؤمنين بأن يظمأوا إبلا ثم يورودها الماء فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها وتترك الشرب وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم وتنمو له النفس ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح وتخف له الحركات ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب وزعمت الفلاسفة أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع فلما ظهر عشقته النفس وحينت إليه الروح ألا ترى إلى أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان واستراحت إليها أنفسهم وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه ويعجبه طنين رأسه ولو لم يكن من فضل الصوت الحسن إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا صيد إلا وفيها معاناة على البدن وتعب على الجوارح ما خلا السماع فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خيري الدنيا والآخرة فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف وصلة الأرحام والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب وقد يبكي الرجل بها على خطيئته ويتذكر نعيم الملكوت ويمثله في ضميره ولأهل الرهبانية نغمات وألحان شجية يمجدون الله تعالى بها ويبكون على خطاياهم ويتذكرون نعيم الآخرة وكان أبو يوسف القاضي يحضر مجلس الرشيد وفيه الغناء فيجعل مكان السرور به بكاء كأنه يتذكر نعيم الآخرة وقد تحن

القلوب إلى حسن الصوت حتى الطير والبهائم وكان صاحب الفلاحات يقول إن النحل أطرب الحيوان كله على الغناء قال الشاعر
( والطير قد يسوقه للموت ... إصغاؤه إلى حنين الصوت ) وزعموا أن في البحر دواب ربما زمرت أصواتا مطربة ولحونا مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها فاعتنى بها وضعة الألحان بأن شبهوا بها أغانيهم فلم يبلغوا وربما يغشى على سامع الصوت الحسن للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته القلب ألا ترى إلى الأم كيف تناغي ولدها فيقبل بسمعه على مناغاتها ويتلهى عن البكاء والإبل تزداد نشاطها وقوتها بالحداء فترفع آذانها وتلتفت يمنة ويسرة وتتبختر في مشيتها وزعموا أن السماكين بنواحي العراق يبنون في جوف الماء حفائر ثم يضربون عندها بأصوات شجية فتجتمع السمك في الحفائر فيصيدونه وقد نبهت على ذلك في باب ذكر البحار وما فيها من العجائب والراعي إذا رفع صوته ونفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها وجدت في رعيها والدابة تعاف الماء فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب وليس شيء مما يستلذ به أخف مؤنة من السماع قال أفلاطون من حزن فليسمع الأصوات الحسنة فإن النفس إذا حزنت خمدت نارها فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع وتعلل به المريض وتشغله عن التفكير ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن غيلة الشيباني
( وسماع مسمعة يعللنا ... حتى ننام تناوم العجم ) وحكي أن البعلبكي مؤذن المنصور رجع في أذانه ليلة وجارية تصب الماء على يد المنصور فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها فقال له المنصور خذ هذه الجارية فهي لك ولا تعد ترجع هذا الترجيع وقال عبد الرحمن به عبد الله بن أبي عمارة في قينة

( ألم ترها لا أبعد الله دارها ... إذا رجعت في صوتها كيف تصنع )
( تدير نظام القول ثم ترده ... إلى صلصل من صوتها يترجع ) وبعد فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن لا سيما إذا كان من وجه حسن كما قال الشاعر
( رب سماع حسن ... سمعته من حسن )
( مقرب من فرح ... مبعد من حزن )
( لا فارقاني أبدا ... في صحة من بدن ) وهل على الأرض من جبان مستطار الفؤاد يغني بقول جرير
( قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي ) إلا شاجن شجعت نفسه وقوي قلبه أم هل على الأرض من بخيل قد انقبضت أطرافه يوما يغني بقول حاتم الطائي
( يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا ) إلا انبسطت أنامله ورشحت أطرافه واختلف الناس في الغناء فأجازه عامة أهل الحجاز وكرهه عامة أهل العراق فمن حجة من أجازه ما روي أن النبي قال لحسان ( شن الغطاريف على بني عبد مناف فوالله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام ) واحتجوا في أباحة الغناء واستحسانه بقول النبي لعائشة رضي الله تعالى عنها ( أهديتم الفتاة إلى بعلها ؟ قالت نعم قال فبعثتم معها من يغني ؟ قالت لم نفعل قال أو ما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم القول ألا بعثتم معها من يقول
( أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم )

( ولولا الحبة السمراء ... لم نحلل بواديكم ) ولا بأس بالغناء إذا لم يكن فيه أمر محرم ولا يكره السماع عند العرس والوليمه والعقيقة وغيرها فإن فيه تحريكا لزيادة سرور مباح أو مندوب ويدل عليه ما روي من إنشاد النساء بالدف والألحان عند قدوم النبي حيث قلن
( طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع )
( وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع )
( أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع ) ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها إنها قالت رأيت النبي يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحرام حتى أكون أنا التي أسامه ويدل عليه أيضا ما روي في الصحيحين من حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رشي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان والنبي متغش بثوبه فانتهرها أبو بكر فكشف النبي عن وجهه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وعن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه للنابغة الجعدي أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك فأسمعه كلمة فقال له وإنك لقائلها قال نعم قال طالما غنيت بها خلف جمال الخطاب وعن عبد الله بن عوف قال أتيت باب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فسمعته يغني بالركابية يقول
( فكيف ثوائي بالمدينة بعدما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر ) وكان جميل بن معمر من أخصاء عمر قال فلما استأذنت عليه قال لي أسمعت ما قلت ؟ قلت نعم قال إذا خلونا ما يقول الناس في بيوتهم وقد أجازوا تحسين الصوت في القراءة والأذان فإن كانت الألحان مكروهة فالقراءة والأذان أحق بالتنزيه عنها وإن كانت غير

مكروهة فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن وما جعلت العرب الشعر موزونا إلا لمد الصوت والدندنة ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنشور ومن حجة من كره الغناء أنه قال أنه ينفر القلوب ويستفز العقول ويبعث على اللهو ويحض على الطرب وهذا باطل في أصله وتأولوا في ذلك قوله تعالى ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) وأخطأ من أول هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن ويقولون إنها أفضل منه وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا وقال رجل للحسن البصري ما تقول في الغناء يا أبا سعيد ؟ فقال نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه قال ليس عن هذا أسألك قال وعم سألتني ؟ قال أن يغني الرجل قال وكيف يغني ؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه فقال الحسن والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبدا فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت
( أذلني الهوى فأنا الذليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل ) قال فأخرج دواة وقرطاسا وكتب البيت فقيل له أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران فقال أما سمعتم المثل رب جوهرة في مزبلة وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب وكان يغني على شرابه يقول العرجي
( اضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر ) قال فأخذه العسس ليلة وحبسه ففقد أبو حنيفة صوته واستوحش له فقال لأهله ما فعل جارنا الكيال ؟ قالوا أخذه العسس وهو

في الحبس فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى فاستأذن عليه فأسرع إذنه وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك فأقبل عليه عيسى بن موسى وسأله عما جاء بسببه فقال أصلح الله الأمير إن لي جارا من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا فوقع في حبسه فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراما لأبي حنيفة فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له فلما رآه أبو حنيفة قال له هل أضعناك يا فتى يعرض له بشعره الذي ينشده ؟ قال لا والله ولكنك بررت وحفظت وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روي عنه مالك بن أنس وكان شاعرا مجيدا لبقا غزلا وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين قيل إنه وقفت عليه إمرأة يوما وحوله التلاميذ فقالت له أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح وأنت تقول
( إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد )
( هبي بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد ) وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة قيل إنه مر يوما بسلامة وهي تغني فاقام يسمع غناءها فرآه مولاها فقال له هل لك أن تدخل وتسمع فأبى فلم يزل به حتى دخل فغنته فأعجبته ولم يزل يسمعها ويلاحظ النظر حتى شغف بها فلما شعرت بلحظه إياها غنته
( رب رسولين لنا بلغا ... رسالة من قبل أن نبرحا )
( الطرف للطرف بعثناهما ... فقضيا حاجا وما صرحا ) قال فأغمي عليه وكاد يهلك فقالت له إني والله أحبك قال وأنا والله أحبك قالت وأحب أن أضع فمي على فمك قال وأنا والله كذلك قالت فما يمنعك من ذلك ؟ قال أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة أما سمعت قوله تعالى

( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) ثم نهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها وأنشأ يقول
( قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيام )
( فاليوم أعذرهم وأعلم إنما ... سبل الضلالة والهدى أقسام ) وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام فأنزله في دار عياهل وأظهر من إكرامه ما يستحقه فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن حعفر فجاءت إلى معاوية فقالت هلم فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك وأنزلته بين حرمك فجاء معاوية فسمع شيئا حركه وأطربه فقال والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له ثم انصرف فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر وهو قائم يصلي فنبه فاختة وقال لها اسمعي مكان ما أسمعتني هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل ثم إن معاوية أرق ذات ليلة فقال لخادمه اذهب فانظر من عند عبد الله بن جعفر وأخبره إني قادم عليه فذهب وأخبره فأقام عبد الله كل من كان عنده فلما جاء معاوية لم ير في المجلس غير عبد الله فقال مجلس من هذا ؟ قال عبد الله هذا مجلس فلان يا أمير المؤمنين فقال معاوية مره فليرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل واحد قال مجلس من هذا ؟ قال مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين قال إن أذني عليلة فمره أن يرجع إلى مجلسه وكان مجلس بديح المغني فأمره عبد الله بن جعفر فرجع إلى موضعه فقال له معاوية داو أذني من علتها فتناول العود وغنى وقال
( ودع سعاد فإن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل ) قال فحرك عبد الله بن جعفر رأسه فقال له معاوية لم حركت رأسك يا ابن جعفر ؟ قال أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لقيت

لأبليت ولو سئلت لأعطيت وكان معاوية قد خضب قال فقال ابن جعفر لبديح هات غير هذا وكان عند معاوية جارية أعز جواريه عليه وكانت تتولى خضابه فغنى بديح وقال
( أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيض من قادمات الرأس كالحمم )
( وجددت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم ) فطرب معاوية طربا شديدا وجعل يحرك رجله فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إنك سألتني عن تحريك رأسي فأجبتك وأخبرتك وأنا أسألك عن تحريك رجلك فقال كل كريم طروب ثم قام وقال لا يبرح أحد منكم حتى يأتي له إذني ثم ذهب فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاصة كسوته وإلا كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب وحدث ابن الكلبي والهيثم بن عدي قالا بينما عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة إذ سمع غناء فاصغى إليه فإذا صوت رقيق لقينة تغني وتقول
( قل للكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج ) فنزل عبد الله عن دابته ودخل على القوم بلا إذن فلما رأوه قاموا إجلالا له ورفعوا مجلسه فأقبل عليه صاحب المجلس وقال يا ابن عم رسول الله أتدخل مجلسنا بلا إذن وليس هذا من شأنك ؟ فقال عبد الله لم أدخل إلا بإذن قال ومن لك ؟ قال قينتك هذه سمعتها تقول قل للكرام ببابنا يلجوا فولجنا فإن كنا كراما فقد أذن لنا وإن كنا لئاما خرجنا مذمومين فقبل صاحب المنزل يده وقال جعلت فداك والله ما أنت إلا من أكرم الناس فبعث عبد الله إلى جارية من جواريه فحضرت ودعا بثياب وطيب فكسا القوم وطيبهم ووهب الجارية لصاحب المنزل وقال هذه أحذق بالغناء من جاريتك وسمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره فقال

اطلبوه فجاؤا به فقال أعد علي ما غنيت به فغنى وأحفل وكان سليمان أغير الناس فقال لأصحابه كأنها والله جرجرة الفحل في الشوك وما أظن أنثى تسمع هذا إلا صبت إليه ثم أمر به فخصي
أصل الغناء ومعدنه قال أبو المنذر هشام الغناء على ثلاثة أوجه النصب والسناد والهزج فأما النصب فغناء الفتيان والركبان وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات وأما الهزج فالخفيف كله وهو الذي يستفز القلوب ويهيج الحليم وقيل كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى فاشيا ظاهرا وهي المدينة والطائف وخيبر وفدك ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة وهذه القرى مجامع أسواق العرب ويقال إن أول من صنع العود لامك ابن قاين بن آدم وبكى به على ولده ويقال إن صانعه بطليموس صاحب الموسيقى وهو كتاب اللحون الثمانية والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب التاسع والستون في ذكر المغنين والمطربين وأخبارهم ونوادر الجلساء في مجالس الرؤساء قيل إن أول من غنى في العرب قينتان للنعمان يقال لهما الجرادتان ومن غنائهما
( ألا يا قين ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما ) وإنما غنتا هذا حين حبس الله عنهم المطر وقيل أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق طويس وهو الذي علم ابن سريج والدلال نوبة الضحى وكان يكنى أبا عبد النعيم ومن غنائه وهو أول صوت غنى به في الإسلام هذا البيت
( قد براني الشوق حتى ... كدت من وجدي أذوب ) ثم نجم بعد طويس ابن طنبور وأصله من اليمن وكان أهزج الناس وأخفهم غناء ومن غنائه
( وفتيان على شرب جميعا ... دلفت لهم بباطية هدور )
( فلا تشرب بلا طرب فإني ... رأيت الخيل تشرب بالصفير ) ومنهم حكم الوادي ومن غنائه
( إمدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا يا لعطش )

( إنما الراح ربيع باكر ... فإذا ما وافت المرء انتعش ) وكان لهارون الرشيد جماعة من المغنين منهم إبراهيم الموصلي وابن جامع السهمي وغيرهما وكان له زامر يقال له برصوما وكان إبراهيم أشدهم تصرفا في الغناء وابن جامع أحلاهم نغمة فقال الرشيد يوما لبرصوما ما تقول في ابن جامع ؟ قال يا أمير المؤمنين وما أقول في العسل الذي من حيثما ما ذقته فهو طيب قال فإبراهيم الموصلي ؟ قال بستان فيه جميع الأزهار والرياحين وكان ابن محرز يغني كل إنسان بما يشتهيه كأنه خلق من قلب كل إنسان وغنى رجل بحضرة الرشيد بهذه الأبيات
( وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا )
( فليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا )
( بكت عيني اليسرى فلما نهيتهما ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا ) قال فاستخف الرشيد الطرب فأمر له بمائة ألف درهم
وحدث ابن الكلبي عن أبيه قال كان ابن عائشة من أحسن الناس غناء وأنبههم فيه وكان من أضيق الناس خلقا إذا قيل له غن قال لمثلي يقال غن علي عتق رقبة إن غنيت يومي هذا فلما كان في بعض الأيام سال وادي العقيق فلم يبق في المدينة مخبأة ولا مخدرة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني وهو معتجر بفضل ردائه فنظر إليه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم وكان الحسن فيمن خرج إلى العقيق وبين يديه عبدان أسودان كأنهما ساريتان يمشيان أمام دابته فقال لهما أقسم بالله إن لم تفعلا ما أمركما به لأنكلن بكما فقالا يا مولانا قل ما أمرتنا به فلو امرتنا ان نقتحم النار فعلنا قال فاذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه فأمسكاه فإن لم يفعل ما آمره به وإلا فاقذفا به في العقيق قال فمضيا والحسن يقفوهما فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بمنكبيه فقال

هذا ؟ فقال له الحسن أنا هذا يا ابن عائشة فقال لبيك وسعديك بأبي أنت وأمي قال اسمع مني ما أقول لك واعلم أنك مأسور في أيديهما وقد أقسمت إن لم تغن مائة صوت ليطرحانك في العقيق قال فصاح ابن عائشة واويلاه واعظم مصيبتاه فقال له الحسن دعنا من صياحك وخذ فيما ينفعنا قال اقترح وأقم من يحصي ثم أقبل يغني فترك الناس العقيق واقبلوا عليه فلما تمت أصواته مائة كبر الناس بلسان واحد تكبيرة ارتجت لها أقطار الأرض وقالوا للحسن صلى الله على جدك حيا وميتا فما اجتمع لأحد من أهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت فقال له الحسن ما فعلت هذا بك يا ابن عائشة إلا لأخلاقك الشرسة فقال ابن عائشة والله ما مرت بي شدة أعظم من هذه لقد بلغت أطراف أعضائي فكان ابن عائشة بعد ذلك إذا قيل له ما أشد يوم مر عليك ؟ يقول يوم العقيق
وحدث أبو جعفر البغدادي قال حدثني عبد الله بن محمد كاتب بغداد عن أبي عكرمة قال خرجت يوما إلى المسجد الجامع فمررت بباب أبي عيسى بن المتوكل فإذا على بابه المشدود وهو أحذق خلق الله تعالى بالغناء فقال أين تريد يا أبا عكرمة ؟ قلت المسجد الجامع لعلي أستفيد حكمة اكتبها فقال أدخل بنا إلى أبي عيسى قلت أمثل أبي عيسى في قدره وجلالته يدخل عليه بلا إذن ؟ فقال للحاجب أعلم أمير المؤمنين بمكان أبي عكرمة فما لبث إلا ساعة حتى خرج الغلمان إلي فحملوني حملا فدخلت إلى دار ما رأيت أحسن منها بناء ولا أظرف منها هيئة فلما نظرت إلى أبي عيسى قال لي ما يعيش من يحتشم اجلس فجلست فأتينا بطعام كثير فملا انقضى أتينا بشراب وقامت جارية تسقينا شرابا كالشعاع في زجاجة كأنها كوكب دري فقلت أصلح الله الأمير وأتم عليه نعمه ولا سلبه ما وهبه قال فدعا أبو عيسى بالمغنيين وهم المشدود ودبيس ورقيق ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة بالغناء فابتدأ المشدود وغنى يقول
( لما استقل بارداف تجاذبه ... واخضر فوق بياض الدر شاربه )

( وأشرق الورد من نسرين وجنته ... واهتز أعلاه وارتجت حقائبه )
( كلمته بجفون غير ناطقة ... فكان من رده ما قال حاجبه ) ثم سكت وغنى دبيس
( الحب حلو أمرته عواقبه ... وصاحب الحب صب القلب ذائبه )
( استودع الله من بالطرف ودعني ... يوم الفراق ودمع العين ساكبه )
( ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي ... إرفق بقلبك قد عزت مطالبه ) ثم سكت وغنى رقيق
( بدر من الإنس حفته كواكبه ... قد لاح عارضه واخضر شاربه )
( إن يوعد الوعد يوما فهو مخلفه ... أو ينطق القول يوما فهو كاذبه )
( عاطيته كدم الأوداج صافية ... فقام يشدو وقد مالت جوانبه ) ثم سكت وابتدأ المشدود يقول
( يا دير حنة من ذات الاكيراح ... من يصح عنك فإني لست بالصاحي ) ثم سكت وغنى دبيس
( دع البساتين من آس وتفاح ... واعدل هديت إلى شيخ الاكيراح )
( واعدل إلى فتية ذابت لحومهم ... من العبادة إلا نضو أشباح )
( وخمرة عتقت في دنها حقبا ... كأنها دمعة في جفن سياح ) ثم سكت وغنى رقيق
( لا تحلفن بقول اللائم اللاحي ... واشرب على الورد من مشمولة الراح )
( كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... أغناه لألاؤها عن كل مصباح )

( ما زلت أسقي نديمي ثم ألثمه ... والليل ملتحف في ثوب امساح )
( فقام يشدو وقد مالت سوالفه ... يا دير حنة من ذات الأكيراح ) ثم أقبل أبو عيسى على المشدود وقال له غن لي شعري فغناه
( يا لجة الدمع هل للغمض مرجوع ... أم للكرى من جفون العين ممنوع )
( ما حيلتي وفؤادي هائم دنف ... بعقرب الصدغ من مولاي ملسوع )
( لا والذي تلفت نفسي بفرقته ... فالقلب من فرق الأحزان مصدوع )
( ما أرق العين إلا حب مبتدع ... ثوب الجمال على خديه مخلوع ) قال أبو عكرمة فوالله لقد حضرت من المجالس ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى فما حضرت مثل ذلك المجلس ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا وحكي عن الرشيد أنه قال يوما للفضل ابن الربيع من بالباب من الندماء ؟ قال جماعة فيهم هاشم بن سليمان مولى بني أمية وأمير المؤمنين يشتهي سماعه قال فأذن له وحده فدخل فقال هات يا هشام فغناه من شعر جميل حيث يقول
( إذا ما تراجعنا الذي كان بيننا ... جرى الدمع من عيني بثينة بالحكل )
( فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح عقلي ما أصبت به أهلي )
( خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكي من حب قاتله قبلي ) قال فطرب الرشيد طربا شديدا وقال أحسنت لله أبوك قلده عقدا نفيسا فلما رأه هاشم ترقرقت عيناه بالدموع فقال له الرشيد ما يبكيك يا هاشم ؟ فقال يا أمير المؤمنين إن لهذا العقد حديثا عجيبا إن أذن لي أمير المؤمنين حدثته به فقال قد أذنت لك قال يا أمير المؤمنين قدمت يوما على الوليد وهو على بحيرة طبرية ومعه قينتان لم ير مثلهما جمالا وحسنا فلما وقعت عينه علي قال هذا

إعرابي قد ظهر من البوادي أدعو به لنسخر به فدعاني فسرت إليه ولم يعرفني فغنت إحدى الجاريتين بصوت هو لي فأخطأته الجارية فقلت لها أخطأت يا جارية فضحكت ثم قالت يا أمير المؤمنين ألم تسمع ما يقول هذا الأعرابي يعيب علينا غناءنا ؟ فنظر إلى كالمنكر فقلت يا أمير المؤمنين أنا أبين لك الخطأ فلتصلح وتر كذا ووتر كذا ففعلت وغنت شيئا ما سمع منها إلا في هذا اليوم فقامت الجارية مكبة علي وقالت أستاذي هاشم ورب الكعبة فقال الوليد أهاشم ابن سليمان أنت ؟ قلت نعم يا أمير المؤمنين وكشفت عن وجهي وأقمت معه بقية يومنا فأمر لي بثلاثين ألف درهم فقالت الجارية يا أمير المؤمنين أتأذن لي في بر أستاذي ؟ فقال الوليد ذلك إليك فحلت يا أمير المؤمنين هذا العقد من عنقها ووضعته في عنقي وقالت هو لك ثم قربوا إليه السفينة ليرجع إلى موضعه فركب في السفينة وطلعت معه إحدى الجاريتين وأبتعتها صاحبتي فأردات أن ترفع رجلها وتطلع السفينة فسقطت في الماء فغرقت لوقتها وطلبت فلم يقدر عليها فاشتد جزع الوليد عليها وبكى بكاء شديدا وبكيت أنا عليها أيضا بكاء شديدا فقال لي يا هاشم ما نرجع عليك مما وهبناه لك ولكن نحب أن يكون هذا العقد عندنا نذكرها به فبعني إياه فعوضني عنه ثلاثين ألف درهم فلما وهبتني العقد يا أمير المؤمنين تذكرت قضيته وهذا سبب بكائي فقال الرشيد لا تعجب فإن الله كما ورثنا مكانهم ورثنا أموالهم وقال علي بن سليمان النوفلي غنى دحمان الأشقر عند الرشيد يوما فأنشده
( إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا برؤياك هاديا )
( ذكرتك بالديزين يوما فأشرفت ... بنات الهوى حتى بلغن التراقيا )
( إذا ما طواك الدهر يا أم مالك ... فشأن المنايا القاضيات وشانيا ) قال فطرب الرشيد طربا شديدا واستعاده منه مرات ثم قال له

علي قال أتمنى الهنىء والمرئ وهما ضيعتان غلتهما أربعون ألف دينار في كل سنة فأر له بهما فقيل له يا أمير المؤمنين إن هاتين الضيعتين من جلالتهما يجب أن لا يسمح بمثلهما فقا الرشيد لا سبيل إلى استرداد ما أعطيت ولكن احتالوا في شرائهما منه فساوموه فيهما حتى وقفوا معه على مائة ألفه دينار فرضي بذلك فقال الرشيد إدفعوها له فقاولا يا أمير المؤمنين في إخراج مائة ألف دينار من بيت المال طعن ولكن نقطعها له فكان يوصل بخمسة آلاف وثلاثة آلاف حتى استوفاها ومن ذلك ما حكى إسحاق الموصلي قال كان الواثق بن المعتصم أعلم الناس بالغناء وكان يضع الألحان العجيبة فغنيني بها شعره وشعر غيره فقال له يوما يا أبا محمد لقد فقت أهل العصر في كل شيء فغني شعرا أرتاح إليه وأطرب عليه يومي هذا قال اسحاق فغنيته هذه الأبيات
( ما كنت أعلم ما في البين من حرق ... حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن )
( قالت تودعني والدمع يغلبها ... فهمهمت بعض ما قالت ولم تبن )
( مالت إلى وضمتني لترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن )
( وأعرضت ثم قالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن ) قال فخلع علي خلعة كانت عليه وأمر لي بمائة ألف درهم وقال وغنيته يوما
( قفي ودعينا يا سعاد بنظرة ... فقد حان منا يا سعاد رحيل )
( فيا جنة الدنيا ويا غاية المنى ... ويا سؤال نفسي هل إليك سبيل )
( وكنت إذا ما جئت جئت لعلة ... فافنيت علاتي فكيف أقول )
( فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم لي إليك وصول ) فقال والله لا سمعت يومي غيره وألقى علي خلعة من ثيابه وأمر لي بصلة ما أمر لي قبلها بمثلها

حذف حذف 332

ومن حكايات الخلفاء ومكارم أخلاقهم ما حكي عن إبراهيم بن المهدي قال قال جعفر بن يحيى يوما لبعض ندمائه إني قد استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غدا فهل من مساعدة ؟ فقلت جعلت فداءك أنا أسعد بمساعدتك وأسر بمشاهدتك فقال بكر بكور الغراب قال فأتيته عند الفجر فوجدت الشموع قد أوقدت بين يديه وهو ينتظرني في الميعاد فما زلنا في أطيب عيش إلى وقت الضحى فقدمت إلينا موائد الأطعمة عليها من أفخر الطعام وأطيبه فأكلنا وغسلنا أيدينا ثم خلعت علينا ثياب المنادمة وضمخنا بالخلوق وانتقلنا إلى مجلس الطرب ومدت الستائر وغنت القينات فظللنا بأنعم يوم ثم إنه داخله الطرب فدعا بالحاجب وقال له إذا أتى أحد يطلبنا فأذن له ولو كان عبد الملك بن صالح بنفسه فاتفق بالأمر المقدر إن عم الرشيد عبد الملك بن صالح قدم علينا في ذلك الوقت وكان صاحب جلالة وهيبة ورفعة وعنده من الورع والزهد والعبادة ما لا مزيد عليه وكان الرشيد إذا جلس مجلس لهو لا يطلعه على ذلك لشدة ورعه فلما قدم دخل به الحاجب علينا فلما رأيناه رمينا ما في أيدينا وقمنا إجلالا له نقبل يده وقد ارتعنا لذلك وخجلنا وزاد بنا الحياء فقال لا بأس عليكم كونوا على ما أنتم عليه ثم صاح بغلام فدفع له ثيابه ثم أقبل علينا وقال اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم قال فما كان بأسرع من أن طرحت عليه ثياب خز معلم وقدمت إليه موائد الطعام والشراب فطعم وشرب الشراب لساعته ثم قال خففوا عني فإنه شيء ما فعلته والله قط قال فتهلل وجه جعفر ثم التفت إلى عبد الملك فقال له جعلت فداءك قد علوت علينا وتفضلت فهل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فاقضيها لك مكافأة لك على ما صنعت قال بلى إن في قلب أمير المؤمنين بعض تغير علي فتسأله الرضا عني فقال جعفر قد رضي عنك أمير المؤمنين قال وعلي عشرة آلاف دينار فقال جعفر هي حاضرة لك من مالي ولك من مال أمير المؤمنين مثلها قال أريد أن أشد ظهر ابني إبراهيم بمصاهرة من أمير المؤمنين قال قد زوجه أمير المؤمنين بابنته الغالية قال وأحب أن أن تخفق الألوية على رأسه قال وقد ولاه

أمير المؤمنين مصر فانصرف عبد الملك بن صالح وبقيت متعجبا من إقدام جعفر على ذلك من غير استئذان وقلت عسى أن يجيبه أمير المؤمنين إلى ما سأله من الولاية والمال والرضا إلا المصاهرة قال فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد لأنظر ما يكون من أمرهم فدخل جعفر فلم يلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ثم بإبراهيم بن عبد الملك بن صالح فخرج إبراهيم وقد عقد نكاحه بالغالية بنت الرشيد وعقد له على مصر الرايات والألوية تخفق على رأسه وخرج كل من في القصر معه إلى بيت عبد الملك بن صالح قال ثم بعد ذلك خرج إلينا جعفر وقال أظن أن قلوبكم تعلقت بحديث عبد الملك بن صالح وأحببتم سماع ذلك قلنا هو كما ظننت قال لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال كيف كان يومك يا جعفر بالأمس ؟ فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى دخول عبد الملك بن صالح فكان متكئا فاستوى جالسا وقال لله أبوك ما سألك ؟ قلت سأنل رضاك عنه يا أمير المؤمنين قال بم أجبته قلت قد رضي عنك أمير المؤمنين قال قد رضيت عنه ثم ماذا قلت وذكر ان عليه عشرة آلاف دينار قال فبم أجبته ؟ قلت قد قضاها عنك أمير المؤمنين قال وقد قضيتها عنه ثم ماذا قلت ورغب أن يشد أمير المؤمنين ظهر ولده إبراهيم بمصاهرة منه قال فبم أجبته ؟ قلت قد زوجه أمير المؤمنين بابنته الغالية قال قد أجبته إلى ذلك ثم ماذا قلت ؟ قال وأحب أن تخفق الألوية على رأسه قال فبم أجبته ؟ قلت قد ولاه أمير المؤمنين مصر قال قد وليته إياها ثم نجز له جميع ذلك من ساعته قال إبراهيم بن المهدي فوالله ما أدري أي الثلاثة أكرم وأعجب فعلا ما ابتدأه عبد الملك بن صالح من المنادمة ولم يكن فعل ذلك قط أم إقدام جعفر على الرشيد أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر فهكذا تكون مكارم الأخلاق وحكى أبو العباس عن عمر الرازي قال أقبلت من مكة أريد المدينة فجعلت أسير في جمد من الأرض فسمعت غناء لم أسمع مثله فقلت والله لأتوصلن إليه فإذا هو عبد أسود فقلت له أعد علي ما سمعت فقال والله لو كان عندي قري أقريكه لفعلت ولكني أجعله قراك

فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط أو عطشان فأروى ثم اندفع يغني ويقول
( وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها )
( من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها ) قال عمر فحفظته منه ثم تغنيت به على الحالات التي وصفها إلى فإذا هي كما ذكر والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
حكى علي بن الجهم قال لما أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين المتوكل أهدى إليه عبد الله بن طاهر من خراسان جارية يقال لها محبوبة كانت قد نشأت بالطائف فبرعت في الجمال والأدب وأجادت قول الشعر وحذاقة الغناء فشغف بها أمير المؤمنين المتوكل حتى كانت لا تفارق مجلسه ساعة واحدة ثم أنه حصل منه عليها بعد ذلك جفاء فهجرها قال علي بن الجهم فبينما أنا نائم عنده ذات ليلة إذ أيقظني فقال يا علي قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال قد رأيت الليلة في منامي كأني رضيت على محبوبة وصالحتها فقلت خيرا رأيت يا أمير المؤمنين أقر الله عينك إنما هي جاريتك والرضا والجفاء بيدك فوالله إنا لفي حديثها إذ جاءت وصيفة فقالت يا أمير المرمنين سمعت صوت عود من حجرة محبوبة فقال قم بنا يا علي ننظر ما تصنع فنهضنا حتى أيتنا حجرتها فإذا هي تضرب بالعود وتقول
( أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلتمني )
( كأنني قد أتيت معصية ... ليس لها توبة تخلصني )
( فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني )
( حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره وصارمني ) قال فصاح أمير المؤمنين فلما سمعته تلقته وأكبت على رجليه تقبلهما فقال ما هذا ؟ قلت يا مولاي رأيت في منامي هذه الليلة

كأنك قد رضيت عني فأنشدت ما سمعت قال وأنا والله رأيت مثل ذلك ثم قال يا علي هل رأيت أعجب من هذا الاتفاق ثم أخذ بيدها ومضى إلى حجرتها وكان من أمرهما ما كان
قيل وكان أمير المؤمنين الواثق إذا شرب رقد في موضعه الذي شرب فيه ومن كان معه من ندمائه وشرب رقد ولم يخرج فشرب يوما وخرج من كان عنده إلا مغنيا واحدا أظهر التراقد فترك وكانت مغنية من حظايا الخليفة نائمة فلما خلا المجلس كتب المغني رقعة ورمى بها إليها فإذا فيها
( إني رأيتك في المنام ضجيعتي ... مسترشفا من ريق فيك البارد )
( وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في لحاف واحد )
( ثم انتبهت ومنكباك كلاهما ... في راحتي وتحد خدك ساعدي )
( فقطعت يومي كله متراقدا ... لأرك في نومي ولست براقد ) فكتبت إليه على ظهرها تقول
( خيرا رأيت وكل ما أملته ... ستناله مني برغم الحاسد )
( وتبيت بين خلاخلي ودمالجي ... وتحل بين مراشفي ونواهدي )
( ونكون أنعم عاشقين تعاطيا ... ملح الحديث بلا مخافة راصد ) فلما مدت يدها لترمي إليه بالرقعة رفع الواثق رأسه فأخذها من يدها وقال ما هذا ؟ فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل ذلك كلام ولا كتاب ولا رسول إلا أن العشق قد خامرهما قال فاعتقها من وقتها وزوجها به وقلت خذها ولا تقربنا بعد اليوم وكان لأسماء بنت المهدي جارية يقال لها كاعب وكانت بكرا ناهدا بنت ثلاث عشرة سنة قال فتلاعب عليها أبو نواس فتمنعت فوقع في قلبه منها ما وقع وأحبته هي أيضا فجعل أبو نواس كلما أمسكها تمنعت فظفر بها ليلة من الليالي في ناحية

من القصر فأمسكها فبكت وقالت له يا سيدي الموت دون ذلك فقال أبو نواس هذا جزع الابكار فاتفق أنه خرج يوما من القصر وقد ترقرق الدجا فوجدها نائمة في سدلة وهي سكرى لا تفيق فتقرب منها وحل سراويلها ووقع عليها فإذا هي خالية من البكارة فارتاع وظن أن يكون أتاها دم فلم يجد فقام عنها وندم على ما كان منه وأنشد يقوله
( وناهدة الثديين من خدم القصر ... مرقوقة الخدين ليلية الشعر )
( كلفت بها دهرا على حسن وجهها ... طويلا وما حب الكواعب من أمري )
( فما زلت بالأشعار حتى خدعتها ... وروضتها والشعر من خدع السحر )
( أطالبها شيئا فقالت بعبرة ... أموت ولا هذا ودمعتها تجري )
( فلما تعارضنا توسطت لجة ... غرقت بها يا قوم في لجج البحر )
( فصحت أغثني يا غلام فجاءني ... وقد زلقت رجلي وصرت إلى الصدر )
( ولولا صياحي بالغلام وإنه ... تداركني بالحبل صرت إلى القعر )
( فأقسمت عمري لا ركبت سفينة ... ولا سرت طول الدهر إلا على ظهر ) ومن ذلك ما حدث الشيباني قال كان عند رجل بالعراق قينة وكان أبو نواس يختلف إليها وكانت تظهر له أنها لا تحب غيره وكان كلما دخل إليها وجد عندها شابا يجالسها ويحادثها فقال فيها هذه الأبيات
( ومظهرة لخلق الله ودا ... وتلقي بالتحية والسلام )
( أتيت لبابها أشكو إليها ... فلم أخلص إليه من الزحام )
( فيا من ليس يكفيها خليل ... ولا ألفا خليل كل عام )
( أراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام ) وقال أبو سويد حدثني أبو زيد الأسدي قال دخلت على سليمان ابن عبد الملك وهو جالس في إيوان مبلط بالرخام الأحمر مفروش بالديباج الأخضر في وسط بستان ملتف قد أثمر وأينع وعلى رأسه وصائف كل

واحدة منهن أحسن من صاحبتها وقد غابت الشمس وغنت الأطيار فتجاوبت وصفقت الرياح على الأشجار فتمايلت فقلت السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته وكان مطرقا فرفع رأسه وقال أبا زيد في مثل هذا حين تصاحبنا فقلت أصلح الله الأمير أو قامت القيامة ؟ قال نعم على أهل المحبة ثم أطرق مليا ورفع رأسه وقال أبا زيد ما يطيب في يومنا هذا ؟ قلت أصلح الله الأمير قهوة حمراء في زجاجة بيضاء تناولها غادة هيفاء مضمومة الفاء أشربها من كفها وأمسح فمي بخدها فأطرق سليمان مليا لا يرد جابا تنحدر من عينيه عبرات بلا شهيق فلما رأت الوصائف ذلك تنحين عنه ثم رفع رأسه فقال أبا زيد حضرت في يوم فيه انقضاء أجلك ومنتهى مدتك وتصرم عمرك والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك قلت نعم أصلح الله الأمير كنت جالسا عند دار أخيك سعيد بن عبد الملك فإذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر كأنها غزال انفلت من شبكة صياد عليها قميص سكب اسكندراني يبين منه بياض بدنها وتدوير سرتها ونقش تكتها وفي رجليها نعلان صراران قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها بذؤابتين تضربان إلى حقويها لها صدغان كأنهما نونان وحاجبان قد قوسا على محاجر عينيها وعينان مملوءتان سحرا وأنف كأنه قصبة بلور وفم كأنه جرح يقطر دما وهي تقول عباد الله من لي بدواء ما لا يشتكى وعلاج ما لا يسمى طال الحجاب وأبطأ الجواب والقلب طائر والعقل عازب والنفس والهة والفؤاد مختلس والنوم محتبس رحمة الله على قوم عاشوا تجلدا وماتوا كمدا ولو كان إلى الصبر حيلة أو إلى ترك الغرام سبيل لكان أمرا جميلا ثم أطرقت طويلا ورفعت رأسها فقلت لها أيتها الجارية إنسية أنت أم جنية سماوية أنت أم أرضية ؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك واذهلني حسن منطقك فسترت وجهها بكمها كأنها لم ترني ثم قالت أعذر أيها المتكلم فما أوحش الساعد بلا مساعد والمقاساة لصب معاند ثم انصرفت فوالله ما أكلت طعاما طيبا إلا غصصت به لذكرها ولا رأيت حسنا إلا سمج في عيني لحسنها فقال سليمان أبا زيد كاد الجهل يستفزني والصبا يعاودني والحلم يعزب

عني لشجو ما سمعت اعلم يا أبا زيد أن تلك التي رأيتها هي الذلفاء التي قيل فيها
( إنما الذلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان ) شراؤها على أخي ألف ألف درهم وهي عاشقة لمن باعها والله إن مات ما يموت إلا بحبها ولا يدخل القبر إلا بغصتها وفي الصبر سلوة وفي توقع الموت نهيه قم أبا زيد في دعة الله تعالى ثم قال يا غلام نفله ببدرة فأخذتها وانصرفت قال فلما أفضت الخلافة إليه صارت الذلفاء إليه فأمر بفسطاط فأخرج على دهناء الغوطة وضرب في روضة خضراء مونقة زهراء ذات حدائق بهجة تحتها أنواع الزهر ما بين أصفر فاقع وأحمر ساطع وأبيض ناصع وكان لسليمان مغن يقال له سنان به يأنس وإليه يسكن فأمره أن يضرب فسطاطه بالقرب منه وكانت الذلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المتنزه فلم يزل سنان يومه ذلك عند سليمان في أكمل سرور وأتم حبور إلى أن انصرف من الليل إلى فسطاطه فنزل به جماعة من إخوانه فقالوا له نريد قرا أصلحك الله قال وما قراكم ؟ قالوا أكل وشرب وسماع قال أما الأكل والشرب فمباحان لكم وأما السماع فقد عرفتم شدة غيرة أمير المؤمنين ونهيه عنه إلا ما كان في مجلسه قالوا لا حاجة لنا بطعامك وشرابك إن لم تسمعنا قال فاختاروا صوتا واحدا أغنيكموه قالوا غننا صوت كذا فرفع صوته يغني بهذه الأبيات
( محجوبة سمعت صوتي فأرقها ... من آخر الليل لما نبه السحر )
( في ليلة البدر ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر )
( لم يحجب الصوت احراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصوت منحدر )
( لو مكنت لمشت نحوي على قدم ... تكاد من لينها في المشي تنفطر ) قال فسمعت الذلفاء صوت سنان فخرجت إلى صحن الفسطاط

تسمع فجعلت لا تسمع شيئا من حسن خلق ولطافة قد إلا رأت ذلك كله في نفسها وهيئتها فحرك ذلك ساكنا من قلبها فهملت عيناها وعلا نحيبها فانتبه سليمان فلم يجدها معه فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحال فقال ما هذا يا ذلفاء ؟ فقالت
( ألا رب صوت رائع من مشوه ... قبيح المحيا واضع الأب والجد )
( يروعك منه صوته ولعله ... إلى أمة يعزى معا وإلى عبد ) فقال سليمان دعيني من هذا فوالله لقد خامر قلبك منه ما خامر ثم قال يا غلام علي بسنان فدعت الذلفاء خادما لها فقالت له إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان فحذرته فلك عشرة آلاف درهم وأنت حر لوجه الله تعالى فخرج الرسولان فسبق رسول أمير المؤمنين سليمان فلما أتى به قال يا سنان ألم أنهك عن مثل هذا ؟ قال يا أمير المؤمنين حملني على ذلك حلمك وأنا عبد أمير المؤمنين وغرس نعمته فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عن عبده فليفعل قال قد عفوت عنك ولكن أما علمت أن الفرس إذا صهل ودقت له الحجرة وأن الفحل إذا هدر ضبعت له الناقة وأن الرجل إذا تغنى أصغت له المرأة إياك إياك والعود إلى ما كان منك فيطول غمك
وحكي أن الرشيد فصد يوما فأرسلت إليه بعض حظاياه قدحا فيه شراب مع وصيفة لها حسنة الوجه جميلة الطلعة بديعة المحيا وغطته بمنديل مكتوب عليه هذه الأبيات
( فصدت عرقا تبتغي صحة ... ألبسك الله به العافية )
( فاشرب بهذا الكأس يا سيدي ... واهنأ به من كف ذي الجارية )
( واجعل لمن أنفذه خلوة ... تحظى بها في الليلة الآتية ) قال فنظر الرشيد إلى الوصيفة التي جاءت بالقدح فاستحسنها

فافتضها ثم أرسلها فعلمت مولاتها بذلك فكتبت إليه رقعة تقول فيها هذه الأبيات
( بعثت الرسول فأبطأ قليلا ... على الرغم مني فصبرا جميلا )
( وكنت الخليل وكان الرسول ... فصرت الرسول وصار الخليلا )
( كذا من يوجه في حاجة ... إلى من يجب رسولا جميلا ) قال فاستحسن الرشيد ذلك منها وأرسل إليها أنا عندك الليلة وأهدى داود بن روح المهلبي إلى المهدي جارية فحظيت عنده فواعدته المبيت عنده ليلة فمنعها الحيض فكتب إليها يقول
( لأهجرن حبيبا خان موعده ... وكان منه لصفو العيش تكدير ) فأرسلت إليه تجيبه
( لا تهجرن حبيبا خان موعده ... ولا تذمن وعدا فيه تأخير )
( ما كان حبسي إلا من حدوث أذى ... لا يستطاع له بالقول تفسير ) وقال محمد بن مروان يصف جارية له
( أمست تباع ولو تباع بوزنها ... درا بكى أسفا عليها البائع ) وكان للمأمون جويرية من أحسن الناس وأسبقهم إلى كل نادرة فحظت عنده فحسدها الجواري وقلن لا حسب لها فنقشت على خاتمها حسبي حسني فازداد بها المأمون عجبا فمستها الجواري فماتت فجزع عليها المأمون جزعا شديدا وقال
( اختلست ريحانتي من يدي ... أبكي عليها آخر الأبد )
( كانت هي الأنس إذا استوحشت ... نفسي من الأقرب والأبعد )
( وروضة كان بها مرتعي ... ومنهلا كان بها موردي )
( كانت يدي كان بها قوتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي )

وللمتوكل في قينة
( أمازحها فتغضب ثم ترضى ... فكل فعالها حسن جميل )
( فان غضبت فاحسن ذي دلال ... وان رضيت فليس لها عديل ) وحدث أبو عبد الله بن عبد البر قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال كان في المدينة رجل من بني هاشم وكان له قينتان يقال لأحداهما رشا وللأخرى جؤذر وكان بالمدينة رجل مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس المستطرفين فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليسخر به فلما أتاه قال له أصلحك الله إنك لفي لذتك ولا لذة لي قال وما لذتك ؟ قال تحضر لي نبيذا فإنه لا يطيب لي عيش إلا به فأمر الهاشمي باحضار نبيذ وأمر أن يطرح فيه سكر العشر فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه فتناوم الهاشمي وغمز جاريتيه عليه فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرز قال في نفسه ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين وأهل اليمن يسمون الكنف بالمراحيض فقال لهما يا حبيبتي أين المرحاض ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول سيدنا قالت يقول غنياني
( رحضت فؤادي فخليتني ... أهيم من الحب في كل وادي ) فاندفعتا تغنيانه فقال في نفسه والله ما أظنهما فهمتا عني وما أظنهما إلا مكيتين وأهل مكة يسمونها المخارج فقال يا حبيبتي أني المخرج ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول سيدنا ؟ قالت يقول غنياني
( خرجت لها من بطن مكة بعدما ... أقام المنادي بالعشي فأعتما ) فاندفعتا يغنيانه فقال في نفسه لم يفهما عني وما أظنهما إلا شاميتين وأهل الشام يسمونها المذاهب فقال يا حبيبتي أين المذاهب ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول حبيبنا ؟ قالو يقول غنياني

( ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب ) فغنتاه الصوت فقال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لم يفهما عني وما أظن القحبتين إلا مدنيتين وأهل المدينة يسمونهابيت الخلاء فقال يا حبيبتي أين بيت الخلاء ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول سيدنا ؟ قالت يقول غنياني
( خلا علي بقاع الأرض إذا ظنوا ... من بظن مكة واستراعائي الحزن ) قال فغنتاه فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ما أظن الفاسقتين إلا بصريتين وأهل البصرة يسمونها الحشوش فقال يا حبيبتي أين الحشوش ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول سيدنا ؟ قالت يقول غنياني
( أوحشوني وعز صبري فيهم ... ما احتيالي وما يكون فعالي ) قال فاندفعتا تغنيانه فقال ما أراهما إلا كوفيتين وأهل الكوفة يسمونها الكنف فقال لهما يا حبيبتي أين الكنيف ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها يعيش سيدنا ما رأيت أكثر اقتراحا من هذا الرجل قالت ما يقول قالت يسأل أن تغني له
( تكنفني الهوى طفلا ... فشيبني وما اكتهلا )
فقال واويلاه وأعظم مصيبتاه هذا والهاشمي يتقطع ضحكا فقال لهما يا زانيتان إن لم تعلماني به أنا اعلمكما ثم رفع ثيابه وسلح عليهما وعلى الفراش فانتبه الهاشمي وقد غشي عليه من شدة الضحك وقال ويلك ما هذا تسلح على وطائي ؟ فقال الرجل حياة نفسي أعز علي من وطائك وقيل إنه لما قيل له ويلك ما هذا ؟ قال المضحك هذه الأبيات
( تكنفني الملاح واضجروني ... على ما بي بنيات الزواني )

( فلما قل عن ذاك اصطباري ... قذفت به على وجه الغواني ) قال فانبسط الهاشمي ودفع إليه مالا ومضى إلى سبيله
قال علي بن الجهم قلت لقينة
( هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدني إليك فإن الحب أقصاني ) قالت تأتي من باب الذهب وأنشدت
( إجعل شفيعك منقوشا تقدمه ... فلم يزل مدنيا من ليس بالداني ) وكان أشعب يختلف قينة بالمدينة فجلس عندها يوما يطارحها الغناء فلما أراد الخروج قال لها ناوليني خاتمك أذكرك به قالت إنه من ذهب وأخاف أن تذهب ولكن خذ هذا العود فلعلك أن تعود وناولته عودا من الأرض وكان بعض القينات من الجمال والحسن بجانب ثم أصابتها علة فتغير حالها فكانت تنشد
( ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح )
( أباها علي الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح ) وكان المعتصم يحب قينة من حظاياه فاتفق أنه خرج إلى مصر وتركها فذكرها في بعض الطريق فاشتاق إليها فغلبه الوجد فدعا مغنيا له وقال ويحك قد ذكرت جاريتي فلانة بنت فلانة فأقلقني الشوق إليها فعسى أن تغنيني شيئا في معنى ما ذكرته لك فأطرق مليا ثم غناه
( وددت من الشوق المبرح أنني ... اعار جناحي طائر فأطير )
( فما لنعيم ليس فيه بشاشة ... وما لسرور ليس فيه سرور )
( وإن امرأ في بلد نصف قلبه ... ونصف بأخرى غيرها لصبور ) والحكايات في معنى ذلك كثيرة ولو أردت بسطها لاحتجت إلى مجلدات ولكن ما قل وجل خير من كثير يمل وفيما ذكرته كفاية والله المسؤول أن يمدني منه باللطف والعناية ونسأله التوفيق والهداية وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الحادي والسبعون في ذكر العشق ومن بلي به والإفتخار بالعفاف وأخبار من مات بالعشق وما في معنى ذلك وفيه فصول
الفصل الأول في وصف العشق
قال الجاحظ العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أن السرف اسم لما جاوز الجود وقال أعرابي العشق خفي أن يرى وجلى أن يخفى فهو كامن ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن تركته توارى وقيل أول العشق النظر وأول الحريق الشرر وكان العشاق فيما مضى يشق الرجل برقع حبيبته والمرأة تشق رداء حبيبها ويقولان إنهما إذا لم يفعلا ذلك عرض البغض بينهما وقال عبد بني الحسحاس
( وكم قد شققنا من رداء محبر ... ومن برقع عن طفلة غير عانس )
( إذا شق برد شق بالبرد برقع ... من الحب حتى كلنا غير لابس ) وقيل لاعرابي ما بلغ من حبك لفلانه ؟ قال إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها رائحة المسك وقيل رأى شبيب أخو بثينة جميلا عندها فوثب عليه وآذاه ثم إن شبيبا أتى مكة وجميل فيها فقيل لجميل دونك شبيبا فخذ بثأرك منه فقال

( وقالوا يا جميل أتى أخوها ... فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب ) وأنشد الأخفش الحداد يقول
( مطارق الشوق منها في الحشى أثر ... يطرقن سندان قلب حشوه الفكر )
( ونار كور الهوى في الجسم موقدة ... ومبرد الحب لا يبقى ولا يذر ) وفي الجليس الأنيس لأبي العالية الشامي قال سأل أمير المؤمنين المأمون يحيى بن أكثم عن العشق ما هو ؟ فقال هو سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه وقال ثمامة العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب ملك مسالكه ضيقة ومذاهبه غامضة وأحكامه جائرة ملك الأبدان وأرواحها والقلوب وخواطرها والعيون ونواظرها والعقول وآراءها وأعطى عنان طاعتها وقوة تصريفها توارى عن الأبصار مدخله وخفي في القلوب مسلكه وكان شيخ بخراسان له أدب وحسن معرفة بالأمور قال لسليمان بن عمرو ومن معه أنتم أدباء وقد سمعتم الحكمة ولكم حداء ونغم فهل فيكم عاشق ؟ قال لا قال اعشقوا فان العشق يطلق اللسان ويفتح جبلة البليد والبخيل ويبعث على التلطف وتحسين اللباس وتطييب المطعم ويدعو إلى الحركة والذكاء وتشريف الهمة وقال المجنون
( قالت جننت على ذكرى فقلت لها ... الحب أعظم مما بالمجانين )
( الحب ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين ) قال ذالرياستين إن بهرام جور كان له ابن وكان قد رشحه للأمر من بعده فنشأ الفتى ناقص الهمة ساقط المروءة خامل النفس مسيء

الأدب فغمه ذلك فوكل به من المؤدبين والمنجمين والحكماء من يلازمه ويعلمه وكان يسألهم عنه فيحكون له ما يغمه من سوء فهمه وقلة أدبه إلى أن سأل بعض مؤدبيه يوما فقال له المؤدب قد كنا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما ص يرنا إلى الرجاء في فلاحه قال وما ذاك الذي حدث ؟ قال رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها فغلبت عليه فهو لا يهدأ إلا بها ولا يتشاغل إلا بها فقال بهرام الآن رجوت فلاحه ثم دعا بأبي الجارية فقال له إني مسر إليك سرا فلا يعدوك فضمن له ستره فاعلمه ان ابنه قد عشق ابنته وأنه يريد أن ينكحها إياه وأمره أن يأمرها باطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها وتقع عينه عليها فإذا استحكم طمعه فيها تجتنبه وتهجره فإن استعملها علمته أنها لا تصلح إلا لملك ثم لتعلمني خبرها وخبره ولا تطلعهما على ما أسره إليك فقبل أبوها ذلك منه ثم قال للمؤدب والموكل بأدبه حضه وشجعه على مراسلة المرأة ففعل ذلك وفعلت المرأة كما أمرها أبوها فلما انتهت إلى التجني عليه وعلم الفتى السبب الذي كرهته لأجله أخذ في الأدب وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرماية وضرب الصولجان حتى مهر في ذلك ثم رفع إلى أبيه أنه محتاج إلى الدواب والآلات والمطاعم والملابس والندماء وما أشبه ذلك فسر الملك بذلك وأمر له بما طلب ثم دعا مؤدبه فقال له إن الموضع الذي وضع به ابني نفسه من خبر هذه المرأة لا يدري به فتقدم إليه وأمره أن يرفع أمرها إلي ويسألني أن أزوجه إياها ففعل المؤدب ذلك فرفع الفتى ذلك لأبيه فدعا بأبيها وزوجه إياها وأمر بتعجيلها إليه وقال إذا اجتمعت أنت وهي فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك فلما اجتمعا صار إليه فقال يا بني لا يضعن قدرها عندك مراسلتها إياك وليست في خبائك فإني أمرتها بذلك وهي أعظم الناس منة عليك بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك حتى بلغت الحد الذي تصلح معه للملك من بعدي فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك ففعل الفتى وعاش مسرورا بالجارية وعاش أبوه مسرورا به وأحسن ثواب أبيها ورفع منزلته لصيانه سره وأحسن جائزة المؤدب لامتثال ما أمر به

وكان عبد الله بن عبيدة الريحاني يهوى جارية فزارته يوما فأقام يحدثها ويشكو إليها ألم الفراق فحان وقت الظهر فناداه إنسان الصلاة يا أبا الحسن فقال له رويدك حتى تزول الشمس أي حتى تقوم الجارية وقالت ليلى العامرية في قيسها
( لم يكن المجنون في حالة ... إلا وقد كنت كما كانا )
( لكنه باح بسر الهوى ... وإنني قد ذبت كتمانا ) وقال أحمد بن عثمان الكاتب
( وإني ليرضيني الممر ببابها ... وأقنع منها بالشتيمة والزجر ) وقال الفتح بن خاقان صاحب المتوكل
( أيها العاشق المعذب صبرا ... فخطايا أخي الهوى مغفورة )
( زفرة في الهوى احط لذنب ... من غزاة وحجة مبرورة ) وقال عمر بن أبي ربيعة كنت بين امرأتين هذه تساررني وهذه تعضني فما شعرت بعضة هذه من لذة هذه وأنشد شيبان العذري يقول
( لو حز بالسيف رأسي في محبتها ... لطار يهوي سريعا نحوها رأسي ) وقال يحيى بن معاذ الرازي لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابا
الفصل الثاني من هذا الباب فيمن عشق وعف والافتخار بالعفاف
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله من عشق فعف فمات فهو شهيد وقال عفوا تعف نساؤكم وقال بعضهم رأيت امراة مستقبلة البيت في غاية الضعف والنحافة

رافعة يديها تدعو فقلت لها هل من حاجة ؟ فقالت حاجتي أن تنادي في الموقف بقولي
( تزود كل الناس زادا يقيهم ... ومالي زاد والسلام على نفسي ) فناديت كما أمرتني وإذا بفتى نحيل الجسم قد أقبل إلي فقال أنا الزاد فمضيت به إليها فما زاد على النظر والبكاء ثم قالت له انصرف بسلام فقلت ما علمت ان لقاءكما يقتصر على هذا فقالت أمسك يا هذا أما علمت أن ركوب العار ودخول النار شديد ؟ قال إبراهيم بن محمد المهلبي
( كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر )
( وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتأنيس )
( أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر )
( كذلك الحب لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر ) وقال بعض بني كلب
( إن أكن طامح اللحاظ فإني ... والذي يملك الفؤاد عفيف ) ونحو ذلك قول القائل
( فقالت بحق الله إلا أتيتنا ... إذا كان لون الليل شبة الطيالس )
( فجئت وما في القوم يقظان غيرها ... وقد نام عنها كل واش وحارس )
( فبتنا بليل طيب نستلذه ... جميعا ولم أقلب لها كف لامس ) ونزل رجل على صديق له مستترا خائفا من عدو له فأنزله في منزله وتركه فيه وسافر لبعض حوائجه وقال لامرأته أوصيك بضيفي هذا خيرا فلما عاد بعد شهر قال لها كيف ضيفنا قالت ما أشغله بالعمى عن كل شيء وكان الضيف قد أطبق عينيه فلم ينظر إلى امرأة صاحبه ولا إلى منزله إلى أن عاد من سفره وكان عمر بن أبي ربيعة

عفيفا يصف ويعف ويحرم ولا يرد ودخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال لها يا بثينة ما أرى فيك شيئا مما كان يقوله جميل فقالت يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك قال فكيف رأيتيه في عشقه ؟ قالت كان كما قال الشاعر
( لا والذي تسجد الجباه له ... مالي بما تحت ذيلها خبر )
( ولا بفيها ولا هممت بها ... ما كان إلا الحديث والنظر ) وقد قدمت هذين البيتين في الجزء الأول فيما جاء في الكتابة على سبيل الرمز وعن أبي سهل الساعدي قال دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت فقال لي يا أبا سهل إن رجلا يلقى الله ولم يسفك دما ولم يشرب خمرا ولم يأت فاحشة أفترجو له الجنة ؟ قلت أي والله فمن هو ؟ قال إني لأرجو أن أكون ذلك فذكرت له بثينة فقال إني لفي آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة لا نالتني شفاعة محمد إن كنت حدثت نفسي بريبة قط وعن عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي أنه دعته بغي إلى نفسها وبذلت له مالا وكانت تتكهن وتسمع باتيان رسول الله وكانت جميلة فأرادت أن تخدع عبد الله رجاء أن يكون النبي منها للنور الذي رأته بين عينيه فأبى وقال
( أما الحرام فالحمام دونه ... والحل لا تأبى ونستدينه )
( فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه ) وقال آخر
( وأحور مخضوب البنان محجب ... دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها )
( بخلت بنفسي عن مقام يشينها ... ولست مريدا ذاك طوعا ولا كرها ) وراود شاب ليلى الأخيلية عن نفسها فاشمأزت وقالت
( وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل )
( لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل )

ابن ميادة
( موانع لا يعطين حبة خردل ... وهن دوان في الحديث أوانس )
( ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة ... كما كرهت صوت اللجام الشوامس ) وقال آخر
( حور حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام )
( يحسبن من لين الكلام فواسقا ... ويصدهن عن الخنى الإسلام ) وكان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف
( أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر )
( لا يظهر الشوق إن طال الجلوس به ... عف الضمير ولكن فاسق النظر ) واختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك وكانت واحدة زمانها في الحسن والأدب طلبت منها بخمسمائة ألف درهم فهويها إبراهيم وكره أن يراودها عن نفسها فغنى يوما وهي قائمة على رأسه
( يا غزالا لي إليه ... شافع من مقلتيه )
( أنا ضيف وجزاء المضيف ... إحسان إليه ) ففهمت الجارية ما أراد فحكت ذلك لمولاتها فقالت إذهبي إليه فاعلميه أني وهبتك له فعادت إليه فلما رآها أعاد البيتين فاكبت عليه فقال لها كفى فلست بخائن فقالت قد وهبتني لك مولاتي وأنا الرسول فقال أما الآن فنعم وأنشد المبرد
( ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا نهاني الحياء والكرم )
( فلا إلى فاحش مددت يدي ... ولا مشت بي لزلة قدم )

وقال آخر
( يقولون لا تنظر فذاك بلية ... بلى كل ذي عينين لا بد ناظر )
( وهل باكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بينهن السرائر ) وكان بعض الخلفاء قد نذر على نفسه أن لا ينشد شعرا ومتى أنشد بيت شعر فعليه عتق رقبة قال فبينما هو في الطواف يوما إذ نظر إلى شاب يتحدث مع شابة جميلة الوجه فقال له يا هذا اتق الله أفي مثل هذا المكان ؟ فقال يا أمير المؤمنين والله ما ذاك لخني ولكنها ابنة عمي وأعز الناس علي وإن أباها منعني من تزوجها لفقري وفاقتي وطلب مني مائة ناقة ومائة أوقية من الذهب ولم أقدر من ذلك قال فطلب الخليفة أباها ودفع إليه ما اشترطه على ابن أخيه ولم يقم من مقامه حتى عقد له عليها ثم دخل الخليفة إلى بيته وهو يترنم ببيت من الشعر فقالت له جارية من حظاياه أراك اليوم يا مولاي تنشد الشعر أفنسيت ما نذرت أم نراك قد هويت فأنشد هذه الأبيات يقول
( تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أسليت حينا )
( أراك اليوم قد أحدثت عهدا ... وأورثك الهوى داء دفينا )
( بحقك هل سمعت لها حديثا ... فشاقك أو رأيت لها جبينا )
( فقلت شكا إلي أخ محب ... كمثل زماننا إذ تعلمينا )
( وذو الشجو القديم وإن تعزى ... محب حين يلقى العاشقينا ) ثم عد الأبيات فإذا هي خمسة أبيات فاعتق خمس رقاب ثم قال لله درك من خمسة أعتقت خمسة وجمعت بين رأسين في الحلال وروي عن عثمان الضحاك قال خرجت أريد الحج فنزلت بخيمة بالابواء فإذا بجارية جالسة على باب الخيمة فأعجبني حسنها فتمثلت بقول نصيب

( بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل لا تملينا فما ملك القلب ) فقالت يا هذا أتعرف قائل هذا البيت ؟ قلت بلى هو نصيب فقالت أتعرف زينبه ؟ قلت لا قالت أنا زينبه قلت حياك الله وحباك قالت أما والله إن اليوم موعده وعدني العام الأول بالاجتماع في هذا اليوم فلعلك أن لا تبرح حتى تراه قال فبينما هي تكلمني إذا أنا براكب قالت ترى ذلك الراكب ؟ قلت نعم قالت إني لأحسبه إياه فأقبل فإذا هو نصيب فنزل قريبا من الخيمة ثم أقبل فسلم ثم جلس قريبا منها فسألته أن ينشدها فأنشدها فقلب في نفسي محبان قد طال التنائي بينهما فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة فقمت إلى بعيري لأشد عليه فقال على رسلك إني معك فجلست حتى نهض معي فسرنا وتسامرنا فقال لي أقلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة قلت نعم قد كان ذلك قال ورب البيت منذ أحببتها ما جلست منها مجلسا هو أقرب من مجلسي هذا فتعجبت لذلك وقلت والله هذه هي العفة في المحبة
وعن محمد بن يحيى المدني قال سمعت بعض المدنيين يقول كان الرجل إذا أحب الفتاة يطوف حول دارها حولا يفرح أن يرى من يراها فان ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار واليوم هو يشير إليها وتشير إليه ويعدها وتعده فإن التقيا لم يتشاكيا حبا ولم يتناشدا شعرا بل يقوم إليها ويجلس بين شعستيها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة وقال الأصمعي قلت لأعرابية ما تعدون ا0لعشق فيكم ؟ قالت الضمة والغمزة والقبلة ثم أنشأت تقول
( ما الحب إلا قبلة ... وغمز كف وعضد )
( ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد ) ثم قالت كيف تعدون أنتم العشق ؟ قلت نمسك بقرنيها ونفرق بين رجليها قالت لست بعاشق أنت طالب ولد ثم أنشأت تقول

( قد فسد العشق وهان الهوى ... وصار من يعشق مستعجلا )
( يريد أن ينكح أحبابه ... من قبل أن يشهد أو ينحلا ) وقيل لرجل وقد زفت عشيقته على ابن عم لها أيسرك أن تظفر بها الليلة ؟ قال نعم والذي أمتعني بحبها وأشقاني بطلبها قيل فما كنت صانعا بها قال كنت أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في إثمها ولا أفسد عشق عشرين سنة بما يبقى ذميم عاره وينشر قبيح أخباره إني إذن للئيم لم يلدني كريم
ومر سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في ليلة في بعض سكك المدينة فسمع امرأة تقول
( ألا طال هذا الليل وازور جانبه ... وليس إلى جنبي خليل الأعبة )
( فوالله لولا الله تخشى عواقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه )
( مخافة ربي والحياء يعفني ... وإكرام بعلي أن تنال مراتبه ) قال فسأل عمر رضي الله تعالى عنه عنها فقيل له إنها امرأة فلان وله في الغزاة ثمانية أشهر فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يغيب الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر
ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في كتاب تلقيح فهوم الأثر عن محمد بن عثمان بن أبي خيثمة السلمي عن أبيه عن جده قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يطوف ذات ليلة في سكك المدينة إذ سمع امرأة تقول
( هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج )
( إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل ... سهل المحيا كريم غير ملجاج )
( تنميه أعراق صدق حين تنسبه ... أخي وفاء عن المكروب فراج )

عمر رضي الله تعالى عنه لا أرى معي بالمدينة رجلا تهتف به العواتق في خدورهن علي بنصر بن حجاج فلما أصبح أتني بنصر ين حجاج فإذا هو من أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا فقال عمر عزيمة من أمير المؤمنين لنأخذن من شعرك فأخذ من شعره فخرج من عنده وله وجنتان كأنهما شقتا قمر فقال له اعتم فاعتم فافتتن الناس بعينيه فقال له عمر والله لا تساكنني في بلدة أنا فيها فقال يا أمير المؤمنين ما ذنبي ؟ قال هو ما أقول لك ثم سيره إلى البصرة وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدر من عمر إليها شيء فدست إليه المرأة أبياتا وهي
( قل للإمام الذي تخشى بوادره ... مالي وللخمر أو نصر بن حجاج )
( لا تجعل الظن حقا أن تبينه ... إن السبيل سبيل الخائف الراجي )
( إن الهوى زم بالتقوى فتحبسه ... حتى يقر بإلجام وإسراج ) قال فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وقال الحمد لله الذي زم الهوى بالتقوى قال وطال مكث نصر بن حجاج بالبصرة فخرجت أمه يوما بين الأذان والإقامة متعرضة لعمر فإذا هو قد خرج في إزار ورداء وبيده الدرة فقالت له يا أمير المؤمنين والله لأقفن أنا وأنت بين يدي الله تعالى وليحاسبك الله أيبيتن عبد الله وعاصم إلى جنبيك وبيني وبين ابني الفيافي والأودية فقال لها إن ابني لم تهتف بهما العواتق في خدورهن ثم أرسل عمر إلى البصرة بريدا إلى عتبة بن غزوان فأقام أياما ثم نادى عتبة من أراد أن يكتب إلى أمير المؤمنين فليكتب فإن البريد خارج فكتب نصر بن حجاج بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليك يا أمير المؤمنين أما بعد فاسمع مني هذه الأبيات
( لعمري لئن سيرتني أو حرمتني ... وما نلت من عرضي عليك حرام )
( فأصبحت منفيا على غير ريبة ... وقد كان لي بالمكتين مقام )
( لئن غنت الذلفاء يوما بمنية ... وبعض أماني النساء غرام )

( ظننت بي الظن الذي ليس بعده ... بقاء ومالي جرمة فألام )
( فيمنعني مما تقول تكرمي ... وآباء صدق سالفون كرام )
( ويمنعها مما تقول صلاتها ... وحال لها في قومها وصيام )
( فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جب مني كاهل وسنام ) قال فلما قرأ عمر رضي الله تعالى عنه هذه الأبيات قال أما ولي السلطان فلا وأقطعه دارا بالبصرة في سوقها فلما مات عمر ركب راحلته وتوجه نحو المدينة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفصل الثالث من هذا الباب في ذكر من مات بالحب والعشق )
حدث أبو القاسم بن إسماعيل بن عبد الله المأمون قال حدثني أبي قال كنت بالمدينة قينة من أحسن الناس وجها وأكملهم عقلا وأكثرهم أدبا قد قرأت القرآن وروت الأشعار وتعلمت العربية فوقعت عند يزيد بن عبد الملك فأخذت بمجامع قلبه فقال لها ذات يوم ويحك أما لك قرابة أو أحد تحبين أن أضيفه وأسدي إليه معروفا ؟ قالت يا أمير المؤمنين أما قرابة فلا ولكن بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاي وأحب أن ينالهم خير مما صرت إليه فكتب إلى عامله بالمدينة في إحضارهم إليه وأن يدفع إلى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم فلما وصلوا إلى باب يزيد استؤذن لهم في الدخول عليه فأذن لهم وأكرمهم غاية الإكرام وسألهم عن حوائجهم فأما اثنان منهم فذكرا حوائجهما فقضاها وأما الثالث فسأله عن حاجته فقال يا أمير المؤمنين ما لي حاجة قال ويحك أولست أقدر على حوائجك ؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن حاجتي ما أظنك تقضيها فقال ويحك فاسألني فإنك لا تسألني حاجة أقد عليها إلا قضيتها قال بلى فلي الأمان يا أمير المؤمنين ؟ قال نعم إن رأيت يا أمير المؤمنين

أن تأمر جاريتك فلانة التي أكرمتنا بسببها تغني ثلاثة أصوات أشرب عليها ثلاثة أرطال فافعل قال فتغير وجه يزيد ثم قام من مجلسه فدخل على الجارية فأعلمها فقالت وما عليك يا أمير المؤمنين فأمر بالفتى فأحضر وأمر بثلاثة كراسي من ذهب فنصبت فقعد يزيد على أحدها والجارية على الآخر والفتى على الثالث ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت ثم قال الفتى سل حاجتك قال تأمرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر
( لا أستطيع سلوا عن مودتها ... أو يصنع الحب بي فوق الذي صنعا )
( ادعو إلى هجرها قلبي فيسعدني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا ) فأمرها فغنت وشرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية ثم أمر بالأرطال فملئت وقال للفتى سل حاجتك فقال مرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر
( تخيرت من نعمان عود أراكه ... لهند ولكن من يبلغه هندا )
( ألا عرجابي بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا ) فأمرها فغنت وشرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية ثم أمر بالأرطال فملئت وقال للفتى سل حاجتك فقال مرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشهر
0م - ني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرق بيننا الدهر )
( والله لا أسلوكمو أبدا ... ما لاح بدرا وبدا فجر ) فأمرها فغنت قال فلم تتم الأبيات حتى خر الفتى مغشيا عليه فقال يزيد للجارية قومي انظري ما حاله فقامت إليه فحركته فإذا هو ميت فقال لها يزيد ابكيه فقالت لا أبكيه يا أمير المؤمنين وأنت حي فقال لها ابكيه فوالله لو عاش ما انصرف إلا بك فبكت الجارية وبكى أمير

وأمر بالفتى فجهز ودفن وأما الجارية فلم تمكث بعده إلا أياما قلائل وماتت
وحكي عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قدم على عبد الملك بن مروان فجلس ذات ليلة يسامره
فتذاكر الغناء والجواري المغنيات والعشق فقال عبد الملك لعبد الله حدثني بأمر ما مر لك في هذه الأغاني وما رأيت من الجواري ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين اشتريت جارية مولدة بعشرة آلاف درهم وكانت حاذقة مطبوعة فوصفت ليزيد بن معاوية فكتب إلي في شأنها فكتبت إليه والله لا تخرج مني ببيع ولا هبة فأمسك عني فكانت عندي على تلك الحالة لا أزداد فيها إلا حبا فبينما أنا ذات ليلة إذ أتتني عجوز من عجائزنا فذكرت لي أن بعض أعراب المدينة يحبها وتحبه ويراها وتراه وإنه يجيء كل ليلة متنكرا فيقف بالباب فيسمع غناءها ويبكي شغفا وحبا فراعيت ذلك الوقت الذي قالت عليه العجوز فإذا به قد أقبل مقنعا رأسه وقعد مستخفيا فلم أدع بها في تلك الليلة وجعلت أتأمل موضعها وموضعه فإذا بها تكلمه ويكلمها ولم أر بينهما إلا عتبا ولم يزالا كذلك حتى ابيض الصبح فدعوت بها وقلت لقيمة الجواري أصلحي فلانة بما يمكنك فأصلحتها وزينتها فلما جاءت بها قبضت على يديها وفتحت الباب وخرجت فجئت إلى الفتى فحركته فانتبه مذعورا فقلت لا بأس عليك ولا خوف هي هبة مني إليك فدهش الفتى ولم يجبني فدنوت إلى أذنه وقلت قد أظفرك الله تعالى ببغيتك فقم وانصرف بها إلى منزلك فلم يرد جوابا فحركته فإذا هو ميت فلم أر شيئا قط كان أعجب من أمره قال عبد الملك لقد حدثني بعجب فما صنعت الجارية قلت ماتت والله بعده بأيام بعد نحول عظيم وتعليل وماتت كمدا ووجدا على الغلام وقيل ان عبد الله بن عجلان الهندي رأى أثر كف عشيقته في ثوب زوجها فمات
وذكر محمد بن واسع الهيتي أن عبد الملك بن مروان بعث كتابا إلى الحجاج بن يوسف الثقفي يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عند عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف أما بعد إذا ورد عليك

كتابي هذا وقرأته فسير لي ثلاث جوار مولدات أبكارا يكون إليهن المنتهي في الجمال وأكتب لي بصفة كل جارية منهن ومبلغ ثمنها من المال فلما ورد الكتاب على الحجاج دعا بالنخاسين وأمرهم بما أمره به أمير المؤمنين وأمرهم أن يسيروا إلى أقصى البلاد حتى يقعوا بالغرض وأعطاهم المال وكتب لهم كتبا إلى كل الجهات فساروا يطلبون ما أراد أمير المؤمنين فلم يزالوا من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم حتى وقعوا بالغرض ورجعوا إلى الحجاج بثلاث جوار مولدات ليس لهن مثيل قال وكان الحجاج فصيحا فجعل ينظر إلى كل واحدة منهن ومبلغ ثمنها فوجدهن لا يقام لهن بقيمة وأن ثمنهن ثمن واحدة منهن ثم كتب كتابا إلى عبد الملك بن مروان يقول فيه بعد الثناء الجميل ومبلغ ثمنها فوجدهن لا يقام لهن بقيمة وأن ثمنهن ثمن واحدة منهن وصلني كتاب أمير المؤمنين أمتعني الله تعالى ببقائه يذكر فيه أني أشتري له ثلاث جوار مولدات أبكارا وأن أكتب له صفة كل واحدة منهن وثمنها فأما الجارية الأولى أطال الله تعالى بقاء أمير المؤمنين فإنها جارية عيطاء السوالف عظيمة الروادف كحلاء العينين حمراء الوجنتين قد أنهدت نهداها والتفت فخذا ها كأنها ذهب شيب بفضة وهي كما قيل
( بيضاء فيها إذا استقبلتها دعج ... كأنها فضة قد شابها ذهب ) وثمنها يا أمير المؤمنين ثلاثون ألف درهم وأما الثانية فإنها جارية فائقة في الجمال معتدلة القدر والكمال تشفي السقيم بكلامها الرخيم وثمنها يا أمير المؤمنين ستون ألف درهم وأما الثالثة فإنها جارية فاترة الطرف لطيفة الكف عميمة الردف شاكرة للقليل مساعدة للخليل بديعة الجمال كأنها خشف الغزال وثمنها يا أمير المؤمنين ثمانون ألف درهم ثم أطنب في الشكر والثناء على أمير المؤمنين وطوى الكتاب وختمه ودعا النخاسين فقال لهم تجهزوا للسفر بهؤلاء الجواري إلى أمير المؤمنين فقال أحد النخاسين أيد الله الأمير إني رجل كبير ضعيف عن السفر ولي ولد ينوب عني افتأذن لي في ذلك ؟ قال نعم فتجهزوا وخرجوا ففي بعض مسيرهم نزلوا يوما

ليستريحوا في بعض الأماكن فنامت الجواري فهبت الريح فانكشف بطن إحداهن وهي الكوفية فبان نور ساطع وكان اسمها مكتوم فنظر إليها ابن النخاس وكان شابا جميلا ففتن بها لساعته فأتاها على غفلة من أصحابه وجعل يقول
( أمكتوم عيني لا تمل من البكا ... وقلبي باسهام الأسى يترشق )
( أمكتوم كم من عاشق قتل الهوى ... وقلبي رهين كيف لا أتعشق ) فأجابته تقول
( لو كان حقا ما تقول لزرتنا ... ليلا إذا هجعت عيون الحسد ) قال فلما جن الليل انتضى الفتى ابن النخاس سيفه وأتى نحو الجارية فوجدها قائمة تنتظر قدومه فأخذها وأرادأن يهرب ففطن به أصحابه فأخذوه وكتفوه وأوثقوه بالحديد ولم يزل مأسورا معهم إلى أن قدموا على عبد الملك بن مروان فلما مثلوا بالجواري بين يديه أخذ الكتاب ففتحه وقرأه فوجد الصفة وافقت اثنتين من الجواري ولم توافق الثالثة ورأى في وجهها صفرة وهي الجارية الكوفية فقال للنخاسين ما بال هذه الجارية لم توافق حليتها التي ذكرها الحجاج في كتابه وما هذا الاصفرار الذي بها والانتحال فقالوا يا أمير المؤمنين نقول ولنا الأمان قال وان كذبتم هلكتم فخرج أحد النخاسين وأتى بالفتى وهو مصفد بالحديد فلما قدموه بين يدي أمير المؤمنين بكى بكاء شديدا وأيقن بالعذاب ثم أنشأ يقول
( أمير المؤمنين أتيت رغما ... وقد شدت إلى عنقي يديا )
( مقرا بالقبيح وسوء فعلي ... ولست بما رميت به بريا )
( فان تقتل ففوق القتل ذنبي ... وان تعفو فمن جود عليا ) فقال عبد الملك يا فتى ما حملك على ما صنعت استخفاف بنا أم هوى الجارية قال وحق رأسك يا أمير المؤمنين وعظم قدرك ما هو إلا هوى الجارية فقال هي لك بما أعددته لها فأخذها الغلام بكل ما أعده لها أمير المؤمنين من الحلي والحلل وسار بها فرحا مسرورا إلى نحو أهله حتى إذ كانا ببعض الطريق نزلا بمرحلة ليلا فتعانقا وناما فلما أصبح الصباح

وأراد الناس السير نبهوهما فوجدوهما ميتين فبكوا عليهما ودفنوهما بالطريق ووصل خبرهما إلى عبد الملك فبكى عليهما وتعجب من ذلك
ومن ذلك ما روي عن النبي أنه أخرج خالد ين الوليد المخزومي رضي الله تعالى عنه إلى مشركي خزاعة قال خالد فأخرجني إليهم رسول الله في عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والبأس قال فجد بنا المسير إليهم فسبق إليهم الخبر فخرجوا إلينا فقاتلناهم قتالا شديدا حتى تعالى النهار وطار الشرار وهاجت الفرسان وتلاحمت الأقران فلولا الله تعالى أيدنا بنصره لكادت الدائرة أن تكون علينا ولكن تداركنا الله برحمة منه فهزمناهم وقتلناهم قتلا ذريعا ولم ندع لهم فارسا إلا قتلناه ثم طلبنا البيوت فنهبنا وسبينا فلما هدأ القتال والنهب أمرت أصحابي بجمع السبايا لنقدم بهن على رسول الله فلما أخرجنا وأحصيناهم خرج منهم غلام لم يراهق الحلم ولم يجر عليه القلم وهو ماسك بشابة جميلة فقلنا له يا غلام انعزل عن النساء فصاح صيحة مزعجة وهجم علينا فوالله لقد قتل منا في بقية نهارنا مائة رجل قال خالد فرأين أصحابي قد كرهوا قالته وتأخروا عنه فملك منهم جوادا وعلا على ظهره ونادى البرازيا خالد قال فبرزت إليه بنفسي بعد أن أنشدت شعرا فوالله لم يمهلني حتى أتم شعري بل حمل علي فتطاعنا حتى تكسرت القنا وتضاربنا بالسيوف حتى تفللت فوالله لقد اقتحمت الأهوال ومارست الأبطال فما رأيت أشد من حملاته ولا أسرع من هجماته فبينما نخن نعترك إذ كبا به فرسه فصار بين قوائمه فوثبت عليه وعلوت على صدره وقلت له افد نفسك بقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنا أردك من حيث جئت قال يا خالد ما أنصفتني اتركني حتى أجد من نفسي القوة قال خالد فتركته وقلت لعله أن يسلم ثم شددته وثاقا وصفدته بالحديد وأنا أبكي إشفاقا على حسن شبابه ثم أوثقته على بعير لي فلما علم أن لا خلاص له قال يا خالد سألتك بحق إلهك إلا ما شددت ابنة عمي على ناقة أخرى إلى جانبي ؟ قال خالد فأخذتها وشددتها على ناقة أخرى إلى جانبه ووكلت بهما جماعة من أشد القوم بالقواضب والرماح وسرنا فلما استقامت مطاياهما جعل الغلام والجارية يتناشدان الأشعار ويبكيان إلى آخر الليل فسمعته يذكر قصيدة

يسب فيها الإسلام ويذكر أن لا يسلم أبدا فأخذت السيف وضربته فرميت رأسه فصاحت الجارية وأكبت صارخة فحركتها فوجدتها ميتة فأبركنا الأباعر وحفرنا ودفناهما فلما قدمنا على رسول الله أقبلنا نحدثه بعجيب ما رأينا مع الغلام فقال لا تحدثوني شيئا أنا أحدثكم به فقلنا من أعلمك به يا رسول الله ؟ قال أخبرني جبريل عليه السلام وتعجب رسول الله من موافقتهما وموافقة
ومن ذلك ما حكاه الثوري قال حدثني جبلة بن الأسود وما رأيت شيخا أصبح ولا أوضح منه قال خرجت في طلب ابل لي ضلت فما زلت في طلبها إلى أن أظلم الظلام وخفيت الطريق فسرت أطوف وأطلب الجادة فلا أجدها فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتا حسنا بعيدا وبكاء شديدا فشجاني حتى كدت أسقط عن فرسي فقلت لأطلبن الصوت ولو تلفت نفسي فما زلت أقرب إليه إلى أن هبطت واديا فإذا راع قد ضم غنما له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم
( وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها )
( من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها ) قال فدنوت منه وسلمت عليه فرد السلام وقال من الرجل ؟ فقلت منقطع به الممالك أتاك يستجير بك ويستعينك قال مرحبا وأهلا أنزل على الرحب والسعة فعندي وطاء وطئ وطعام غير بطئ فنزلت فنزع شملته وبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ثم قال اعذرني في هذا الوقت فقلت والله إن هذا لخير كثير فمال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت فإني لبين النائم واليقظان إذ سمعت حس شيء وإذا بجارية قد أقبلت من كبد الوادي فضحت الشمس حسنا فوثب قائما إليها وما زال يقبل الأرض حتى وصل إليها وجعل يتحادثان فقلت هذا رجل عربي ولعلها حرمة له فتناومت وما بي نوم فما زالا في أحسن حديث ولذة مع شكوى وزفرات إلا أنهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح فلما طلع الفجر عانقها وتنفسا الصعداء وبكى وبكت ثم قال لها يا ابنة العم سألتك بالله لا تبطئي عني كما أبطأت الليلة قالت يا ابن

أما علمت أني أنتظر الواشين والرقباء حتى يناموا ثم ودعته وسارت وكل واحد منهما يلتفت نحو الآخر ويبكي فبكيت رحمة لهما وقلت في نفسي والله لا أنصرف حتى استضيفه الليلة وأنظر ما يكون من أمرهما فلما أصبحنا قلت له جعلني الله فداءك الأعمال بخواتيمها وقد نالني أمس تعب شديد فأحب الراحة عندك اليوم فقال على الرحب والسعة لو أقمت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلا كما تحب ثم عمد إلى شاة فذبحها وقام إلى نار فأججها وشواها وقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلا أنه أكل أكل من لا يريد الأكل فلم أزل معه نهاري ذلك ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما إلا أنه كالولهان ولم أعلمه بشيء مما رأيت فلما أقبل الليل وطأت وطائي فصليت وأعلمته أني أريد الهجوع لما مر بي من التعب بالأمس فقال لي نم هنيئا فأظهرت النوم ولم أنم فأقام ينتظرها إلى هنيهة من الليل فأبطأت عليه فلما حان وقت مجيئها قلق قلقا شديدا وزاد عليه الأمر فبكى ثم جاء نحوي فحركني فأوهمته إني كنت نائما فقال يا أخي هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني وجاءتني البارحة قلت قد رأيتها قال فتلك ابنة عمي وأعز الناس علي وإني لها محب ولها عاشق وهي أيضا محبة لي أكثر من محبتي لها وقد منعني أبوها من تزويجها لي لفقري وفاقتي علي فصرت راعيا بسببها فكانت تزورني في كل ليلة وقد حان وقتها الذي تأتي فيه واشتغل قلبي وتحدثني نفسي أن الأسد قد افترسها ثم أنشأ يقول ... ما بال مية لا تأتي كعادتها ... أعاقها طرب أم صدها شغل )
( نفسي فداؤك قد أهللت بي سقما ... تكاد من حره الأعضاء تنفصل ) قال ثم انطلق عني ساعة فغاب وأتى بشيء فطرحه بين يدي فإذا هي الجارية قد قتلها الأسد وأكل أعضاءها وشوه خلقتها ثم أخذ السيف وانطلق فأبطأ هنيهة وأتى ومعه رأس الأسد فطرحه ثم أنشأ يقول
( ألا أيها الليث المدل بنفسه ... هلكت لقد جريت حقا لك الشرا )

( وخلفتني فردا وقد كنت آنسا ... وقد عادت الأيام من بعدها غبرا ) ثم قال بالله يا أخي إلا ما قبلت ما أقول لك فإني اعلم أن المنية قد حضرت لا محالة فإذا أنا مت فخذ عباءتي هذه فكفني فيها وضم هذا الجسد الذي بقي منها معي وادفناني في قبر واحد وخذ شويهاتي هذه وجعل يشير إليها فسوف تأتيك امرأة عجوز هي والدتي فاعطها عصاي هذه وثيابي وشويهاتي وقل لها مات ولدك كمدا بالحب فإنها تموت عند ذلك فادفنها إلى جانب قبرنا وعلى الدنيا مني السلام قال فوالله ما كان إلا قليل حتى صاح ووضع يده على صدره ومات لساعته فقلت والله لأصنعن له ما أوصاني به فغسلته وكفنته في عباءته وصليت عليه ودفنته ودفنت باقي جسدها إلى جانبه وبت تلك الليلة باكيا حزينا فلما كان الصباح أقبلت امرأة عجوز وهي كالولهانة فقالت لي هل رأيت شابا يرعى غنما فقلت لها نعم وجعلت أتلطف بها ثم حدثتها بحديثه وما كان من خبره فأخذت تصيح وتبكي وأنا ألاطفها إلى أن أقبل الليل وما زالت تبكي بحرقة إلى أن مضى من الليل برهة فقصدت نحوها فإذا هي مكبة على وجهها وليس لها نفس يصعد ولا جارحة تتحرك فحركتها فإذا هي ميتة فغسلتها وصليت عليها ودفنتها إلى جانب قبر ولدها وبت الليلة الرابعة فلما كان الفجر قمت فشددت فرسي وجمعت الغنم وسقتها فإذا أنا بصوت هاتف يقول
( كنا على ظهرها والدهر يجمعنا ... والشمل مجتمع والدار والوطن )
( فمزق الدهر بالتفريق ألفتنا ... وصار يجمعنا في بطنها الكفن ) قال فأخذت الغنم ومضيت إلى الحي لبني عمهم فأعطيتهم الغنم وذكرت لهم القصة فبكي عليهم أهل الحي بكاء شديدا ثم مضيت إلى أهلي وأنا متعجب مما رأيت في طريقي
ومن ذلك ما حكي أن زوج عزة أراد أن يحج بها فسمع كثير الخبر فقال والله لا حجن لعلي أفوز من عزة بنظرة قال فبينما الناس في

الطواف إذ نظر كثير لعزة وقد مضت إلى جمله فحيته ومسحت بين عينيه وقالت له يا جمل فبادر ليلحقها ففاتته فوقف على الجمل
( حيتك عزة بعد الحج وانصرفت ... فحي ويحك من حياك يا جمل )
( لو كنت حييتها ما كنت ذا سرف ... عندي ولا مسك لا دلاج والعمل ) قال فسمعه الفرزدق فتبسم وقال له من تكون يرحمك الله قال أنا كثير عزة فمن أنت يرحمك الله ؟ قال أنا الفرزدق بن غالب التميمي قال أنت القائل
( رحلت جمالهم بكل أسيلة ... تركت فؤادي هائما مخبولا )
( لو كنت أملكهم إذا لم يرحلوا ... حتى أودع قلبي المتبولا )
( ساروا بقلبي في الحدوج وغادروا ... جسمي يعالج زفرة وعويلا ) فقال الفرزدق نعم فقال كثير والله لولا إني بالبيت الحرام لأصيحن صيحة أفزع هاشم عبد الملك وهو سرير ملكه فقال الفرزدق والله لاعرفن بذلك هشاما ثم توادعا وافترقا فلما وصل الفرزذق إلى دمشق دخل إلى هشام بن عبد الملك فعرفه بما اتفق له مع كثير فقال له اكتب إليه بالحضور عندنا لنطلق عزة من زوجها ونزوجه إياها فكتب إليه بذلك فخرج كثير يريد دمشق فلما خرج من حيه وسار قليلا رأى غرابا على بانة وهو يفلي نفسه وريشه يتساقط فأصفر لونه وارتاع من ذلك وجد في السير ثم إنه مال ليسقي راحلته من حي بني فهد وهم زجرة الطير فبصر به شيخ من الحي فقال يا ابن أخي أرأيت في طريقك شيئا فراعك ؟ قال نعم رأيت غرابا عل بانة يتفلى وينتف ريشه فقال له الشيخ أما الغراب فانه اغتراب والبانة بين والتفلي فرقة فازداد كثير حزنا على حزنه لما سمع من الشيخ هذا الكلام وجد في السير إلى أن صل إلى دمشق ودخل من أحد أبوابها فرأى الناس يصلون على جنازة فنزل وصلى معهم فلما قضيت

صاح صائح لا إله إلا الله ما أغفلك يا كثير عن هذا اليوم فقال ما هذا اليوم يا سيدي ؟ فقال إن هذه عزة قد ماتت وهذه جنازتها فخر مغشيا عليه فلما أفاق أنشأ يقول
( فما أعرف الفهدي لا دردره ... وأزجره للطير لا عز ناصره )
( رأيت غرابا قد علا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره )
( فقال غراب واغتراب من النوى ... وبانة بين من حبيب تعاشره ) ثم شهق شهقة فارقت روحه الدنيا ومات من ساعته ودفن مع عزة في يوم واحد
وحكى الأصمعي قال بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بحجر مكتوب عليه هذا البيت
( أيا معشر العشاق بالله خبروا ... إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع ) فكتبت تحته
( يداري هواه ثم يكتم سره ... ويخشع في كل الأمور ويخضع ) ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوبا تحته
( فكيف يداري والهوى قاتل الفتى ... وفي كل يوم قلبه يتقطع ) فكتبت تحته
( إذا لم يجد صبرا لكتمان سره
فليس له شيء سوى الموت أنفع ) ثم عدت في اليوم الثالث فوجدت شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد كتب قبل موته
( سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا ... سلامي على من كان للوصل يمنع )
وحكي أيضا عن الأصمعي رحمه الله تعالى أنه قال بينما أنا

في بعض مقابر البصرة إذ رأيت جارية على قبر تندب وتقول
( بروحي فتى أوفى البرية كلها ... وأقواهم في الحب صبرا على الحب ) قال فقلت لها يا جارية بم كان أوفى البرية وبم كان أقواها ؟ فقالت يا هذا إنه ابن عمي هويني فهويته فكان إن أباح عنفوه وإن كتم لاموه فانشد بيتي شعر وما زال يكررهما إلى أن مات والله لأندبنه حتى أصير مثله في قبر إلى جانبه فقلت لها يا جارية فما البيتان ؟ قالت
( يقولون لي إن بحت قد غرك الهوى ... وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا )
( فما لامرئ يهوى ويكتم أمره ... من الحب إلا أن يموت فيعذرا ) ثم إنها شهقت شهقة فارقت روحها الدنيا رحمه الله تعالى عليها والحكايات في ذلك كثيرة وفي الكتب مشهورة ولولا الإطالة والخوف من الملالة لجمعنا في هذا المعنى أشياء كثيرة ولكن اقتصرنا على هذه النبذة اليسيرة والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثاني والسبعون في ذكر رقائق الشعر والمواليا والدوبيت وان وكان والموشحات والزجل والحماق والقومة والألغاز ومدح الأسماء والصفات وما أشبه ذلك وفيه فصول الفصل الأول في الشعر قد قسم الناس الشعر خمسة أقسام مرقص كقول أبي جعفر طلحة وزير سلطان الأندلس
( والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض إلا من كؤوس الشقيق ) ومطرب كقول زهير
( تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله ) ومقبول كقول طرفة بن العبد
( ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ) ومسموع مما يقام به الوزن دون أن يمجه الطبع كقول ابن المعتز
( سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من المطر ) ومتروك وهو كان كلا على السمع والطبع كقول الشاعر
( تقلقلت بالهم الذي قلقل الحشى ... قلاقل هم كلهن قلاقل )

قسم الناس فنون الشعر إلى عشرة أبواب الحماسة بوب أبو تمام في الحماسية وقال عبد العزيز بن أبي الأصبع الذي وقع لي أن فنون الشعر ثمانية عشر فنا وهي غزل ووصف وفخر ومدح وهجاء وعتاب واعتذار وأدب وزهد وخمريات ومراث وبشارة وتهاني ووعيد وتحذير وتحريض وملح وباب مفرد للسؤال والجواب ولنذكر إن شاء الله تعالى من ذلك ما تيسر على سبيل الاختصار ولنبدأ من ذلك بذكر الغزل المذكر ( ابن نباتة )
( أأغصان بان ما رأى أم شمائل ... وأقمار تم ما تضم الغلائل )
( وبيض رقاق أم جفون فواتر ... وسمر دقاق أم قدود قواتل )
( وتلك نبال أم لحاظ رواشق ... لها هدف مني الحشى والمقاتل )
( بروحي أفدي شادنا قد ألفته ... غدوت وبي شغل من الوجد شاغل )
( أمير جمال والملاح جنوده ... يجور علينا قده وهو عادل )
( له حاجب عن مقلتي حجب الكرى ... ناظره الفتان في القلب عامل )
( رفعت إليه قصة الدمع شاكيا ... فوقع يجري فهو في الخد سائل )
( شكوت فما ألوي وقلت فما صغى ... وجد بقلبي حبه وهو عازل )
( طويل التواني دله متواتر ... مديد التجني وافر الحسن كامل )
( أطارحه بالنحو يوما تعللا ... فيبدو وللأعراب فيه دلائل )
( ويرفع وصلي وهو مفعول في الهوى ... وينصب هجري عامدا وهو فاعل )
( تفقهت في عشقي له مثل ما غدا ... خبيرا بأحكام الخلاف يجادل )
( فيا مالكي ما ضر لو كنت شافعي ... بوصلك فافعل بي كما أنت فاعل )
( فإني حنيفي الهوى متحنبل ... بعشقك لا أصغي وإن قال قائل )
كمال الدين بن النبيه
( الله أكبر كل الحسن في العرب ... كم تحت لمة ذا التركي من عجب )

( صبح الجبين بليل ال شعر منعقد ... والخد يجمع بين الماء واللهب )
( تنفست عن عبير الراح ريقته ... وافتر مبسمه الشهدي عن حبب )
( لا في العذيب ولا في بارق غزلي ... بل في جنى فمه أو ريقه الشنب )
( كأنه حين يزمي عن حنيته ... بدر رمى عن هلال الأفق بالشهب )
( يا جاذب القوس تقريبا لوجنته ... والهائم الصب منها غير مقترب )
( أليس من نكد الأيام يحرمها ... فمي ويلثمها سهم من الخشب )
( من لي بأغيد قاسي القلب مبتسم ... لا عن رضا معرض عني بلا غضب )
( فكم له في وجود الذنب من سبب ... وليس لي في قيام العذر من سبب )
( تميل أعطافه تيها بطرته ... كما تميل رماح الخط بالعذب )
( أشار نحوي وجنح الليل معتكر ... بمعصم بشعاع الكأس مختضب )
( بكر جلاها أبوها قبل ما جليت ... في حجر لدن أو في قشرة العنب ) البها زهير
( يعاهدني لا خانني ثم ينكث ... وأحلف لا كلمته ثم أحنث )
( وذلك دأبي لا يزال ودأبه ... فيا معشر العشاق عنا تحدثوا )
( أقول له صلني يقول نعم غدا ... ويكسر جفنا هازئا بي ويعبث )
( وما ضر بعض الناس لو كان زارني ... وكنا خلونا ساعة نتحدث )
( أمولاي إني في هواك معذب ... وحتام أبقى في الغرام وأمكث )
( فخذ مرة روحي ترحنى ولا أرى ... أموت مرارا في النهار وأبعث )
( فإني لهذا الضيم منك لحامل ... ومنتظر لطفا من الله يحدث )
( أعيذك من هذا الجفاء الذي بدا ... خلائقك الحسنى أرق وأدمث )

( تردد ظن الناس في فأكثروا ... أحاديث فيها ما يطيب ويخبث )
( وقد كرمت في الحب مني شمائل ... ويسأل عني من أراد ويبحث ) النابلسي
( ما كنت أعلم والضمائر تصدق ... إن المسامع كالنواظر تعشق )
( حتى سمعت بذكرهم فهويتكم ... وكذاك أسباب المحبة تعلق )
( ولقد قنعت من اللقاء بساعة ... إن لم يكن لي الدوام تطرق )
( قد ينعش العطشان بلة ريقه ... ويغص بالماء الكثير ويشرق )
( فعسى عيوني أن ترى لك سيدي ... وجها يكاد الحسن فيه ينطق ) أبو الحسين الجزار
( في خده من بقايا اللثم تخميش ... وبي لتشويش ذاك الصدع تشويش )
( ظبي من الترك أغنته لواحظه ... عما حوته من النبل التراكيش )
( إذا تثنى فقلب الغصن منكسر ... وإن تبدى فطرف البدر مدهوش )
( يا عاذلي إن تكن عن حسن صورته ... أعمى فإني عما قلت أطروش )
( كم ليلة بات يسقيني المدام على ... روض له بثياب الغيم ترقيش )
( والغيث كالجيش يرتج الوجود له ... والبرق رايته والرعد جاويش )
( في مجلس ضحكت أرجاؤه طربا ... لأنه ببديع الزهر مفروش ) سيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء
( ترى متى من فتور اللحظ ينتشط ... من قلبه بحبال الشعر مرتبط )
( قد رق لي خصره المضنى فناسبني ... فقلت خير الأمور الأنسب الوسط )
( وقد خفى الردف عني من تثاقله ... فقلت هذا على ضعفي هو الشطط )
( وصدره الرحب قد عانقته سحرا ... والقلب منبعث الآمال منبسط )
( وفيه تلك النهود المشتهاة ترى ... رمانها فيه قلبي أمره فرط )

( إن الصواب لتعجيل السرور فقم ... قبل الفوات فأوقات الهنا غلط ) القاضي مجد الدين بن مكانس
( أهدى تحيته وجاد بوعده ... أفديه من قمر بدا في سعده )
( بدر جرى ماء الحياء بثغره ... وترددت فضلاته في خده )
( أسكنته قلبي فأوقد خده ... نيران أحشائي عليه ووجده )
( من لي به حلو الشمائل أهيف ... روت العوالي عن مثقف قده )
( يا عاذلي في حبه لو أبصرت ... عيناك فوق الردف مسبل جعده )
( لعذرت كل متيم في حبه ... وعلمت أن ضلاله في رشده )
( فوحق موتي في هواه صبابة ... وحياة مبسمه الشهي وبرده )
( ما جاد غيث الدمع إلا عن هوى ... خلع القلوب ببرقه وبرعده )
( قم يا رسول وابلغ العشاق ما ... ألقاه من جور الحبيب وبعده )
( وإذا سألتك أن تؤدي في الهوى ... خبري فصف فعل الغرام وأبده ) عز الدين الموصلي والصحيح أن هذه الأبيات لابن نباتة لأنها في ديوانه
( نفس عن الحب ما أغفت وما غفلت ... بأي ذنب وقاك الله قد قتلت )
( دعها ومدمعها الجاري لقد لقيت ... ما قدمت من أسى قلبي وما عملت )
( أفديك من ناشط الأجفان في تلفي ... والسحر يوهم في أنها كسلت )
( وأوضح الحسن لو شاءت ذوائبه ... في الأفق وصل دجا الظلماء لاتصلت )
( معسل بنعاس في لواحظه ... أما تراها إلى كل القلوب حلت )
( من لي بألحاظ ظبي يدعي كسلا ... وكم ثياب ضنى حاكت وكم غزلت )
( وحمرة فوق خديه ومرشفه ... هذي محاسنها تزهو وذي ذبلت )
( أما كفاني تكحيل الجفون أسى ... حتى المراشف منه باللمى كحلت )

( أستودع الله أعطافا شوت كبدي ... وكلما رمت تجديد الوصال قلت )
( ومهجة لي كم ألقت بمسمعها ... إلى الملام ولا والله ما قبلت ) غيره للفاضل
( شرخ الشباب بحبكم أفنيته ... والعمر في كلف بكم قضيته )
( وأنا الذي لو مر بي من نحوكم ... داع وكنت بحفرتي لبيته )
( كيف التعرض للسلو وحبكم ... حب بأيام الشباب شريته )
( لله داء في الفؤاد أجنه ... يزداد نكسا كلما دوايته )
( قالوا حبيبك في التجني مسرف ... قاس على العشاق قلت فديته )
( أأروم من كلفي عليه تخلصا ... لا والذي بطحاء مكة بيته )
( ولو استطعت بكل إسم في الورى ... من لذة الذكرى به سميته ) وللشيخ بدر الدين الدماميني
( سل سيفا من الجفون صقيلا ... مذ تصدى جلاه رحت قتيلا )
( صح عن جفنه حديث فتور ... وهو ما زال من قديم عليلا )
( مر أبدى لنا من الخصر ردفا ... فأرانا مع الخفيف ثقيلا )
( ذو قوام كأنه الغصن لكن ... بالهوى نحو وصلنا لن يميلا )
( كامل الحسن وافر ظل وجدي ... فيه يا عاذلي مديدا طويلا )
( فاتك الجفن ذو جمال كثير ... أتلف العاشقين إلا قليلا )
( قلت إذ لاح طرفه ولماه ... فاتر اللحظ بكرة وأصيلا )
( كيف حالي وهل لصب إليه ... من سبيل فقال لي سل سبيلا )

وقال آخر
( لو أن قلبك لي يرق ويرحم ... ما بت من ألم الجوى أتألم )
( ومن العجائب أنني لا سهم لي ... من ناظريك وفي فؤادي أسهم )
( يا جامع الضدين في وجناته ... ماء يرق عليه نار تضرم )
( عجبي لطرفك وهو ماض لم يزل ... فعلام يكسر عندما تتكلم )
( ومن المروءة إن تواصل مدنفا ... والدهر سمح والحوادث نوم ) وقال آخر
( تصدق بوعد إن دمعي سائل ... وزود فؤادي نظرة فهو راحل )
( فخدك موجود به التبر دائما ... وحسنك معدوم لديه المماثل )
( أيا قمرا من شمس طلعة وجهه ... وظل عذاريه الدجا والأصائل )
( تنقلت من طرف مع القلب والهوى ... وهاتيك للبدر المنير منازل )
( جعلتك للتمييز نصبا لخاطري ... فهلا رفعت الهجر والهجر فاعل ) وقال ابن صابر
( قبلت وجنته فألفت جيده ... خجلا ومال بعطفه المياس )
( فانهل من خديه فوق عذاره ... عرق يحاكي الطل فوق الآس )
( فكأنني استقطرت ورد خدوده ... بتصاعد الزفرات من أنفاسي ) وقال آخر
( وغزال كل من شبهه ... بهلال أو ببدر ظلمه )
( قال إذ قبلت وهما فمه ... قد تعديت وأسرفت فمه ) وقال آخر
( بأبي غلام لست غير غلامه ... مذ جاد لي بسلامه وكلامه )

( ذو حاجب ما إن رأيت كنونه ... أبدا وصدغ ما رأيت كلامه ) وقال جمال الدين بن مطروح
( ذكر الحمى فصبا وكان قد ارعوى ... صب على عرش الغرام قد استوى )
( تجري مدامعه ويخفق قلبه ... مهما جرى ذكر العقيق مع اللوى )
( وإذا تألق بارق من بارق ... فهناك ينشر من هواه ما انطوى )
( فخذوا أحاديث الهوى عن صادق ... ما ضل في شرع الغرام وما غوى )
( وبمهجتي رشأ أطالت عذلي ... فيه الملام وقد حوى ما قد حوى )
( قالوا أفيه سوى رشاقة قده ... وفتور عينيه وهل موتي سوى )
( ما أبصرته الشمس إلا واكتست ... خجلا ولا غصن النقا إلا التوى )
( يروي الأراك محاسنا عن ثغره ... يا طيب ما نقل الأراك وما روى ) وقال آخر
( عبث النسيم بقده فتأودا ... وسرى الحياء بخده فتوردا )
( رشأ تفرد فيه قلبي بالهوى ... لما غدا بجماله متفردا )
( قاسوه بالغصن الرطيب جهالة ... تالله قد ظلم المشبه واعتدى )
( حسن الغصون إذا اكتست أوراقها ... وتراه أحسن ما يكون مجردا ) وقال غيره
( يا حسنا مالك لم تحسن ... إلى قلوب في الهوى متعبة )
( رقمت بالورد وبالسوسن ... صفحة خد بالسنا مذهبة )
( وقد أبى خدك أن أجتني ... منه وقد ألسعني عقربه )
( يا حسنه إذ قال ما أحسني ... ويا لذاك اللفظ ما أعذبه )
( قلت له كلك عندي سنا ... وكل ألفاظك مستعذبه )

( ففوق السهم ولم يخطني ... ومذ رآني ميتا أعجبه )
( وقال كم من عاشق حبني ... وحبه إياي قد أتعبه )
( ي
C على أنني ... قتلي له لم أدر ما أوجبه ) وقال آخر
( مليح يغار الغصن عند اهتزازه ... ويخجل بدر التم عند شروقه )
( فما فيه معنى ناقص غير خصره ... وما فيه شيء بارد غير ريقه ) وقال يحيى بن أكثم
( دنا هاجري نحوي بمقلته الكحلا ... فلما رأى ذلي ثنى عطفه دلا )
( فتيمني شوقا وأنحلني أسى ... وأفقدني صبرا وأعدمني عقلا )
( شكوت فما ألوى وولى وما لوى ... وأعرض مزورا فسل الحشى سلا )
( إذا ما دعاه فرط سقمي لزورة ... يناديه فرط العجب من عطفه كلا ) وقال أيضا
( بأبي غزالا غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطي بارق )
( وسألت منه زورة تشفي الجوى ... فأجابني عنها بوعد صادق )
( بتنا ونحن من الدجا في خيمة ... ومن النجوم الزهر تحت سرادق )
( عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الذكي لناشق )
( وضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي )
( حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته عني وكان معانقي )

( أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على فراش خافق )
( لما رأيت الليل آخر عمره ... قد شاب في لمم له ومفارق )
( ودعت من أهوى وقلت تأسفا ... صعب علي بأن أراك مفارقي ) وقال ابن نباتة
( بدا ورنت لواحظه دلالا ... فما أبهى الغزالة والغزالا )
( واسفر عن سنا قمر منير ... ولكن قد وجدت به الضلالا )
( صقيل الخد أبصر من رآه ... سواد العين فيه فخال خالا )
( وممنوع الوصال إذا تبدى ... وجدت له من الألفاظ لالا )
( عجبت لثغره البسام أبدى ... لنا درا وقد سكن الزلالا )
( شهدت بشهد ريقته لأني ... رأيت على سوالفه نمالا )
( فيا عجبا لحسن قد حواه ... وقد أهدى إلى قلبي الوبالا )
( سأشكو الحسن ما بقيت حياتي ... وأشكو من صنائعه الجمالا ) القاضي فخر الدين بن مكانس
( يا غصنا في الرياض مالا ... حملتني في هواك مال )
( يا رائحا بعد أن سباني ... حسبك رب السما تعالى ) وله أيضا
( أجارك الله قد رثت لي ... مما ألاقي عدا وحسد )
( وعاذلي مذ رأى ضلوعي ... تعد سقما بكى وعدد ) ابن رفاعة
( يقولون هل من الحبيب بزورة ... ومنامكم المطلوب قلنا لهم منا )

( فقالوا لنا غوصوا على قده وما ... يحاكي إذا ما اهتز قلنا لهم غصننا ) الشيخ برهان الدين القيراطي
( ووردي خد نرجسي لواحظ ... مشايخ علم السحر عن لحظه رووا )
( وواوت صدغيه حكين عقاربا ... من المسك فوق الجلنار قد التووا )
( ووجنته الحمرا تلوح كجمرة ... عليها قلوب العاشقين قد اكتووا )
( ودي له باق ولست بسامع ... لقول حسود والعواذل اذ عووا )
( ووالله ما أسلو ولو صرت رمة ... فكيف وأحشائي على حبه انطووا ) وللشيخ برهان الدين القيراطي أيضا
( شبه السيف والسنان بعيني ... من لقتلي بين الأنام استحلا )
( فأبى السيف والسنان وقالا ... حدنا دون ذاك حاشى وكلا )
وله أيضا
( بأبي أهيف المعاطف لدن ... حسد الأسمر المثقف قده )
( ذو جفون مذ رمت منها كلاما ... كلمتني سيوفهن محده ) آخر
( تملك رقي شادن قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد )
( أقول لصحبي حين يرنو بطرفه ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي ) ومما قيل في الغزل المؤنث للشيخ شمس الدين بن البديري
( خيال سلمى عن الأجفان لم يغب ... وطيفها عن عياني غير محتجب )
( وذكرها أنس روحي وهي نائية ... والقلب ما زال عنها غير منقلب )

( لم أصغ فيها للاح راح يعذلني ... ولا لواش خلي بات يلعب بي )
( عذابها في الهوى عذب ألذ به ... ومر هجرانها أحلى من الضرب )
( فإن نأت أو دنت وجدي كما علمت ... تشيب فيه الليالي وهو لم يشب )
( دعها فأمر هوى المحبوب متبع ... وغير طاعته في الحب لم يجب ) وقال عفا الله عنه
( سقى طللا حلته سلمى معاهد ... وحياه من دمعي مذاب وجامد )
( فربع به سلمى مصيف ومربع ... وأرض نأت عنها قفار جلامد )
( وحيث ثوت أرضا فأعذب مورد ... ولو كدرت منها علي الموارد )
( رعى الله دهرا سالمتني صروفه ... وظلت لياليه بسلمى تساعد )
( وقد غفل الواشون عني ولم أزل ... ويقظان طرف البين عني راقد )
( وأيامنا بالقرب بيض أزاهر ... وأوقاتنا بالوصل خضر أمالد )
( وأرواحنا ممزوجة وقلوبنا ... ونحن كأنا في الحقيقة واحد )
( وكم قد مرجنا في مروج صبابة ... ولم يطرد فينا من البين طارد )
( نجر ذيول اللهو في قمص الهوى ... تلوح علينا للغرام شواهد )
( ولم يخطر التفريق منا بخاطر ... ولم نحسب الأيام فينا تعاند )
( فهل أنت يا سلمى وقد حكم الهوى ... كما كنت لي أم حاد بالقلب حائد )
( وهل ودنا باق وإلا تغيرت ... على عادة الأيام منك العوائد )
( وهل محيت آثار رسم حديثنا ... وأنساك حفظ الود هذا التباعد )
( وهل تذكرين العهد إذ نحن باللوى ... وقولك لا عاش الخؤون المعاهد )
( وهل أنت غيرت الذي أنا حافظ ... وهل أنت أحللت الذي أنا عاقد )
( وهل بدلت منك المودة بالجفا ... وفيك يقيني بالوفا منك شاهد )
( وإني ما بدلت عهدك في الهوى ... ولا اختلفت فيما علمت العوائد )

( ولا بت مسرورا وعيشك ليلة ... وكيف سلوي والحبيب مباعد )
( فإن كنت حبل الود صرمت طرفه ... فودي طريف في هواك وتالد )
( وإن قلت إن الحب غير النوى ... لعمري وجدي بالحشاشة واقد )
( وإن أوردوا يوما صبابة عاشق ... فبي يضرب الأمثال من هو وارد )
( فما شئت كوني إني بك مدنف ... صبور على البلوى شكور وحامد )
( ومنك تساوى عندي الوصل والجفا ... وفيك لقد هانت علي الشدائد )
( ولو رمت ألوي عن هواك أعنتي ... لقاد زمامي نحو حبك قائد )
( نصبت شراك الحب صدت حشاشتي ... فكيف خلاصي والهوى منك صائد )
( بعدت وقلت البين يسلي أخا الهوى ... وهل يسلي ذا الأشجان هذا التباعد )
( وما غير التفريق ما تعهدينه ... وسوق سلوي في المحبين كاسد )
( وجل مناي القرب منك وإنما ... إذا عظم المطلوب قل المساعد ) وقال عفا الله عنه
( تهددني بتبريح وبين ... وتوعدني بتفريق وصد )
( وتحلف لي لتلبسني سقاما ... تهي جلدي به وتذيب جلدي )
( وترميني بنبل من جفون ... فتضنيني وتصميني وتردي )
( وتحرقني بنار الصد حتى ... تذيب حشاشتي كمدا وكبدي )
( فقلت لها ودمعي في انسكاب ... يفيض دما على صفحات خدي )
( ومن لي أن يقال قتيل وجد ... واذكر في هواك ولو بصدي ) وقال عفا الله عنه
( سلوي عنك شيء ليس يروى ... وحبي فيك سار مع الركاب )
( ولم يمرر سواك على ضميري ... ووجدي فيك أيسره عذابي )

( ومالك عن سواد العين يوما ... وما لسواد قلبي من حجاب )
( وما اخضرت دواعي الشوق إلا ... هززت إليك أجنحة التصابي ) وقال عفا الله عنه
( قفا نبك دارا شط عنا مزارها ... وأنحلنا بعد البعاد أدكارها )
( وعوجا بأطلال محتها يد النوى ... فأظلم بالنأى المشت نهارها )
( فقدنا بها ريما من الإنس إن رنت ... بمقلتها يصمي القلوب احورارها )
( تصيد قلوب العاشقين أنيسة ... ويحسن منها صدها ونفارها )
( ويهزأ بالأغصان لين قوامها ... إذا مال فوق الغصن منها خمارها )
( وليس لبدر التم قامة قدها ... وما هو إلا حجلها وسوارها )
( منازلها مني الفؤاد وإن نأى ... عن العين مثواها ففي القلب دارها )
( يمثلها بالوهيم فكري لناظري ... وأكثر ما يضني النفوس افتكارها )
( وهيج دمعي حر نار صبابتي ... وما خمدت بالدمع مني نارها )
( وساعدني بالأيك ليلا حمائم ... تهاتف شجوا لا يقر قرارها )
( بكين ولم تسفح لهن مدامع ... وعيني فاضت بالدموع بحارها ) ولمؤلفه رحمه الله تعالى وهو قول ضعيف على قدر حاله لكنه يسأل الواقف عليه من أفضاله ستر ما يراه من عيوبه وإن يدعو له بمغفر ذنوبه
( نسيم الصبا بلغ سليمى رسائلي ... بلطف وقل عن حال صبك سائلي )
( فقد صار بالأسقام صبا معذبا ... قريح جفون من دموع هوامل )
( صبورا على حر الغرام وبرده ... حليف الضنى لم يصغ يوما لعاذل )
( يبيت على جمر الغضى متقلبا ... يئن غراما فارحميه وواصلي )
( إلا يا سليمى قد أضر بي الهوى ... وهاجت بتبريح الغرام بلابلي )
( رميت بسهم من لحاظك قاتل ... فلم يخط قلبي والحشى ومقاتلي )

( كتمت غرامي في هواك ولم أبح ... بسر فناحت أدمعي برسائلي )
( سليمى سلي ما قد جرى لي من النوى ... فقد عاد لي له رق عاذلي )
( لعل تجودي للكئيب وتسمحي ... بوعد بعد الوعد إن شئت ما طلي )
( عسى تنطفي بالوعد ناري وأشتفي ... فبالسقم أعضائي وهت ومفاصلي )
( خفيت عن العواد لولا تأوهي ... وعظم أنيني لا يراني مسائلي )
( فرقي فقد رقت عداي لذلتي ... وفاضت على حالي عيون عواذلي )
( قطعت زماني في عسى ولعلها ... وما فزت في الأيام منك بطائل )
( فما آن أن ترضى علي وترحمي ... ضنى جسدي فالوجد لا شك قاتلي )
( توسلت بالمختار في شملنا ... نبي له فضل على كل فاضل ) وله رحمه الله تعالى
( يا ربة الحسن من بالصد أوصاكي ... حتى قتلت بفرط الهجر مضناكي )
( ويا فتاة بفتان القوام سبت ... من في الورى يا ترى بالقتل أفتاكي )
( لقد جننت غراما مذ رأى نظري ... في النوم طيف خيال من محياكي )
( ومذ رآه جفا طيب المنام وقد ... أضحى عليلا حزينا لم يزل باكي )
( عذبتني بالتجني وهو يعذب لي ... فهل ترى تسمحي يوما برؤياكي )
( إن كنت لم تذكرينا بعد فرقتنا ... فالله يعلم أنا ما نسيناكي )
( ما آن أن تعطفي جودا علي فقد ... أضحى فؤادي أسيرا لحظ عيناكي )
( ما كنت أ حسب أن العشق فيه ضنى ... ولا عذاب نفوس قبل أهواكي )
( حتى تولع قلبي بالغرام فما ... أمسى أسيرا سوى في حسن معناكي )
( رقي لعبدك جودا واعطفي وذري ... ولا تطيلي بحق الله جفواكي )
( يا هند رفقا بقلب ذاب فيك أسى ... ومهجة تلفت ما هند أقساكي )
( رق العذول لحالي في الهوى ورثى ... وأنت يا هند لا ترثي لمضناكي )
( والله لو مت ما أسلاك يا آملي ... ولو فنيت غراما لست أنساكي )

آخر
( كأن فؤادي يوم سرت دليل ... يسير أمام العيس وهو ذليل )
( فصرت عقيب الظاعنين لكي أرى ... فؤادي سرى في الركب وهو عجول )
( وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... لتعلم ما هذا إليه يؤول )
( فقلت لها قد مت قبل ترحلي ... فمن باب أولى أن يجد رحيل )
( وقلت فليلي طال هما فأنشدت ... وما زال ليل العاشقين طويل )
( فقلت وجسمي لم يزل مترجفا ... فقالت وجسم العاشقين نحيل )
( فقلت لها لو كنت أدري فراقنا ... بيوم وداع ما إليه سبيل )
( قلعت لعيني في هواك بأصبعي ... لكيلا أرى يوما علي ثقيل ) وقال الوأواء الدمشقي عفا الله عنه
( يا من نفت عني لذيذ رقادي ... مالي ومالك قد أطلت سهادي )
( فبأي ذنب أم بأية حالة ... أبعدتني ولقد سكنت فؤادي )
( وصددت عني حين قد ملك الهوى ... روحي وقلبي والحشا وقيادي )
( ملكت لحاظك مهجتي حتى غدا ... قلبي أسيرا ما له من فادي )
( لا غرو إن قتلت عيونك مغرما ... فلكم صرعت بها من الآسادي )
( يا من حوت كل المحاسن في الورى ... والحسن منها عاكف في بادي )
( رفقا بمن أسرت عيونك قلبه ... ودعي السيوف تفر في الأغماد )
( وتعطفي جودا علي بقلبة ... فبميم مبسمكي شفاه الصادي )
( ماتت أطال الله عمرك سلوتي ... ولقد فنى صبري وعاش سهادي )
( ومن المنى لو دام لي فيك الضنى ... يا حبذا لأراك من عوادي )

( وأجيل منك نواظري في ناضر ... من خدك المترقرق الوقاد )
( وأقول ما شئت اصنعي يا منيتي ... مالي سواك ولو حرمت مرادي )
( إلا مديح المصطفى هو عمدتي ... وبه سألقى الله يوم ميعادي ) وقال البهازهير
( إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوق )
( وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار بالجوى تتدفق )
( سلو أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق )
( فلا أنا مقتول ففي القتل راحة ... ولا أنا ممنون عليه فيعتق ) مجنون ليلى
( وقد خبروني أن تيماء منزل ... لليلى ما الليل ألقى المراسيا )
( فهذي شهور الصيف عنا ستنقضي ... فما للنوى يرمي بليلى المراميا )
( أعد الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا )
( وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالليل خاليا )
( إلا أيها الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أمسى هوانا يمانيا )
( يمينا إذا كانت يمينا فان تكن ... شمالا ينازعني الهوى عن شماليا )
( أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ... اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا )
( خليلي لا والله لا أملك الهوى ... إذا علم من أرض ليلى بداليا )
( خليلي لا والله لا أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا )
( قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا )
( ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا )
( وددت على حبي الحياة لو أنه ... يزاد لها في عمرها من حياتيا )
( على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا )
( إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني ... فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا )

( فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشى ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا ) وقال آخر
( قالت لطيف خيال زارني ومضى م ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد )
( فقال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد )
( قالت عهدت الوفا والصدق شيمته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي ) كمال الدين بن النبيه
( أما وبياض مبسمك النقي ... وسمرة مسكة اللمس الشهي )
( ورمان من الكافور تعلو ... عليه طوابع الند الندي )
( وقد كالقضيب إذا تثنى ... خشيت عليه من ثقل الحلي )
( لقد أسقمت بالهجران جسمي ... وأعطشني وصالك بعد ريي )
( إلى كم أكتم البلوى ودمعي ... يبوح بمضمر السر الخفي )
( وكم أشكو اللاهية غرامي ... فويل للشجي من الخلي ) صفي الدين الحلي
( أبت الوصال مخافة الرقباء ... وأتتك تحت مدارع الظلماء )
( أصفتك من بعد الصدود مودة ... وكذا الدواء يكون بعد الداء )
( أحيت بزورتها النفوس وطالما ... ضنت بها فقضت على الأحياء )
( أمت بليل والنجوم كأنها ... در بباطن خيمة زرقاء )
( أمست تعاطيني المدام وبيننا ... عتب غنيت به عن الصهباء )
( آبت إلى جسدي لتنظر ما انتهت ... من بعدها فيه يد البرحاء )

( ألفت به وقع الصفاح فراعها ... جزعا وما نظرت جراح حشائي )
( أمصيبة منا بنبل لحاظها ... ما أخطأته أسنة الأعداء )
( أعجبت مما قد رأيت وفي الحشا ... أضعاف ما عاينت في الأعضاء )
( أمسي ولست بسالم من طعنة ... نجلاء أو من مقلة نجلاء ) وله رحمه الله تعالى
( قفي ودعينا قبل وشك التفرق ... فما أنا من يحيا إلى حين نلتقي )
( قضيت وما أودى الحمام بمهجتي ... وشبت وما حل البياض بمفرقي )
( قنعت أنا بالذل في مذهب الهوى ... ولم تفرقي بين المنعم والشقي )
( قرنت الرضا بالسخط والقرب بالنوى ... ومزقت شمل الوصل كل ممزق )
( قبلت وصايا الهجر من غير ناصح ... وأحببت قول الهجر من غير مشفق )
( قطعت زماني بالصدود وزرتني ... عشية زمت للترحل أينقي )
( قضى الدهر بالتفريق فاصطبري له ... ولا تذممي أفعاله وترفقي ) وقال عفا الله عنه
( جاءت لتنظر ما أبقت من المهج ... فعطرت سائر الأرجاء بالأرج )
( جلت علينا محيا لوجلته لنا ... في ظلمة الليل أغنتنا عن السرج )
( حورية الخد تحمي ورد وجنتها ... بحارس من نبال الغنج والدعج )
( جزت إساءة أفعالي بمغفرة ... فكان غفرانها يغني عن الحجج )
( جادت لعرفانها أني المريض بها ... فما علي إذا أذنبت من حرج )
( جست يدي لترى ما بي فقلت لها ... كفي فذاك جوى لولاك لم يهج )
( جفوتني فرأيت الصبر أجمل بي ... والصمت في الحب أولى من اللهج )
( جرات لحاظك فينا غير راحمة ... ولذة الحب جور الناظر الغنج )

ابن نباتة
( رقت لنا حين هم السفر بالسفر ... وأقبلت في الدجى تسعى على حذر )
( راض الهوى قلبها القاسي فجادلنا ... وكان أبخل من تموز بالمطر )
( رأت غداة النوى نار الكليم وقد ... شبت فلم تبق من قلبي ولم تذر )
( رشيقة لو تراها عندما سفرت ... والبدر ساه إليها سهو معتذر )
( رأيت بدرين من وجه ومن قمر ... في ظل جنحين من ليل ومن شمر )
( رشفت در الحميا من مقبلها ... إذ نبهتني إليها نسمة السحر )
( رنت نجوم الدجى نحوي فما نظرت ... من يرشف الراح قبلي من فم القمر )
( راق العتاب وابدت لي سرائرها ... في ليلة الوصل بل في غرة القمر ) وقال ابن الساعاتي
( قبلتها ورشفت خمرة ريقها ... فوجدت نار صبابة في كوثر )
( ودخلت جنة وجهها فاباحني ... رضوانها المرجو شرب المسكر ) وقال آخر
( بكت للفراق وقد راعها ... بكاء المحب لبعد الديار )
( كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار ) الوأواء الدمشقي تضمين
( قالت متى الظعن يا هذا فقلت لها ... إما غدا زعموا أو لا فبعد غد )
( فامطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد ) لابن نباتة
( عذولي لست أسمع منه قولا ... على غيداء مثل البدر تما )

( له طرف ضرير عن سناها ... ولي أذن عن الفحشاء صما ) وقال آخر
( ورب ليال في هواها سهرتها ... أراعي نجوم الليل فيها إلى الفجر )
( حديثي عال في السهاد لأنني ... رويت أحاديث السهاد عن الزهر ) السراج الوراق
( يا لائمي في هواها ... أسرفت في اللوم جهلا )
( ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا ) وقال آخر
( وعدت أن تزور ليلا فألوت ... وأتت في النهار تسحب ذيلا )
( قلت هلا صدقت في الوعد قالت ... كيف صدقت أن ترى الشمس ليلا ) لعز الدين الموصلي
( قد سلونا عن الغزال بخود ... ذات وجه بها الجمال تفتن )
( ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن ) وقال آخر
( قالت وناولتها سواكا ... ساد بفيها على الأراك )
( سواي ما ذاق طعم ريقي ... قلت لها ذاقه سواكي ) وقال آخر
( سألتها أن تعيد لفظا ... قالت محب دعوه يعذر )
( حديثها سكر شهي ... واحسن السكر المكرر ) ابن نباتة
( وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بجسمي المنهاض )

( قالت تغيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالإعراض ) وقال أبو الطيب المتنبي
( بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا )
( الناهياتعيوننا وقلوبنا ... وجناتهن الناهبات الناهبا )
( الناعمات القاتلات المحييات ... الميديات من الدلال غرائبا )
( حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا )
( وبسمن عن برد خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا )
( يا حبذا المتجملون وحبذا ... واد لثمت به الغزالة كاعبا )
( كيف الرجاء من الخطوب تخلصا ... من بعد أن أنشبن في مخالبا ) وله أيضا من جملة قصيدة
( ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم )
( فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم ) الشريف الرضي
( وتميس بين مزعفر ومعصفر ... ومعنبر وممسك ومصندل )
( هيفاء إن قال الشباب لها انهضي ... قالت روادفها أقعدي وتمهلي )
( وإذا سألت الوصل قال جمالها ... جودي وقال دلالها لا تفعلي ) ابن اسرائيل
( وعدت بوصل والزمان مسوف ... حوراء ناظرها حسام مرهف )
( نشوانة خصباء منهل ثغرها ... در وريقتها سلاف قرقف )

( وتخال بين البدر منها والنقا ... غصنا يميس به النسيم مهفهف )
( لا تحسبن الحلف شيمة مثلها ... وعدت ولكن الزمان يسوف )
( يا بانة قد أطلعت أغصانها ... وردا جنيا باللواحظ يقطف )
( وغزالة يحكي الغزالة وجهها ... ويعير ناظرها الحسام الأوطف )
( ما تأمرين لمغرم تسطو به ... أجفانك المرضى ولا تستعطف )
( قسما بوجهك وهو صبح مشرق ... وسواد شعرك وهو ليل مسدف )
( وبهز غصن البان منك على النقا ... مالي إلى أحد سواك تشوف ) ولنذكر إن شاء الله تعالى في هذا الباب نبذة من ملح النظم ورقائق الشعر من غير تبويب ولا ترتيب للشيخ شمس الدين بن الريدي
( ولما نأت سلمى وشط بها النوى ... وأيقنت أني بالغرام أذوب )
( علقت بأخرى غيرها متلاهيا ... ليطفى ضرام في الحشا ولهيب )
( وكان هيامي والهوى وصبابتي ... لمن هو في الأولى إلي حبيب ) وله في المعنى
( تلاهيت عنها في الغرام بغيرها ... وقلت لقلبي هذه هي زينب )
( وقبلت فاها مبردا لصبابتي ... فأضرمت نارا في الحشا تتلهب )
( فكنت كمن هو ذا غريقا بلجة ... تمسك بالموج الذي يتقلب ) وقال أيضا
( سألت القلب هل ميلي لليلى ... وهل عند الفؤاد لها التفات )
( فقال الآن لا لكن تأنيى ... فقلت الحب فيه تقلبات )
( فإن الحب يهجم بعد بأس ... ويعتاد المحب تغيرات )
( فلا تظهر لها يوما سلوا ... فتفضحك التصابي الواردات )

( وترمى بالصدود وبالتجني ... وتنحلك الرعود الكاذبات )
( فكن جلدا ولا تك ذا لجاج ... فما يغنيك إن فات الفوات ) وقال البيطار
( يقولون هذي أم عمرو قريبة ... دنت بك أرض نحوها وسماء )
( ألا إنما قرب الحبيب وبعده ... إذا هو لم يوصل إليه سواء ) وقال غيره
( وقالوا بع حبيبك وابغ عنه ... حبيبا آخرا تحيا سعيدا )
( إذا كان القديم هو المصافي ... وخان فكيف أأتمن الجديدا ) وقال آخر
( لم أنس إذ قلت من وجدي لها غلطا ... ووجهها مشرق في حندس الظلم )
( سلوت عنك فقالت وهي ضاحكة ... لتقرعن علي السن من ندم ) وقال آخر
( أمن المروءة أن أبيت مسهدا ... قلقا أبل ملابسي بدموعي )
( وتبيت ريان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع ) وقال آخر
( إلى الله أشكو جور أهيف شاذن ... وقعت فما لي من يدميه خلاص )
( جرحت بعيني خده وهو جارح ... بعينيه قلبي والجروح قصاص ) وقال آخر
( قد كنت أسمع بالهوى فأكذب ... وأرى المحب وما يقول فأعجب )
( حتى رميت بحلوه وبمره ... من كان يتهم الهوى فيجرب ) وقال آخر
( سألتها التقبيل من خدها ... عشرا وما زاد يكون احتساب )

( فمذ تلاقينا وقبلتها ... غلطت في العد وضاع الحساب ) وقال آخر
( يا من سقامي من سقام جفونه ... وسواد حظي من سواد عيونه )
( قد كنت لا أرضى الوصال وفوقه ... واليوم أقنع بالخيال ودونه ) وقال آخر
( صبحته عند المساء فقال لي ... تهزي بقدري أو تريد مزاحا )
( فأجبته إشراق وجهك غرني ... حتى توهمت المساء صباحا ) أبو عبد الله الغواص
( من عذيري من عذول في رشا ... فأمر القلب هواه فقمر )
( قمر لم يبق مني حسنه ... وهواه غير مقلوب قمر ) وقال آخر
( جاذبتها والريح تجذب برقعا ... من فوق خد مثل قلب العقرب )
( وطفقت ألثم ثغرها فتحجبت ... وتسترت عني بقلب العقرب ) وقال آخر
( لو مت من كثرة الأشواق وانبدلت ... مدامعي بدم من كثرة السهر )
( ما اخترت عنك سلوا لا ولا نظرت ... عيني لغير محيا وجهك القمر ) إبراهيم بن العباس
( تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضى ... ويسرع قلبي إذ يهب هبوبها )
( قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها ) وقال النوفلي
( إذا اختلجت عيني رأت من تحبه ... فدام لعيني ما حييت اختلاجها )
( وما ذقت كأسا مذ علقت بحبها ... فأشربه إلا ودمعي مزاجها )

وقال آخر رحمه الله تعالى
( ياذا الذي زار وما زارا ... كأنه مقتبس نارا )
( قام بباب الدار من تيهه ... ما ضره لو دخل الدارا ) وقال آخر
( ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت مني ظاهري لجليسي )
( فالكل مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي ) ابن نباتة
( أناشده الرحمن في جمع شملنا فيقسم هذا لا يكون إلى الحشر )
( إذا ما غدا مثل الحديد فؤاده ... فوالعصر إن العاشقين لفي خسر ) أمين الدين بن أبي الوفاء
( يا نازلا مني فؤادا راحلا ... ومن العجائب نازلا في راحل )
( أضرمت قلب متيم أهلكته ... وسكنته والنار مثوى القاتل ) وقال آخر
( يا عاذلي في هواه ... إذا بدا كيف أسلو )
( يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو ) الحاجبي
( ملأت فؤادي من محبة فاتن ... أميل إليه وهو كالظبي رائغ )
( وقلت لقلبي قم لتعشق شادنا ... سواه فقال القلب ما أنا فارغ ) وقال ديك الجن
( ولي كبد حري ونفس كأنها ... بكف عدو ما يريد سراحها )
( كأن على قلبي قطاة تذكرت ... على ظمأ وردا فهزت جناحها )

وقال عبد الله بن طاهر
( أقام ببلدة ورحلت عنه ... كلانا بعد صاحبه غريب )
( أقل الناس في الدنيا سرورا ... محب قد نأى عنه الحبيب ) وقال آخر
( ما اخترت ترك وداعكم يوم النوى ... والله لا مللا ولا لتجنب )
( لكن خشيت بأن أموت صبابة ... فيقال أنت قتلته فتقاد بي ) وقال ابن المعتز
( هب لعيني رقادها ... وانف عنها سهادها )
( وارحم المقلة التي ... كنت فيها سوادها )
( كن صلاحا لها كما ... كنت دهرا فسادها ) وقال آخر
( وقالوا دع مراقبة الثريا ... ونم فالليل مسعود الجناح )
( فقلت وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباح ) وقال آخر
( ولي فؤاد إذا طال النزاع به ... طار اشتياقا إلى لقيا معذبه )
( يفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فداك به ) وقال آخر
( وما هجرتك النفس يأمي إنها ... قلتك ولا أن قل منك نصيبها )
( ولكنهم يا أحسن الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها ) وقال المحاربي
( إذا أنت لم توقن بما صنع الهوى ... بأهل الهوى فافقد حبيبا وجرب )

( ترى حرقات يلدغ القلب حرها ... بأنضج من كي الغضى المتلهب ) وقال الأقرع بن معاذ
( أقول لمفت ذات يوم لقيته ... بمكة والانضاء ملقى رحالها )
( بحقك أخبرني أما تأثم التي ... أضر بجسمي منذ مر خيالها )
( فقال بلى والله أو سيصيبها ... من الله بلوى في الزمان تنالها )
( فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... سريع على جيب القميص انهمالها )
( عفا الله عنها كل ذنب ولقيت ... مناها وإن كانت قليلا نوالها ) وقال آخر
( بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه )
( وعرضا بي وقولا في حديثكما ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه )
( فإن تبسم قولا عن ملاطفة ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه )
( وإن بدا لكما من سيدي غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه ) وقال عبد الله بن أبي الشيص
( ومعرضة تظن الهجر فرضا ... تخال لحاظها للضعف مرضى )
( كأني قد قتلت لها قتيلا ... فما مني بغير الهجر ترضى ) وقال الحسين بن الضحاك
( بعضي بنار الهجر مات حريقا ... والبعض أضحى بالدموع غريقا )
( لم يشك عشقا عاشق فسمعته ... إلا ظننتك ذلك المعشوقا )

وقال آخر
( وأجيل فكري في هواك ... بلا لسان ناطق )
( أدعو عليك بحرقة ... من غير قلب صادق ) وقال آخر
( يا ويح من خبل الأحبة قلبه ... حتى إذا ظفروا به قتلوه )
( عزوا ومال به الهوى فأذله ... إن العزيز على الذليل يتيه )
( أنظر إلى جسد أضر به الهوى ... لولا تقلب طرفه دفنوه )
( من كان خلوا من تباريح الهوى ... فأنا الهوى وحليفه وأخوه ) وقال أحمد بن طاهر
( تقول العاذلات تسل عنها ... وداو عليل صبرك بالسلو )
( فكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذ من الشماتة بالعدو ) وقال إسحاق مولى المهلب
( هبيني يا معذبتي أسأت ... وبالهجران قلبكم بدأت )
( فأين الفضل منك فدتك نفسي ... علي إذا أسأت كما أسأت ) وقال أبو العتاهية
( يقول أناس لو نعت لنا الهوى ... ووالله ما أدري لهم كيف أنعت )
( سقام على جسمي كثير موسع ... ونوم على عيني قليل مفوت )
( إذا اشتد ما بي كان أفضل حيلتي ... له وضع كفي فوق خدي وأسكت ) وقال بشار
( يا قرة العين إني لا أسميكي ... أكني بأخرى أسميها وأعنيك )
( أخشى عليك من الجارات حاسد ... أو سهم غيران يرميني ويرميك )

( لولا الرقيبان إذ ودعت غادية ... قبلت فاك وقلت النفس تفديك )
( يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك )
( قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ... بالله لا تجعليها بيضة الديك ) وقال آخر
( ألم تعلمي يا أحسن الناس أنني ... أحبك حبا مستكنا وباديا )
( أحبك ما لو كان بين قبائل ... من الناس أعداء لجر التصافيا ) وقال آخر
( أقول لشادن في الحسن أضحى ... يصيد بطرفه قلب الكمي )
( ملكت الحسن أجمع في نصاب ... فأد زكاة منظرك البهي )
( وذاك بأن تجود لمستهام ... برشف من مقبلك الشهي )
( فقال أبو حنيفة لي إمام ... يرى أن لا زكاة على الصبي ) وقال آخر
( سقى الله ربعا كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهنا في روضة الحسن ضاحك )
( أقمنا زمانا والعيون قريرة ... وأصبحت يوما والجفون سوافك ) وقال آخر
( ألم تعلمي يا عذبة الماء أنني ... أظل إذا لم أسق ماءك صاديا )
( وما زلت بي يا بين حتىلو أنني ... من الوجد استبكي الحمام بكى ليا ) أبو العباس الشهير بالنفيس
( يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق )
( ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق ) الوزير ظهير الدين الملقب بأبي شجاع

( لأعذبن العين غير مفكر ... فبها بكت بالدمع أو فاضت دما )
( ولأهجرن من الرقاد لذيذه ... حتى يعود على الجفون محرما )
( هي أوقعتني في حبائل فتنة ... لو لم تكن نظرت لكنت مسلما )
( سفكت دمي فلأسفحن دموعها ... وهي التي بدأت فكانت أظلما ) وقال العتبي
( أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم )
( والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم ) الرفاء الأندلسي
( ومهفهف كالغصن إلا أنه ... تتحير الألباب عند لقائه ) ... ( أضحى ينام وقد تكلل خده ... عرقا فقلت الورد رش بمائه ) وقال آخر
( اخضر واصفر لاعتلال ... فصار كالنرجس المضعف )
( كأن نسرين وجنتيه ... بشعر أصداغه مغلف )
( يرشح منه الجبين ماء ... كأنه لؤلؤ منصف ) وقال آخر
( ما زال ينهل من صرف الطلا قمري ... حتى غدت وجنتاه البيض كالشفق )
( وقام يخطر والأرداف تقعده ... طورا وحاول أن يسعى فلم يطق )
( فعائل فعلت فعل الشمول به ... فعل النسيم بغصن البانة الورق )
( جاذبته لعناقي فانثنى خجلا ... وكللت وجنتاه الحمر بالعرق )
( وقال لي بفتور من لواحظه ... إن العناق حرام قلت في عنقي ) وقال آخر
( بأركان هذا البيت إني لطائف ... وفي الكون أسرار وفيه لطائف )

( رعى الله أياما وناسا عهدتهم ... جيادا ولكن الليالي صيارف )
( وبي ذهبي اللون صيغ لمحنتي ... يريد امتحاناتي وما أنا زائف )
( يذيب فؤادا وهو لا غش عنده ... فيا ذهبي اللون إنك خائف ) وقال آخر
( أسنى ليالي الدهر عندي ليلة ... لم أخل فيها الكأس من أعمالي )
( فرقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال ) ومما قيل في الرقباء
( لو أن لي في الحب أمرا نافذا ... وملكت بسط الأمر في التعذيب )
( لقطعت ألسنة العواذل كلها ... ولكنت أقلع عين كل رقيب ) وقال إعرابي
( بسهم الحب كلم في فؤادي ... ولا كالكلم من عين الرقيب )
( تمكن ناظراه به وأضحى ... مكان الكاتبين من الذنوب )
( ومن حذر الرقيب إذا التقينا ... نسلم كالغريب على الغريب )
( ولولاه تشاكينا جميعا ... كما يشكو المحب إلى الحبيب ) وقال آخر
( من عاش في الدنيا بغير حبيب ... فحياته فيها حياة غريب )
( عين الرقيب غرقت في البحر العمى ... لا أنت لا بل عين كل رقيب ) وقال أحمد بن أبي سلمة
( يعذلني فيه جميع الورى ... كأنني جئت بأمر عجيب )
( أظن نفسي لو تعشقتها ... بليت فيها بملام الرقيب )
( وأنا الغريب فلا ألام على البكا ... إن البكا حسن بكل غريب )

وقال آخر
( وما فارقت سعدى عن قلاها ... ولكن شقوة بلغت مداها )
( بكيت نعم بكيت وكل إلف ... إذا بانت حبيبته بكاها ) وقال آخر
( رقائلة ما بال دمعك أبيض ... فقلت لها يا علو هذا الذي بقي )
( ألم تعلمي أن البكا طال عمره ... فشابت دموعي عندما شاب مفرقي )
( وعما قليل لا دموع ولا دما ... ولم يبق إلا لوعتي وتحرقي ) وقال آخر
( ولم أر مثلي غار من طول ليله ... عليه لأن الليل يعشقه معي )
( وما زلت أبكي في دجى الليل صبوة ... من الوجد حتى ابيض من فيض أدمعي ) وقال آخر
( رجوت طيف خيال ... وكيف لي بهجوع )
( والذاريات جفوني ... والمرسلات دموعي ) وقال آخر
( يا نازح الطيف من نومي يعاودني ... فقد بكيت لفرط النازحين دما )
( أوجبت غسلا على عيني بأدمعها ... فكيف وهي التي لم تبلغ الحلما ) وقال آخر
( ارحم رحمت لوعتي ... وابعث خيالك في الكرى )
( ودموع عيني لا تسل ... عن حالها ياما جرى ) وقال آخر
( أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا أرى )

( وعلمت أن فراقكم لا بد أن ... يجري به دمعي دما وكذا جرى ) وقال آخر
( إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهي )
( بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها ) وقال آخر
( يقولون لي والدمع قرح مقلتي ... بنار أسى من حبة القلب تقدح )
( أدمعك جمر قلت لا تتعجبوا ... فكل وعاء بالذي فيه ينضح ) وقال البدر الذهبي
( قالوا تباكى بالدموع وما بكى ... بدم على عيش تصرم وانقضى )
( فأجبتهم هو من دمي لكنه ... لما تصاعد صار يقطر أبيضا ) قال ابن مطروح في الغيرة
( ولو أمسى على تلفي مصرا ... لقلت معذبي بالله زدني )
( ولا تسمح بوصلك لي فإني ... أغار عليك منك فكيف مني ) وقال آخر
( أغار عليك من نظري ومني ... ومنك ومن مكانك والزمان )
( ولو أني خبأتك في جفوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني ) المظفر بن عمر الآمدي
( قولي لمن قد جفوني إذ لهجت بهم ... دون الأنام وخير القول أصدقه )
( أحبكم وهلاكي في محبتكم ... كعابد النار يهواها وتحرقه )

وقال غيره
( لم أنس أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح )
( ذاك زمان مر حلو الجنى ... ظفرت فيه بحبيب وراح ) الشريف الرضي
( عللاني بذكركم واسقياني ... وامزجا لي دمعي بكأس دهاق )
( وخذا النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق ) وقال آخر
( قالوا أترقد مذ غبنا فقلت لهم ... نعم وأشفق من دمعي على بصري )
( ما حق طرف هداني نحو حسنكم ... أني أعذبه بالدمع والسهر ) عز الدين الموصلي
( فسدت لطول بعادكم أحلامنا ... وعقولنا وجفا الجفون منام )
( والطيف قد وعد الجفون بزورة ... يا حبذا إن صحت الأحلام )
ومما قيل في السهر وطول الليل ونحو ذلك قال الشاعر
( ورب ليل سهرناه وقد طلعت ... بقية البدر في أولى تسايره )
( كأنما أدهم الظلماء حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره ) وقال آخر
( ليل المحبين مطوي جوانبه ... مشمر الذيل منسوب إلى القصر )
( ما ذاك إلا لأن الصبح نم بنا ... فاطلع الشمس من غيظ على القمر ) وقال غيره
( فلم أر مثل ليل ذوي التصابي ... وكل يشتكيه بكل حال )

( فيشكو طوله أهل التجافي ... ويشكو قصره أهل الوصال ) وقال آخر
( ليلي وليلى سواء في اختلافهما ... قد صبراني جميعا في الهوى مثلا )
( يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا ) وقال آخر
( إن الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأعمار )
( فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار ) وقال غيره
( رب ليل لم أذق فيه الكرا ... حظ عيني فيه دمع وسهر )
( كلما هيج ليلى حرقي ... صحت يا ليل أما فيك سحر ) وقال آخر
( يا ليل طل أو لا تطل ... لا بد لي من سهرك )
( لو بات عندي قمري ... ما بت أرعى قمرك ) وقال بشار بن برد
( خليلي ما بال الدجى لا يزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح )
( أضل إليها المستنير طريقه ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح ) وقال آخر
( كأن الثريا راحة تشبر الدجى ... ليعلم طال الليل أم قد تعرضا )
( فليل تراه بين شرق ومغرب ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا ) وقال ابن منقذ
( لما رأيت النجم ساه طرفه ... والقطب قد ألقى عليه سباتا )

( وبنات نعش في الحداد سوافر ... أيقنت أن صباحهم قد ماتا ) وقال آخر في ليلة ممطرة
( أقول والليل في امتداد ... وأدمع الغيث في انسفاح )
( أظن ليل بغير شك ... قد بات يبكي على الصباح ) ومما جاء في الأشعار الخمرية قول صفي الدين الحلي
( بدت لنا الراح في تاج من الحبب ... فخرقت حلة الظلماء باللهب )
( بكر إذا زوجت بالماء أولدها ... أطفال در على مهد من الذهب )
( بقية من بقايا قوم نوح إذا ... لاحت جلت ظلم الأحزان والكرب )
( بعيدة العهد بالمعصار لو نطقت ... لحدثتنا بما في سالف الحقب )
( باكرتها برفاق قد ذهبت بهم ... قبل السلاف سلاف العلم والأدب )
( بكل متشح بالفضل مؤتزر ... كأن في لفظه ضربا من الضرب )
( بل رب ليل غدا مثل الإهاب غدت ... تنقض فيه كؤوس الراح كالشهب )
( بذلت عقلي صداقا حين بت به ... أزوج ابن سحاب بابنة العنب )
( بتنا بكاساتها صرعى ومكربنا ... يعيد أرواحنا من شدة الطرب )
( بعث ألم فلم تعلم لفرحتنا ... من نفخة الصور أم من نفخة القصب )
( بروضة طل فيها الطل أدمعه ... والزهر مبتسم عن ثغره الشنب ) وقال أيضا
( تاب الزمان من الذنوب فوات ... واغنم لذيذ العيش قبل فوات )
( تم السرور فقم يا صاحبي ... نستدرك الماضي بنهب الآتي )

( توج بكاسات الطلا هام الربا ... في روضة مطلولة الزهرات )
( تغدو سلاف القطر دائرة بها ... والكأس دائرة بكف سقاة )
( تلف النضار على العقار غنيمتي ... وفراغ راحاني على الراحات )
( تركي لأكياس النضار جهالة ... من ذا أحق بها من الكاسات )
( نبت يدا من تاب عن رشف الطلا ... والكاس متقد كخد فتاة )
( تتابع إلى أوقاتها داعي الصبا ... واعجب لما فيها من الآيات )
( تمم بها نقص السرور فإنها ... عند الكرام تتمة اللذات ) وقال أيضا
( حي الرفاق وطف بكاس الراح ... واطرز بكاسك حلة الأفراح )
( حث الكؤوس على جسوم أصبحت ... فيها المدام شريكة الأرواح )
( حاش الأنام وعاطني مشمولة ... ظنت فسادي وهي عين صلاحي )
( حمراء لو ترك السقاة مزاجها ... لأغنى تلألؤها عن المصباح )
( حبب تظل به الكؤوس كأنها ... خصر الفتاة ممنطق بوشاح )
( حجب الحباب شعاعها فكأنه ... شفق تلهب تحت ذيل صباح )
( حكم الزمان وغض عنا طرفه ... يا صاح لا تقنع بانك صاح ) وقال آخر
( قد قلت إذ أضحى يعبس كلما ... دارت عليه بالمدام الأكؤس )
( تالله ما أنصفتها يا سيدي ... تأتيك باسمة وأنت تعبس ) عز الدين الموصلي
( لئن شبه الساقي المدام بعسجد ... فقد مال بالتشبيه عن صيغة الأدب )
( ولكن رآها جوهرا سميت طلا ... فميز ما قد حلت الكاس بالذهب ) يزيد بن معاوية
( وشمسة كرم برجها قعر دنها ... وطلعتها الساقي ومغربها فمي )

( مدام كتبر في إناء كفضة ... وساق كبدر مع ندامى كأنجم ) وقال آخر
( كأن الندامى والسقاة ودننا ... وكاساتنا في الروض تملى وتشرب )
( شموس وأقمار وفلك وأنجم ... ونور ونوار وشرق ومغرب ) وقال آخر
( فكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء )
( شمس الضحى رقصت فنقط وجها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء ) وقال كشاجم
( صدح الديك في الدجى فاسقنيها ... خمرة تترك الحليم سفيها )
( لست أدري من رقة وصفاء ... هي في الكاس أم هو الكاس فيها ) كمال الدين بن النبيه
( قم يا غلام ودع مقالة من نصح ... فالديك قد صدع الدجى لما صدح )
( خفيت تباشير الصباح فاسقني ... ما ضل في الظلماء من قدح القدح )
( صهباء ما لمعت بكف مديرها ... لمقطب إلا تهلل وانشرح )
( تالله ما مزج المدام بمائها ... لكنه مزج المسرة بالفرح )
( هي صفوة الكرم الكريم فما سرت ... سراؤها في باخل إلا سمح )
( من كف قيان اللحاظ بوجهه ... عذر لمن خلع العذار أو افتضح ) وقال غيره
( وليلة أوسعتني ... حسنا ولهوا وأنسا )
( ما زلت ألثم بدرا ... بها وأشهد شمسا ) ( عبد الله بن محمد العطار وقيل يزيد بن معاوية )

( وكاس يرينا آية الصبح في الدجى ... فأولها شمس وآخرها بدر )
( مقطبة ما لم يزرها مزاجها ... فإن جاءها جاء التبسم والبشر )
( فيا عجبا للدهر لم يخل مهجة ... من العشق حتى الماء يعشقه الخمر ) ( وقال ابن تميم )
( وليلة بت أسقي من غياهبها ... راحا تسل شبابي من يد الهرم )
( ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم ) ( ابن مكانس )
( نزل الطل بكرة ... وتوالى تجددا )
( والندامى تجمعوا ... فأجل كأسي على الندى ) ( الشيخ شهاب الدين بن حجازي )
( كأسنا يا صاح صرفا ... جليت بين الندامى )
( لم نجد ماء لمزج ... فقنعنا بالندامى ) ( صفي الدين الحلي )
( كيف لا تخضع العقول لديها ... وهي سلطان سائر المسكرات )
( الفوا في الكؤوس إذ مزجوها ... بين ماء الحيا وماء الممات ) ( غيره )
( صهباء في الكاس صرفا ... غلبت ضوء السراج )
( ظنها في الكاس نارا ... فطفاها بالمزاج ) ( مجد الدين بن تميم )
( نديمي لا تسقني ... سوى الصرف فهو الهنى )
( ودع كاسها أطلسا ... ولا تسقني مع دني )

( تقي الدين بن حجة )
( حيا بها عاصرها في كاسها ... مشرقة باسمة كالثغر )
( وقال هذي تحفة في عصرنا ... قلت اسقنيها يا إمام العصر ) ( أبو الطيب المتنبي )
( يا صاحبي امزجا كاس المدام لنا ... كيما يضيء لنا من أفقها الغسق )
( خمرا إذا ما نديمي هم يشربها ... أخشى عليه من اللألأء يحترق )
( لو راح يحلف أن الشمس ما غربت ... في فيه كذبه في وجهه الشقق ) ( وقال آخر )
( بنت كرم يتموها أمها ... وأهانوها بدوس بالقدم )
( ثم داروا حكموها فيهم ... ويلهم من جور مظلوم حكم ) ( وقال آخر )
( عناقيد على قضب تدلت ... حكى منظومها عقد اللآلي )
( إذا عصرت بدا في الكأس منها ... دوالي قد تربت في دوالي ) ( برهان الدين بن المعمار )
( باكر لكرم العنب المجتنى ... واستجنه من عند عنابه )
( واعصره واستخرج لنا ماءه ... لكي تزيل الهم عنابه ) ( جولان العاذلي )
( إذا ما الخمر في الكاسات صبت ... رأيت لها شموسا في بروج )
( وإن جليت على الندمان يوما ... تزاحمت الهموم على الخروج ) ( وقال في الشراب المطبوخ )
( يا من يعذب ماء الكرم يحرقه ... بالنار في أي شيء تظلم العنب )

( ان التي طبختها الشمس أنفع لي ... ولست أخسر لا قدرا ولا حطبا ) وقال أيضا
( وعتيقة رقت وراق مزاجها ... لطفا وأنحلها الزمان الغابر )
( لم يبق منها غير نور ساطع ... لا يستطيع يجول فيه الناظر )
( ترنو إليك من الحباب بأعين ... خلقت ولم تخلق لهن محاجر ) وقال غيره
( لا تعصرن زبيبا واعتصر عنبا ... فبين هذين فرقنا بتصريح )
( هذا من الحي للأحياء معتصر ... وذاك يعصر من جسم بلا روح ) وقال غيره
( عابوا علي مداما ... أخرتها لصبوحي )
( واستنكروها وقالوا ... ارتحت قلت روحي ) وقال آخر في الشراب على الرعد والبرق
( أما ترى الرعد بكى فاشتكى ... والبرق قد أومض فاستضحكا )
( فاشرب على غيم كصبغ الدجى ... أضحك وجه الروض لما بكى )
( وانظر لماء النيل في مده ... كأنه صندل أو مصطكا ) وقال آخر
( يا ليلة جمعت لنا الأحبابا ... لو شئت دام لنا النعيم وطابا )
( بتنا بها نسقى سلافا قرقفا ... يذر الصحيح بعقله مرتابا )
( من كف غانية كأن بنانها ... من فضة قد قمعت عنابا ) وقال آخر
( أما ترى الغيث كالباكي بأدمعه ... والأرض تضحك والأزهار في فرح )
( فقم فديتك نشكو ما نكابده ... من الزمان وما نلقى إلى القدح )

نباتة
( أما ترى الليل قد ولت غياهبه ... وعارض الفجر بالإشراق قد طلعا )
( فاشرب على وردة وردية قدمت ... كأنها خد ريم ريم فامتنعا ) ومن شعر عضد الدولة
( طربت إلى الصبوح مع الصباح ... وشرب الراح والغرر الملاح )
( وكان الثلج كالكافور نثرا ... وناري بين نارنجي وراحي )
( فمشمومي ومشروبي وناري ... وثلجي والصباح مع الصباح )
( لهيب في لهيب في لهيب ... صباح في صباح في صباح ) ابن وكيع
( وصفراء من ماء الكروم كأنها ... فراق عدو أو لقاء صديق )
( كأن الحباب المستدير بطوقها ... كواكب در في سماء عقيق )
( صببت عليها الماء حتى تعوضت ... قميص بهار من قميص شقيق ) وقال آخر
( وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق )
( حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتسب لون عاشق ) وقال آخر
( إذا الكروان صاح على الرمال ... وحل البدر في برج الكمال )
( وجعد وجه بركتنا هبوب ... تمر به الجنوب من الشمال )
( وحركت الغصون فشابهتها ... قدود سقاتنا في كل حال )
( فهات الكأس مترعة ودعني ... أبادر لذتي قبل ارتحالي )

( فكل جماعة لا شك يوما ... يفرق بينهم صرف الليالي ) وقال آخر في الشراب على الغيم
( أرى غيما تؤلفه جنوب ... ويوشك أن يوافقنا بهطل )
( فوجه الرأي أن تدعو برطل ... فتشربه وتدعو لي برطل ) وقال آخر
( فيا بكر باكر بكرة بكر كرمة ... تفز ببكور باكرتك بها بكر )
( وداو خمار الخمر بالخمر إنما ... دواء خمار الخمر من دائها الخمر ) وقال
( لا تبكين على الأطلال والدمن ... ولا على منزل أقوى من السكن )
( وقم بنا نصطبح صهباء صافية ... تنفي الهموم ولا تبقي على الحزن )
( بكرا معتقة عذراء واضحة ... تبدو فتخبرنا عن سالف الزمن )
( حمراء مروقة صفراء فاقعة ... كأنما مزجت من طرفك الوسني )
( يسعى بها غنج في خده ضرج ... في ثغره فلج ينمى إلى اليمن )
( في ريقه عسل قلبي به خبل ... في مشيه ميل أربى على الغصن )
( كأنه قمر ما مثله بشر ... في طرفه حور يرنو فيجرحني )
( سبحان خالقه يا ويح عاشقه ... يهدي لرامقه صنفا من الشجن )
( في روضة زهرت بالنبت قد حسنت ... كأنها فرشت من وجهه الحسن )
( يا طيب مجلسنا والطير يطربنا ... والعود يسعدنا مع منشد لسن ) كمال الدين بن النبيه
( طاب الصبوح لنا فهاك وهات ... واشرب هنيئا يا أخا اللذات )

( كم ذا التواني والزمان مساعد ... والدهر سمح والحبيب مواتي )
( قم واغتبق من شمس كاسك واصطبح ... بكواكب طلعت من الكاسات )
( حمراء صافية توقد نورها ... فعجبت للنيران في الجنات )
( ينسل في قاع الظروف حبابها ... والدر مجتلب من الظلمات )
( عذراء واقعها المزاج أما ترى ... منديل عذرتها بكف سقاة )
( يسعى بها عبل الروادف أهيف ... خنث الشمائل شاطر الحركات )
( يهوي فتسبقه ذوائب شعره ... ملتفة كأساود الحيات )
( لو قسمت أرزاقنا بيمينه ... عدل الزمان على ذوي الحاجات ) وقال أيضا
( باكر صبوحك أهنى العيش باكره ... فقد نرنم فوق الأيك طائره )
( والليل تجري والدراري في مجرته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره )
( وكوكب الصبح نجاب على يده ... مخلق تملأ الدنيا بشائره )
( فانهض إلى ذوب ياقوت لها حبب ... تنوب عن ثغر من تهوى جواهره )
( حمراء من وجنة الساقي لها شبه ... فهل جناها من العنقود عاصره )
( ساق تكون من صبح ومن غسق ... فابيض خداه واسودت غدائره )
( بيض سوالفه لعس مراشفه ... نعس نواظره خرس أساوره )
( مفلج الثغر معسول اللمى غنج ... مؤنث الجفن فحل اللحظ شاطره )
( مهفهف القد يبدي جسمه ترفا ... مخصر الخصر عبل الردف وافره )
( تعلمت بانة الوادية شمائلة ... وزورت سحر عينيه جآذره )
( كأنه بسواد اللحظ مكتحل ... وركبت فوق صدغيه محاجره )
( فلو رأت مقلتا هاروت آيته الكبرى ... لآمن بعد الكفر ساحره )

( خذ من زمانك ما أعطاك مغتنما ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره )
( فالعمر كالكاس تستحلي أوائله ... لكنه ربما مرت أواخره )
( واجسر على فرص اللذات محتقرا ... عظيم ذنبك إن الله غافره ) وقال آخر
( شربنا بالبواطي ثم رحنا ... نعلل بالكؤوس وبالقناني )
( ولولا خيفة الإجرام قلنا ... لساقيها أدرها بالدنان ) برهان الدين القيراطي
( أرى جرار الخمر تغلو وقد ... عزت وبالإفلاس حالي عجيب )
( جئنا لخمار وقلنا له ... أحمل إلينا جرة كي نطيب )
( قال زبيبا تريدون أم ... خمرا فإن الكل مني قريب )
( قلنا له خمرا فنادى زنوا ... في جرة عشرين قلنا الزبيب ) وقال أيضا
( صرف الزبيب لصرف همي ... نص على نفعه طبيبي )
( آها على سكرة لعلي ... أن أخلط الهم بالزبيب ) وقال
( قالوا اترك الخمر واجتنبها ... لا تتعد الحرام حدا )
( قلت أراها للروح قوتا ... وطلب القوت ما تعدى ) ومما قيل في شرب الفقهاء
( يحمون بالفقه عرض الدين من سفه ... عاما بمصريف أحوال وتحقيق )
( وبعضهم يكرع الصهباء مغتنما ... تحت الظلام بأفواه الأباريق ) فيمن يطيل الحديث والكأس في يده
( وشادن نطقه جار إذا شفعت ... في مجلس الشرب كاسات بطاسات )

( يظل يحكي وكاس الراح في يده ... حكاية عرضها عرض السموات ) ومما قيل في كريم السكر لئيم الصحو
( إذا هز اللئيم السكر يوما ... بدا في بذل مال فيه ضنا )
( يجود بماله في الشرب سكرا ... ويأكل كفه في الصحو حزنا ) وقيل في شجاع السكر
( إذا شرب الجبان الخمر يوما ... أعارته الشجاعة باللسان )
( وعند الصحو تلقاه جزوعا ... إذا اشتد اللقا يوم الطعان ) وفيه أيضا
( يقول جبان القوم في حال سكره ... وقد شرب الصهباء هل من مبارز )
( وأين الخيول الأعوجيات في الوغى ... أناقل فيها كل ليث مناهز )
( ومن لي بحرب ليس تخمد نارها ... لعمري إني لست فيها بعاجز )
( ففي السكر قيس وابن معدى وعامر ... وفي الصحو تلقاه كبعض العجائز ) وقال في شرب الثلاثة
( ثلاثة في مجلس طيب ... وعيشهم ما فيه تكدير )
( هذا يغني ذا وهذا لذي ... يسقي وذا بالشرب مسرور ) وقيل في شرب الأربعة
( ألا إنما خير المجالس مجلس ... به وله صفو الزمان مساعد )
( فتاة وساق والمغني وصاحب ... وخامسهم هم على الكل زائد ) وقيل في شرب الستة
( خير المجالس خمسة أو ستة ... أو سبعة وعلى الكثير ثمانية )
( فإذا تعدى صار شغلا شاغلا ... وتكسرت بين الرجال الآنية )
( فاهرب إذا ما كنت تاسع مجلس ... ولئن أتيت به فأمك زانيه )

ومما قيل في الشرب مع التجار
( شربت مع التجار وكان يوما ... جعلت حضورنا فيه وداعا )
( فذاك يقول كم أطلقت بيعا ... ووفيت الذي بعت الذراعا )
( وهذا قال عندي كل شيء ... ولكن لا أبيع ولا أباعا )
( فلا تجعلهمو أبدا ندامى ... فتكسب من مجالسهم صداعا ) فيمن أكل على الشراب
( وندمان إذا ما الكاس دارت ... بغير الأكل إرتعدت يداه )
( نديم دابه في السكر أكل ... فلا يبقي على شيء يراه ) قيل في قدح
( غرامي وجدي بالذي كان في الثرى ... مهانا فأضحى في المجالس حاكما )
( قضى ما عليه من ورود جهنم ... فصار لجنات النعيم ملازما ) محمد بن جعفر الأنصاري يستدعي بعض أصدقائه إلى الشراب
( بساط الأرض مسك وعبير ... وزهر الروض وشي أو حرير )
( وقد صفى الدنان الخمر حتى ... لقد عاد لدينا وهي نور )
( ومن يرد السرور يعش هنيئا ... إذ العيش الهنيء هو السرور )
( وعندي اليوم فتيان كرام ... وجوههمو شموس أو بدور )
( وقطب الأمر أنت وهل لأمر ... بغير القطب فيه رحى تدور )
( فرأيك في الحضور فحق يومي ... عليك قد دعاك له الحضور ) وقال آخر
( باكر صبوحك واشربها مشعشة ... واهنأ بعيش حميد غير مذموم )
( حمراء من بعدما احمرت موردة ... طافت علينا فسرت كل مهموم )
( كأن في كاسها والماء يقرعها ... أكارع النمل أو نقش الخواتيم )
( لا صاحبتني يد لم تغن ألف يد ... ولم ترد القنا حمر الخياشيم )

آخر
( بادر بجودك بادر قبل عائقة ... فإن خلف الفتى عندي من اللون ) سيف الدولة بن حمدان في ساق
( وساق في صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض )
( يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فما بين منقض علينا ومنفض )
( وقد نشرت أيدي النجوم مطارفا ... على الجو دكنا والحواشي على الأرض )
( يطرزها قوس السماء بأصفر ... على أحمر في أخضر تحت مبيض )
( كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض ) ابن نباتة
( سقى وواعدني وصلا ألذ به ... عند المنام ولا والله ما وصلا )
( قبيلة الله من ساق مواعده ... كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ) وقال آخر في ساق
( وساق كالهلال سعى بكاس ... لربة نرجس فسقى وحيا )
( فقلت تأملوا بدرا منيرا ... سقى شمسا وحيا بالثريا ) وفيه لابن نباتة
( ساق صحيفة خده ما سودت ... عبثا بلام عذاره وبنونه )
( جمد الذي بيمينه في خده ... وجرى الذى في خده بيمينه ) في جارية ساقية
( نديمتي جارية ساقية ... ونزهتي ساقية جارية )
( جارية أعينها جنة ... وجنة أعينها جارية ) فيمن حبس الكاس في يده
( قالوا الذي تهواه يحبس كاسه ... في كفه من غير ذنب موجب )
( فأجبتهم كفوا الملام فإنه ... قمر ينزه طرفه في كوكب )

وقال آخر في مجلس أنس
( ومجلس راق من واش يكدره ... ومن رقيب له باللوم إيلام )
( ما فيه ساع سوى السافي وليس له ... على الندامى سوى الريحان نمام ) صفي الدين الحلي في عود
( وعود به عاد السرور لأنه ... حوى اللهو قدما وهو ريان ناعم )
( يغرب في تغريده فكأنه ... يعيد لنا ما لقنته الحمائم ) وقال آخر في زامرة
( وناطقة بالفخ عن روح بها ... تعبر عما دوننا وتترجم )
( سكتنا وقالت للقلوب فاطربت ... فنحن سكوت والهوى يتكلم ) ومما قيل في فانوس لابن تميم
( انظر إلى الفانوس تلق متيما ... ذرفت على فقد الحبيب دموعه )
( يبدو تلهب جسمه لنحوله ... وتعد من تحت القميص ضلوعه ) وقال لابن قزل
( وكأنما الفانوس في غسق الدجى ... دنف براه شوقه وسهاده )
( أضلاعه خفيت ورق أديمه ... وجرت مدامعه وذاب فؤاده ) ولبعضهم في شمعة
( حكتني وقد أودى بي السقم شمعة ... وإن كنت صبا دونها متوجعا )
( ضنى وسهادا واصفرارا ورقة ... وصبرا وصمتا واحتراقا وأدمعا ) ومما قيل في الربيع والرياض والبساتين والمياه والنواعير ونحو ذلك قال الشاعر
( هذا الربيع وهذه أزهاره ... متجاوب في أيكه أطياره )

( وبدا البنفسج والشقائق مونق ... والورد يضحك بينها وبهاره )
( فاشرب على وجه الحبيب وغن لي ... هذا هواك وهذه آثاره ) وقال غيره
( غدونا على الروض الذي طله الندى ... سحيرا وأوداج الأباريق تسفك )
( فلم نر شيئا كان أحسن منظرا ... من النور يجري دمعه وهو يضحك ) وقال آخر
( أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها ... بخضرة واكتسى بالنور عاريها )
( فللسماء بكاء في جوانبها ... وللربيع ابتسام في نواحيها ) وقال غيره
( إن السماء إذا لم تبك مقتلها ... لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر )
( والأرض لا تنجلي أنوارها أبدا ... إلا إذا رمدت من شدة المطر ) وقال ابن قرناص
( أيا حسنها من رياض غدا ... جنوني فنونا بأفنانها )
( مشى الماء فيها على رأسه ... لتقبيل أقدام أغصانها ) وقال آخر
( أنظر إلى الأغصان كيف تعانقت ... وتفارقت بعد التعانق رجعا )
( كالصب حلول قبلة من إلفه ... فرأى المراقب فانثنى متوجعا ) وقال ابن تميم
( وحديقة ينساب فيها جدول ... طرفي برونق حسنها مدهوش )
( يبدو خيال غصونها في مائه ... فكأنما هو معصم منقوش )

أيضا عفا الله عنه
( لم لا أهيم إن الرياض وحسنها ... وأظل منها تحت ظل صافي )
( والزهر حياني بثغر باسم ... والماء وافاني بقلب صافي ) وقال آخر
( قد سعينا نبغي زيارة دوح ... قد حبانا باللطف والإكرام )
( ناولتنا أيدي الغصون ثمارا ... أخرجتها لنا من الأكمام ) ( ومما قيل في الأزهار والثمار ) قال بعضهم في الورد
( يا راقدا ونسيم الصبح منتبه ... في روضة القصف والأطيار تنتحب )
( الورد ضيف فلا تجهل كرامته ... فهاتها قهوة في الكاس تلتهب )
( سقيا له زائرا تحيا النفوس به ... يجود بالوصل شهرا ثم يحتجب ) وقال آخر فيه
( طاب الزمان وجاء الورد فاصطبحا ... ما دام للورد أنوار وأزهار )
( واستقبلا عيشنا بالكأس مترعة ... لا طولت للئام الناس أعمار ) وقال أخر
( اشرب على الورد من حمراء صافية ... شهرا وعشرا وخمسا بعدها عددا )
( واستوف بالكأس من لهو ومن طرب ... فلست تأمن صرف الحادثات غدا ) وقال آخر
( اشرب على ورد الخدود فإنها ... أيام ورد والصبوح يطيب )
( ما الورد أحسن منظرا من وجنة ... حمراء جاد بها عليك حبيب ) وقال بعضهم
( ولقد رأيت الورد يلطم خده ... ويقول وهو على البنفسج يحنق )

( لا تقربوه وإن تضوع نشره ... من بينكم فهو العدو الأزرق ) ( ومما قيل في البنفسج ) قال ابن المعتز
( ولا زوردية وافت بزورتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت )
( كأنمل فوق طاقات صففن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت ) وقال آخر
( اشرب على زهر البنفسج قهوة ... تهدي السرور لكل صب مكمد )
( فكأنه قرص بخد مهفهف ... أو أعين زرق كحلن بأثمد ) ولبعضهم في الورد
( للورد فضل على زهر الربيع سوى ... أن البنفسج أزكى منه في المهج )
( كأنه وعيون الناس ترمقه ... آثار قرض يد في خد ذي غنج ) وقال آخر
( يا مهديا لي بنفسجا أرجا ... يرتاح صدري له وينشرح )
( بشرتني عاجلا مصحفة ... بأن ضيق الأمور ينفسح ) وقال غيره في النرجس
( وقضب زمرد تعلو عليها ... عيون لم تذق طعم الغماض )
( توهمت الغمام لها رقيبا ... فنكست الرؤوس إلى الرياض ) وقال آخر فيه
( أنت يا نرجس روض ... لزهور الأرض ست )
( ودليل القول فيك ... أن أوراقك ست ) وقال آخر
( أقول وطرف النرجس الغصن شاخص ... إلي وللنمام حولي إلمام )
( أيا رب حتى في الحدائق أعين ... علينا وحتى في الرياحين نمام )

وقال أيضا فيه
( لما تمادى الورد في زهوه ... وراح من إعجابه يرأس )
( تلون المنثور مما به ... واصفر من غيظ به النرجس ) ومما قيل في اللينوفر لابن المعز المصري
( وبركة تزهو بلينوفر ... نسيمه يشبه نشر الحبيب )
( مفنح الأجفان في نومه ... حتى إذا الشمس دنت للمغيب )
( أطبق جفنيه على خده ... وغاص في البركة خوف الرقيب ) وقال تميم بن المعز المصري
( رأيت في البركة لينوفر ... فقلت ما شأنك وسط البرك )
( فقال لي غرقت في أدمعي ... وصادني ظبي الفلا بالشرك )
( فقلت ما بال اصفرار بدا ... فيك وما هذا الذي غيرك )
( فقال لي ألوان أهل الهوى ... صفر ولو ذقت الهوى صفرك ) ومما قيل في البان
( قد أقبل الصيف وولى الشتا ... وعن قليل تسأم الحرا )
( أما ترى البان بأغصانه ... قد قلب الفرو إلي تبرا ) وقال آخر فيه
( أو ما ترى البان الذي يزهو على ... كل الغصون بقده المياس )
( وافى يبشر بالربيع وقربه ... يختال في السنجاب والبرطاس ) وقال في الشقيق
( حييته بشقائق في مجلس ... ورأى الرقيب فشق ذاك عليه )

( فاحمر من خجل فأنبت خده ... أضعاف ما حملت يداي إليه ) وقال آخر
( لو لم أعانق من أحب بروضة ... أحداق نرجسها إلينا تنظر )
( ما انشق جيب شقيقها حسدا ولا ... بات النسيم بذيله يتعثر ) وقيل إن ابن الرومي زار قبر أخيه يوما فوجد الشقائق قد نبتت على قبره فأنشد يقول
( قالت شقائق قبره ... ولرب أخرس ناطق )
( فارقته ولزمته ... فأنا الشقيق الصادق ) ومما قيل في المنثور
( تخال منثورها في الدوح منتثرا ... كأنما صيغ من در وعقيان )
( والطير ينشد في أغصانه سحرا ... هذا هو العيش إلا أنه فاني ) وقال آخر
( قد أقبل المنثور يا سيدي ... كالدر والياقوت في نظمه )
( ثناك لا زال كأنفاسه ... ومخ من يشناك مثل اسمه ) ولبعضهم فيه
( ولقد خلوت مع الأحبة مرة ... في روضة للزهر فيها معرك )
( ما بين منثور أقام ونرجس ... مع أقحوان وصفه لا يدرك )
( هذا يشير بأصبع وعيون ذا ... ترنو إليه وثغر هذا يضحك ) ومما قيل في الياسمين
( والأرض تبسم عن ثغور رياضها ... والأفق يسفر تارة ويقطب )
( وكأن مخضر الرياض ملاءة ... والياسمين لها طراز مذهب )

وقال آخر
( رأيت الفأل بشرني بخير ... وقد أهدى إلي الياسمين )
( فلا تحزن فإن الحزن شين ... ولا تيأس فإن اليأس مين ) ومما قيل في السوسن للأخطل الأهوازي
( سقيا لأرض إذا ما نمت نبهني ... بعد الهدو بها قرع النواقيس )
( كأن سوسنها في كل شارقة ... على الميادين أذناب الطواويس ) ومما قيل في الأقحوان لعبد القادر ابن مهنا المغربي
( أفدي الذي زارني سرا فأتحفني ... باقحوان يحاكي ثغر مبتسم )
( فبت من فرحي أفني مقبله ... لثما وأرشف من ريق له شبم ) ولبعضهم فيه
( إن فاه ثغر الأقاحي في تشبهه ... بثغر حبك واستولى به الطرب )
( فقل له عندما يحكيه مبتسما ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب ) ومما قيل في الجلنار
( وجلنار مشرق ... على أعالي شجره )
( كأنه في غصنه ... أحمره وأصفره )
( قراضة من ذهب ... في خرقة معصفرة ) ومما قيل في الآسى
( أهديت مشبه قدك المياس ... غصنا نضيرا ناعما من آس )
( فكأنما يحيك في حركاته ... وكأنما تحكيه في الأنفاس )

ومما قيل في الريحان
( وغصن من الريحان أخضر ناضر ... نما بين غصني نرجس وشقائق )
( يريك إذا كف الصبا عبثت به ... شمائل معشوق وذلة عاشق ) وفيه أيضا
( وريحان يميس بحسن قد ... يلذ بشمه شرب الكؤس )
( كسودان لبسن ثياب خز ... وقد قاموا مكاشيف الرؤوس ) وقال آخر
( قضيب من الريحان شاكل لونه ... إذا ما بدا للعين لون الزبرجد )
( فشبهته لما بدا متجعدا ... عذار تبدى في سوالف أغيد ) ( ومما قيل في الفواكه والثمار على اختلافها في الأترج ) قال ابن الرومي
( كل الخلال اللى فيكم محاسنكم ... تشابهت منكم الأخلاق والخلق )
( كأنكم شجر الاترج طاب معا ... حملا ونشرا وطاب العود والورق ) ولبعضهم فيه
( حياك من تهوى بأترجة ... ناعمة مقدودة غضه )
( فجلدها من ذهب أصفر ... وجسمها الناعم من فضه ) وقال آخر
( يا حبذا أترجة ... تحدث النفس الطرب )
( كأنها كافورة ... لها غشاء من ذهب ) في الليمون قول أبي الحسن رئيس الرؤساء
( يا حسن ليمونة حيا بها قمر ... حلو المقبل ألمى بارد الشنب )
( كأنها أكره من فضة خرطت ... واستودعوها غلافا صيغ من ذهب )

أيضا
( وصاحب ناديته ... والطير لم يغرد ...
( انهض إلى الراح ولا ... ترضى بعيش نكد )
( واشرب سلافا قرقفا ... من كف ساق أغيد )
( قد اكتست تلهبا ... من خده المورد )
( ولا تدع مجتهدا ... لذة يوم لغد )
( أما ترى الليمون في ... غصن من الزبرجد )
( كأكرة من فضة ... مملوءة من عسجد ) في النارنج لعبد الله بن المعتز
( نظرت إلى نارنجة في يمينه ... كجمرة نار وهي باردة اللمس )
( فقربها من خده فتألفت ... فشبهتها المريخ في دارة الشمس ) وقال آخر
( ونارنجة بين الرياض نظرتها ... على غصن رطب كقامة أغيد )
( إذا ميلتها الريح مالت كأكره ... بدت ذهبا في صولجان زبرجد ) وقال آخر
( ونارنج يلوح على غصون ... ومنه ما نرى كالصولجان )
( أشبهها ثديا ناهدات ... غلائلها صبغن بزعفران ) وقال آخر
( وأشجار نارنج كأن ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدر )
( نطالعها بين الغصون كأنها ... قدود عذارى في ملاحفها الخضر )
( أتت كل مشتاق بريا حبيبه ... فهاجت له الأشجان من حيث لا يدري )

في التفاح لبعضهم
( ولما بدا التفاح أحمر مشرقا ... دعوت بكاسي وهي ملأى من الشفق )
( وقلت لساقيها أدرها فعندنا ... خدود الأغاني قد جمعن على طبق ) وقال آخر في تفاحة
( وتفاحة من سندس صيغ نصفها ... ومن جلنار نصفها وشقائق )
( كأن الهوى قد ضم من بعد فرقة ... بها خد معشوق إلى خد عاشق ) ولبعضهم فيه
( تفاحة كسيت لونين خلتهما ... خدي محب ومحبوب قد التصقا )
( تعانقا فبدا واش فراعهما ... فاحمر ذا خجلا واصفر ذا فرقا ) وقال آخر
( وتفاحة وردية ذهبية ... تجلي عن المهموم ليل همومه )
( كأن سلاف الخمر روى أديمها ... بخمر فجاءت باحمرار أديمه )
( تذكرني شكل الحبيب وحسنه ... وتوريد خديه وطيب نسيمه ) وقال آخر
( حمرة التفاح في خضرته ... أشبه الألوان من قوس قزح )
( فعلى التفاح فاشرب قهوة ... واسقنيها بنشاط وفرح ) وفيه أيضا
( أهدى لنا التفاح من كفه ... من لم يزل يجنيه من خده )
( وخط بالمسك على بعضها ... قد عطف المولى على عبده ) وقيل في السفرجل
( حاز السفرجل لذات الورى فغدا ... على الفواكه بالتفضيل مشهورا )
( كالراح طعما وشم المسك رائحة ... والتبر لونا وشكل البدر تدويرا )

آخر
( سفرجلة صفراء تحكي بلونها ... محيا شجاه للحبيب فراق )
( إذا شمها المشتاق شبه ريحها ... بريح حبيب لذ منه عناق )
( وطيبة عند المذاق فطعمها ... كريق حبيب طاب منه مذاق ) وقال آخر
( سفرجلة جمعت أربعا ... فكان لها كل معنى عجيب )
( صفار النضار وطعم العقار ... ولون المحب وريح الحبيب ) وقيل في الكمثري
( وكمثرى لذيذ الطعم حلو ... شهي جاء من دوح الجنان )
( مناقير الطيور إذا اقتتلنا ... مغبرة بلون الزعفران ) ابن برغش متغزلا
( وكمثري سباني منه طعم ... كطعم الشهد شيب بماء ورد )
( لذيذ خلقه لما أتانا ... نهود السمر في معنى وقد ) وما قيل في المشمش
( بدا مشمش الأشجار يذكو شهابه ... على غصن أغصان من الروض مقيد )
( حكى وحكت أشجاره في اخضراره ... جلاجل تبر في قباب زبرجد ) ما قيل في الإجاص
( أنظر إلى شجر الإجاص قد حملت ... أغصانه ثمرا ناهيك من ثمر )
( تراه في أخضر الأوراق مستترا ... كما اختبى الزنج في خضر من الأزر ) ما قيل في الخوخ
( أهدى إلي الصديق خوخا ... منظره منظر أنيق )

( من كل مخصوصة بحسن ... معناه في مثلها دقيق )
( حمراء صفراء مستعير ... بهجتها التبر والعقيق )
( كوجنة مسها خلوق ... فزال عن بعضها الخلوق ) وما قيل في الفستق
( تفكرت في معنى الثمار فلم أجد ... لها ثمرا يبدو بحسن مجرد )
( سوى الفستق الرطب الجنى فإنه ... زها بمعان زينت بتجرد )
( غلالة مرجان على جسم فضة ... وأحشاء ياقوت وقلب زبرجد ) ما قيل في البندق
( ولقد شربت مع الحبيب مدامة ... حمراء صافية بغير مزاج )
( فتفضل الظبي البهي ببندق ... شبهته ببنادق من ساج )
( فكسرته فوجدت ثوبا أحمرا ... قد لف بنادق من عاج ) ومما قيل في النبق
( وسدرة كل يوم ... من حسنها في فنون )
( كأنما النبق فيها ... وقد حلا في العيون )
( جلاجل من نضار ... قد علقت في الغصون ) ومما قيل في اللوز
( ومهد إلينا لوزة قد تضمنت ... لمبصرها قلبين فيها تلاصقا )
( كأنهما حبان فازا بخلوة ... على رقبة في مجلس فتعانقا ) في العنب لبعضهم
( هدية شرفتنا من أخ ثقة ... نعم الهدية إذ وافتك من يده )
( نوعان من عنب جاءا على طبق ... كأن طيبهما من طيب محتده )

( فأبيض العين يحكي لون أبيضه ... وأسود العين يحكي لون أسوده ) وقال في قصب السكر
( ورماح لغير طعن وضرب ... بل لأكل ومص لب ورشف )
( كملت في استوائها واستقامت ... باعتدال وحسن قد ولطف ) ومما قيل في البطيخ الأصفر
( أتانا غلام فاق حسنا على الورى ... ببطيخة صفراء في لون عاشق )
( فشبهته بدرا يقد أهلة ... من الشمس ما بين النجوم ببارق ) وقال آخر
( وبطيخة وافى بها فوق كفه ... إلينا غلام فاق كل غلام )
( فخيل لي شمس الأصيل أهلة ... يقطعها بالبرق بدر تمام ) ومما قيل في البطيخ الأخضر
( وظبي أتى في الكف منه بمدية ... وقد لاح في خديه شبه شقيق )
( فمال إلى بطيخة ثم شقها ... وفرقها ما بين كل صديق )
( فشبهتها لما بدت في أكفهم ... وقد عملت فيهم كؤوس رحيق )
( صفائح بلور بدت في زبرجد ... مرصعة فيها فصوص عقيق ) وقال آخر
( وبطيخة خضراء في كف أغيد ... أتانا بها فارتاح ذو الهم وابتهج )
( وأقبل يفريها بمديته وقد فرى ... طرفه الساجي القلوب مع المهج ) ومما قيل في القثاء
( أنظر إليها أنابيبا منضدة ... من الزمرد خضرا ما لها ورق )
( إذا قلبت اسمها بانت ملاحتها ... وصار في عكسه أني بكم أثق )

قيل في الباذنجان
( وكأنما الابذنج سود حمائم ... أوكاره خمل الربيع المبكر )
( نقرت مناقرة الزمرد سمسما ... فاستودعته حواصلا من عنبر ) ( ومما قيل في الأنهار والبرك والنواعير )
( أما ترى البركة الغراء قد كسيت ... نورا من الشمس في حافاتها طلعا )
( والنهر من فوقه يلهيك منظره ... شهب سماوية فارتج والتمعا )
( كأنه السيف مصقولا يقلبه ... كف الكمي إلى ضرب الكماة سعى ) وقال آخر في البركة
( يا من يرى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها )
( فلو تمر بها بلقيس عن عرض ... قالت هي الصرح تمثيلا وتشبيها )
( كأنها الفضة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها )
( إذا علتها الصبا أبدت لها حسبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها )
( فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها ... وريق الغيث أحيانا يباكيها )
( إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلا حسبت سماء ركبت فيها ) وقال آخر
( وبركة للعيون تبدو ... في غاية الحسن والصفاء )
( كأنها إذا صفت وراقت ... في الأرض جزء من السماء ) وقال محمد بن سارة المغربي
( النهر قد رقت غلالة صبغه ... وعليه من صبغ الأصيل طراز )
( تترقرق الأمواج فيه كأنها ... عكن الخصور تهزها الأعجاز ) وقال آخر
( يوم لقا بالنيل مختصرا ... ولكل وقت مسرة قصر )

( فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر ) وقال آخر في نهر يسبح فيه الغلمان
( خليج كالحسام له صقال ... ولكن فيه للرائي مسره )
( رأيت به الملاح تجيد عوما ... كأنهم نجوم في المجره ) وقال آخر في النيل
( النيل قال وقوله ... إذ قال ملء مسامعي )
( في غيظ من طلب العلا ... عم البلاد منافعي )
( وعيونهم بعد الوفا ... قلعتها باصابعي ) وقال آخر
( كأن النيل ذو فهم ولب ... لما يبدو لعين الناس منه )
( فيأتي عند حاجتهم إليه ... ويمضي حين يستغنون عنه ) وقال آخر فيه
( وفت أصابع نيلنا ... وطغت وطافت في البلاد )
( وأتت بكل مسرة ... ما ذي أصابع ذي أياد ) وقال آخر
( سد الخليج بكسره جبر الورى ... طرا فكل قد غدا مسرورا )
( والماء سلطان فكيف تواترت ... عنه البشائر إذ غدا مكسورا ) وقال آخر
( ونهر خالف الأهواء حتى ... غدت طوعا له في كل أمر )
( إذا عصفت على الأغصان ألقت ... إليه بها فيأخذها ويجري ) وقال آخر في ناعورة
( وكريمة سقت الرياض بدرها ... فغدت تنوب عن الغمام الهامع )

( بلسان محزون ومدمع عاشق ... ومسير مشتاق وأنه جازع ) وقال آخر
( وناعورة قالت وقد حال لونها ... وأضلعها كادت تعد من السقم )
( أدور على قلبي لأني فقدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي ) وفيها أيضا
( وحنانة من غير شوق ولا وجد ... يفيض لها دمع كمنتثر العقد )
( أحن إذا حنت وأبكي إذا بكت ... فليس لنا من ذلك الفعل من بد )
( ولكنها تبكي بغير صبابة ... وأبكي بافراط الصبابة والوجد )
( وأدمعها من جدول مستعارة ... ودمعي من عيني يفيض على خدي ) وفيها أيضا قال الخطيري
( رب ناعورة كأن حبيبا ... فارقته فقد غدت لي تحكي )
( أبدا هكذا تئن بشجو ... وعلى إلفها تدور وتبكي ) ابن تميم
( تأمل إلى الدولاب والنهر إذ جرى ... ودمعهم ا بين الرياض غدير )
( كأن نسيم الجو قد ضاع منهما ... فأصبح ذا يجري وذاك يدور )
فصل في ذكر أرباب الصنائع والحرف والأسماء وما أشبه ذلك
لابن عفيف في قاض مليح
( ورب ق اض لنا مليح ... يعرب عن منطق لذيذ )
( إذا رنا لي بسهم لحظ ... قلنا له دائم النفوذ ) وقال في فقيه مليح
( وبمهجتي ظبي عدا متفقها ... وهو المهذب في الرشاقة والحور )
( أمسى بسيط الشعر منه مطولا ... لكن وجيز الخصر منه المختصر )

وقال في محدث مليح
( علقته محدثا ... شرد عن جفني الوسن )
( حديثه ووجهه ... كلاهما عندي حسن ) وقال في إمام
( جاء يسعى إلى الصلاة بوجه ... يخجل البدر في ليالي السعود )
( فتمنيت أن وجهي أرض ... حين يومي بوجهه للسجود ) ابن الرومي في عروضي وأجاد
( بي عروضي مليح ... موتتي فيه حياة )
( عاذلاتي في هواه ... فاعلات فاعلات ) في مؤذن مليح
( ومؤذن أضحى كريما وجهه ... لكنه بالوصل أي شحيح )
( أبدا أموت بهجره لكنني ... من بعد ذاك أعيش بالتسبيح ) لابن عربي
( وبنفسي مؤذن قد سباني ... لم يفدني شكوى الغرام إليه )
( كيف أصغي لما يقول حبيب ... واضع أصبعيه في أذنيه ) وقال آخر في مريد
( مراد قلبي مريد ... مخبأ في الزوايا )
( وليس ذا بعجيب ... ففي الزوايا خبايا ) وفي فقير مليح
( بي فقير يتغنى ... بسنا وجه منير )
( لا تلمني في افتضاحي ... فغرامي بالفقير ) في أمير شكار لابن دانيال

( بي من أمير شكار ... وجد يذيب الجوارح )
( لما حكى الظبي حسنا ... حنت إليه الجوارح ) في مليح مغن
( أضحى يخر لوجهه قمر الدجا ... وغدا يلين لحسنه الجلمود )
( فإذا بدا فكأنما هو يوسف ... وإذا شد فكأنه داود ) في مليح عواد
( غنى على العود ظبي سهم ناظره ... أمسى به قلبي المضنى على خطر )
( دنا إلي وجست كفه وترا ... فراحت الروح بين السهم والوتر ) في مليح كاتب
( بروحي كاتبا كالبدر حسنا ... بديعا ما رأينا منه أجمل )
( على ريحان عارضه المفدى ... بوجنته غدا دمعي مسلسل ) غيره
( وراقنا ذا المفدى ... فيه تزايد عشقي )
( فلو يجود بوصل ... لكان مالك رقي ) وفيه أيضا
( يا حسن وراق أرى خده ... قد راق في التقبيل عندي ورق )
( تميل في الدكان أعطافه ... ما أحسن الأغصان بين الورق ) للسيد الشريف صلاح الدين الأسيوطي فيه أيضا
( فديتك أيها الوراق قلبي ... لمطلك بالوصال يكاد يبلى )
( وقد طلب الوفاء وغير بدع ... محب يسأل الوراق وصلا ) في مليح صيرفي
( يا سائلا عن حالتي ما حال من ... أمسى بعيد الدر فاقد إلفه )

( بي صيرفي لا يرق لحالتي ... قد مت من جور الزمان وصرفه ) في مليح بخانقي
( تسلطن في الملاح بخانقي ... ولا يرضى ببدر التم نائب )
( وقد صفت له الاتراك جندا ... وأصبح راكبا تحت العصائب ) في مليح فراء
( قلت لفراء فرى أديمي ... وزاد صدا وطال هجرا )
( قد فر نومي وفر صبري ... فقال لما عشقت فرا )
سيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء في مزين
( حبي المزين وافى ... بعد البعاد بنشطه )
( ومص دمل قلبي ... بكأس راح وبطه ) في مليح قصاص
( أشكو إلى الله قصاصا يجرعني ... بالهجر والصد أنواعا من الغصص )
( أن تحسن القص يمناه فمقلته ... أيضا تقص علينا أحسن القصص ) في مليح صياد
( ومولع بفخاخ ... يمدها وشراك )
( قالت له العين ماذا ... تصيد قال كراكي ) في مليح رامي بندق
( وأهيف القد ذي دلال ... طائر قلبي عليه واجب )
( كالشمس في كفه هلال ... يرمي إلى البدر بالكواكب ) وقال آخر في راع
( أفديه من راع كبدر الدجى ... قوامه فاق الغصون الرشاق )

( ضيفني بالجدي ناديته ... ما القصد يا مولاي إلا العناق ) القيراطي في مليح طحان
( حسن طحان سباني ... بلحاظ وبقامه )
( خاف من واش فأضحى ... يجعل الغمز علامه ) القاضي بدر الدين البلقيني في تراب
( رب تراب مليح ... أورث القلب عذابا )
( قلت لما أن بدا لي ... ليتني كنت ترابا ) وقال آخر في مليح عوام
( يا حسن عوام كغصن النقا ... يبخل بالوصل لمن هاما )
( وتقنع العشاق منه بأن ... يريهم الأرداف إن عاما ) ابن نباته في مليح حبشي
( بروحي مشروطا على الخد أسمرا ... دنا ووفى بعد التجنب والسخط )
( وقال على اللثم اشترطنا فلا تزد ... فقبلته ألفا على ذلك الشرط ) وله أيضا
( ومن عجب تدعى للطفك سنبلا ... ونشرك كافور وذكرك عنبر )
( وسعدك اقبال وحسنك مرشد ... وخلقك ريحان ولفظك جوهر ) وقال آخر فيمن به صفرة
( قالوا به صفرة شانت محاسنه ... فقلت ما ذاك من عيب به نزلا )
( عيناه مطلوبة في ثأر من قتلت ... فلست تلقاه إلا خائفا وجلا ) للشيخ شهاب الدين بن حجر في مليح اسمه زائد
( وزائر قال قلبي ... للطرف يا طرف شاهد )

( مدحته فتجنى ... تيها علي بزائد ) وقال آخر في مليح أرمد
(
( شكا رمدا فقلت الآن كلت ... لواحظه من الفتكات فينا ) وقالوا سيف مقلته تصدى ... فقلت نعم لقتل العاشقينا ) لمجد الدين بن مكانس فيه
( تورمت مقلة المحبوب من رمد ... وبات يشكو لهيب القلب والألما )
( وبات يرمي محبيه بأسهمه ... فينا له من حبيب قد شكا ورما ) لابن أبي حجلة في أعور
( ما شان من أهواه عين أصبحت ... مقلوعة بمحاسن متزايده )
( لولا استخف العالمين بأسرهم ... ما ظ ل ينظرهم بعين واحده ) وقال آخر في مليح راهب
( رأيته يضرب الناقوس قلت له ... من علم البدر ضربا بالنواقيس )
( وقلت للنفس أي الضرب يؤلمكي ... ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي ) القيراطي في مليح اسمه بدر
( سموه بدرا وذاك لما ... أن فاق في حسنه وتما )
( وأجمع الناس إذ رأوه ... بأنه اسم على مسمى ) وأخر في مليح اسمه حمزة
( منى يبدو لحمزة ما بقلبي ... ويرثي لي وينظر في بلائي )
( واشفى بالمبرد من لماه ... وأجمع بين حمزة والكسائي )

وقال آخر
( كلفت به ولم أبلغ مرادي ... غزال قد تحكم في قيادي )
( فتصحيف اسمه في وجنتيه ... وفي معسول فيه وفي فؤادي ) في مليح اسمه سروجي
( فتنت به سروجيا بديعا ... به قد ذبت وجدا من ضجيجي )
( إذا جذب الغرام له عناني ... يلذ لي الركوب على السروج ) وقال آخر في مليح محموم
( قالوا حبيبك محموم فقلت لهم ... أنا الذي كنت في حمائه السببا )
( عانقته ولهيب النار في كبدي ... فأثرت فيه تلك النار فالتهبا ) لأبي نواس في مليح ألثغ
( ومهفهف دنف الصبا ذي لثغة ... تصبو إليه ذوي العقول الرجح )
( قبلت فاه فقال لي متخوفا ... من كاشح متدللا بالثاء اثتحي ) وقال في مليح خباز
( إن خبازنا المليح المفدى ... في حشا الصب من جفاء كلوم )
( خلت دكانه البديع سماء ... وهو بدر والخبز فيه نجوم ) وقال في مليح حائك
( وحائك يا صاح أبصرته ... كالبدر في كفيه ماسوره )
( فلم أرح إلا وروحي لما ... عاينت في كفيه مأسوره ) وقال في مليح لاعب شطرنج
( لعبت بالشطرنج مع أهيف ... رشاقة الأغصان من قده )
( أحل عقد البند من خصره ... وألثم الشامات من خذه )

أيضا قال
( تلاعبت بالشطرنج مع من أحبه ... فنادمني حتى سكرت من الوجد )
( وأنشدني مالي أراك مفكرا ... تدور على الشامات وهي على الخد ) في مليح خياط
( خياطنا الفاتن المفدى ... بديع حسن فريد شكل )
( فصل للجسم ثوب سقم ... لما جفاني وكف وصلي ) وقال غيره
( فتنت بخياط بديع ملاحة ... له طلعة أبهى ضياء من الشمس )
( تراه على الكرسي للثوب خائطا ... فتقسم حقا أنه آية الكرسي ) الصفي الحلي في مليح قلع ضرسه
( لحا الله الطبيب لقد تعدى ... وجاء لقلع ضرسك بالمحال )
( أعاق الظبي في كلتا يديه ... وسلط كلبتين على غزال ) وقال في مليح سلم عليه
( تنبأ فيك قلبي فاسترابت ... به قوم وعمهم الضلال )
( وصدهم الهوى أن يؤمنوا بي ... وقالوا إن معجزه محال )
( ومذ سلمت سلمت البرايا ... إلي وقيل كلمه الغزال ) وقال في مليح يرمى بالسهام
( وظبي بشعر فوق طرف مفوق ... بقوس رمى في النقع وحشا بأسهم )
( كبدر بأفق فوق برق بكفه ... هلال رمى في الليل جنا بأنجم ) وقال في مليح يضرب بالعود
( فتن الأنام بعوده وبشدوه ... شنب تجمعت المحاسن فيه )
( حتى كأن لسانه بيمينه ... وكأن ما بيمينه في فيه )

أيضا فيه
( واغن قد أبدى لنا من عوده ... نغما أصح به القلوب وأمرضا )
( بيد إذا سخطت على أوتاره ... نال الرفاق بسخطها عين الرضا ) وقال في مليح مشبب
( يا نافخ الصور بل يا باعث الصور ... من رقدة السكر لا من رقدة الحفر )
( قرنت حسنك بالإحسان فيه لنا ... فكان فيك مراد السمع والبصر )
( ضمنت للصحب إقبال السرور كما ... ضمنت نايك نأى الهم والفكر
( صوت بسيط به أرواحنا انبسطت ... إذ جئت في اللفظ والمعنى على قدر ) وقال في مليح ساق
( وساق من بني الأتراك طفل ... أتيه به على جمع الرفاق )
( أملكه قيادي وهو رقي ... وأفديه بعيني وهو ساقي ) وقال أيضا في رسول مليح أتاه من عند من يحبه
( من كنت أنت رسوله ... كان الجواب قبوله )
( يا طلعة الشمس الذي ... جاء الصباح دليله )
( لم يبد وجهك قبلة ... إلا ارتقبت وصوله )
( فلذاك إذ واجهتني ... بل الفؤاد غليله ) في مليح قارئ
( نفسي الفداء لشادن شاهدته ... يوم الزيارة قارئا في المصحف )
( فتن الأنام ببهجة وبلهجة ... تسبي وتضني كل صب مدنف )
( فتلا مليا جل سورة يوسف ... وجلا محيا مثل صورة يوسف ) وقال آخر في مليح مكتمل العذار
( وكامل العارض قبلته ... فصدني وازور من قبلتي )

( وقال كم أنهاك عن مثل ذا ... وأنت ما تفكر في لحيتي ) وقال آخر في مليح حجام
( كلفت بحجام تحكم طرفه ... فغدا على سفك الدماء يواطي )
( أضحى كثير الاشتطاط ولم تكن ... منه اللحاظ كليلة المشراط )
فصل في الألغاز
في غزال
( إسم من قد هويته ... ظاهر في صروفه )
( فإذا زال ربعه ... زال باقي حروقه ) في كوز فقاع
( ومحبوس بلا ذنب جناه ... له في السجن ثوب من رصاص )
( إذا أطلقته وثب ارتفاعا ... يقبل فاك من فرح الخلاص ) في زر موزة
( مطية فارسها راجل ... تحمله وهو لها حامل )
( واقفة بالباب مزبولة ... لا تشرب الدهر ولا تأكل ) وقال في طاحون
( ومسرعة في سيرها طول دهرها ... تراها مدى الأيام تمشي ولا تتعب )
( وفي سيرها ما تقطع الأكل ساعة ... وتأكل مع طول المدى ولا تشرب )
( وما قطعت في السير خمسة أذرع ... ولا ثلث ثمن من ذراع وأقرب ) في دواة
( ومرضعة أولادها بعد ذبحهم ... لها لبن ما لذ قط لشارب )

( وفي بطنها السكين والثدي رأسها ... وأولادها مدخورة للنوائب ) وفي دواه أيضا
( وما أم يجامعها بنوها ... وليس عليهم تجب الحدود )
( كأنهم إذا ولجوا حشاها ... أفاعي في أمكانها رقود ) في قلم
( وأهيف مدبوح على صدر غيره ... يترجم عن ذي منطق وهو أبكم )
( تراه قصيرا كلما طال عمره ... ويضحي بليغا وهو لا يتكلم ) وفيه أيضا
( بصير بما يوحى إليه وما له ... لسان ولا قلب ولا هو سامع )
( كأن ضمير القلب باح بسره ... إليه إذا ما حركته الأصابع ) وفيه أيضا
( وأصفر عار أنحل السقم جسمه ... يشتت شمل الخطب وهو جموع )
( حمى الجيش مفطوما كما كان تحتمي ... به الأسد في الغابات وهو رضيع ) وقال وفيه أيضا
( وذي نحول راكع ساجد ... أعمى بصير دمعه جاري )
( ملازم الخمس لأوقاتها ... مجتهد في طاعة الباري ) في مرملة
( معشوقة لذوات العز قد صنعت ... حزينة ما تراها قط تبتسم )
( كأنها من صروف الدهر خائفة ... تبكي دماء على ما سطر القلم ) في كتاب
( وذي أوجه لكنه غير بائح ... بسر وذو الوجهين للسر يظهر )
( تناجيك بالأسرار أسرار وجهه ... فتسمعها بالعين ما دمت تبصر )

في سلطان حسن لابن أبي حجلة
( ما اسم محبب للقلوب لأنه ... حسن الحروف يجود بالإحسان )
( تصحيفة أمسى حبيبا كلما ... صحفت أحرفه بحسن بيان )
( لو جاد لي يوما برؤية وجهه ... نلت المراد وعشت بالسلطان في شبابة
( وما صفراء شاحبة ولكن ... تزينها النضارة والشباب )
( مكتبة وليس لها بنان ... منقبة وليس لها نقاب )
( تصبح لها إذا قبلت فاها ... أحاديث تلذ وتستطاب )
( ويحلو المدح والتشبيب فيها ... وليست لا سعاد ولا الرباب ) وفيها أيضا
( ومقروحة الأجفان مثلي شجية ... تناءت عن الأهلين أسقمها البعد )
( تزوجها عشر وذاك محرم ... ولا حرج كلا ولا وجب الحد )
( إذا وطئها قوم تصرخ صرخة ... يلين إليها كل قلب ولو صلد ) وفيها أيضا
( منقبة مهما خلت مع محبها ... يزودها لثما وينظرها شزرا )
( وتصحيفها في كف حاملها فقل ... إذا شئت في اليمنى وإن شئت في اليسرى ) في دملج
( إلى النساء يلتجي ... وعندهن يوجد )
( الجسم منه فضة ... والقلب منه جلمد )

في خلخال
( أيا عجبا من صابر صامت ولم ... يفه بكلام قط في ساعة الضرب )
( أقام ولم يبرح مكانا ثوى به ... على أنه أضحى يدور على الكعب )
في شعر اللحية
( وذي عدد كالرمل سام محله ... جميل على كل الملاح له حق )
( يحاذر من موسى ويرهب باسمه ... وفي القلب هرون له الهلك ) والمحق ) وفي التين
( أي شيء لذ طعمه ... ناعم الملمس لين )
( كيف لا يبدو وضوحا ... وهو في التصحيف بين ) في الموز
( ما اسم لشيء حسن شكله ... تلقاه عند الناس موزونا )
( تراه معدودا فان زدته ... واوا ونونا صار موزونا ) في حمزة
( من لي بمعتدل القوام مهفهف ... أروى بغصن البان لينة قده )
( في فيه تصحيف اسمه وبخده ... وبقلب عاشقه لشدة صده ) وفيه أيضا
( إسم الذي أنا أهواه وأعشقه ... وطول دهري أخشى من تجنيه )
( تصحيفة في فؤادي دائما أبدا ... يبدو في خده أيضا وفيه فيه ) في ساقية
( وجارية لولا الحوافر ما جرت ... أشاهدها تجري وليس لها رجل )
( وترضع أطفالا ولا هي أمهم ... وليس لها ثدي وليس لها بعل ) وفيها أيضا
( وجارية تبكي إذا الليل جنها ... بلا ألم فيها ولا ضرب ضارب )

( عليها رجال شنقوا بعد حرقهم ... وما كان شنق القوم إلا بواجب ) في زر وعروة
( وما أخت يجامعها أخوها ... وليس عليهما فيه جناح )
( ترى بجوازه الحكام طرا ... وفي أعناقهم ذاك النكاح ) في راوية
( وسوداء تشرب من رأسها ... وإن شئت تسقيك من فرد يد )
( ولونها مثل لون أختها ... وثنتاهما واحد في العدد )
( وتحبل في الوقت هي وأختها ... وفي ساعة يضعان الولد ) في شطرنج
( يا ذا النهى ما اسم له حالة ... يحار فيها الذهن والفكر )
( له حروف خمسة إنما ... ثلاثة منها له شطر ) في فيل
( أيما اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربع تعالى الإله )
( حيوان والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه )
( فيك تصحيفة ولكن إذا ما ... رمت عكسا يكون لي ثلثاه ) في بجع
( ما طائر في قلبه ... يلوح للناس عجب )
( منقاره في بطنه ... والعين منه في الذنب ) في نار
( وما اسم ثلاثي به النفع والضرر ... له طلعة تغني عن الشمس والقمر )
( وليس له وجه وليس له قفا ... وليس له سمع وليس له بصر )
( يمد لسانا يختشي الرمح بأسه ... ويهزأ يوم الضرب بالصارم الذكر )
( يموت إذا ما قمت تستقيه عامدا
ويأكل ما يلقى من النبت والشجر )

( فيا قارئ الأبيات دونك شرحها ... وإلا فنم عنها ونبه لها عمر ) وفيها أيضا
( وآكلة بغير فم وبطن ... لها الأشجار والحيوان قوت )
( إذا أطعمتها انتعشت وعاشت ... وإن أسقيتها ماء تموت ) في يد الهاون
( قل لي فما شيء يرى ناعما ... منتصب العمامة طول الزمان )
( أطول من شبر له حزة ... مفيشل الرأس قوي الجنان )
( يسمع في القعر له رنة ... ويظهر الصفق لأعلى مكان ) وفيه أيضا
( خبروني أي شيء ... أوسع ما فيه فمه )
( وابنه في بطنه ... يرفسه ويلكمه )
( وقد علا صياحه ... ولم يجد من يرحمه ) في خشخاش
( وما قبة مبنية فوق شاهق ... لها علم يحكي الملاحة بالظرف )
( وأولادها في بطنها في جماعة ... يكونون ألفا أو يزيدون عن ألف )
( ويأخذها الطفل الصغير بجهله ... ويقلبها عسفا على راحة الكف ) في كوز زير
( وذي أذن بلا سمع ... له قلب بلا لب )
( إذا استولى على صب ... فقل ما شئت في الصب ) في اسم علي
( اسم الذي أعشقه ... أوله في ناظره )
( إن فاتني أوله ... فإن لي في آخره )

في موسى للصفدي
( وما شيء له حد وخد ... يكلم من يلامسه بحلقه )
( وكل حلقه من تحت راس ... وهذا الراس صارت تحت حلقه ) في حلب لابن الفارض رحمه الله تعالى
( ما بلدة بالشام قلب اسمها ... تصحيفه أخرى بأرض العجم )
( وثلثه إن زال من قلبه ... وجدته طيرا شجي النغم ) وقال في سمرقند
( وما اسم سداسي إذا ما لمحته ... ترى فيه أجزاء تذم وتشكر )
( له ثلث يأتي به الموت فجأة ... وثلث مع الكتاب يطوى وينشر )
( وثلث رعاك الله يا صاحبي له ... على مدى الأيام نشر معطر )
( وفي نصفه لما تحرك بعضه ... حديث شهي في الليالي يذكر )
( وفي نصفه الثاني إذا ما أعدته ... إلى النار للتحليل والعقد سكر )
( ففسر لنا ذا اللغز إن كنت ذا حجى ... فليس على ذي العقل لغز معسر ) وقال في كمون
( يا أيها العطار أعرب لنا ... عن اسم شيء قل في سومكا )
( تراه بالعين في يقظة ... كما ترى بالقلب في نومكا ) وقال في قالب الطوب
( وما آكل في قعدة ألف لقمة ... ولقمته أضعاف أضعاف وزنه )
( إذا أنزل المأكول جنبيه لم يقم ... سوى لحظة أو لحظتين ببطنه )

العين
( وباسطة بلا عصب جناحا ... وتسبق ما يطير ولا تطير )
( إذا ألقمتها الحجر اطمأنت ... وتجزع أن يباشرها الحرير ) ويكفي من ذلك ما أشرت إليه وما نبهت من هذا الفن عليه وقد مضى القول من الفنون السبعة على فن الشعر القريض وما فيه من الفنون المتقدم ذكرها
ولنذكر إن شاء الله تعالى بقية الفنون السبعة على وجه الاختصار والفنون السبعة المذكورة عند الناس هي الشعر القريض والموشح والدوبيت والزجل والمواليا والكان وكان والقوما ومنهم من جعل الحماق من السبعة وفي ذلك اختلاف وعند جمع المحققين أن هذه الفنون السبعة منها ثلاثة معربة أبدالا يغتفر اللحن فيها وهي الشعر القريض والموشح والدوبيت ومنها ثلاثة ملحونة أبدا وهي الزجل والكان وكان والقوما ومنها واحد وهو البرزخ بينهما يحتمل الاعراب واللحن وهو المواليا وقيل لا يكون البيت منه بعض ألفاظه معربة وبعضها ملحونة فإن هذا من أقبح العيوب التي لا تجوز وإنما يكون المعرب منه نوعان بمفرده ويكون الملحون فيه ملحونا لا يدخله الاعراب وقد أوضح قاعدة الجميع وأمثلتها صفي الدين أبو المحاسن الحلي في ديوانه وسماه ( بالعاطل الحالي والمرخص الغالي ) ولو بسطت المقال لاتسع المجال وكثر المقال ولكن الاختصار يذهب الأوجال والحمد لله رب العالمين على كل حال
فصل في بيان الفن الثاني وهو الموشح
لابن المبارك
( قد أنحل الجسم أسمر أكحل ... وأوجل القلب فيه مذ حل )

دور
( أميل له فلا يميل ... يحول وعنه لا أحول )
( أقول إذا زاد بي النحول ... )
( أما حل عقد الصدود ينحل ... وترحل عن نجم المزحل ) دور
( كم أبعد وكم أبيت مكمد ... ويعمد بهجره لا فقد )
( وأجهد لارتصاد من قد ... )
( تحمل والحاسدون رحل ... تمحل والوعد منه ما حل ) دور
( متوج بالحسن هذا الأبلج ... مدبج عذاره البنفسج )
( مفلج وطرفه ذا الأدعج ... )
( مكحل وثغره منحل ... مخلخل بعنبر معجل ) دور
( بر غمي من يستحل ظلمي ... ويرمي بحربه لسلمي )
( وجسمي من التزام سقمي ... )
( منحل وقد غدا مرحل ... فمن حل دمي وما حل ) دور
( قلاني واشتط ذا الفلاني ... غزاني بطرفه اليماني )
( تراني أنشد لمن يراني ... )
( قد أنحل الجسم أسمر أكحل ... وأوحل القلب فيه مذ حل ) لابن سناء الملك
( كللي يا سحب تيجان الربا بالخلى ... واجعلي سوارك منعطف الجدول )

دور
( يا سما فيك وفي الأرض نجوم وما ... كلما أخفيت نجما أظهرت أنجما )
( وهي ما تهطل إلا بالطلى والدما ... )
( فاهطلي على قطوف الكرم كي تمتلي ... وانقلي للدن طعم الشهد والقرنفل ) دور
( تتقد كالكوكب الدري للمرتصد ... يعتقد فيها المجوسي بما يعتقد )
( فاتئد يا ساقي الراح بها واعتمد ... )
( وامل لي حتى تراني عنك في معزل ... قل لي فالراح كالعشق ان يزد يقتل ) دور
( لا أليم في شرب صهبا وفي عشق ريم ... فالنعيم عيش جديد ومدام قديم )
( لا أهيم إلا بهذين فقم يا نديم ... )
( واجل لي من أكؤس صيرت من فوفل ... ألذ لي من نكهة العنبر والمندل ) دور
( خذ هنى وأعطني كاسي مثل كاسك هنى ...
( واسقني على رضاب الفطن الملسن ... )
( والهنى ببعض ما صيغ من الألسن ... )
( لو تلى مدح سناه مع رشا أكحل ... لذ لي على سنا الصهباء والسلسل ) دور
( أزهرت ليلتنا بالوصل مذ أسفرت ... أصدرت بزورة المحبوب إذ بشرت )
( أخرت فقلت للظلماء مذ قصرت ... )
( طولي يا ليلة الوصل ولا تنجلي ... واسبلي سترك فالمحبوب في منزلي )

دور
( من ظلم في دولة الحسن إذا ما حكم ... فالألم يجول في باطنه والندم )
( والقلم يكتب فيه عن لسان الأمم ... )
( من ولي في دولة الحسن ولم يعدل ... يعزى لالحاظ الرشا الأكحل ) وله أيضا
( ترى هل يشتفي منك الغليل ... ويشفى من صبابته العليل ) دور
( لقد أسرفت في هجري وصدي ... بلا سبب سوى كلفي ووجدي )
( وماذا في سلو عنك يجدي ... )
( خضاب الوجد ليس له نصول ... وأسياف الهوى فينا تصول ) دور
( لئن شحيت عني بالسلام ... وطيفك قد جفا لجفا المنام )
( فقد جادت بأربعة سجام ... )
( جفون بالبكا كادت تحول ... على خد أسف به النحول ) دور
( لقد أرسلت في طي النسيم ... حديث هوى عن الوجد القديم )
( فعادت وهي عاطرة الشميم ... )
( تخبر أن ظعنهم نزول ... بدار لا يلم لها نزيل ) دور
( تلقته الموالي والموالي ... بألحاظ وزرق من نصال )
( وأعطاف وسمر من عوالي ... ) وله أيضا
( شمس الحيا أم القمر ... أم بارق الثغر بشر )
( أم البها حفه الخفر ... بطرز خديك مستطر )

سلسلة
( قم تباها بما ... تباها ولا تلاها ) قفلة
( فكل أحبابنا حضروا ... والعود يشجيك والوتر ) الدور
( أفديك بالسمع والبصر ... يا أهيف وصله وطري )
( بدر بدا في دجى الشعر ... قد لذ في حبه سهري ) سلسلة
( إذا تجلى وقد ... تجلى عليك يجلي ) قفلة
( تحير في وصفه الفكر ... والعقل والسمع والنظر ) الدور
( فهاك حدث عن الطرب ... وعن سلاف ابنة العنب )
( إذا سقاها مع الضرب ... بدر بأفق الجمال ربي ) سلسلة
( في ظل بان على ... المثاني من غير ثاني ) قفلة
( إلا الندامى إذا سكروا ... والروض والماء والشجر ) وقال رحمه الله تعالى
( وانسيم السحر هل لك خبر ... عن عريب همو بالمنحنى )
( فارقوني ولم أقض الوطر ... من لقاهم ولا نلت المنى )

( قلت يا قلب صبرا ما صبر ... والنبي ما الهوى إلا عنا )
( ما كتمت الهوى إلا ظهر ... مع شهود المدامع والضنى ) دور
( ليش تمنع وصالك يا حبيب ... عن محبك وهو لا يعشق سواك )
( راقب الله وارجع من قريب ... قبل يبلى جسمه في هواك )
( لست ألقى لدائي من طبيب ... غير رشفي يا حبيبي من لماك )
( لو رأى حالي العاذل عذر ... حينما ينظر جمالك والسنا ) دور
( يا قمر فوق غصن من نقا ... أثخنتنا مطالك والصدود )
( يا رعى الله لويلات اللقا ... ليتها يا خل يوما لي تعود )
( ليلة اسعد ما فيها شقا ... كيف تشقى وطالعها سعود )
( صفرها لا يمازجه كدر ... بالمسرات وأوقات الهنا ) غيره
( حملت مذ سارت الحمول ... وجد مضى العمر وهو باقي ) دور
( ساروا وسار الفؤاد لكن ... جسمي مقيم على المساكن )
( وعن الحب صار ظاعن ... )
( مالي إلى وصله وصول ... لو سرت بالبرق والبراق ) دور
( وغادة كالقضيب قدا ... والورد والياسمين خدا )
( كأنها البدر إذ تبدى ... )

( وشعرها أسود طويل ... كأنه ليلة الفراق ) دور
( هونا أتتنا تميل ميلا ... سحابة كالسحاب ذيلا )
( فقلت شمس تزور ليلا ... )
( وما درى كاشح عذول ... فذاك من أعجب اتفاق ) دور
( وسدتها ساعدي لسعدى ... وبت أرعى رياض وردي )
( وخمر ريق كذوب شهد ... )
( لو ذاقها مدنف عليل ... لعاش والروح في التراقي ) دور
( لما رأتني أذوب سقما ... ومن ورود الرضاب أظما )
( قالت كلمت الخدود لثما ... )
( ما يشتفي منك ذا الغليل ... بغير نومي وشيل ساقي )
فصل في الفن الثالث وهو الدو بيت
لسيدي شرف الدين بن الفارض رحمه الله تعالى
( أهوى قمرا له المعاني رق ... من صبح جبينه أضاء الشرق )
( تدري بالله ما يقول البرق ... ما بين ثناياه وبيني فرق ) وقال أيضا
( أهوى رشا كل الأسى لي بعثا ... مذ عاينه تصبري ما لبثا )
( ناديت وقد فكرت في خلقته ... سبحانك ما خلقت هذا عبثا )

وقال أيضا
( عرج بطويلع فلي ثم هوي ... واذكر خبر الغرام واسنده إلي )
( واقصص قصصي عليهم وابك علي ... قل مات ولم يحظ من الوصول بشي ) وقال أيضا
( روحي لك يا زائرا في الليل فدا ... يا مؤنس وحدتي إذا الليل هدا )
( إن كان فراقنا مع الصبح بدا ... لا أسفر بعد ذاك صبح أبدا ) وقال آخر
( يا شمس ضحى جبينه وضاح ... ساعات وصولك كلها أفراح )
( عشاقك لو فعلت ما شئت بهم ... ماتوا كمدا وبالهوى ما باحوا ) وقال آخر
( أهواه مهفهفا ثقيل الردف ... كالبدر يجل حسنه عن وصف )
( ما أحسن واو صدغه حين بدت ... يارب عسى تكون واو العطف ) وقال التلعفري
( قلبي ذهبت لبعدكم راحته ... ما الصبر على بعادكم عادته )
( بنتم فرثى لما به شامته ... لا كان فراقكم ولا ساعقه ) وقال المنشدي
( أحسانك طول الدهر لا أنساه ... لا أذكر بعد خالقي إلا هو )
( إن أبعدك الزمان عني حسدا ... مولاي خليفتي عليك الله ) وقال آخر
( إن جئت ربا الحمى ولاحت نجد ... فاذكر ولهي وما جناه البعد )
( قد كنت أقاسي الصدق حتى رحلوا ... يا ليتهم عادوا وعاد الصد )

فصل في الفن الرابع وهو الزجل
حمل للغبارى
( قل لغزلان وادي مصر والشام يقصروا ذا النفار ... لهم اجعل حشاشتي مرعى وفؤادي قفار ) دور
( مصر والشام فيها ملاح أقمار بالمحاسن تسود ... أبيض وذا أحمر وذا مليح أسمر لو عيون نجل سود )
( ذا غزال صار يفوق على الغزلان ويصيد الأسود ... وذا غصن بان أهيف قوام قد وقد الأغصان جهار )
( وذا بدر الكمال ظهر في الليل وذا شمس النهار ... ) دور
( تدر بالله إيش قالت مليح الشام بعد ذاك الصدود ... قد سمينا بصحة الأبدان واعتدال القدود )
( وتخضب تفاحنا الأحمر فوق بياض الخدود ... وأنتم يا عشاق لكم قلنا والحسود راح بنار ... أنتم التفاح وما نقصد منك إلا الخيار ... ) دور
( وملاح مصر قالت إحنا أصحاب الوجوه الملاح ... والحلاوة وطيبة الأخلاق في الخلائق مباح إحنا أقمار )
( واحنا بدور الليل وشموس الصباح ... وفي الألفاظ والظرف والمعنى ليس لنا حد صار )
( وورثنا الحسن من يوسف واكتسبنا الفخار ... ) دور
( حسن حبي الفرارجي فرحه بدر في السعد لاح ... فرخ ناجب خرج من القشرة فاق ملاح الملاح )
( كلما أعمل على رضاه يفسد بجفاه الصلاح ... )
( ومن البيض قد خرج نافر رد جفني بنار ... )
( وجفاني وخد بياض جسمي خلطوا بالصفار ... ) دور
( وقع الطل خط بالأبيض في اخضرار الطروس ... )
( قم يا ساقي على بساط زهري تحت ظل العروس ... )
( هاتها شمس راح شمول قرقف بكر عذرا عروس ... )
( عروس لها صفو النسيم ولطف الما وابتهاج الثمار ... )
( قد جلوها في كاس زجاج أبيض فاكتسى باحمرار ... ) دور
( خمر فيها سر لو جعل أشياف رد الأعمى بصير ... )
( اقطع القطف أسو يحاكي الليل شفق أحمر يصير ... )
( يا ترى ذا السر في كرمه أو يكون في العصير ... )
( وترى النوردا عليه يلمع ذاك من ايش استنار ... )
( وكذا الكاس يحاكي يا سمير من كساه جلنار ) دور
( فهو عطار عندي وشراب هندي وبراني جفاه ... )
( كل من مص من لسانو ريقو يلتقي فيه شفاه ... )
( ورد خد وحبتو سودا شبه خال في صفاه ... )
( جبل آس عارضو أسر قلبي والكبار والصغار ... )
( في المحب غاروا على حسنو وكل من حب غار ... )

( حسن حبي الفرارجي فرحه بدر في السعد لاح ... فرخ ناجب خرج من القشرة فاق ملاح الملاح )
( كلما أعمل على رضاه يفسد بجفاه الصلاح ... ومن البيضة قد خرج نافر رد جفني بنار )
( وجفاني وخد بياض جسمي خلطوا بالصفار ... ) دور
( وقع الطل خط بالأبيض في اخضرار الطروس ... قم يا ساقي على بساط زهري تحت ظل العروس )
( هاتها شمس راح شمول قرقف بكر عذرا عروس ... عروس لها صفو النسيم ولطف الما وابتهاج الثمار )
( قد جلوها في كاس زجاج أبيض فاكتسى باحمرار ... ) دور
( خمر فيها سر لو جعل أشياف رد الأعمى بصير ... قطع القطف أسود يحاكي الليل شفق أحمر يصير )
( يا ترى ذا السر في كرمه أو يكون في العصير ... وترى النوردا عليه يلمع ذاك من ايش استنار )
( وكذا الكاس يحاكي يا سمير من كساه جلنار ... ) دور
( فهو عطار عندي وشراب هندي وبراني جفاه ... كل من مص من لسانو ريقو يلتقي فيه شفاه )
( ورد خد وحبتو سودا شبه خال في صفاه ... جبل آس عارضو أسر قلبي والكبار والصغار )
( في المحب غاروا على حسنو وكل من حب غار ... )

دور
( دروني الملاح على كعبي ونصوا نصوص ... بلا دعوى التف لف اليسير في هواهم خصوص )
( وعليا صار نقشهم قاعد مثل نقش الفصوص ... والبساط انطوى وحين ما رأوا خلف له همه ولو اصطبار )
( قمروني في عشق هذا القمر والمحبة قمار ... ) دور
( لحبيبي ثغر من جوهر والشفيفات عقيق ... عوارض ما ضرهم عارض غير نبات الشقيق ... )
( وخدود ورد من غير نمش ووصفنا عن حقيق ... يحرس الورد خال عنبر تحت أهداب غزار )
( في صفا وجهو أنزه طرفي عند خلع العذار ... ) دور
( في رياض صفوف من الأزهار قابلتها صفوف )
( كيف لا نرقص والنسيم بها موصول وورقها دفوف )
( واعجب من النهر إذا صفق لو من الموج كفوف ... والغيوم نقطت وحين النسيم طار أعلى مطار ... )
( باختلاف الألحان سحر في الروض صاح على عود طار ... ) دور
( أشرف الخلق بين الإسلام والهدى والضلال ... والشرايع والحق والباطل والحرام والحلال )
( نبي من بين أصابعه تحقيق نبع الماء الزلال ... ولو أن النبات جميعه أقلام والمداد البحار )
( والخلايق تكتب مديحو تاه كل كاتب وحار ... )

دور
( خلف أستاذ في الفن ما ينطاق ذا ق عداه المنون ... ما يعيبو في الفن غير ناقص عقل زايد جنون )
( شيخ مصدر لبيب قيم في جميع الفنون ... باتضاعو مع الصغار مرفوع فوق رؤوس الكبار )
( وأهل الفنون تجري وما تلحق للغبارى غبار ... ) غيره لناصر الغيطي
( كنز روضي طالبو بسعد يا خليع قم في دجى الأسحار ... تلتقي در الندى يرهج فوق فصوص غرائب النوار ) دور
( كنز روضي نزهة الطالب جوهر وبين الندى يرهج ... ولجين الما بيتكسر يا خليع هيا تعا اتفرج )
( بين عنابر تلتقي الخلع كل حد مع إلفو يدرج ... وامش في عرض الرياض وارتع بين أغصان واطيار فوق )
( بساط زمرد ذو قضبان كل وردة حكت لنا دينار ... ) دور
( وترى الياسمين بحال فضه ضربت لاهل النزه صلبان ... والشحارير لابسين أسود وقلانس كنهم رهبان )
( وكذا الكتاب وهو أصفر بعمائم زرق للناس بان ... وانجلت بين القسوس في ألحان وعلينا دارها الخمار )
( والقطيع الراهبي يحكي لشماس لابس الزنار ... ) دور
( الفراق نار والوصال جنة والخلائق بعضهم يعشق ... دا حبيب قلبو عله راضي وذا محبوبو عليه يشفق )

( ولهيب الهجر يتوقد والوصال من الملاح يشتق ... المليح عندي وأنا مطمن وسط روضا زهر لها معطار في نعيم )
( مع حور ومع ولدان والعذول مسكين صح في نار ... ) دور
( وعمل في الروض سماع باكر بين الأغصان والزهور أنغام ... والنسيم شبب والغدير صفق والخليع من كتر وجدو هام )
( والنخيل بأكمامها ترقص واقبل الريحان بحال أعجام ... والعصافير شيخهم ريق لو طريق بين الأزاهر طار )
( والبلبل بالغنا يشجي فكأنوا ناي أو مزمار ... ) دور ناصر الغيطي
( يا خلايا صحبت إنسان أنكر الصحبة وعاداني ... )
( وبغضني حين بقيت مسمى والإله بالفضل أسماني )
( في بلاد قبلي وأرض الشام يشكروني ساير أقراني ... والشجيع الشاطر المذكور في جميع الأرض لو تذكار )
( والبلط يوقع لو تعلق ما يحصل شيء مع الشطار ... ) للغباري
( جار حبيبي فقلت ذا الحجاج جا يجور أو يزيد ... لو عدل عشت بو مسرور ويكون الرشيد ) دور
( أقلع القلب في هوى العشاق والدموع في انحدار ... وبحور الهوى إذا هاجت ليس لها من قرار )
( كنت أحسب قلبي معوريس غرتو ذا البحار ... صحت لما وحلت يا محبوب قلبي بحر عشقك يزيد )
( خفت فيه الغرق فقال افرح من غرق مات شهيد ... )

دور
( أنا يوم في الغبوق باتفرج على شط الغدير ... إذ رأيت على الشط واحد واقف شب صياد صغير ... نظرت مقلتي إلى منظر ما لحسنو نظير ... )
( قلت يا عين إن غرك الصياد بالجمال المصيد )
( يوقعك في فخاخ شباك عشقو وكراكي يصيد ... ) دور
( من نحبو جديد حبيب قلبي يوم صدفتو مصدف ... قلت لين يا قاسي لمن دمعو سال وحالو وقف )
( دار وقال لي ما لاسم بالانجيل قلت اسمي خلف ... قال علينا يكتب ومن يسمع دا الكلام يستفيد )
( في الحقيقة من لا يكون داود ما يلين لو الحديد ... ) دور
( لك عوارض في الخد مرقومة ليس لها من مثال ... وجفاك صار حماق وباب وصلك كان وكان يا غزال )
( وأنت دوبيت موشح القاما يا عزيز الدلال ... ولك ألفاظ صارت مواليا بالزجل والنشيد ... وبشعرك متوج القاما وأنت بيت القصيد ... ) دور
( عن محرم شرابنا ضمنا ونفطر بالثمار ... حين وجدنا سفرجل البستان يذهب الاصفرار )
( وغنا الطير به الجماد يطرب وكذا الجلنار ... في ربيع حين رأى الثمر قاعد فيه تعاليق عقيد )
( حسب الروض النص من شعبان صار يقيد فيه وقيد ... )

دور
( من لهيب مدمعي جرى الطوفان للهيب ما طفى ... وأنا هو الغباري في العشاق ما جرى لي كفي )
( حين عليا بالصد والهجران والبعد والجفا ... جار حبيبي فقلت ذا الحجاج جا يجور أو يزيد )
( لو عدل عشت بو مسرور ويكون الرشيد ... ) غيره
( حين سكنت القلب يا عيسى ... أمسى من بعدك الحزين فرحان )
( وتقدس بك ولكنو ... ما جرت فيه يا ابن عين سلوان ) دور
( عارضوا لما عشق خدو غرت من وجدي بقيت حاير ... جيت إلى طرفو وناديت لو أحرسوا وكون عليه ناظر )
( بعد حين نظرت في خدو النقي العارض وهو داير ... وعليه قد دب بالسرقة جيت لطرفو قلت يا كسلان )
( هكذا في عادة الحراس قال لي اعذرني أنا نعسان ... ) دور
( بدر شعبان منيتي لما في بروج السعد لاح نجمو ... قلت لو أقضي بفيض دمعي أطلقوا واجراه على رسمو )
( قلت لو دام الله اطلاقك فالحزين قلبو المشوم قسمو ... ايش قد أذنب حين قطرتو دا يملغط قول بالبهتان )
( قال لي صوم عن الوصال ناديت ليش أصوم يا بدر في شعبان ) دور
( حين تدبح احمرار خدو باخضرار العارض أسباني

ضحك فابيض واتبسم واسوداد شعري وأبكاني )
( وحين أضحيت باصفرار لوني أشعث أغبر في هواه عاني ... قال لي لونك قد صبح حايل وقد أبصر مدمعي طوفان )
( ذقت تبريح الغرام ناديت في هواك ذقت الهوان ألوان ... ) دور
( قلت لو حين عني تخلف لله كن لي يا رشيد مهدي ... قد تلون دمعي من بعدك وتجري اليوم على خدي دار )
( إلى إنسان مقلتي قال لو أنت ما عندك نظر بعدي ... ما ترى ما قد جرى منك على الخدود قال يا فتان )
( جرى الماء تحت من بعدك راقب الله فيا يا إنسان ... ) دور
( ذا الغزال النافر الأنسي للغزالة قد أعار النور ... كسر قلبي كسير جفنو فاعجبوا للكاسر المكسور )
( وبخمر الدن قد عربد وادعى أني أنا المخمور ... وابتسم لي عن نقا ثغرو وخطر والبشر فيا بان )
) ( صحت يا قلبي صفا وردك أنت ما بين النقا والبان ... ) للصفي الحلي
( أنت يا قبلة الكرام زينة المال والبنين ... الله يعطيك فوق ذا المقام ويعيدك على السنين ) دور
( أنت شاما بين الآنام الله يحرس شمايلك ... ويزيدك بالدوام كي نعيش في فواضلك )
( ما ينطوي ذكر الكرام لما تنشر فضايلك ... ونهنيك لكل عام والخلائق تقول آمين )

( قد بقينا بك في آمان الله يحييك طول السنين ... ) دور
( ما رأينا تحت ذا الفلك من ندي كفك أعم ... كل من جاء ليسألك ليس تقول له سوى نعم )
( أملك أنت أو ملك ضاعف الله لك النعم ... أنت في الجود كالغمام وسماك فوق ماردين )
( در غيثك في انسجام عم كل السائلين ... ) دور
( لا عد منا كل صوم ذا السحور فيك والهنا ... كل ليلة وكل يوم ينشر الذكر والثنا )
( الله يحييك من خير قوم بالغ يقصد والمنى ... ) دور
( حتى تقضي ذا الصيام ويليه باقي السنين ... وتعيش يا ذا الهمام بين ولدان وعين ) غيره
( خال عبد الرحيم حبر من غير قاف ولام ... واسم ثغر معشوقي الفتان نون وعين وميم )
( شال السعد فوق راسو عين ولام وميم ... داللي قد هواه قلبي صاد وبا ويا )
( مليح ما رأيت مثله ظا وبا ويا ... ما أحلاه عند ما يلبس قاف وبا ويا )
( ذقت من صدود حبي غين وصاد وصاد ... لما رأيت صبري نون وقاف وصاد )
( النوم من جفون عيني خا ولام وصاد ... وأصبحت وجود فكري عين ودال وميم )

( قلت يوم لمن كان لي سين ونون ودال ... اعدل في الذي صبرو نون وفا ودال )
( ولا تهجر العشاق با وعين ودال ... ما افلح قط يا ناس من ظا ولام وميم )
جمل في الألغاز
( المطلع في العين )
( وما طير أكلو الحجر يا كرام ... وجوهر حبابه يفسد أهل الصلاح )
( ولمس الحرير يؤذيه وريش النعام ... يصول بين جناحين سود كبيض الصفاح ) دور في السراج
( وما بجر ما هو ما وفي الليل يزيد ... وينقص ولا هو خوض ولا هو غريق )
( وفيه شيء صفات حيه بلا وكر استفيد ... لها جوهره في فمها يا رفيق )
( بلا شك ينظره القريب والبعيد ... ويخفي ويظهر كل يوم عن حقيق )
( يغيب في النهار لكن إذا جا الظلام ... تشوفو يضيء بين الوجوه الصباح )
( ويسهر بحال عاشق حليف الغرام ... قتيل الهوى بين الربا والبطاح ) دور في جوزة الكنافة
( وما هي التي تركب على ستين ألف ... وما مثل ذاك فسر لنا يا خبير )
( مليحه وقصيفه وتلبس ترف ... وتحمل وتوضع كل يوم في السعير )
( لها عشرة أعوان حالهم مختلف ... يشيلو أودها الكبير والصغير )
( لها فحل يخدمها عليه السلام ... يحادي سراها في المجي والرواح )
( وأكثر تعبها في ليالي الصيام ... وذا اللغز قلته ومن غير مزاح ) دور في الغربال
( وما هو الذي يا سعد كله عيون ... ولا يعتلم ضوء الظلام والضيا )
( وهو بين خشب مصلوب لتلك الفتون ... وميت وهو يحيي أصول الحيا )

( إذا غاب عن أهله فرد يوم ما يهون ... ولا حد يعوض موضعه لو عيا )
( وكم من رقيص في صتعته باهتمام ... مكابد عجاجه في المسا والصباح )
( ونحتاج له الناس كل يوم في الدوام ... على شان فنونه دول فنون ملاح )
الفن الخامس في المواليا وله وزن واحد وأربع قوافي
فمن تلك الأربعة واحدة لصفي الدين الحلي
( يا طاعن الخيل والأبطال قد غارت ... والمخصب الربع والأمواه قد غارت )
( هواطل السحب من كفيك قد غارت ... والشهب مذ شاهدت أضواك قد غارت ) وقال أيضا
( سل مقلتيك الكحال عمن سلاسلها ... ومرشفيك من رشف منها سلاسلها )
( وعارضيك التي مدت سلاسلها ... كم من أسود ضواري في سلاسلها ) وقال آخر
( قد أوعدونا الغضابا أننا نخلو ... في ظل بستان حافف بالتمر نخلو )
( والطل من فوقنا قد بلنا نخلو ... ومن كلام الأعادي قط ما نخلو ) وقال آخر
( قسما وبالله مفرقها وجامعها ... ومن أمرنا بمسجدها وجامعها )
( لو حل مع بغيتي عايد وجامعها ... كأن أفتتن في محاسنها وجامعها ) ومن اثنين واثنين قال آخر
( قوم اسقني ما تبقى في أباريقو ... أما ترى الصبح قد لاحت أباريقو )
( مع شادن كلما دار شقاريقه ... سقى المداما وإن عزت سقى ريقو ) وقال
( البارحة رأيت بعيني في الدجاجيين ... اثنين مثل البدوره في الدجى جيين )
( ناديتهم فين كنتم يا خفا جيين ... قالوا لمن قد وعدنا في الخفا جيين )

وقال
( قد زدت هجرك فجد بالعفو عن صبك ... ارحم خضوعي وخف في قتلتي ربك )
( يكفيك بهجر تكدر قلب من حبك ... ما ظن في الناس أقسى قلب من قلبك ) غيره خمري عاطل
( كاس الطلا لطلاها طال لما سر ... وصار لما حوى حمرا مكلل در )
( مدام لو طعم كله حلو ما هو مر ... ما حل مملوك إلا صار مالك حر ) غيره حربي
( لك يا إمام الوغا في كل موقع حرب ... سماع يطرب له السامع وينفي الكرب )
( هذا ولك كلما دارت رحاة الحرب ... سيوف تفني وكفك لا يمل الضرب ) الصفي الحلي في المدح
( أغنت وأقنت كفوفك في الندى والحرب ... في القرب والبعد من شرقها والغرب )
( وفيض جودك وسيقك بالعطا والضرب ... ذا الكرب فرج وهذا قد رمى في الكرب ) وقال أيضا
( من قال جودة كفوفك والحيا مثلين ... أخطأ القياس وفي قوله جمع ضدين )
( ما جدت إلا وثغرك مبتسم يا زين ... وذاك ما جاد إلا وهو باكي العين ) وقال في التهنيئة
( رأيت ذا العيد أول يوم في عصرك ... رأيت ذا اليوم مع ذا الشهر في نصرك )
( وديت ذا الشهر مع ذا العام طوع أمرك ... والكل بالكل أول مبتدا عمرك )

المعاتبة
( عن تسليت وآسياف الجفا سليت ... ومذ توليت عن طرق الوفا وليت )
( لما تمليت بالأعمال لي مليت ... إذا تخليت تعرف قدر من خليت ) وقال أيضا
( يا قلب إن غدروا فاغدر وإن خانوا ... فخن وإن هم قسوا فاقسا وإن لانو )
( فلن وإن قربوا فاقرب وإن بانوا ... فبن وكن لي معاهم كيفما كانوا ) وقال آخر
( حلف عليا جكاره أن يقاطعني ... وصد عني وأقسم ما يطاوعني )
( كم ذا يصد وكم يرجع يصدعني ... إن كنت أنا هو المطلق لا يراجعني ) وقال آخر هجوا
( قطع قفا ابن أخت خالك وابن أخو عمك ... والحق يصفع أبو بنتك أو ابن أمك )
( وإن تكلمت تصفع بل يسيل دمك ... وإن كنت تسكت يبول الكلب في فمك ) وقال آخر
( إن ردت تسلم بطول الدهر ما تبرح ... لا تيأسن ولا تقنط ولا تمرح )
( واستعمل الصبر لا تحزن ولا تفرح ... وإن ضاق صدرك ففكر في ألم نشرح ) وقال آخر
( إن كنت عاقل وربك بالتقى برك ... إدفع أذاك وهات خيرك ودع شرك )
( وإن تعدى حسودك والحسد ضرك ... ناديه يا أيها الإنسان ما غرك ) وقال آخر
( يا قلب إن خانك المحبوب لا تدبر ... عنو وعن قصة السلوان لا تخبر )

( واستعمل الصبر دائم للعدا تقهر ... فان والله ما خاب الذي يصبر )
الفن السادس كان وكان
وله وزن واحد وقافية واحدة ولكن الشطر الأول من البيت أطول من الثاني فمنه هذه الوعظيات
( يا قاسي القلب مالك ... تستمع وما عندك خبر )
( ومن حرارة وعظي ... قد لانت الأحجار )
( أفنيت مالك وحالك ... في كل ما لا ينفعك )
( ليتك على ذي الحالة ... تقلع عن الأصرار )
( تحضر ولكن قلبك ... غايب وذهنك مشتغل )
( فكيف يا متخلف ... تحسب من الحضار )
( ويحك تنبه يا فتى ... وافهم مقالي واستمع )
( ففي المجالس محاسن ... تحجب عن الأبصار )
( يحصى دقائق فعلك ... وغمز لحظك يعلمه )
( وكيف تعزب عنه ... غوامض الأسرار )
( تلوت قولي ونصحي ... لمن تدبر واستمع )
( ما في النصحية فضيحة ... كلا ولا انكار ) وقال أيضا
( صرح بذكر المحبة ما في المعمى فائدهة ... وقل نعم أنا عاشق صادق بلا تمويه )
( ودع حديث العواذل ليس الخبر مثل النظر ... أنا عاشق لحبيب كل المعاني فيه )
( من أين للبدر حسن يحكيه أو شمس الضحى ... حاشا لذاك المحيا من مشيه يحكيه )
( إن غبت فهو أنيسي وإن حضرت نديمي ... وإن شربت مدامي فالكأس هو ساقيه )

( فمنه روحي وراحي إذا سكرت وراحتي ... وفيه عزي وذلي بمهجتي أفديه )
( قولوا لمن يلحاني في الحب قصر واعتبر ... هذا الذي قد عشقته قد حار وصفي فيه ) الصفي الحلي
( شاهدت في الليل طيري ... وقمت حتى أنصب شرك )
( ما كل صيد يحصل ... يفرح الصياد )
( طيري الذي كان إلفي ... لو ردت مثله ما حصل )
( وهو علي معود ... وأنا عليه معتاد )
( قد كان شرطي وخلقي ... لبرج غيري ما عرف )
( كأننا في الصحبة ... جينا على ميعاد )
( من قبل ما أبصبص له ... يجي ويدخل قصوري )
( أنا أرصده في مطاره ... خائف عليه ينصاد ) وقال آخر
( ما ذقت عمري جرعة ... أمر من طعم الهوى )
( الله يصبر قلبي ... على الذي يهواه )
( الناس تعلم مني ... حال الجلادة والقوى )
( وما أطيق التجلد ... على أليم جفاه )
( لي حب مثل الخوخة ... لو لون وطعم وريحة )
( ما أكثر مغابن حبيبي ... وما أقل وفاه )
( أنا عرفتو حظي ... وكل ما أحسن لويسي )
( لو كنت أعشق ظلي ... ما كنت قط أراه ) وله في الفراقيات
( يا سادة هجروني ... وهم نزول بخاطري )
( لا أوحش الله منكم ... في سائر الأوقات )

( أوحشتم العين مني ... وأنسكم في خاطري )
( والقلب في النور منكم ... والعين في ظلمات )
( قد انتهى الصبر مني ... وما بقي فيا رمق )
( هيهات إني أحيا ... من بعدكم هيهات )
( لم يبق غير خيالي ... يلوح كالشبح الخفي )
( أعد بين الأحياء ... وأنا مع الأموات )
( ودعتموني وسرتم ... والقلب يتبع ركبكم )
( إيش ضر لو كان جسمي ... من جملة التبعات )
( ما مر ما ريت ضدي ... يقول لي من فرحته )
( هنا تشق المراير ... وتسكب العبرات )
( لو لم أسلي روحي ... وارض نفسي بالمنى )
( لكان قلبي تقطع ... من بعدكم حسرات )
( وقفت لما رحلتم ... حيران بين أظعانكم )
( أخفض جناح المذلة ... وأرفع الأصوات )
( طول الليل أساهر ... كني أريد الكيميا )
( أقطر الدموع مني ... وأصد الزفرات )
( ما أطول ليالي جفاكم ... ساعتها مثل السنة )
( وما أقصر أيام وصلي ... كأنها ساعات )
( مالي أرى حسناتي ... بالسيئات تبدلت )
( وسيآت الأعادي ... اتبدلت حسنات )
( خالفتموني وعمري ... ما زلت أتبع أمركم )
( كذا العبيد تتابع ... أوامر السادات )
( أسكت وأصبر عنكمو ... ويفعل الله ما يشا )
( والدهر من عاداته ... يقلب الحالات )

الفن السابع في فن القوما
قيل أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر والصحيح أنه مخترع من قبله وكان الناصر يطرب له وكان لابن نقطة ولد صغير ماهر في نظم القوما فلما مات أبوه أراد أن يعرف الخليفة بموت أبيه ليجريه على مفروضه فتعذر عليه ذلك فصبر إلى دخول شهر رمضان ثم أخذ أتباع والده من المسحرين ووقف أول ليلة من الشهر تحت الطيارة وغنى القوما بصوت رقيق فأصغى الخليفة إليه وطرب له فكان أول ما قاله قوله
( يا سيد السادات ... لك بالكرم عادات )
( وأنا بني ابن نقطة ... تعيش أبويا مات ) فأعجب الخليفة منه هذا الإختصار فاستحضره وخلع عليه وفرض له ضعفي ما كان لأبيه
ومنها للصفي الحلي
( من كان يهوى البدور ... ووصل بيض الخدور )
( بالبيض والصفر يسخو ... وقد جلس في الصدر )
( من حب بيض الخدور ... ورام لزوم الصدور )
( يسمح وإلا فبقي ... من بينهم مهدور )
( كم بين سجف الخدور ... من عاشق مصدور )
( يرعى الكواكب تعلو ... يرى جمال البدور )
( بين الحلل والخدور ... وجوه مثل البدور )
( أشراقها في المعاجز ... وغربها في الصدور )
( قد كنت فوق الصدور ... بين الظبا والبدور )
( فصرت أحسد من أبصر ... خيامهم والخدور )
( نوائب المقدور ... مثل الكواكب تدور )
( من بعد طيب الخواطر ... يقضي بضيق الصدور )

( غيري يلازم الصدور ... أنا عليكم أدور )
( واصطلي الصد وأنا ... من بينهم مهدور ) وقال أيضا
( حال الهوى مخبور ... يريد جلد صبور )
( يصون سره وإلا ... يبقى من أهل القبور )
( من كان هواه مستور ... يحظى برفع الستور )
( ومن هتك سر حبو ... يمحى من الدستور )
( أبذل لبيض النحور ... أموال مثل البحور )
( إن أردت تملك وتظفر ... ولدانهم والحور )
( قم فابذل المدخور ... وفي العطا لا تجور )
( تريد هذي المحبة ... قلوب مثل الصخور )
( كم حول تلك الخدور ... من عاشق مذعور )
( مثل الدواليب تجري ... دموعها وتدور )
( من يركب المحذور ... هو في الهوى معذور )
( يظفر بحبه ويبلغ ... قصده ويوفي النذور )
( كن بالهوى مسرور ... ولا تبيت مغرور )
( واجعل تراب أعتابهم ... لاجفان عينك درور )
( طرق المحبة وعور ... كم بينها معذور )
( من فتك بيض السوالف ... على سواد الشعور )
( كم عاشق مذعور ... في حب بيض الثغور )
( يغار قلبه ولكن ... مدامعه ما تغور )
( كم بينهم يعفور ... كالظبي أنس نفور )
( من أهل بدر فديته ... إيش ما عمل مغفور ) ومن ذلك ما نظمه بعضهم ليسحر بعض الخلفاء في رمضان
( لا زال سعدك جديد ... دائم وجدك سعيد )

( ولا برحت مهتى ... بكل صوم وعيد )
( في الدهر أنت الفريد ... وفي صفاتك وحيد )
( والخلق شعر منقح ... وأنت بيت القصيد )
( يا من جنابه شديد ... ولطف رأيه سديد )
( ومن يلاقي الشدائد ... بقلب مثل الحديد )
( لا زلت في تأييد ... في الصوم والتعييد )
( ولا برحت مهنى ... بكل عام جديد )
( نحن لذكرك نشيد ... بقولنا والنشيد )
( ونبعث أوصاف مدحك ... على خيول البريد )
( ظلك علينا مديد ... ما فوق جودك مزيد )
( وكم غمرت بفضلك ... قريبنا والبعيد )
( لا زلت في كل عيد ... تحظى بجد سعيد )
( عمرك طويل وقدرك ... وافر وظلك مديد )
( لا زال قدرك مجيد ... وظل جودك مديد )
( ولا برحت موقى ... كما يوقى الوليد )
( ما زال برك يزيد ... على أقل العبيد )
( وما برح جود كفك ... منا كحبل الوريد )
( لا زال برك مزيد ... دائم وبأسك شديد )
( ولا عدمنا نوالك ... في صوم فطر وعيد ) ومما قيل في فن الحماق
( أنا ما عبوري الحمام ... لجسمي لكي ينظف )
( إلا لدمع جاري ... على الما ولا يوقف )
( وديك المجاري تجري ... ودمعي يسابقها )
( تقول الأنام في الحمام ... له أحباب فارقها )

وقال آخر
( ترى كل من نعشقو ... علينا يقيم أنفه )
( فاسلاه واترك هواه ... وسد الطريق خلفه )
( وإن زاد على عشقوا ... وزاد بي الهوى والذل )
( تركتو ولو كان يحيي ... لأهل القبور الكل ) وقد انتهى الكلام فيما أشرت إليه من الفنون السبعة وذكرت منها ما تبتهج به وتقربه العيون واختصرت ذلك إلى الغاية فجاء بتوفيق الله في الحسن نهاية وأسأل الله التوفيق بمنه وكرمه والمزيد من بره ونعمه وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثالث والسبعون في ذكر النساء وصفاتهن ونكاحهن وطلاقهن وما يحمد ويذم من عشرتهن وفيه فصول
الفصل الأول في النكاح وفضله والترغيب فيه
قال الله تعالى ( فانكحوا ما طاب لكمن من النساء مثنى وثلاث ورباع ) الآية وقال تعالى ( وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) وقال تعالى ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ) الآية وقال رسول الله " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " وقال رسول الله " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عورا عندكم " وقال رسول الله " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " وقال " سوداء ولود خير من حسناء عقيم " وقال رسول الله " أحسن النساء بركة أحسنهن وجها وأرخصهن مهرا فينبغي للرجل إذا أراد أن يتزوج أن يرغب في ذات الدين وأن يختار الشرف والحسب "

حكي أن نوح بن مريم قاضي مرو أراد أن يزوج ابنته فاستشار جار له مجوسيا فقال سبحان الله يستفتونك وأنت تستفتيني قال لا بد أن تشير علي قال إن رئيسنا كسرى كان يختار المال ورئيس الروم قيصر كان يختار الحسب والنسب ورئيسكم محمد كان يختار الدين فانظر أنت بأيهم تقتدي وقال رجل للحسن إن لي ابنة فمن ترى أن أزوجها له قال زوجها ممن يتقي الله عز و جل فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلم ها وقيل لرجل من الحكماء فلان يخطب فلانة أموسر من عقل ودين فقالوا نعم قال فزوجوه إياها ويستحب أن يختار البكر لقوله " عليكم بالأبكار فإنهن أطيب فواها وأنتق أرحاما " وقالوا أشهى المطي ما لم يركب وأحب اللآلئ ما لم يثقب وأنشد بعضهم
( قالوا نكحت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلى ما لم يركب )
( كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب ) فأجابته إمرأة
( إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا )
( والدر ليس بنافع أربابه ... حتى يؤلف بالنظام ويثقبا ) قال خالد بن صفوان
( عليك إذا ما كنت في الناس ناكحا ... بذات الثنايا الغر والأعين النجل ) وقيل استشار رجل داود عليه السلام في التزويج فقال له سل سليمان وأخبرني بجوابه فصادفه ابن سبع سنين وهو يلعب مع الصبيان وراكبا قصبة فسأله فقال عليك بالذهب الأحمر أو الفضة البيضاء واحذر الفرس لا يضربك فلم يفهم الرجل ذلك فقال له داود عليه الصلاة و السلام الذهب الأحمر البكر والفضة البيضاء الثيب

الشابة ومن وراءهما كالفرس الجموح وقال رسول الله " تخيروا لنطفكم " وقال أنظر في أي شيء تضع ولدك فإن العرق دساس وقال عليه الصلاة و السلام " إياكم إياكم وخضراء الدمن قالوا وما خضراء الدمن يا رسول الله قال المرأة الحسناء في المنبت السوء " وأنشدوا فيه
( إذا تزوجت فكن حاذقا ... وأسأل عن الغصن وعن منبته ) وقال بعضهم
( وأول خبث الماء خبث ترابه ... وأول خبث القوم خبث المناكح ) وعن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي قال " لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء فإن اللبن يعدي ) وقيل إن جعفر بن سليمان بن علي عاب يوما على أولاده وأنهم ليسوا كما يحب فقال له ولده أحمد بن جعفر إنك عمدت إلى فاسقات مكة والمدينة وإماء الحجاز فأوعيت فيهن نطفك ثم تريد أن ينجبن وإنما نحن كصاحبات الحجاز هلا فعلت في ولدك ما فعل أبوك فيك حين اختار لك عقيلة قومها فزوجها منك وأنشدوا
( صفات من يستحب الشرع خطبتها ... جلوتها الأولى الألباب مختصرا )
( صبية ذات دين زانه أدب ... بكر ولود حكت في نفسها القمرا )
( غريبة لم تكن من أهل خاطبها ... تلك الصفات التي أجلوا لمن نظرا )
( فيها أحاديث جاءت وهي ثابتة ... أحاط علما بها من في العلوم قرا ) وقال آخر
( مطيات السرور فويق عشر ... إلى العشرين ثم قف المطايا )
( فإن جزت المسير فسر قليلا ... وبنت الأربعين من الرزايا ) وقال آخر
( فإياك إياك العجوز ووطأها ... فما هو إلا مثل سم الأراقم )

أن العيش كله مقصور على الحليلة الصالحة والبلاء كله موكل بالقرينة السوء التي لا تسكن النفس إلى عشرتها ولا تقر العيون برؤيتها وفي حكمة سليمان بن داود عليهما السلام المرأة العاقلة تعمر بيت زوجها والمرأة السفيهة تهدمه
وروي أنه لما حضر أبو طالب نكاح رسول الله على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ومعه بنو هاشم ورؤساء مضر خطب فقال الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح به برا وفضلا وكرما ومجدا ونبلا فإن كان في المال قل فالمال ظل زائل ورزق حائل وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل
ولما خطب عمرو بن حجر الكندي إلى عوف بن محلم الشيباني ابنته أم إياس وأجابه إلى ذلك أقبلت عليها أمها ليلة دخولها بها توصيها فكان مما أوصتها به أن قالت أي بنية إنك مفارقة بيتك الذي منه خرجت وعشك الذي منه درجت إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فكوني له أمة ليكون لك عبدا واحفظي له خصالا عشرا يكن لك ذخرا فأما الأولى والثانية فالرضا بالقناعة وحسن السمع له والطاعة وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم أنفه منك إلا أطيب الريح وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت طعامه ومنامه فإن شدة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة وأما السابعة والثامنة فالاحراز لماله والارعاء على حشمه وعياله وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصي له أمرا ولا تفشي له سرا فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره وإن أفشيت سره لم تأمني غدره وإياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما والكآبة لديه إذا كان فرحا فقبلت وصية أمها فأنجبت وولدت له الحرث بن عمرو جد أمرئ القيس الملك الشاعر

الهيثم بن عدي الطائي عن الشعبي قال لقيني شريح فقال لي يا شعبي عليك بنساء بني تميم فإني رأيت لهن عقولا فقلت وما رأيت من عقولهن قال أقبلت من جنازة ظهرا فمررت بدورهن وإذا أنا بعجوز على باب دار وإلى جانبها جارية كأحسن ما رأيت من الجواري فعدلت إليها واستسقيت وما بي عطش فقالت لي أي الشراب أحب إليك قلت ما تيسر قالت ويحك يا جارية ائتيه بلبن فإني أظن الرجل غريبا فقلت للعجوز ومن تكون هذه الجارية منك قالت هي زينب بنت جرير إحدى نساء بني حنظلة قلت هي فارغة أم مشغولة قالت بل فارغة قلت أتزوجينيها قالت إن كنت كفأ ( ولم تقل كفوا ) وهي لغة بني تميم فتركتها ومضيت إلى منزلي لأقيل فيه فامتنعت مني القائلة فلما صليت الظهر أخذت بيد إخواني من العرب الأشراف علقمة والأسود والمسيب ومضيت أريد عمها فاستقبلنا وقال ما شأنك أبا أمية قلت زينب ابنة أخيك قال ما بها عنك رغبة فزوجنيها فلما صارت في حبالي ندمت وقلت أي شيء صنعت بنساء بني تميم وذكرت غلظ قلوبهن فقلت أطلقها ثم قلت لا ولكن أدخل بها فإن رأيت ما أحب وإلا كان ذلك فلو شهدتني يا شعبي وقد أقبلت نساؤها بهدينها حتى أدخلت علي فقلت إن من السنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم ويصلي ركعتين ويسأل الله تعالى من خيرها ويتعوذ من شرها فتوضأت فإذا هي تتوضأ بوضوئي وصليت فإذا هي تصلي بصلاتي فلما قضيت صلاتي أتتني جواريها فأخذن ثيابي وألبسني ملحفة قد صبغت بالزعفران فلما خلا البيت دنوت منها فمددت يدي إلى ناصيتها فقالت على رسلك أبا أمية ثم قالت الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على محمد وآله أما بعد فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك فبين لي ما تحب فآتيه وما تكره فأجتنبه فإنه قد كان لك منكح في قومك ولي في قومي مثل ذلك ولكن إذا قضى الله أمرا كان مفعولا وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله تعالى به إما إمساك بمعروف أو تسريح باحسان أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولك ولجميع المسلمين قال فأحوجتني

والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع فقلت الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على محمد وآله أما بعد فإنك قلت كلاما إن ثبت عليه يكن ذلك حظا لي وإن تدعيه يكن حجة عليك أحب كذا وأكره كذا وما رأيت من حسنة فابثثيها وما رأيت من سيئة فاستريها فقالت كيف محبتك لزيارة الأهل ؟ قلت ما أحب أن يملني أصهاري قالت فمن تحب من جيرانك يدخل دارك آذن له ومن تكرهه أكرهه قلت بنو فلان قوم صالحون وبنو فلان قوم سوء قال فبت معها يا شعبي بأنعم ليلة ومكثت معي حولا لا أرى منها إلا ما أحب فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء وإذا أنا بعجوز في الدار تأمر وتنهي قلت من هذه ؟ قالوا فلانة أم حليلتك قلت مرحبا وأهلا وسهلا فلما جلست أقبلت العجوز فقالت السلام عليك يا أبا أمية فقلت وعليك السلام ومرحبا بك وأهلا قالت كيف رأيت زوجتك قلت خير زوجة وأوفق قرينة لقد أدبت فأحسنت الأدب وريضت فأحسنت الرياضة فجزاكي الله خيرا فقالت أبا أمية إن المرأة لا يرى أسوأ حالا منها في حالتين قلت وما هما ؟ قالت إذا ولدت غلاما أو حظيت عند زوجها فإن رابك مريب فعليك بالسوط فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم أشر من الروعاء المدللة فقلت والله لقد أدبت فأحسنت الأدب وريضت فأحسنت الرياضة قالت كيف تحب أن يزورك أصهارك ؟ قلت ما شاءوا فكانت تأتيني في رأس كل حول فتوصيني بتلك الوصية فمكثت معي يا شعبي عشرين سنة لم أعب عليها شيئا وكان لي جار من كندة يفزع امرأته ويضربها فقلت في ذلك
( رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم تضرب زينب )
( أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدل مني ضرب من ليس يذنب )
( فزينب شمس والنساء كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب )
وخطب الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم على ألفي ألف في السر وخمسمائة ألف في العلانية فأجابه إلى ذلك وحملها إلى العراق فأقامت عنده ثمانية أشهر فلما خرج عبد الله بن

إلى عبد الملك بن مروان وافدا نزل بدمشق فأتاه الوليد بن عبد الملك على بغلة ومعه الناس فاستقبله ابن جعفر بالترحيب فقال له الوليد لكنك أنت لا مرحبا بك ولا أهلا قال مهلا يا ابن أخي فلست أهلا لهذه المقالة منك قال بلى والله وبشر منها قال وفيم ذلك ؟ قال لأنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب وسيدة نساء بني عبد مناف فعرضتها عبد ثقيف يتفخذها بتفخذ قال وفي هذا عتبت علي يا ابن أخي ؟ قال نعم فقال عبد الله والله ما أحق الناس أن لا يلومني في هذا إلا أنت وأبوك لأن من كان قبلكم من الولاة كانوا يصلون رحمي ويعرفون حقي وإنك وأباك منعتماني رفدكما حتى ركبني الدين أما والله لو أن عبدا حبشيا مجدعا أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوجتها منه إنما فديت بها رقبتي فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه ومضى حتى دخل على عبد الملك فقال ما لك يا أبا عباس ؟ قال إنك سلطت عبد ثقيف وملكته حتى تفخذ نساء بني عبد مناف فأدركت عبد الملك غيرة فكتب إلى الحجاج يقسم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يطلقها ففعل قال ولم يكن يقطع الحجاج عنها رزقا ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا وما زال واصلا لعبد الله بن جعفر حتى مات وما كان يأتي عليه حول إلا وعنده عير مقبلة من عند الحجاج عليها أموال وكسوة وتحف
وحكي أن المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة سار إلى دير هند بنت النعمان وهي فيه عمياء مترهبة فاستأذن عليها فقالت من أنت ؟ قال المغيرة ين شعبة الثقفي قالت ما حاجتك ؟ قال جئت خاطبا قالت إنك لم تكن جئتني لجمال ولا مال ولكنك أردت أن تتشرف في محافل العرب فتقول تزوجت بنت النعمان بن المنذر وإلا فأي خير في اجتماع عمياء وأعور وكان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قد تزود عاتكة بنت عمرو بن نفيل وكانت من أجمل نساء قريش وكان عبد الرحمن من أحسن الناس وجها وأبرهم بوالديه فلما دخل بها غلبت على عقله وأحبها حبا شديدا فثقل ذلك على أبيه فمر به أبو بكر يوما وهو في غرفة له فقال يا بني إني أرى هذه

قد أذهلت رأيك وغلبت على عقلك فطلقها قال لست أقدر على ذلك فقال أقسمت عليك إلا طلقتها فلم يقدر على مخالفة أبيه فطلقها فجزع عليها جزعا شديدا وامتنع من الطعام والشراب فقيل لأبي بكر أهلكت عبد الرحمن فمر به يوما وعبد الرحمن لا يراه وهو مضطجع في الشمس ويقول هذه الأبيات
( فوالله لا أنساك ما ذر شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوق )
( فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها
ولا مثلها في غير شيء يطلق )
( لها خلق عف ودين ومحتد ... وخلق سوي في الحياء ومنطق ) فسمعه أبوه فرق له وقال له راجعها يا بني فراجعها وأقامت عنده حتى قتل عنها يوم الطائف مع رسول الله أصابه سهم فقتله فجزعت عليه جزعا شديدا وقالت ترثيه
( فآ ليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا )
( فتى طول عمري ما أرى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا )
( إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى القرن حتى يترك الرمح أحمرا ) ثم تزوجها بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته ودعا الناس إلى وليمته فأتوه فلما فرغ من الطعام وخرج الناس قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام عاتكة حتى أهنيها وأدعو لها بالبركة فذكر عمر ذلك لعاتكة فقالت إن أبا الحسن فيه مزاح فائذن له يا أمير المؤمنين فأذن له فرفع جانب الخدر فنظر اليها فإذا ما بدا من جسدها مضمخ بالخلوق فقال لها يا عاتكة ألست القائلة
( فآ ليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا )

وقيل إن عمر لما قتل عنها جزعت عليه جزعا شديدا وتزوجت بعده الزبير بن العوام وكان رجلا غيورا وكانت تخرج إلى المسجد كعادتها مع أزواجها فشق ذلك عليه وكان يكره أن ينهاها عن الخروج إلى الصلاة لحديث رسول الله ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) فعرض لها ليلة في ظهر المسجد وهي لا تعرفه فضرب بيده عجيزتها ثم انصرف فقعدت بعد ذلك عن الخروج إلى المسجد وكان يقول لها ألا تخرجين يا عاتكة ؟ فتقول كنا نخرج إذا الناس ناس وما بهم من باس وأما الآن فلا ثم قتل عنها الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو نائم ثم تزوجها بعده محمد بن أبي بكر فقتل عنها بمصر فقالت لا أتزوج بعده أبدا إني لأحسبني أني لو تزوجت جميع أهل الأرض لقتلوا عن آخرهم
وحكي عن الحرث بن عوف بن أبي حارثة أنه قال لخارجة بن سنان أترى أخطب إلى أحد فبردني قال نعم قال ومن هو ؟ قال أوس بن حارثة بن لام الطائي قال اركب بنا إليه فركبنا إليه حتى أتينا أوس بن حارثة في بلاده فوجدناه في فناء منزلة فلما رأى الحرث ابن عوف قال مرحبا بك يا حارث ثم قال ما جاء بك ؟ قال جئت خاطبا قالت لست هناك فانصرف ولم يكلمه فدخول أوس على امرأته مغضبا فقالت له من الرجل الذي سلم عليك فلم تطل معه الوقوف ولم تكلمه ؟ فقال ذلك سيد العرب الحارث بن عوف فقالت فما لك لا تستنزله ؟ قال إنه استهجنني قالت وكيف ؟ قال لأنه جاءني خاطبا فالت ألست تزعم أنه سيد العرب قال نعم قالت إذا لم تزوج سيد العرب في زمانه فمن تزوج ؟ قال قد كان ذلك قالت فتدارك ما كان منك قال فبماذا ؟ قالت بأن تلحفه فترده قال وكيف وقد فرط مني إليه ما فرط قالت تقول له إنك لقيتني وأنا مغضب لأمر فلك المعذرة فيما فرط مني فارجع ولك عندي كل ما طلبت قال فركب في أثرهما قال خارجة ابن سنان فوالله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته فقلت للحرث وهو ما يكلمني هذا أوس في أثرنا فقال ما أصنع به فلما رآنا

لا نقف قال يا حاراث اربع علي فوقفنا له وكلمه بذلك الكلام فرجع مسرورا قال خارجة بن سنان فبلغني أن أوسا لما دخل منزله قال لزوجته ادعيى لي فلانة أكبر بناته فأتته فقال لها أي بنية هذا الحرث بن عوف سيد من سادات العرب جاءني خاطبا وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين ؟ قالت لا تفعل قال ولم ؟ قالت لأن في خلقي رداءة وفي لساني حدة ولست بابنة عمه فيراعي رحمي ولا هو بجارك في البلد فيستحي منك ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي بذلك مسبة قال لها قومي بارك الله فيك ثم دعا ابنته الأخرى فقال لها مثل قوله لأختها فأجابته بمثل جوابها فقال لها قومي بارك الله فيك ثم دعا بالثالثة وكانت أصغرهن سنا فقال لها مثل ما قال لأختيها فقالت له أنت وذاك فقال لها إني عرضت ذلك على أختيك فأبتاه ولم يذكر لها مقالتهما فقالت والله أني الجميلة وجها الرفيعةخلقا الحسنة رأيا فإن طلقني فلا أخلف الله عليه فقال لها بارك الله فيك ثم خرج إليه فقال زوجتك يا حارث بابنتي هئيسة قال قد قبلت نكاحها وأمر أمها أن تهيئها له وتصلح شأنها ثم أمر ببيت فضرب له وأنزله إياه ثم بعثها إليه فلما دخلت عليه لبث هنيهة ثم خرج إلي فقلت له أفرغت من شأنك ؟ قال لا والله قلت له وكيف ذلك ؟ قال لما مددت يدي إليها قالت مه أعند أبي وأخوتي هذا والله لا يكون ثم أمر بالرحلة فارتحلنا بها معا وسرنا ما شاء الله قال لي تقدم فتقدمت فعدل عن الطريق فما لبث أن لحقني فقلت أفرغت من شأنك ؟ قال لا والله قلت ولم ؟ قال قالت تفعل بي كما يفعل بألأمة السبية الأخيذة لا والله حتى تنحر الجزر والغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل مثلك لمثلي فقلت والله إني لأرى همة وعقلا فقال صدقت قال أرجو الله أن تكون المرأة النجيبة فوردنا إلى بلادنا فأحضر الإبل والغنم ونحر وأولم ثم دخل عليها وخرج إلي فقلت أفرغت من شأنك ؟ قال لا والله قلت ولم ذلك ؟ قال دخلت عليها أريدها فقلت لها أحضرت من المال ما تريدين قالت والله لقد ذكرت من الشرف

ليس فيك قلت ولم ذاك ؟ قالت أتستفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا وكان ذلك في أيام حرب قيس وذبيان قلت فماذا تقولين ؟ قالت أخرج إلى القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد فقلت والله إني لأرى عقلا ورأيا سديدا قال فاخرج بنا فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على أن يحسبوا القتلى ثم تؤخذ الدية فحملنا عنهما الديات فكانت ثلاثة الآف بعير فانصرفنا بأجمل ذكر ثم دخل عليها فقالت له أما الآن فنعم فأقامت عنده في ألذ عيش وأطيبه وولدت له بنين وبنات وكان من أمرهما ما كان والله أعلم بالصواب
وحكى الفضل أبو محمد الطيبي قال حدثنا بعض أصحابنا أن رجلا من بني سعد مرت به جاريه لأمية بن خالد بن عبد الله بن أسد ذات ظرف وجمال وكان شجاعا فارسا فلما رآها قال طوبى لمن كان له امرأة مثلك ثم اتبعها رسولا يسألها ألها زود ويذكره لها وكان جميلا فقالت للرسول وما حرفته فأبلغه الرسول ذلك فقال ارجع إليها وقل لها
( وسائلة ما حرفتي قلت حرفتي ... مقارعة الأبطال في كل شارق )
( إذا عرضت خيل لخيل رأيتني ... أمام رعيل الخيل أحمي حقائقي )
( أصبر نفسي حين لم أر صابرا ... على ألم البيض الرقاق البوارق ) فلحقها الرسول فأنشدها ما قال فقالت له ارجع إليه وقل له أنت أسد فاطلب لك لبوة فلست من نسائك وأنشدته تقول
( ألا إنما أبغي جوادا بماله ... كريما محياه كثير الصدائق )
( فتى همه مذ كان خود خريدة ... يعانقها في الليل فوق النمارق )
وحدث يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن عبد الحكم عن الإمام

الشافعي رضي الله عنه قال تزوج رجل امرأة جديدة على امرأة قديمة فكانت الجارية الجديدة تمر على بيت القديمة فتقول
( وما يستوي الرجلان رجل صحيحة ... وأخرى رمى فيها الزمان فشلت ) ثم تعود وتقول
( وما يستوي الثوبان ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديد ) فمرت الجارية القديمة على باب الجديدة يوما وقالت
( نقل فؤادك ما استطعت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول )
( كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل ) وقال عمرو بن العلاء وكان أعلم الناس بالنساء
( فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بادواء النساء طبيب )
( إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب ) وسئل المغيرة بن شعبة عن صفة النساء فقال بنات العم أحسن مؤاساة والغرائب أنجب وما ضرب رؤوس الأقران مثل ابن السوداء وقال عبد الملك بن مروان من أراد أن يتخذ جارية للمتعة فليتخذها بربرية ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية قال الشاعر
( لا تشتمن امرأ ممن يكون له ... أم من الروم أو سوداء عجماء )
( فإنما أمهات القوم أرعية ... مستودعات وللأنساب آباء ) وقال الأصمعي أتاني رجل من قريش يستشيرني في امرأة يتزوجها فقلت يا ابن أخي أقصيرة النسب أم طويلته فلم يفهم علي فقلت يا ابن أخي أما القصيرة النسب فالتي إذا ذكرت أياما اكتفت به والطويلة النسب فهي التي لا تعرف حتى تطيل في نسبها فإياك أن تقع مع قوم قد أصابوا كثيرا من الدنيا مع دناءة فيهم فتضيع نسبك فيهم وخرج رجل من أهل الكوفة في غزاة فكسب جارية وفرسا وكان مملكا على ابنة عمه فكتب إليها يعيرها ويقول

( إلا بلغوا أم البنين بأننا ... غنينا واغنتنا الغطارفة النجد )
( بعيد مناط المنكبي إذا جرى ... وبيضاء كالتمثال زينها العقد )
( فهذا لأيام العدو وهذه ... لحاجة نفسي حين ينصرف الجند ) فلما ورد عليها كتابه وقرأته قالت يا غلام هات الدواة وكتبت جوابه تقول
( ألا فاقرء مني السلام وقل له ... غنينا وأغنتنا الغطارفة المرد )
( إذا شئت أغناني غلام مرجل ... ونازعته في ماء معتصر الورد )
( وإن شاء منهم ناشئ مد كفه ... إلى عكن ملساء أو كفل نهدي )
( فما كنتم تقضون حاجة أهلكم ... شهودا فتقضوها على النأى والبعد )
( فعجل إلينا بالسراح فإنه ... منانا ولا ندعو لك الله بالرد )
( فلا قفل الجنج الذي أنت فيهم ... وزادك رب الناس بعدا على بعد ) فلما ورد عليه كتابها لم يزد على أن ركب الفرس وأردف الجارية خلفه ولحق بابنة عمه فكان أول شيء بدأها به بعد السلام أن قال لها بالله عليك هل كنت فاعلة ذلك فقالت له الله في قلبي أعظم وأجل وأنت في عيني أذل وأحقر من أن أعصي الله فيك فكيف ذقت طعم الغيرة فوهب لها الجارية وانصرف إلى الغزاة والله تعالى أعلم بالصواب
الفصل الثاني في صفات النساء المحمودة
كتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب أن أخطب لعبد الملك بن مراون امرأة جميلة من بعيد مليحة من قريب شريفة في قومها ذليلة في

مؤاتية لبعلها فكتب إليه قد أصبتها لولا عظم ثديها فكتب إليه لا يكمل حسن المرأة حتى يعظم ثديها فتدفي الضجيع وتروي الرضيع وقال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان صف لي أحسن النساء قال خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين ردماء الكعبين ناعمة الساقين ضخماء الركبتين لفاء الفخذين ضخمة الذراعين رخصة الكفين ناهدة الثديين حمراء الخدين كحلاء العينين زجاء الحاجبين لمياء الشفتين بلجاء الجبين شماء العرنين شنباء الثغر محلولكة الشعر غيداء العنق مكسرة البطن فقال ويحك وأين توجد هذه قال تجدها في خالص العرب وفي خالص الفرس وقال حكيم عليكم بمن تربت في النعيم ثم أصابتها فاقة فأثر فيها الغنى وأدبها الفقر وقال رجل لخاطب ابغ لي امرأة لا تؤنس جارا ولا توطن دارا يعني لا تدخل على الجيران ولا تدخل الجيران عليها وفي مثل هذه قال الشاعر
( هيفاء فيها إذا استقبلتها صلف ... عيطاء غامضة الكعبين معطار )
( خود من الخفرات البيض لم يرها ... بساحة الدار لا بعل ولا جار ) وقال الأعشى
( لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولم تر الشمس دونها الكلل ) وكانت امرأة عمران بن حطان من أجمل الناس وجها وكان هو من أقبح الناس وجها فقال لها يوما أنا وإياك في الجنة إن شاء الله تعالى فقالت له وكيف ذلك فقال لأني أعطيت مثلك فشكرت وأعطيت مثلي فصبرت والصابر والشاكر في الجنة وقال بعضهم رأيت في طريق مكة أعرابية ما رأيت أحسن منها وجها فقعدت أنظر إليها وأتعجب من جمالها فجاء شيخ قصير فأخذ بردائها وسار بها ومضى فلقيتها مرة أخرى فقلت لها من هذا الشيخ قالت زوجي قلت كيف يرضى مثلك بمثله فأنشد

( أيا عجبا للخود يجري وشاحها ... تزف إلى شيخ بأقبح تمثال )
( دعاني إليه أنه ذو قرابة ... يعز علينا من بني العم والخال ) وسمع بعضهم قائلا يقول
( ومن لا يرد مدحي فإن مدائحي ... نوافق عند الأكرمين نوامي )
( نوافق عند المشتري الحمد بالندى ... نفاق بنات الحرث بن هشام ) فقال يا ابن أخي ما بلغ من نفاق بنات الحرث بن هشام قال كن من أجمل الناس وجوها وكان أبوهن إذا زوجهن يسوفهن ومهورهن إلى بعولتهن فقال يا ابن أخي لو فعل هذا ابليس ببناته لتنافست فيهن الملائكة المقربون
وقال عبد الملك لابن أبي الرقاع كيف علمك بالنساء قال أنا والله أعلم الناس بهن وجعل يقول
( قضاعية الكعبين كندية الحشا ... خزاعية الأطراف طائية الفم )
( لها حكم لقمان وصورة يوسف ... ومنطق داود وعفة مريم ) وقالوا الوجه الحسن أحمر وقد تضرب فيه الصفرة مع طول المكث في الكن والتضمخ بالطيب وقالوا أن الوجه الرقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمر وإذا فرق يصفر ومنه قولهم ديباج الوجه يريدون تلونه من رقته قال علي بن زيد في وصفه
( حمرة خلط صفرة في بياض ... مثل ما حاك حائك ديباجا ) ( وقال علي بن عبد ربه )
( بيضاء يحمر خداها إذا خجلت ... كما جرى ذهب في صفحتي ورق ) وقالوا إن الجارية الحسناء تتلون بتلون الشمس فهي بالضحى بيضاء وبالعشى صفراء فقال ذو الرمة

( بيضاء صفراء قد تنازعها ... لونان من فضة ومن ذهب ) قالوا ليس المرأة الجميلة التي تأخذ ببصرك جملة على بعد فإذا دنت منك لم تكن كذلك بل الجميلة التي كلما كررت بصرك فبها زادتك حسنا وقالوا إن أردت أن ينجب ولدك فاغضبها ثم قع عليها قال الشاعر
( ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فعاش غير مهبل )
( حملت به في ليلة مزورة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل )
الفصل الثالث في صفة المرأة السوء نعوذ بالله تعالى منها
في حكمة داود عليه السلام " أن المرأة السوء مثل شرك الصياد لا ينجو منها إلا من رضي الله تعالى عنه " وقيل المرأة السوء غل يلقيه الله تعالى في عنق من يشاء من عباده وقيل لأعرابي كان ذا تجربة للنساء صف لنا شر النساء فقال شرهن النحيفة الجسم القليلة اللحم المحياض الممراض المصفرة الميشومة العسرة المبشومة السلطة البطرة النفرة السريعة الوثبة كأنها لسان حربة تضحك من غير عجب وتبكي من غير سبب وتدعو على زوجها بالحرب أنف في السماء وإست في الماء عرقوبها حديد منتفخة الوريد كلامها وعيد وصوتها شديد وتدفن الحسنات وتفشي السيآت تعين الزمان على بعلها ولا تعين بعلها على الزمان ليس في قلبها عليه رأفة ولا عليها منه مخافة إن دخل خرجت وإن خرج دخلت وإن ضحك بكت وإن بكى ضحكت كثيرة الدعاء قليلة الإرعاء تأكل لما وتوسع ذما ضيقة الباع مهتوكة القناع صبيها مهزول وبيتها مزبول إذا حدثت تشير بالإصبع وتبكي في المجامع بادية من حجابها نباحة عند بابها تبكي وهي ظالمة وتشهد وهي غائبة

دلى لسانها بالزور وسال دمعها بالفجور ابتلاها الله بالويل والثبور وعظائم الأمور ويقال إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها فإن علامة ذلك أن تكون عند قربها منه مرتدة الطرف عنه كأنها تنظر إلى إنسان غيره من ورائه وإن كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه قال بعضهم
( لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السوء يلقى معمر )
( فيا ليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذبها فيه نكير ومنكر ) وقال زيد بن عمير
( أعاتبها حتى قلت أقلعت ... أبى الله إلا خزيها فتعود )
( فإن طمثت قادت وإن طهرت زنت ... فهاتيك تزني دائما وتقود ) وقال داود عليه الصلاة و السلام المرأة السوء على بعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير والمرأة الصالحة كالتاج المرصع بالذهب كلما رآها قرت عينه برؤيتها والله أعلم
الفصل الرابع في مكر النساء وغدرهن وذمهن ومخالفتهن
في حكمة داود عليه الصلاة و السلام وجدت في الرجال واحدا في ألف ولم أجد واحدة في جميع النساء وقيل إن عيسى عليه الصلاة و السلام لقي إبليس يسوق أربعة أحمرة عليها أحمال فسأله فقال أحمل تجارة وأطلب مشترين فقال ما أحدها قال الحمور قال من يشتريه قال السلاطين قال فما الثاني قال الحسد قال فمن يشتريه قال العلماء قال فما الثالث قال الخيانة قال فمن يشتريها قال التجار قال فما الرابع قال الكيد قال

فمن يشتريه قال النساء وقال حكيم النساء شر كلهن وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن وقالت الحكماء لا تثق بامرأة ولا تغتر بمال وإن كثر وقال النساء حبائل الشيطان قال الشاعر
( تمتع بها ملسا عفتك ولا تكن ... جزوعا إذا بانت فسوف تبين )
( وخنها وإن كانت تفي لك إنها ... على قدم الأيام سوف تخون )
( وإن هي أعطتك الليان فانها ... لغيرك من طلابها ستلين )
( وإن حلفت أن ليس تنقض عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين )
( وإن سكبت يوم الفراق دموعها ... فليس لعمر الله ذاك يقين ) وقال ابن بشار
( رأيت مواعيد النساء كأنها ... سراب لمرتاد المناهل حافل )
( ومنتظر الموعود منهن كالذي ... يؤمل يوما أن تلين الجنادل ) قال بعض الحكماء لم تنه عن شيء قط إلا فعلته وقال الغنوي
( إن النساء متى ينهين عن خلق ... فإنه واقع لا بد مفعول ) وقال النخعي من اقتراب الساعة طاعة النساء ويقال من أطاع عرسه فقد أضاع نفسه وقال علي رضي الله تعالى عنه إياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن اكفف أبصارهن بالحجاب فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب وليس خروجهن بأضر من دخول من لا يوثق به عليهن فإن استطعت أن لا يعرفهن غيرك فافعل قال السمعاني
( لا تأمنن على النساء ولو أخا ... ما في الرجال على النساء أمين )
( إن الأمين وإن تحفظ جهده ... لا بد أن بنظرة سيخون ) وقال غيره
( لا تركنن إلى النساء ... ولا تثق بعهودهن )

( فرضاؤهن جميعهن ... معلق بفروجهن ) وقال علي رضي الله تعالى عنه لا تطلعوا النساء على حال ولا تأمنوهن على مال ولا تذروهن إلا لتدبير العيال إن تركن وما يردن أو ردن المهالك وأفسدن الممالك ينسين الخير ويحفظن الشر يتهافتن في البهتان ويتمادين في الطغيان وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ذل من أسند أمره إلى امرأة وقيل إن صيادا أتى أبرويز بسمكة فأعجبه حسنها وسمتها فأمر له بأربعة آلاف درهم فخطأته سيرين زوجته فقال لها ماذا أفعل فقالت له إذا جاءك فقل له أذكر كانت أم أنثى فإن قال لك ذكر فاطلب منه الأنثى وإن قال لك أنثى فاطلب منه الذكر فلما أتاه سأله فقال كانت أنثى فقال ائتني بذكرها فقال عمر الله الملك كنت بكرا لم تتزوج فقال زه وأمر له بثمانية آلاف درهم وقال اكتبوا في الحكمة الغدر ومطاوعة النساء يؤديان إلى الغرم الثقيل وقال حكيم اعص النساء وهواك وافعل ماشئت وقال عمر رضي الله تعالى عنه أكثروا لهن من قول لا فإن نعم تغريهن على المسألة قال أستعيذ بالله من أشرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر
ومما قيل في الباءة ذكر الجماع عند الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال هو نور وجهك ومخ ساقك منه أو أكثر وقال معاوية رضي الله تعالى عنه ما رأيت نهما في النساء إلا عرفت ذلك في وجهه وخلا تمام بجارية له فعجز عنها فقال ما أوسع حرك فأنشأت تقول
( أنت الفداء لمن قد كان يملؤه ... ويشتكي الضيق منه حين يلقاه ) وقال آخر
( شفاء الحب تقبيل ولمس ... وسحب بالبطون على البطون )

( ورهز تذرف العينان منه ... وأخذ بالمناكب والقرون ) وقالت امرأة من أهل الكوفة دخلت على عائشة بنت طلحة فسألت عنها فقيل هي مع زوجها في القيطون فسمعت شهيقا وشخيرا لم أسمع مثله ثم خرجت إلي وجبينها يتصبب عرقا فقلت لها ما ظننت حرة تفعل هذا بنفسها فقالت إن الخيل تشرب بالصفير وعاتبت امرأة زوجها على قلة إتيانها فأجابها يقول
( أنا شيخ ولي امرأة عجوز ... تراودني على ما لا يجوز )
( وقالت رق أيرك مذ كبرنا ... فقلت بلى قد اتسع القفيز ) وكان لرجل امرأة تخاصمه وكلما خاصمته قام إليها فواقعها فقالت ويحك كلما تخاصمني تأتيني بشفيع لا أقدر على رده وأتى رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقال إن لي امرأة كلما غشيتها تقول قتلتني فقال اقتلها بهذه القتلة وعلي إثمها وقالوا من ل جماعه فهو أصح بدنا وأنقى جلدا وأطول عمرا ويعتبر ذلك بذكور الحيوان وذلك أنه ليس في الحيوان أطول أعمارا من البغال ولا أقصر أعمارا من العصافير وهي أكثرها سفادا والله تعالى أعلم بالصواب
الفصل الخامس في الطلاق وما جاء فيه
عن عبد الرحمن بن محمد بن أخي الأصمعي قال قال عمي للرشيد في بعض حديثه يا أمير المؤمنين بلغني إن رجلا من العرب طلق في يوم واحد خمس نسوة قال وكيف ذلك وإنما لا يجوز للرجل غير أربعة قال يا أمير المؤمنين كان متزوجا بأربعة فدخل عليهن يوما فوجدهن متنازعات وكان شريرا فقال إلى متى هذا النزاع ما أظن

هذا إلا من قبلك يا فلانة لامرأة منهن اذهبي فأنت طالق فقالت له صاحبتها عجلت عليها بالطلاق ولو أدبتها بغير ذلك لكان أصلح فقال لها وأنت أيضا طالق فقالت له الثالثة قبحك الله فوالله لقد كانتا إليك محسنتين فقال لها وأنت أيضا أيتها المتعددة أياديهما طالق فقالت الرابعة وكانت هلالية ضاق صدرك إلا أن تؤدب نساءك بالطلاق فقال لها وأنت طالق أيضا فسمعته جاره له فأشرفت عليه وقالت له والله ما شهدت العرب عليك ولا على قومك بالضعف إلا لما بلوه منكم ووجدوه فيكم أبيت إلا طلاق نسائك في ساعة واحدة فقال لها وأنت أيتها المتكلمة فيما لا يعنيك طالق إن أجازني بعلك فأجابه زوجها قد أجزت لك ذلك فعجب الرشيد من ذلك وطلق امرأته فلما أرادت الارتحال قال لها اسمعي وليسمع من حضر إني والله اعتمدتك برغبة وعاشرتك بمحبة ولم أجد منك زلة ولم يدخلني عنك ملة ولكن القضاء كان غالبا فقالت المرأة جزيت من صاحب ومصحوب خيرا فما استقللت خيرك ولا شكوت ضيرك ولا تمنيت غيرك ولا أجد لك في الرجال شبيها وليس لقضاء الله مدفع ولا من حكمة علينا ممنع وقال رجل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء فقال يكفيه من ذلك عدد نجوم الجوزاء
ذكر من طلق امرأته فتبعها نفسه قال الهيثم بن عدي كانت تحت ابن الغربان بن الأسود بنت عم له فطلقها فتبعتها نفسه فكتب إليها يعرض لها بالرجوع فكتبت إليه تقول
( إن كنت ذا حاجة فاطلب لها بذلا ... إن الغزال الذي ضيعت مشغول ) فكتب إليها يقول
( إن كان ذا شغل فالله يكلؤه ... فقد لهونا به والحبل موصول )
( وقد قضينا من استظرافه وطرا ... وفي الليالي وفي أيامها طول )

وطلق الوليد بن يزيد زوجته سعدى فلما تزوجت اشتد ذلك عليه وندم على ما كان منه فدخل عليه أشعب فقال له هل لك أن تبلغ سعدى عني رسالة ولك عشرة آلاف درهم قال أقبضنيها فأمر له بها فلما قبضها قال له هات رسالتك قال ائتها فأنشدها
( أسعدى هل إليك لنا سبيل ... ولا حتى القيامة من تلاق )
( بلى ولعل دهرا أن يؤاتي ... بموت من خليلك أو فراق ) قال فأتاها أشعب فاستأذن عليها فأذنت له فدخل فقالت له ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب فقال يا سيدتي أرسلني إليك برسالة ثم أنشدها الشعر فقالت لجواريها عليكن بهذا الخبيث فقال يا سيدتي إنه دفع إلي عشرة آلاف درهم فهي لك واعتقيني لوجه الله فقالت والله لا أعتقك أو تبلغ إليه ما أقول لك قال يا سيدتي فاجعل لي جعلا قالت لك بساطي هذا قال قومي عنه فقامت فأخذه وألقاه على ظهره وقال هاتي رسالتك فقالت
( أتبكي على سعدى وأنت تركتها ... فقد ذهبت سعدى فما أنت صانع ) فلما بلغه الرسالة ضاقت عليه الأرض بما رحبت وأخذته كظمة فقال لأشعب اختر مني إحدى ثلاث إما أن أقتلك وأما أن أطرحك من هذا القصر وأما أن ألقيك إلى هذه السباع فتفترسك فتحير أشعب وأطرق مليا ثم قال يا سيدي ما كنت لتعذب عينا نظرت إلى سعدى فتبسم وخلى سبيله وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه الفرزدق الشاعر طلق النوار ثم ندم على طلاقها وقال
( ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار )
( فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... بأمر ليس لي فيه اختيار )
( وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار )

( ولو أني ملكت بها يميني ... لكان علي للقدر الخيار ) وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه فندم قيس بن ذريح وكان أبوه أمره بطلاقها فطلقها وندم على ذلك فأنشأ يقول
( فنى صبري وعاودني رداعي ... وكان فراق لبتي كالخداع )
( تكنفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع )
( فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... على أمر وليس بمستطاع )
( كمغبون يعض على يديه ... تبين غبنه عند البياع ) وحدث العتبي قال جاء رجل بامرأة كأنها برج من فضة إلى عبد الرحمن بن الحكم وهو على الكوفة فقال إن امرأتي هذه شجتني فسألها عبد الرحمن فقالت نعم يا مولاي غير متعمدة لذلك كنت أعالج طيبا فوقع الفهر من يدي على رأسه وليس عندي علم ولا يقوى بدني على القصاص فقال للرجل علام تمسكها وقد فعلت بك ما أرى فقال يا مولاي إن صداقها علي أربعة آلاف درهم ولا تطيب نفسي بفراقها قال فإن أعطيتك الأربعة آلاف درهم تفارقها قال نعم قال هي لك قال فهي إذن طالق فقال لها عبد الرحمن احبسي علينا نفسك وأنشأ يقول
( يا شيخ يا شيخ من دلاك بالغزل ... قد كنت يا شيخ عن هذا بمعتزل )
( رضت الصعاب فلم تحسن رياضتها ... فاعمد لنفسك نحو القرح الذلل ) والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها قد أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات الأولى قوله تعالى ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) الآية فكان من المسلمين من شارب ومن تارك إلى أن شرب رجل فدخل في الصلاة فهجر فنزل قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولوا ) فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها حتى شربها عمر رضي الله تعالى عنه فأخذ بلحى بعير وشج به رأس عبد الرحمن بن عوف ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر يقول
( وكائن بالقليب قليب بدر ... من الفتيان والعرب الكرام )
( أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام )
( أيعجز أن يرد الموت عني ... وينشرني إذا بليت عظامي )
( إلا من مبلغ الرحمن عني ... بأني تارك شهر الصيام )
( فقل لله يمنعني شرابي ... وقل لله يمنعني طعامي ) فبلغ ذلك رسول الله فخرج مغضبا يجر رداءه فرفع شيئا كان

في يده فضربه به فقال أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فأنزل الله تعالى ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) فقال عمر رضي الله تعالى عنه انتهينا انتهينا
ومن الأخبار المتفق عليها في تحريمها قول سيدنا رسول الله " لا يدخل الجنة مدمن خمر " وقوله " أول ما نهاني ربي بعد عبادة الأوثان عن شرب الخمر وملاحات الرجال " وممن تركها في الجاهلية عبد الله بن جدعان وكان جوادا من سادات قريش وذلك أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي فضربه على عينه فأصبحت عين أمية مخضرة يخاف عليها الذهاب فقال له عبد الله ما بال عينك فسكت فألح عليه فقال ألست ضاربها بالأمس فقال أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه إلى هذا لا أشربها بعد اليوم ثم دفع له عشرة آلاف درهم وقال الخمر علي حرام لا أذوقها بعد اليوم أبدا وممن حرمها في الجاهلية أيضا قيس بن عاصم وذلك أنه سكر ذات ليلة فقال لابنته أو لأخته فهربت منه فلما أصبح سأل عنها فقيل له أو ما علمت ما صنعت البارحة فأخبر بالقصة فحرم الخمر على نفسه وممن حرمها في الجاهلية أيضا العباس بن مرداس وقيس بن عاصم وذلك أن قيسا شرب ذات ليلة فجعل يتناول القمر ويقول والله لا أبرح حتى أنزله ثم يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه فلما أصبح وأفاق قال مالي هكذا فأخبروه بالقصة فقال والله لا أشربها أبدا وقيل للعباس بن مرداس لم تركت الشراب وهو يزيد في سماحتك فقال أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم ودخل نصيب على عبد الملك بن مروان فأنشده فأعجبه انشاده وشعره ووصله ثم دعا بالطعام فطعم منه فقال له عبد الملك يا نصيب هل لك فيما ينادم عليه قال يا أمير المؤمنين جلدي أسود وخلقي مشوه ووجهي قبيح وتكفيني مجالستك ومؤاكلتك ولم يوصلني إلى ذلك

إلا عقلي وأنا أكره أن يدخل عليه ما ينقصه فأعجبه كلامه ووصله وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج في وفدة وفدها عليه هل لك في الشراب فقال يا أمير المؤمنين لا خلاف لما أمرت ولكن أنا أمنع أهل عملي منه وأكره أن أمنعهم عن شيء ولا أمتنع منه وقال الله تعالى ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) وقال تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) وقيل لأعرابي لم لا تشرب النبيذ فقال لا أشرب ما يشرب عقلي وقال الضحاك بن مزاحم لرجل ما تصنع بشرب النبيذ قال يهضم طعامي قال أما أنه يهضم من دينك وعقلك أكثر قال ابن أبي أوفى لقزمه حين نهوا عن الخمر
( ألا يا لقومي ليس في الخمر رفعة ... فلا تقربوا منها فلست بفاعل )
( فإني رأيت الخمر شيئا ولم يزل ... أخو الخمر دخالا لشر المنازل ) وقال الحسن لو كان العقل يشترى لتغالى الناس في ثمنه فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده وقال عليه السلام حب الدنيا رأس كل خطئية والنساء حبائل الشيطان والخمر داعية إلى كل شر وقال بعضهم
( بلوت نبيذ الخمر في كل بلدة ... فليس لأخوان النبيذ حفاظ )
( إذا دارت الأرطال أرضوك بالمنى ... وإن فقدوها فالوجوه غلاظ ) وقال حكيم إياك وإخوان النبيذ فبينما أنت متوج عندهم مخدوم مكرم معظم إذ زلت بك القدم فجروك على شوك السلم فاحفظ قول القائل فيه
( وكل أناس يحفظون حريمهم ... وليس لأصحاب النبيذ حريم )
( فإن قلت هذا لم أقل عن جهالة ... ولكنني بالفاسقين عليم ) وللأعرج الطائي
( تركت الشعر واستبدلت منه ... إذا داعي صلاة الصبح قاما )

الصفدي
( دع الخمر فالراحات في ترك راحها ... وفي كأسها للمرء كسوة عار )
( وكم ألبست نفس الفتى بعد نورها ... مدارع قار في مدار عقار )
نكتة اجتمع نصراني ومحدث في سفينة فصب النصراني خمرا من زق كان معه في شربة وشرب ثم صب فيها وعرض على المحدث فتناولها من غير فكر ولا مبالاة فقال النصراني جعلت فداءك إنما هي خمر قال من أين علمت أنها خمر قال اشتراها غلامي من يهودي وحلف أنها خمر فشربها المحدث على عجل وقال للنصراني يا أحمق نحن أصحاب الحديث نضعف مثل سفيان ابن عيينة ويزيد بن هارون أفنصدق نصرانيا عن غلامه عن يهودي والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد
ومن المجون في ذلك ما حكي أن سكرانا استلقى على طريق فجاء كلب فلحس شفتيه فقال خدمك بنوك ولا عدموك فبال على وجهه فقال وماء حارا أيضا بارك الله فيك وقيل حالة السكارى ثلاثة قرد حرك رأسه فرقص وكلب هارش فنبح وحية زويت فنامت ومر عقال الناسك بمرداس بن خدام الأسدي فاستسقاه لبنا فصب له خمرا وعلاه بلبن فشربه وسكر ولم يتحرك ثلاثة أيام فقال
( سقيت عقالا بالعشية شربة ... فمالت بعقل الكاهلي عقالي )
( قرعت بأم الخل حبة قلبه ... فلم ينتعش منها ثلاث ليالي ) ويقال الخمر مصباح السرور ولكنها مفتاح الشرور اللهم تب علينا وعلى العصاة المذنبين برحمتك يا أرحم الراحمين آمين

الباب الخامس والسبعون في المزاح والنهي عنه وما جاء في الترخيص فيه والبسط والتنعم وفيه فصول
الفصل الأول في النهي عن المزاح
قال رسول الله " المزاح استدراج من الشيطان واختلاع من الهوى " وعن علي ما مزح أحد مزحة إلا مج الله من عقله مجة وعنه إياك أن تذكر من الكلام منا يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى عماله أمنعوا الناس من المزاح فإنه يذهب بالمروءة ويوغر الصدور وقال بعض الحكماء تجنب سوء المزاح ونكد الهزل فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد غم وقال آخر لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح وعن محمد بن المنكدر قال قالت لي أمي لا تمازح الصبيان تهن عندهم وخرج أعرابي بالليل فإذا بجارية جميلة فراودها فقالت أما لك زاجر من عقلك إذا لم يكن لك واعظ من دينك فقال والله ما يرانا إلا الكواكب فقالت له يا هذا وأين مكوكبها فأخجله كلامها فقال لها إنما كنت مازحا فقالت
( فإياك إياك المزاح فإنه يجري ... عليك الطفل والرجل النذلا )

( ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورث بعد العز صاحبه ذلا ) وقال الأحنف كثرة الضحك تذهب الهيبة وكثرة المزاح تذهب المروءة ومن لزم شيئا عرف به ومما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتحادثون ويتناشدون الأشعار فإذا جاء ذكر الله انقلبت حماليقهم كأنهم لم يعرفوا أحدا
الفصل الثاني فيما جاء في الترخيص في المزاح والبسط والتنعم
لا بأس بالمزاح ما لم يكن سفها والله تعالى وعد في اللمم بالتجاوز والعفو فقال ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) وقيل إن يحيى بن زكريا لقي عيسى عليه الصلاة و السلام فقال مالي أراك لاهيا كأنك آمن فقال هل عيسى مالي أراك عابسا كأنك أيس فقال لا تبرح حتى يتنزل علينا الوحي فأوحى الله إليهما أن أحبكما إلي أحسنكما ظنا بي ويروى إن أحبكما إلى الطلق البسام وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لجارية خلقني خالق الخير وخلقك خالق الشر فبكت الجارية فقال عمر لا بأس عليك فإن الله خالق الخير والشر قال الشاعر
( إن الصديق يريد بسطك مازحا ... فإذا رأى منك الملالة يقصر )
( وترى العدو إذا تيق أنه ... يؤذيك بالمزح العنيف يكثر ) وكان رسول الله يمزح ولا يقول إلا حقا فمن مزحه أنه جاء رجل فقال يا رسول الله احملني على جمل فقال عليه الصلاة و السلام لا أحملك إلا على ولد الناقة فقال يا رسول الله إنه لا يطيقني فقال له الناس ويحك وهل الجمل إلا ولد الناقة وقال رسول الله لامرأة من الأنصار إلحقي زوجك ففي عينيه بياض فسعت إلى زوجها

مرعوبة فقال لها ما دهاك قالت إن النبي قال لي إن في عينيك بياضا فقال نعم والله وسوادا وأتته أيضا عجوز أنصارية فقالت يا رسول الله أدع الله لي أن يدخلني الجنة فقال لها يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز فولت المرأة تبكي فتبسم وقال لها أما قرأت قوله تعالى ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا ) وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها سابقت رسول الله فسبقته فلما كثر لحمي سابقته فسبقني فضرب بكتفي وقال هذه بتلك وعنها أيضا قالت كان رسول الله يدخل وأنا ألعب مع صويحباتي ولا يعيب علي وسئل النخعي هل كان أصحاب رسول الله يضحكون قال نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي وكان نعيمان الصحابي من أولع الناس بالمزاح والضحك قيل إنه يدخل الجنة وهو يضحك فمن مزحه إنه مر يوما بمخرمة بن نوفل الزهري وهو ضرير فقال له قدني حتى أبول فأخذه بيده حتى أتى به إلى المسجد فأجلسه في مؤخره فصاح به الناس إنك في المسجد فقال من قادني قالوا نعيمان قال لله علي نذر أن أضربه بعصاي هذه إن وجدته فبلغ ذلك نعيمان فجاء إليه وقال له يا أبا المنور هل لك في نعيمان قال نعم قال ها هو قائم يصلي وأخذه بيده وجاء به إلى عثمان بن عفان وهو يصلي وقال هذا نعيمان فعلاه بعصاه فصاح الناس أمير المؤمنين فقال من قادني قالوا نعيمان فقال والله لا تعرضت بسوء بعدها وقال عطاء بن السائب كان سعيد بن جبير يقص علينا حتى يبكينا وربما لم يقم حتى يضحكنا وكان رجل يسمى تاج الوعظ يعظ الناس ويقص عليهم حتى يبكيهم ثم لم يقم حتى يضحكهم ويبسط آمالهم
فمن لطائفه أنه حكى يوما بعدما فرغ من ميعاده قال سمعت الناس يتكلمون في التصحيف وكنت لا أعرفه فوقع في قلبي أن أتعلمه فدخلت في سوق الكتيبة واشتريت كتابا في التصحيف فأول ما تصحفته

وجدت فيه سكباج تصحيفه سك تاج فرميت الكتاب من يدي وحلفت أني لا أشتغل به أبدا فضحك الناس حتى غشي عليهم ودخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان فوجده يتأوه فقال يا أمير المؤمنين لو أدخلت عليك من يؤنسك بأحاديث العرب ويباسطك استرحت فقال لست بصاحب لهو فقال ما الذي تشكوه يا أمير المؤمنين قال هاج بي عرق النسا في ليلتي هذه فبلغ مني ما ترى فقال إن بديحا مولاي أرقى الخلق منه فأمر باحضاره فلما مثل بين يديه قال عبد الملك يا بديح أرق رجلي فقال يا مولاي أنا أرقي الناس لها ثم وضع يده عليها وجعل يقول ما لا يسمع فقال عبد الملك قد وجدت راحة بهذه الرقية اين فلانة ائتوني بها تكتبها لئلا يهيج بي الوجع بالليل فقال له بديح الطلاق يلزمه ما اكتبها إلا بتعجيل جائزتي فأمر له بأربعة آلاف درهم فقال يا أمير المؤمنين الطلاق يلزمه ما أكتبها حتى تحمل جائزتي إلى بيتي قال تحمل فحملت فقال يا أمير المؤمنين الطلاق يلزمه ما رقيت رجلك إلا مباسطة بقول نصيب حيث قال
( ألا إن ليلى العامرية أصبحت ... على البعد مني ذنب غيري تنقم ) فقال ويلك ما تقول فقال الطلاق يلزمه ما رقيتك إلا بها فقال اكتمها علي فقال كيف وقد سارت بها الركبان إلى أخيك بمصر فضحك حتى فحص برجليه وأعجبه هذا البسط وروي أن ابن سيرين كان ينشد قول الشاعر
( أنبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول ) ثم يضحك حتى يسيل لعابه

ومما جاء في الشطرنج والملعب به والنهي عنه والترخيص فيه أما النهي عنه فقد قيل إن عليا كرم الله وجهه مر بقوم يلعبون الشطرنج فقال لهم ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون وكان أبو القاسم الكسروي يقول لا ترى شطرنجيا غنيا إلا بخيلا ولا فقيرا إلا طفيليا ولا تسمع نادرة باردة إلا على الشطرنج واحتضر شطرنجي فصار يقول شاه مات شاه مات مكان الشهادتين حتى مات وأما الترخيص فيه فقد سئل الشعبي عن اللعب بالشطرنج فقال لا بأس به إذا لم يكن هناك تقامر وتبادل وقال بعضهم كنا في السجن مع ابن سيرين فكان يرانا ونحن نلعب بالشطرنج فيقوم فيأتي ويقول ارفع الفرس ارفع كذا افعل كذا ولا يعيب علينا وعن سعيد بن المسيب قال كنت ألعب الشطرنج مع صديق في بيته حين خفت الحجاج ومما قيل لعلي بن الجهم في الشطرنج وقيل للمأمون
( أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين خرين معروفين بالكرم )
( تذكر الحرب فاحتالا لها فطنا ... من غير أن يأثما فيها بسفك دم )
( هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحزم لم تنم )
( فانظر إلى همم جاشت بمعركة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم ) قالوا إن سبب وضع الشطرنج أن ملوك الهند ما كانوا يرون بقتال فإذا تنازع ملكان في كورة أو مملكة تلاعبا بالشطرنج فيأخذها الغالب من غير قتال وقيل إنه كان لبعض ملوك الفرس شطرنج من ياقوت أحمر وأصفر القطعة منه بثلاثة آلاف دينار
ما حكي أن غلمانا من أهل البحرين خرجوا يلعبون بالصوالجة وأسقف البحرين قاعد فوقعت الأكرة على صدره فأخذها فجعلوا يطلبونها

منه فأبى فقال غلام منهم سألتك بحق محمد إلا رددتها علينا فأبى لعنه الله وسب رسول الله فأقبلوا عليه بصوالجهم فما زالوا يخبطونه حتى مات لعنة الله عليه فرفع ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه فوالله ما فرح بفتح ولا غنيمة كفرحته بقتل الغلمان لذلك الأسقف وقال الآن عز الإسلام إن أطفالا صغارا شتم نبيهم فغضبوا له وانتصروا وأهدر دم الأسقف والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السادس والسبعون في النوادر وفيه فصول
الفصل الأول من هذا الباب في نوادر العرب
خرج المهدي يتصيد فغار به فرسه حتى وقع في خباء اعرابي فقال يا اعرابي هل من قرى فأخرج له قرص شعير فأكله ثم أخرج له فضله من لبن فسقاه ثم أتاه بنبيذ في ركوة فسقاه فلما شرب قال أتدري من أنا قال لا قال أنا من خدم أمير المؤمنين الخاصة قال بارك الله لك في موضعك ثم سقاه مرة أخرى فشرب فقال يا اعرابي أتدري من أنا قال زعمت أنك من خدم أمير المؤمنين الخاصة قال لا أنا من قواد أمير المؤمنين قال رحبت بلادك وطاب مرادك ثم سقاه الثالثة فلما فرغ قال يا أعرابي أتدري من أنا قال زعمت أنك من قواد أمير المؤمنين قال لا ولكني أمير المؤمنين قال فأخذ الأعرابي الركوة فوكأها وقال إليك عني فوالله لو شربت الرابعة لادعيت أنك رسول الله فضحك المهدي حتى غشي عليه ثم أحاطت به الخيل ونزلت إليه الملوك والأشراف فطار قلب الأعرابي فقال له لا بأس عليك ولا خوف ثم أمر له بكسوة ومال جزيل ووجد أعرابي يأكل ويتغوط ويفلي ثوبه فقيل له في ذلك فقال أخرج عتيقا وأدخل جديدا وأقتل عدوا وقيل لبعض الأعراب إن شهر رمضان قدم فقال والله لأبددن شمله بالأسفار وسمع أعرابي قارئا يقرأ القرآن حتى أتى على قوله تعالى ( الأعراب أشد

كفرا ونفاقا ) فقال لقد هجانا ثم بعد ذلك يقرأ ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ) فقال لا بأس هجا ومدح هذا كما قال شاعرنا
( هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح ) وحضر أعرابي على مائدة يزيد بن مزيد فقال لأصحابه افرجوا لأخيكم فقال الأعرابي لا حاجة لي بأفراجكم إن أطنابي طوال يعني سواعده فلما مد يده ضرط فضحك يزيد فقال يا أخا العرب أظن أن طنبا من أطنابك قد انقطع ورؤي اعرابي يغطس في البحر ومعه خيط وكلما غطس غطسة عقد عقدة فقيل له ما هذا قال جنابات الشتاء أقضيها في الصيف وسرق أعرابي غاشية من على سرج ثم دخل المسجد يصلي فقرأ الإمام ( هل أتاك حديث الغاشية ) فقال يا فقيه لا تدخل في الفضول فلما قرأ ( وجوه يومئذ خاشعة ) قال خذوا غاشيتكم ولا يخشع وجهي لا بارك الله لكم فيها ثم رماها من يده وخرج وحضر أعرابي مجلس قوم فتذاكروا قيام الليل فقيل له باأمامة أتقوم الليل فقال نعم قالوا ما تصنع قال أبول وأرجع أنام وسرق أعرابي صرة فيها دراهم ثم دخل المسجد يصلي وكان اسمه موسى فقرأ الإمام ( وما تلك بيمينك يا موسى ) فقال الأعرابي والله إنك لساحر ثم رمى الصرة وخرج
وحكى الأصمعي قال ضلت لي إبل فخرجت في طلبها وكان البرد شديدا فالتجأت إلى حي من أحياء العرب وإذا بجماعة يصلون وبقربهم شيخ ملتف بكساء وهو يرتعد من البرد وينشد
( أيا رب إن البرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي يا إلهي أعلم )
( فإن كنت يوما في جهنم مدخلي ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم )

قال الأصمعي فتعجبت من فصاحته وقلت يا شيخ أما يستحي تقطع الصلاة وأنت شيخ كبير فأنشد يقول
( أيطمع ربي في أن أصلي عاريا ... ويكسو غيري كسوة البرد والحر )
( فوالله لا صليت ما عشت عاريا ... عشاء ولا وقت المغيب ولا الوتر )
( ولا الصبح إلا يوم شمس دفيئة ... وإن غممت فالويل للظهر والعصر )
( وإن يكسني ربي قميصا وجبة ... أصلي له مهما أعيش من العمر ) قال فأعجبني شعره وفصاحته فنزعت قميصا وجبة كانا علي ودفعتهما إليه وقلت له البسهما وقم فاستقبل القبلة وصلي جالسا وجعل يقول
( إليك اعتذاري من صلاتي جالسا ... على غير ظهر موميا نحو قبلتي )
( فمالي ببرد الماء يارب طاقة ... ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي )
( ولكنني استغفر الله شاتيا ... وأقضيكها يارب في وجه صيفتي )
( وإن أنا لم أفعل فأنت محكم ... بما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي ) قال فعجبت من فصاحته وضحكت عليه وانصرفت وصلى أعرابي مع قوم فقرأ الإمام ( قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا ) فقال الأعرابي أهلكك الله وحدك ايش كان ذنب الذين معك فقطع القوم الصلاة من شدة الضحك وقيل دخلت أعرابية على قوم يصلون فقرأ الإمام ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) وجعل يرددها فجلت الأعرابية تعدو وهي هاربة حتى جاءت لأختها فقالت يا أختاه ما زال الإمام يأمرهم أن ينكحونا حتى خشيت أن يقعوا علي وصلى اعرابي خلف إمام فقرأ الإمام ( ألم نهلك الأولين ) وكان في الصف الأول فتأخر إلى الصف الآخر فقرأ ( ثم نتبعهم الآخرين ) فتأخر فقرأ ( كذلك نفعل بالمجرمين ) وكان

اسم البدوي مجرما فترك الصلاة وخرج هاربا وهو يقول والله ما المطلوب غيري فوجده بعض الأعراب فقال له ما لك يا مجرم فقال إن الإمام أهلك الأولين والآخرين وأراد أن يهلكني في الجملة والله لا رأيته بعد اليوم
وجلس بعض الأعراب يشرب مع ندائمه فاحتاج إلى بيت الخلاء فدلوه عليه فلما دخل جعل يضرط ضراطا شنيعا فضحكوا عليه فأنشد يقول
( إذا ما خلا الإنسان في بيت غائط ... تراخت بلا شك مصاريع فتحته )
( فمن كان ذا عقل فيعذر ضارطا ... ومن كان ذا جهل ففي وسط لحيته ) وكان لسابور ملك فارس نديم مضحك يسمى مرزبان فظهر له من الملك جفوة فلما زاد ذلك عليه تعلم نبيح الكلاب وعوي الذئاب ونهيق الحمير وصهيل الخيل وصوت البغال ثم احتال حتى دخل موضعا بقرب خلوة الملك وأخفى أمره فلما خلا الملك بنفسه نبح نبيح الكلاب فلم يشك الملك في أنه كلب فقال انظروا ما هذا فعوى عوي الذئاب فنزل الملك عن سريره فنهق نهيق الحمير فمضى الملك هاربا ومضت الغلمان يتبعون الصوت فلما دنوا منه صهل صهيل الخيل فاقتحموا عليه وأخرجوه عريانا فلما وصلوا به إلى الملك ورآه مرزبان ضحك الملك ضحكا شديدا وقال له ما حملك على ما صنعت قال إن الله عز و جل مسخني كلبا وذئبا وحمارا وفرسا لما غضب علي الملك قال فأمر الملك أن يخلع عليه وأن يرد إلى مرتبته الأولى ومن الملح بعض الشعراء
( أيا من فاق حسنا واعتدالا ... وولج في عطيته الشبابا )
( أما في مال ردفك من زكاة ... فتدخل فيه لي هذا النصابا ) وحكى الأصمعي أن عجوزا من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذا فسقوها قدحا فطابت نفسها فتبسمت

قدحا آخر فاحمر وجهها وضحكت فسقوها ثالثا فقالت خبروني عن نسائكم بالعراق أيشربن النبيذ قالوا نعم قالت زنين ورب الكعبة والله إن صدقتم ما فيكم من يعرف أباه
وصلى اعرابي خلف إمام فقرأ ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) ثم وقف وجعل يرددها فقال الأعرابي أرسل غيره يرحمك الله وأرحنا وأرح نفسك
وصلى آخر خلف إمام فقرأ ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ) ووقف وجعل يرددها فقال الأعرابي يا فقيه إذا لم يأذن ذلك أبوك في هذا الليل نظل نحن وقوفا إلى الصباح ثم تركه وانصرف
ولزم أعرابي سفيان بن عيينة مدة يسمع منه الحديث فلما أن جاء ليسافر قال له سفيان يا أعرابي ما أعجبك من حديثنا قال ثلاثة أحاديث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي أنه كان يحب الحلوى والعسل وحديثه عليه الصلاة و السلام إذا وضع العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا بالعشاء وحديث عائشة عنه ايضا ليس من البر الصوم في السفر وقيل لأعرابية ما صفة الإير عندكم قالت عصبة ينفخ فيها الشيطان فلا يرد أمرها وانفرد الرشيد وعيسى بن جعفر ومعه الفضل ين يحيى فإذا هو بشيخ من الأعراب على حمار وهو رطب العينين فقال له الفضل هل أدلك على دواء لعينيك قال ما أحوجني إلى ذلك قال خذ عيدان الهواء وغبار الماء فصيره في قش بيض الذر واكتحل به ينفعك فانحنى الشيخ وضرط ضرطة قوية وقال خذ هذه في لحيتك أجرة وصفتك وإن زدت زدناك فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهر دابته وخرج معن بن زائدة في جماعة من خواصه للصيد فاعترضهم قطيع ظباء فتفرقوا في طلبه وانفرد معن خلف ظبي حتى انقطع عن أصحابه فلما ظفر به نزل فذبحه فرأى شيخا مقبلا من البرية على حمار فركب فرسه واستقبله فسلم عليه فقال من أين وإلى أين قال أتيت من أرض لها عشرون سنة مجدبة وقد أخصبت في هذه السنة فزرعتها مقثاة فطرحت في غير وقتها فجمعت منها ما استحسنته وقصدت به معن بن زائدة لكرمه المشكور وفضله المشهور ومعروفه المأثور واحسانه الموفور قال وكم أملت منه

قال ألف دينار قال فان قال لك كثير قال خمسمائة قال فإن قال لك كثير قال ثلاثمائة قال فان قال لك كثير قال مائة قال فان قال لك كثير قال خمسين قال فان قال لك كثير قال فلا أقل من الثلاثين قال فإن قال لك كثير قال أدخل قوائم حماري في حر أمه وأرجع إلى أهلي خائبا فضحك معن منه وساق جواده حتى لحق بأصحابه ونزل في منزله وقال لحاجبه إذا أتاك شيخ على حمار بقثاء فأدخل به علي فأتى بعد ساعة فلما دخل عليه لم يعرفه لهيبته وجلالته وكثرة حشمه وخدمه وهو متصدر في دسته والخدم والحفدة قيام عن يمينه وشماله وبين يديه فلما سلم عليه قال ما الذي أتى بك يا أخا العرب قال أملت الأمير وأتيته بقثاء في غير أوان فقال كم أملت فينا قال ألف دينار قال كثير فقال والله لقد كان ذلك الرجل ميشوما علي ثم قال خمسمائة دينار قال كثير فما زال إلى أن قال خمسين دينار فقال له كثير فقال لا أقل من الثلاثين فضحك معن فعلم الأعرابي أنه صاحبه فقال يا سيدي إن لم تجب إلى الثلاثين فالحمار مربوط بالباب وها معن جالس فضحك معن حتى استلقى على فراشه ثم دعا بوكيله فقال أعطه ألف دينار وخمسمائة دينار وثلاثمائة دينار ومائة دينار وخمسين دينار وثلاثين دينار ودع الحمار مكانه فتسلم الأعرابي المال وانصرف
الفصل الثاني في نوادر القراء والفقهاء
عن محمد بن عبد الله قال كنا في دهليز عثمان بن شيبة فخرج إلينا فقال إن والقلم في أي سورة ومر بعضهم بقارئ يقرأ ( ألم غلبت الترك في أدنى الأرض ) فقال له الروم فقال له كلهم أعداؤنا قاتلهم الله وكان جماعة يجلسون إلى أبي العيناء وفيهم رجل لا يتكلم فقيل له يوما كيف علمك بكتاب الله قال أنا عالم به فقيل له هذه الآية في أي سورة ( الحمد لله لا شريك له ) فقال له في سورة

الحمد فضحكوا عليه وجاء رجل إلى فقيه فقال أفطرت يوما في رمضان فقال اقض يوما مكانه قال قضيت وأتيت أهلي وقد علموا مأمونية فسبقتني يدي إليها فأكلت منها فقال اقض يوما آخر مكانه قال قضيت وأتيت أهلي وقد عملوا هريسة فسبقتني يدي إلهيا فقال أرى أن لا تصوم إلا ويدك مغلولة إلى عنقك وجاء رجل إلى بعض الفقهاء فقال له أنا عبد اله على مذهب ابن حنبل وإني توضأت وصليت فبينما أنا في الصلاة إذ أحسست ببلل في سراويلي يتلزق فشممته فإذا رائحته كريهة خبيثة فقال الفقيه عافاك الله خريت باجماع المذاهب وجاء رجل إلى فقيه قال أنا رجل أفسو في ثيابي حتى تفوح روائحي فهل يجوز لي أن أصلي في ثيابي قال نعم لكن لا كثر الله في المسلمين مثلك ووقع بين الأعمش وبين امرأته وحشة فسأل بعض أصحابه من الفقهاء أن يرضيها ويصلح بينها فدخل إليها وقال إن أبا محمد شيخ كبير فلا يزهدنك فيه عمش عينيه ودقة ساقيه وضعف ركبتيه ونتن إبطيه وبخر فيه وجمود كفيه فقال له الأعمش قم قبحك الله فقد أريتها من عيوبي ما لم تكن تعرفه وسكن بعض الفقهاء في بيت سقفه يقرقع في كل وقت فجاءه صاحب البيت يطلب الأجرة فقال له أصلح السقف فإنه يقرقع قال لا تخف فإنه يسبح الله تعالى قال أخشى أن تدركه رقة فيسجد
الفصل الثالث في نوادر القضاة
كان لبعض القضاة بغلة فقرأ يوما في المصحف ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) فقال لغلامه اطلق البغلة ورزقها على الله فصارت البغلة تدور الأسواق والأزقة وتأكل من قشور الباذنجان وقشور الرمان وقشور البطيخ وقمامات الطريق فماتت فأمر الغلام بإحضار المشاعلية ليحملوها لظاهر المدينة فأحضرهم فطلبوا من القاضي عشرة

أجرة حملها وقالوا ليس لنا شيء نرتزق منه إلا من مثل هذا وسيدنا رجل غني وله أشياء كثيرة العدالة والتزويج والعقود والوراقة والسجن والإطلاق وجامكية الحكم وأجرة اليمين والتدريس والأقاف فقال لهم القاضي ألمثلي يقال هذا وأنتم لكم اثنا عشر بابا من المنافع منها الوسخ والزفر والهلع والولع وبيت النبذة وشركة النفوس وجباية الأسواق وحرق النار وسلب الشطار ولكم الضياح وثمن الإصلاح وما تروحوا من هذه البغلة بلا شيء جلدها للدباغين وذنبها للغرابلية ومعرفتها للشعار وتطبيقتها للبيطار قال فتقدم أحدهم إليه وقال بحق من تاب عليك ورد عاقبتك إلى خير وأراحك من هذا المعاش تصدق علينا بشيء ولا تدعنا نروح بلاش
تفسير هذه الألفاظ الزفر النساء الزانيات والوسخ المراحيض والهلع جباية الأسواق والولع القمار وبيت النبذة محل المزر وشركة النفوس كل من حمل ميتا ولحقوه قبل أن يخرج من باب البلد كانوا شركائه وسلب الشطار كل من شنقوه لهم سلبه وولي يحيى ابن أكثم قاضيا على أهل جبلة فبلغة أن الرشيد انحدر إلى البصرة فقال لأهل جبلة إذا اجتاز الرشيد فاذكروني عنده بخير فوعدوه بذلك فلما جاء الرشيد تقاعدوا عنه فسرح القاضي لحيته وكبر عمته وخرج فرأى الرشيد في الحراقة ومعه أبو يوسف القاضي فقال يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبلة عدل فينا وفعل كذا وكذا وجعل يثني على نفسه فلما رآه أبو يوسف عرفه فضحك فقال له الرشيد مم تضحك فقال يا أمير المؤمنين المثني على القاضي هو القاضي فضحك الرشيد حتى فحص برجله الأرض ثم أمر بعزله فعزل وأحضر رجل ولده إلى القاضي فقال يا مولانا إن ولدي هذا يشرب الخمر ولا يصلي فأنكر ولده ذلك فقال أبوه يا سيدي أفتكون صلاة بغير قراءة فقال الولد إني أقرأ القرآن فقال له القاضي اقرأ حتى أسمع فقال
( علق القلب الربابا ... بعدما شابت وشابا )
( إن دين الله حق ... لا أرى فيه ارتيابا )

فقال أبوه إنه لم يتعلم هذا إلا البارحة سرق مصحف الجيران وحفظ هذا منه قال القاضي وأنا الآخر أحفظ آيه منها وهي
( فارحمي مضنى كئيبا ... قد رأى الهجر عذابا ) ثم قال القاضي قاتلكم الله يعلم أحدكم القرآن ولا يعمل به وتقدم اثنان إلى أبي صمصامة القاضي فادعى أحدهما على الآخر طنبور فأنكر فقال للمدعى ألك بينة فقال لي شاهدان فأحضر رجلين شهدا له فقال المدعى عليه سلهما يا سيدي عن صناعتهما فأخبر أحدهما أنه نباذ وقال الآخر أنه قواد فالتفت القاضي إلى المدعى عليه وقال أتريد على طنبور أعدل من هذين ادفع إليه طنبوره
وتحاكم الرشيد وزبيدة إلى أبي يوسف القاضي في الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب فقال أبو يوسف أنا لا أحكم على غائب فأمر الرشيد باحضارهما وقدما بين يدي أبي يوسف فجعل يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة حتى نصف الجامين ثم قال يا أمير المؤمنين ما رأيت أعدل منهما كلما أردت أن أحكم لأحدهما أتى الآخر بحجته وأتى بعض المجان لبعض القضاة فقال يا سيدي إن امرأتي قحبانا فقال له القاضي طلقهانا فقال عشقانا فقال قودهانا وادعى رجل عند قاض على امرأة حسناء بدين فجعل القاضي يميل إليها بالحكم فقال الرجل أصلح الله القاضي حجتي أوضح من هذا النهار فقال له القاضي اسكت يا عدو الله فإن الشمس أوضح من النهار قم لا حق لك عليها فقالت المرأة جزاك الله عن ضعفي خيرا فقد قويته فقال الرجل لا جزاك الله عن قوتي خيرا فقد أوهيتها ورفعت امرأة زوجها إلى القاضي تبغي الفرقة وزعمت أنه يبول في الفراش كل ليلة فقال الرجل للقاضي يا سيدي لا تعجل علي حتى أقص عليك قصتي إني أرى في منامي كأني في جزيرة في البحر وفيها قصر عالي وفوق القصر قبة عالية وفوق القبة جمل وأنا على ظهر الجمل وإن الجمل يطأطئ برأسه ليشرب من البحر فإذا رأيت ذلك بلت من شدة الخوف فلما

سمع القاضي ذلك بال في فراشه وثيابه وقال يا هذه أنا قد أخذني البول من هول حديثه فكيف بمن يرى الأمر عيانا
وحكي أن تاجرا عبر إلى حمص فسمع مؤذنا يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن أهل حمص يشهدون أن محمدا رسول الله فقال والله لأمضين إلى الإمام وأسأله فجاء إليه فرآه قد أقام الصلاة وهو يصلي على رجل ورجله الأخرى ملوثة بالعذرة فمضى إلى المحتسب ليخبره بهذا الخبر فسأل عنه فقيل إنه في الجامع يبيع الخمر فمضى إليه فوجده جالسا وفي حجره مصحف وبين يديه باطية مملؤة خمرا وهو يحلف للناس بحق المصحف أن الخمرة صرف ليس فيها ماء وقد ازدحمت الناس عليه وهو يبيع فقال والله لأمضين إلى القاضي وأخبره فجاء إلى القاضي فدفع الباب فانفتح فوجد القاضي نائما على بطنه وعلى ظهره غلام يفعل فيه الفاحشة فقال التاجر قلب الله حمص فقال القاضي لم تقول هذا فأخبره بجميع ما رأى فقال يا جاهل أما المؤذن فإن مؤذننا مرض فاستأجرنا يهوديا صيتا يؤذن مكانه فهو يقول ما سمعت وأما الإمام فإنهم لما أقاموا الصلاة خرج مسرعا فتلوثت رجله بالعذرة وضاق الوقت فأخرجها من الصلاة واعتمد على رجله الأخرى ولما فرغ غسلها وأما المحتسب فإن ذلك الجامع ليس له وقف إلا كرم وعنبه ما يؤكل فهو يعصره خمرا ويبيعه ويصرف ثمنه في مصالح الجامع وأما الغلام الذي رأيته فإن أباه مات وخلف مالا كثيرا وهو تحت الحجر وقد كبر وجاء جماعة شهدوا عندي أنه بلغ فأنا أمتحنه فخرج التاجر ن البلد وحلف أنه لا يعود إليها أبدا
الفصل الرابع في نوادر النحاة
وقف نحوي على بياع يبيع أرزا بعسل وبقلا بخل فقال بكم الأرز بالأعسل والأخلل بالأبقل فقال بالأصفع في الأرؤس والأضرط في الأذقن ووقع نحوي في كنيف فجاء كناس ليخرجه فصاح به الكناس ليعلم أهو حي أم لا فقال له النحوي أطلب لي حبلا دقيقا وشدني شدا وثيقا واجذبني جذبا رفيقا فقال الكناس امرأته طالق إن أخرجتك منه ثم تركه وانصرف وكان لبعضهم ولد نحوي يتقعر في كلامه فاعتل أبوه علة شديدة أشرف منها على الموت فاجتمع عليه أولاده وقالوا له ندعو لك فلانا أخانا قال لا إن جاءني قتلني فقالوا نحن نوصيه أن لا يتكلم فدعوه فلما دخل عليه قال له يا أبت قل لا إليه إلا الله تدخل بها الجنة وتفوز من النار يا أبت والله ما أشغلني عنك إلا فلان فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدس واستبذج وسكبج وطهبج وأفرج ودجج وأبصل وأمضر ولوزج وافلوزج فصاح أبوه غمضوني فقد سبق ابن الزانية ملك الموت إلى قبض روحي وجاء نحوي يعود مريضا فطرق بابه فخرج إليه ولده فقال كيف وجدت أباك قال يا عم ورمت رجليه قال لا تلحن قل رجلاه ثم ماذا قال ثم وصل الورم إلى ركبتاه قال لا تلحن قل إلى ركبتيه ثم ماذا قال مات وأدخله الله في بظر عيالك وعيال سيبويه ونفطويه وجحشويه وعاد بعضهم نحويا فقال ما الذي تشكوه قال حمى جاسية نارا حامية منها الأعضاء واهية والعظام باليه فقال له لا شفاك الله بعافية يا ليتها كانت القاضية
الفصل الخامس في نوادر المعلمين
قال الجاحظ مررت بمعلم صبيان وعنده عصا طويلة وعصا قصيرة وصولجان وكرة وطبل وبوق فقلت ما هذه فقال عندي صغار أوباش فأقول لأحدهم اقرأ لوحك فيصفر لي بضرطة فأضربه بالعصا القصيرة فيتأخر فأضربه بالعصا الطويلة فيفر من بين يدي فأضع الكرة في الصولجان وأضربه فأشجه فتقوم إلي الصغار كلهم بالألواح

في الأذقن ووقع نحوي في كنيف فجاء كناس ليخرجه فصاح به الكناس ليعلم أهو حي أم لا فقال له النحوي أطلب لي حبلا دقيقا وشدني شدا وثيقا واجذبني جذبا رفيقا فقال الكناس امرأته طالق إن أخرجتك منه ثم تركه وانصرف وكان لبعضهم ولد نحوي يتقعر في كلامه فاعتل أبوه علة شديدة أشرف منها على الموت فاجتمع عليه أولاده وقالوا له ندعو لك فلانا أخانا قال لا إن جاءني قتلني فقالوا نحن نوصيه أن لا يتكلم فدعوه فلما دخل عليه قال له يا أبت قل لا إله إلا الله تدخل بها الجنة وتفوز من النار يا أبت والله ما أشغلني عنك إلا فلان فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدس واستبذج وسكبج وطهبج وأفرج ودجج وأبصل وأمضر ولوزج وافلوزج فصاح أبوه غمضوني فقد سبق ابن الزانية ملك الموت إلى قبض روحي
وجاء نحوي يعود مريضا فطرق بابه فخرج إليه ولده فقال كيف وجدت أباك قال يا عم ورمت رجليه قال لا تلحن قل رجلاه ثم ماذا قال ثم وصل الورم إلى ركبتاه قال لا تلحن قل إلى ركبتيه ثم ماذا قال مات وأدخله الله في بظر عيالك وعيال سيبويه ونفطويه وجحشويه وعاد بعضهم نحويا فقال ما الذي تشكوه قال حمى جاسية نارها حامية منها الأعضاء واهية والعظام بالية فقال له لا شفاك الله بعافية يا ليتها كانت القاضية
الفصل الخامس في نوادر المعلمين
قال الجاحظ مررت بمعلم صبيان وعنده عصا طويلة وعصا قصيرة وصولجان وكرة وطبل وبوق فقلت ما هذه فقال عندي صغار أوباش فأقول لأحدهم اقرأ لوحك فيصفر لي بضرطة فأضربه بالعصا القصيرة فيتأخر فأضربه بالعصا الطويلة فيفر من بين يدي فأضع الكرة في الصولجان وأضربه فأشجه فتقوم إلي الصغار كلهم بالألواح

فأجعل الطبل في عنقي والبوق في فمي وأضرب الطبل وأنفخ في البوق فيسمع أهل الدرب ذلك فيسارعون إلي ويخلصوني منهم
وحكى الجاحظ أيضا قال مررت على خربة فإذا بها معلم وهو ينبح نبيح الكلاب فوقفت أنظر إليه وإذا بصبي قد خرج من دار فقبض عليه المعلم وجعل يلطمه ويسبه فقلت عرفني خبره فقال هذا صبي لئيم يكره التعليم ويهرب ويدخل الدار ولا يخرج وله كلب يلعب به فإذا سمع صوتي ظن أنه صوت الكلب فيخرج فأمسكه وجاءت امرأة إلى المعلم بولدها تشكوه فقال له ما إن تنتهي وإلا فعلت بأمك فقالت يا معلم هذا صبي ما ينفع فيه الكلام فافعل ما شئت لعله ينظر بعينه ويتوب فقام وفعل بها أمام ولدها وقال الجاحظ رأيت معلما في الكتاب وحده فسألته فقال الصغار داخل الدرب يتصارعون فقلت أحب أن أراهم فقال أشير عليك بذلك فقلت لا بد قال فإذا جئت إلى رأس الدرب اكشف رأسك لئلا يعتقدوك المعلم فيصفعونك حتى تعمى وقال بعضهم رأيت معلما وقد جاء صغيران يتماسكان فقال أحدهما هذا عض أذني فقال الآخر لا والله يا سيدنا هو الذي عض أذن نفسه فقال المعلم يا ابن الزانية هو كان جمل يعض أذن نفسه وقال بعضهم رأيت معلما وهو يصلي العصر فلما ركع ادخل رأسه بين رجليه ونظر إلى الصغار وهم يلعبون وقال يا ابن البقال قد رأيت الذي عملت وسوف أكافئك إذا فرغت من الصلاة
وحكي عن الجاحظ أنه قال ألفت كتابا في نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفل ثم رجعت عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك فدخلت يوما مدينة فوجدت فيها معلما في هيئة حسنة فسلمت عليه فرد علي أحسن رد ورحب بي فجلست عنده وباحثته في القرآن فإذا هو ماهر فيه ثم فاتحته في الفقه والنحو وعلم المعقول وأشعار العرب فإذا هو كامل الآداب فقلت هذا والله مما يقوي عزمي على تقطيع الكتاب قال فكنت أختلف إليه وأزوره فجئت يوما لزيارته فإذا بالكتاب مغلق ولم أجده فسألت عنه فقيل مات فحزن عليه

وجلس في بيته للعزاء فذهبت إلى بيته وطرقت الباب فخرجت إلي جارية وقالت ما تريد قلت سيدك فدخلت وخرجت وقالت باسم الله فدخلت إليه وإذا به جالس فقلت عظم الله أجرك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة كل نفس ذائق الموت فعليك بالصبر ثم قلت له هذا الذي توفي ولدك قال لا قلت فوالدك قال لا قلت فأخاك قال لا قلت فزوجتك قال لا فقلت وما هو منك قال حبيبتي فقلت في نفسي هذه أول المناحس فقلت سبحان الله النساء كثير وستجد غيرها فقال أتظن أني رأيتها قلت وهذه منحسة ثانية ثم قلت وكيف عشقت من لم تر فقال اعلم أني كنت جالسا في هذا المكان وأنا أنظر من الطاق إذ رأيت رجلا عليه برد وهو يقول
( يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... ردي علي فؤادي أينما كانا )
( لا تأخذين فؤادي تلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا ) فقلت في نفسي لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر فعشقتها فلما كان منذ يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول
( لقد ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار ) فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها وأغلقت المكتب وجلست في الدار فقلت يا هذا إني كنت ألفت كتابا في نوادركم معشر المعلمين وكنت حين صاحبتك عزمت على تقطيعه والآن قد قويت عزمي على إبقائه وأول ما أبدأ أبدأ بك إن شاء الله تعالى
الفصل السادس في نوادر المتنبئين
ادعى رجل النبوة في أيام الرشيد فلما مثل بين يديه قال له ما الذي يقال عنك قال إني نبي كريم قال فأي شيء يدل على صدق دعواك قال سل عما شئت قال أريد أن تجعل هذه المماليك

المرد القيام الساعة بلحى فاطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال كيف يحل أن أجعل هؤلاء المرد بلحى وأغير هذه الصورة الحسنة وإنما أجعل أصحاب هذه اللحى مردا في لحظة واحدة فضحك منه الرشيد وعفا عنه وأمر له بصلة وتنبأ إنسان فطالبون بحضرة المأمون بمعجزة فقال أطرح لكم حصاة في الماء فتذوب قالوا رضينا فأخرج حصاة معه وطرحها في الماء فذابت فقالوا هذه حيلة ولكن نعطيك حصاة من عندنا ودعها تذوب فقال لستم أجل من فرعون ولا أنا أعظم حكمة من موسى ولم يقل فرعون لموسى لم أرض بما تفعله بعصاك حتى أعطيك عصا من عندي تجعلها ثعبانا فضحك المأمون وأجازه وتنبأ رجل في أيام المعتصم فلما حضر بين يديه قال أنت نبي قال نعم قال وإلى من بعثت قال إليك قال أشهد أنك لسفيه أحمق قال إنما يبعث إلى كل قوم مثلهم فضحك المعتصم وأمر له بشيء وتنبأ رجل في أيام المأمون وادعى إنه إبراهيم الخليل فقال له المأمون إن إبراهيم كانت له معجزات وبراهين قال وما براهينه قال أضرمت له نارا وألقي فيها فصارت عليه بردا وسلاما ونحن نوقد لك نارا ونطرحك فيها فإن كانت عليك كما كانت عليه آمنا بك قال أريد واحدة أخف من هذه قال فبراهين موسى قال وما براهينه قال ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى وضرب بها البحر فانفلق وأدخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء قال وهذه علي أصعب من الأولى قال فبراهين عيسى قال وما هي قال إحياء الموتى قال مكانك قد وصلت أنا أضرب رقبة القاضي يحيى بن أكثم وأحييه لكم الساعة فقال يحيى أنا أول من آمن بك صدق وتنبأ آخر في زمن المأمون فقال المأمون أريد منك بطيخا في هذه الساعة قال أمهلني ثلاثة أيام قال ما أريده إلا الساعة قال ما أنصفتني يا أمير المؤمنين إذا كان الله تعالى الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ما يخرجه إلا في ثلاثة أشهر فما تصبر أنت علي ثلاثة أيام فضحك منه ووصله وتنبأ آخر في زمن المأمون فلما مثل بين يديه قال له من أنت قال أنا أحمد النبي قال لقد ادعيت زورا فلما رأى

الأعوان قد أحاطت به وهو ذاهب معهم قال يا أمير المؤمنين أنا أحمد النبي فهل تذمه أنت فضحك المأمون منه وخلى سبيله وتنبأ آخر في زمن المتوكل فلما حضر بين يديه قال له أنت نبي قال نعم قال فما الدليل على صحة نبوتك قال القرآن العزيز يشهد بنبوتي في قوله تعالى ( إذا جاء نصر الله والفتح ) وأنا إسمي نصر الله قال فما معجزتك قال ائتوني بامرأة عاقر أنكحها تحمل بولد يتكلم في الساعة ويؤمن بي فقال المتوكل لوزيره الحسن بن عيسى أعطه زوجتك حتى تبصر كرامته فقال الوزير أما أنا فأشهد أنه نبي الله وإنما يعطي زوجته من لا يؤمن به فضحك المتوكل وأطلقه وادعى رجل النبوة زمن خالد بن عبد الله القسري وعارض القرآن فأتى به إلى خالد فقال له ما تقول قال عارضت القرآن قال بماذا قال قال الله تعالى ( إنا أعطيناك الكوثر ) الآية وقلت إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر ولا تطع كل ساحر فأمر به خالد فضرب عنقه وصلب فمر به خلف بن خليفة الشاعر فضرب بيده على الخشبة وقال إنا أعطيناك العود فصل لربك من قعود وأنا ضامن لك أن لا تعود
وأتي المأمون برجل ادعى النبوة فقال له ألك علامة على نبوتك قال علامتي أني أعلم ما في نفسك قال وما في نفسي قال في نفسك أني كاذب قال صدقت ثم أمر به إلى السجن فأقام فيه أياما ثم أخرجه فقال هل أوحى إليك بشيء قال لا قال ولم قال لأن الملائكة لا تدخل الحبوس فضحك منه وخلى سبيله وأتي بامرأة تنبأت في أيام المتوكل فقال لها أنت نبية قالت نعم قال أتؤمنين بمحمد قالت نعم قال فإنه قال لا نبي بعدي قالت فهل قال لا نبية بعدي فضحك المتوكل وأطلقها وتنبأ رجل ي سمى نوحا وكان له صديق نهاه فلم يقبل فأمر السلطان بقتله فمر به صديقه فقال له يا نوح ما حصلت من السفينة إلا على الصاري

الفصل السابع في نوادر السؤال
وقف أعرابي بباب يسأل فقال له صغير من باب الدار بورك فيك فقال قبح الله هذا الفم لقد تعلمت الشر صغيرا ووقف سائل على باب فقال يا أصحاب المنزل فبادر صاحب الدار قبل أن يتم كلامه وقال فتح الله عليك فقال السائل يا قرنان كنت تصبر لعلي جئت أدعوك إلى وليمة وقال أبو عثمان الجاحظ وقف سائل بقوم فقال إني جائع فقالوا له كذبت فقال جربوني برطلين من الخبز ورطلين من اللحم ووقف سائل على باب فقالوا يفتح الله عليك فقال كسرة فقالوا ما نقدر عليها قال فقليل من بر أو فول أو شعيرقالوا لا نقدر عليه قال فقطعة دهن أو قليل زيت أو لبن قالوا لا نجده قال فشربة ماء قالوا وليس عندنا ماء قال فما جلوسكم ههنا قوموا فاسألوا فأنتم أحق مني بالسؤال
الفصل الثامن في نوادر المؤذنين
قيل لمؤذن ما نسمع أذانك فلو رفعت صوتك فقال إني أسمع صوتي من مسيرة ميل وقال بعضهم رأيت مؤذنا أذن ثم غدا يهرول فقلت له إلى أين فقال أحب أن أسمع أذاني أين بلغ واختصم رجلان في جارية فأودعاها عند مؤذن فلما أصبح وفرغ من الأذان قال لا إله إلا الله ذهبت الأمانة من الناس فقالوا له كيف ذهبت الأمانة من الناس قال هذه الجارية التي وضعت عندي قيل إنها بكر فلما أتيتها وجدتها ثيبا وسمع مؤذن حمص يقول في سحور رمضان تسحروا فقد أمرتكم وعجلوا في أكلكم قبل أن أؤذن فيسخم الله وجوهكم وشوهد مؤذن يؤذن من رقعة فقيل له ما تحفظ الأذان فقال سلوا القاضي فأتوه فقالوا السلام عليكم فأخرج دفترا وتصحيفة وقال وعليكم فعذروا المؤذن وسمعت امرأة

مؤذنا يؤذن بعد طلوع الشمس ويقول الصلاة خير من النوم فقالت النوم خير من هذه الصلاة ومر سكران بمؤذن رديء الصوت فجلد به الأرض وجعل يدوس بطنه فاجتمع إليه الناس فقال والله ما بي رداءة صوته ولكن شماتة اليهود والنصارى بالمسلمين
الفصل التاسع في نوادر النواتية
حكي أن بعض النواتية تولى أحد الكراسي السلطانية لما ساعده الزمان فبينما هو جالس في داره إذ سمع صوتا وراء الباب فقال لزوجته إني أسمع غاغة في البر حلي قلوعي واعملي أسفيرتي على جاموري وقدمي إلى إسقالة الرجل وقيميني بمدرة فامتثلت كلامه فنزل وجلس على مصطبته وقد علت مرتبته واصطفت المقدمون بين يديه ووقفت الحبرتية حوليه وإذا بشيخ قد أقبل وثيابه مقطعة وعمامته في حلقه والدم نازل من أنفه وهو يصيح بصوت عال أنا بالله وبالوالي فقال تعالى يا شيخ مالي أرى أرطمونك في حلقك وشبورتك مكسورة وأنت بتزلع ماء متغير وتقيم الهليلا في الساحل دخل عليك شرد غربي وإلا دخلت على بواجي فقال الشيخ والله يا سيدي بعض نواتية البحر عمل بي هذا فقال يا أولاد جيبوا غريمو بخنسوا عدته وقشطوا ظهره وجروه على مقدمه فامتثلوا كلام الأمير وجاءوا بالغريم فلما مثل بين يديه قال له ويلك هو أ نت بغنوس بسفر البحر أنت الذي قطعت القلس وخرجت في الشعث حتى لقيت هذا الرجل نطحت مخطمته وكسرت اسقالته لو انصلح كنت علمتك في بدراوة وعلقتك في الصاري فلما سمع الرجل كلام الوالي علم أنه من أولاد المعيشة فقال له بهمترة النواتية والله يا خوند هو كار زني في معاشي اجصطن على الوحسة وأنا عايم في الليل إلا وشرد جاني من الشرق كابس هز أطرافي وكسر شابورتي وقطع لباني وها هو يحمد الله على بر السلامة وإن كان انصلح فيه شيء فأنا بمرسوم الأمير أجيب له القلفاط أسد فتحه وأعيد له وسقه وأخليه يروح

في طريقه فقال له الوالي أنت بتقذف في وجهي وتطرح مقاديفك حتى نعبر على الحجر يا رجالة الصاري سلسلوا أطرافه وعروا مقاديفه وبلوا شيبنة اللبان وانزلوا عليه وأوسقوه الجنبين والظهر حتى تلعب المية على بطونسته هيا قوامك خلوا جنب برا وجنب جوا قدام الخن وراء الصاري فأكل علقة من كعبه إلى أذنه فقالت النواتية يا خوند هو خنفست عليه الطمية البحرية قال مدراتين وقيموه فلما أقاموه باس يد الأمير وقال يا خوند سألتك بهبوب الرياح وطيب النسيم الرب لا يبليك بجر اللبان في الحلافي وأنت حافي الصيافي ويكفيك شر الأربعينيات قال فرق عليه قلب الأمير وقال هل وحق من ضرب القلع باللبان الحلفا عند بخنسة الريح وفروغ الزاد بعيد من البلاد وعياط الركاب عند قيام الموجة وبعد البر في أيام النيل لولا شفاعة الركاب لكنت أهد سقالتك وأقعد في زوايدك حتى أخلي ظهرك جيفة فقال له والله يا خوند ما بقي جنبي يحمل هذا الوسق العظيم ولكن إن عدت أعبر لهذا الوجه أخسف من أضلاعي لوح غرقني بالقايم فقال له الأمير أحمد الله على السلامة واخرج في دي الطيابة وكتب له مرسوم وعلم عليه علامة الرياس البحرية للنواتية الله لك الله لي يا عملات على أبوس
الفصل العاشر في نوادر جامعة
سمعت امرأة في الحديث أن صوم يوم عاشوراء كفارة سنة فصامت إلى الظهر ثم أفطرت وقالت يكفيني كفارة ستة أشهر منها شهره رمضان وأسلم مجوسي في شهر رمضان فثقل عليه الصيام فنزل إلى سرداب وقعد يأكل فسمع ابنه حسه فقال من هذا فقال أبوك الشقي يأكل خبز نفسه ويفزع من الناس وسئل بعض القصاص عن نصراني قال لا إله إلا الله لا غير إذا مات أين يده قال يدفن بين مقابر المسلمين والنصارى ليكون مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وأهدى إلى سالم القصاص خاتم بلا فص فقال إن صاحب هذا الخاتم يعطى في الجنة

غرفة بلا سقف وبنى بعض المغفلين نصف دار وبنى رجل آخر النصف الآخر فقال المغفل يوما قد عولت على بيع النصف الذي لي وأشتري به النصف الآخر لتكمل لي الدار كلها وسئل جامع الصيدلاني عن عمر ابنته فقال لا أدري إلا أن أمها ذكرت أنها ولدتها في أيام البراغيث وقيل لطفيلي أي سورة تعجبك من القرآن قال المائدة قال فأي آية قال ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ) قيل ثم ماذا قال ( آتنا غداءنا ) قيل ثم ماذا قال ( ادخلوها بسلام آمنين ) قيل ثم ماذا قال ( وما هم منها بمخرجين ) وقيل لعثمان بن دراج الطفيلي يوما كيف تصنع بدار العرس إذا لم يدخلك أصحابها قال أنوح على بابهم فيتطيرون من ذلك فيدخلوني وقيل له أتعرف بستان فلان قال إي والله إنه الجنة الحاضرة في الدنيا قيل لم لا تدخله وتأكل من ثماره وتستظل بأشجاره وتسبح في أنهاره قال لأن فيه كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال وقيل له يوما ما هذه الصفرة التي في لونك قال من الفترة من المضيفين وقال مرت بنا جنازة يوما ومعي ابني ومع الجنازة امرأة تبكي وتقول الآن يذهبون بك إلى بيت لا فراش فيه ولا غطاء ولا وطاء ولا خبز ولا ماء فقال ابني يا أبت إلى بيتنا والله يذهبون وحكي عن هارون الرشيد أنه أرق ذات ليلة أرقا شديدا فقال لوزيره جعفر بن يحيى البرمكي إني أرقت هذه الليلة وضاق صدري ولم أعرف ما أصنع وكان خادمه مسرور واقفا أمامه فضحك فقال له ما يضحكك استهزاء بي أم استخفافا فقال وقرابتك من سيد المرسلين ما فعلت ذلك عمدا ولكن خرجت بالأمس أتمشى بظاهر القصر إلى أن جئت إلى جانب الدجلة فوجدت الناس مجتمعين فوقفت فرأيت رجلا واقفا يضحك الناس يقال له ابن المغازلي فتفكرت الآن في شيء من حديثه وكلامه فضحكت والعفو يا أمير المؤمنين فقال له الرشيد ائتني الساعة به فخرج مسرور مسرعا إلى أن جاء إلى ابن المغازلي فقال له أجب أمير المؤمنين فقال سمعا وطاعة فقال له بشرط أنه إذا أنعم عليك بشيء يكون لك منه الربع والبقية لي فقال له بل اجعل لي النصف

ولك النصف فأبى فقال الثلث لي ولك الثلثان فأجابه إلى ذلك بعد جهد عظيم فلما دخل على الرشيد سلم فأبلغ وترجم فأحسن ووقف بين يديه فقال له أمير المؤمنين إن أنت أضحكتني أعطيتك خمسمائة دينار وإن لم تضحكني أضربك بهذا الجراب ثلاث ضربات فقال ابن المغازلي في نفسه وما عسى أن تكون ثلاث ضربات بهذا الجراب وظن في نفسه أن الجراب فارغ فوقف يتكلم ويتمسخر وفعل أفعالا عجيبة تضحك الجلمود فلم يضحك الرشيد ولم يتبسم فتعجب ابن المغازلي وضجر وخاف فقال له الرشيد الآن استحقيت الضرب ثم أنه أخذ الجراب ولفه وكان فيه أربع زلطات كل واحدة وزنها رطلان فضربه ضربة فلما وقعت الضربة في رقبته صرخ صرخة عظيمة وافتكر الشرط الذي شرطه عليه مسرور فقال العفو يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمتين قال قل ما بدا لك قال إن مسرورا شرط علي شرطا واتفقت أنا وإياه على مصلحة وهو أن ما حصل لي من الصدقات يكون له فيه الثلثان ولي فيه الثلث وما أجابني إلى ذلك إلا بعد جهد عظيم وقد شرط علي أمير المؤمنين ثلاث ضربات فنصيبي منها واحدة ونصيبه اثنتان وقد أخذت نصيبي وبقي نصيبه قال فضحك الرشيد ودعا مسرورا فضربه فصاح وقال يا أمير المؤمنين قد وهبت له ما بقي فضحك الرشيد وأمر لهما بألف دينار فأخذ كل واحد منهما خمسمائة دينار ورجع ابن المغازلي شاكرا والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب السابع والسبعون في الدعاء وآدابه وشروطه وفيه فصول
الفصل الأول في الدعاء وآدابه
قال الله تعالى ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) اختلف في سبب نزولها فقال مقاتل إن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع امرأته بعدما صلى العشاء في رمضان فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله فأخبره بذلك ورجع مغتما وكان ذلك قبل الرخصة فنزلت هذه الآية ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية وقال الحسن إن قوما قالوا للنبي أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت هذه الآية قوله تعالى ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) أي أقبل عبادة من عبدني فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول وقال قوم إن الله تعالى يجيب كل الدعاء فأما أن يعجل الإجابة في الدنيا وإما أن يكفر عن الداعي وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما

يعجل له دعوته وإما أن يدخر له ثوابها وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها وروي أنه إذا كان يوم القيامة واستقر أهل الجنة في الجنة فبينما العبد المؤمن في قصره وإذا ملائكة من عند ربه يأتونه بتحف من عند الله فيقول ما هذا أليس الله قد أنعم علي وأكرمني فيقولون ألست كنت تدعو الله في الدنيا هذا دعاؤك الذي كنت تدعوه قد أدخر لك
واعلم أن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط فشرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر إلا الله وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب فإن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب لاه وأن يكون متجنبا لأكل الحرام ولا يمل من الدعاء ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا كما قال عليه الصلاة و السلام ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم قال ابن عطاء الله إن الدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار إلى السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه نجح فأركانه حضور القلب والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على النبي ومن شروط الدعاء أن يكون سليما من اللحن كما قال بعضهم
( ينادي ربه باللحن ليث ... كذلك إذ دعاه لا يجاب ) وقيل إن الله تعالى لا يستجيب دعاء عريف ولا شرطي ولا جاب ولا عشار ولا صاحب عرطبة وهي الطنبور ولا صاحب كوبة وهي الطبل الكبير الضيق الوسط ومن آداب الدعاء أن يدعو الداعي مستقبل القبلة ويرفع يديه لما روي عن رسول الله قال إن الله ربكم حي كريم ليستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا أو أن يمسح بهما وجهه بعد الدعاء لما روي عن عمر قال كان رسول الله إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه وأن لا يرفع بصره إلى السماء لقوله " لينتهن أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو ليخطفن الله أبصارهم " وأن يخفض الداعي صوته

بالدعاء لقوله تعالى ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وعن ابي عبد الرحمن الهمداني قال صليت مع أبي إسحاق الغداة فسمع رجلا يجهر في الدعاء فقال كن كزكريا إذ نادى ربه نداء خفيا وينبغي للداعي أن لا يتكلف وأن يأتي بالكلام المطبوع غير المسجوع لقوله ( إياكم والسجع في الدعاء بحسب أحدكم يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ) وقيل ادعوا بلسان الذلة والاحتقار ولا تدعوا بلسان الفصاحة والانطلاق وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها كما في آخر سورة البقرة وعن سفيان بن عيينة لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فقد أجاب الله دعاء شر الخلق إبليس إذ قال ( رب انظرني إلى يوم يبعثون ) وعن النبي إذا سأل أحدكم مسألة فتعرف الإجابة فليقل الحمد لله على الذي بنعمته تتم الصالحات ومن أبطأ عليه من ذلك شيء فليقل الحمد لله على كل حال وعن سلمة بن الأكوع قال ما سمعت رسول الله يستفتح الدعاء يستفتح الدعاء إلا قال ( سبحان ربي الأعلى الوهاب ) وعن أبي سليمان الداراني من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على رسول الله وينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء وأن يكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريما
وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة وذلك وقت السحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة وعند جلسة الخطيب بين الخطبتين إلى أن يسلم من الصلاة وعند نزول الغيث وعند التقاء الجيش في الجهاد في سبيل الله تعالى وفي الثلث الأخير من الليل لما جاء في الحديث ( إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه ) وفي حالة السجود لقوله عليه الصلاة و السلام أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض هذه كله جاءت به الآثار

قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه دعا رسول الله في مسجد الفتح ثلاثة أيام يوم الاثنين ويوم الثلاثاء واستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه قال جابر ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فادعو فيها فاعرف الإجابة وفي بعض الكتب المنزلة يا عبدي إذا سألت فاسألني فإني غني وإذا طلبت النصرة فاطلبها مني فإني قوي وإذا أفشيت سرك فافشه إلي فإني وفي وإذا أقرضت فأقرضني فإني ملي وإذا دعوت فادعني فإني حفي ) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له " وقال وهب بن منبه بلغني أن موسى مر برجل قائم يبكي ويتضرع طويلا فقال موسى يا رب أما تستجيب لعبدك ؟ فأوحى الله تعالى إليه " يا موسى لو أنه بكي حتى تلفت نفسه ورفع يديه حتى بلغ عنان السماء ما استجبت له " قال يا رب لم ذلك ؟ قال لأن في بطنه الحرام ومر إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة فاجتمع الناس إليه وقالوا يا أبا إسحاق ما لنا ندعوا فلا يستجاب لنا ؟ قال لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء الأول أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه الثاني زعمتم أنكم تحبون رسول الله ثم تركتم سنته الثالث قرأتم القرآن ولم تعملوا به الرابع أكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها الخامس قلتم إن الشيطان عدوكم ووافقتموه السادس قلتم إن الجنة حق فلم تعملوا لها السابع قلتم إن النار حق ولم تهربوا منها الثامن قلتم إن الموت حق فلم تستعدوا له التاسع انتبهتم من النوم واشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم العاشر دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم
وكان يحيى بن معاذ يقول من أقر لله باساءته جاد الله عليه بمغفرته ومن لم يمن على الله بطاعته أوصله إلى جنته ومن أخلص لله في دعوته من الله عليه بإجابة وقال علي رضي الله تعالى عنه ارفعوا أفواج البلايا بالدعاء وعن أنس رضي الله تعالى عنه ( يرفعه ) " لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد "

الفصل الثاني في الأدعية وما جاء فيها
كان من دعاء شريح رحمه الله تعالى اللهم إني أسألك الجنة بلا عمل عملته وأعوذ بك من النار بلا ذنب تركته ودعت إعرابية عند البيت فقالت إلهي لك أذل وعليك أدل وكان من دعاء بعض الصالحين اللهم إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها إليك وهو الإشراك وإن كنا قصرنا عن بعض طاعتك فقد تمسكنا بأحبها إليك وهو شهادة أن لا إله إلا أنت وإن رسلك جاءت بالحق من عندك
ومن دعاء سلام بن مطيع " اللهم إن كنت بلغت أحدا من عبادك الصالحين درجة ببلاء فبلغنيها بالعافية " وقيل لفتح الموصلي ادع الله لنا فقال اللهم هبنا عطاءك ولا تكشف عنا غطاءك وكان من دعاء بعض السلف اللهم لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي فإن لم تقبل تعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى الناس فنضيع وقال الحسن من دخل المقابر فقال اللهم رب الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا من عندك وسلاما مني كتب الله بعدد من مات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات
وحكي عن معروف القاضي أن الحجيج كانوا يجتهدون في الدعاء وفيهم رجل من التركمان ساكت لا يحسن أن يدعو فخشع قلبه وبكى فقال بلغته اللهم إنك تعلم أني لا أحسن شيئا من الدعاء فاسألك ما يطلبون منك بما دعوا فرأى بعض الصالحين في منامه أن الله قبل حج الناس بدعوة ذلك التركماني لما نظر إلى نفسه بالفقر والفاقة وقال الأصمعي حسدت عبد الملك على كلمة تكلم بها عند الموت وهي اللهم إن ذنوبي وإن كثرت وجلت عن الصفة فإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني وركب إبراهيم بن أدهم في سفينة فهاجت الريح وبكى الناس وأيقنوا بالهلاك وكان إبراهيم نائما في كساء فاستوى جالسا وقال أريتنا

قدرتنا فأرنا عفوك فذهب الريح وسكن البحر وقال الثوري كان من دعاء السلف اللهم زهدنا في الدنيا ووسع علينا فيها ولا تزوها عنا ولا ترغبنا فيها وكان بعض الأعراب إذا آوى إلى فراشه قال اللهم إني أكفر بكل ما كفر به محمد وأؤمن بكل ما آمن به ثم يضع رأسه وسمعت بدوية تقول في دعائها يا صباح يا مناح يا مطعم يا عريض الجفنة يا أبا المكارم فزجرها رجل فقالت دعني أصف ربي وأمجد إلهي بما تستحسنه العرب وقال الزمخشري في كتابه " ربيع الأبرار " سمعت أنا من يدعو من العرب عند الركن اليماني يا أبا المكارم يا أبيض الوجه وهذا ونحوه منهم إنما يقصدون به الثناء على الله تعالى بالكرم والنزاهة عن القبيح على طريق الاستعارة لأنه لا فرق عندهم بين الكريم وأبي المكارم ولا بين الجواد والعريض الجفنة ولا بين المنزه والأبيض الوجه وقيل لأعرابي أتحسن أن تدعو ربك ؟ قال نعم قال اللهم إنك أعطيتنا الإسلام من غير أن نسألك فلا تحرمنا الجنة ونحن نسألك وذكر لعبد السلام بن مطيع أن الرجل تصيبه البلوى فيدعو فتبطئ عنه الإجابة فقال بلغني أن الله تعالى يقول كيف أرحمه من شيء به أرحمه وقال طاوس بينما أنا في الحجر ذات ليلة إذ دخل علي علي ابن الحسين فقلت رجل صالح من أهل بيت الخير لأسمعن دعاءه فسمعته يقول عبيدك بفنائك مسكينك بفنائك فقيرك بفنائك فما دعوت بهما في كرب إلا فرج عني ودعا أعرابي فقال اللهم إنا نبات نعمتك وقال ابن المسيب سمعت من يدعو بين القبر والمنبر اللهم إني أسألك عملا بارا ورزقا دارا وعيشا قارا فدعوت به فما وجدت إلا خيرا ودعت أعرابية بالموفق فقالت أسألك سترك الذي لا تزيله الرياح ولا تخرقه الرماح وقيل اتقوا مجانيق الضعفاء أي دعواتهم ودعا أعرابي فقال اللهم أمح ما في قلبي من كذب وخيانة واجعل مكانه صدقا وأمانة وصلى رجل إلى جنب عبد الله بن المبارك وبادر القيام فجذب ثوبه وقال أما لك إلى ربك حاجة ؟ وقال سفيان الثوري سمعت أعرابيا يقول اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله وإن كان في الأرض فأخرجه وإن كان بعيدان فقربه وإن

كان قريبا فيسره وإن كان قليلا فكثره وأن كان كثيرا فبارك لي فيه
وقال أبو نواس
( أحببت من شعر بشار وكلمته ... بيتا لهجت به من شعر بشار )
( يا رحمة الله حلي في منازلنا ... وجاورينا فدتك النفس من جار ) وكان بشار يعني بذلك جارية بصرية كان يحبها ويتغزل بها ونعني بها هنا رحمة الله التي وسعت كل شيء وسمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلا يقول وهو متعلق بأستار الكعبة يا من لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه إلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك فقال علي والذي نفسي بيده لو قلتها وعليك ملء السماوات والأرض من الذنوب لغفر لك ومن دعائه رضي الله عنه اللهم صن وجهي باليسار ولا تبدل جاهي بالاقتار فأسترزق طامعا رزقك من غيرك وأستعطف شرار خلقك وأبتلي بحمد من أعطاني وأفتتن بذم من منعني وأنت من وراء ذلك كله ولي الإجابة والمنع وعن أبي عباس رضي الله عنهما عن النبي قال " ما انتهيت إلى الركن اليماني قط إلا وجدت جبريل قد سبقني إليه يقول قل يا محمد " اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والفاقة وهي من مواقف الخزي " وهبط جبريل على يعقوب فقال يا يعقوب إن الله تعالى يقول لك قل يا كثير الخير يا دائم المعروف رد علي ابني فقالها فأوحى الله تعالى إليه وعزتي لو كان ميتين لنشرتهما لك وكان أبو مسلم الخراساني إذا نابه أمر قال يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين وقال جعفر بن محمد ما المبتلي الذي اشتد بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن وقوع البلاء وكان الزهري يدعو بعد الحديث بدعاء جامع فيقول اللهم إني أسألك من خير ما أحاط به علمك في الدنيا والآخرة وأعوذ بك من شر ما أحاط به علمك في الدنيا والآخرة وعن عقبة بن عبد الغافر دعوة في السر أفضل من سبعين دعوة في العلانية واعلم أن التوحيد والدعاء عند نوازل الملمات هو سفينة النجاة من الحوادث المهلكات

أبي الدرداء قال صلى بنا رسول الله العصر فمر بنا كلب فما بلغت يده رجله حتى وقع ميتا فلما انصرف رسول الله من صلاته قال من الداعي على الكلب آنفا ؟ قال رجل من القوم أنا يا رسول الله قال لقد دعوت الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى كيف دعوت الله ؟ قال قلت اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام وقيل أنه دخلت أذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى صماخه فأتى إلى رجل من أصحاب الحسن فشكا له ما أصابه من الحصاة فدعا له بدعاء العلاء بن الحضرمي وهو " يا علي يا عظيم يا حليم يا عليم " قال الراوي فما برحنا حتى خرجت الحصاة من أذنه ولها طنين حتى ضربت الحائط وعن أنس إذا قال العبد يا رب يا رب يا رب يقول الله عز و جل لبيك عبدي وعنه قال مر رسول الله برجل وهو يقول يا أرحم الراحمين فقال له الرسول سل حاجتك فقد نظر إليك
وروي عن رسول الله أنه قال " إذا فتح الله على عبد الدعاء فليكثر فإن يستجيب له " وروي عن علي بن أبي زفر عن أخ له وكان فاضلا صالحا فقال دعوت الله أن يريني الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب فقمت ليلة أصلي فسمعت قعقعة في سقف البيت ثم هبط نور حتى صار تلقاء وجهي وإذا مكتوب بالنور فقرأته يا الله يا رحمن يا ذا الجلال والإكرام ومن دعاء الكرب ما روي عن وهب أن ابن عباس رضي الله عنهما قال له هل تجد فيما تقرأ من الكتب دعاء تدعو به عند الكرب ؟ قال نعم اللهم إني أسألك يا من يملك حوائج السائلين و يعلم ضمير الصامتين فإن لكل مسألة منك سمعا حاضرا و جوابا عتيدا ولكل صامت منك علما ناطقا محيطا أسألك بمواعيدك الصادقة وأياديك الفاضلة ورحمتك الواسعة أن تفعل بي كذا وكذا فقال ابن عباس هذا دعاء علمته في النوم ما كنت أرى أن أحدا يحسنه وعن وهب أيضا قال لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة إلى الأرض استوحش لفقد أصوات الملائكة فهبط إليه جبريل وقال يا آدم هل

أعلمك شيئا تنتفع به في الدنيا والآخرة ؟ قال بلى قال قل اللهم أتمم النعمة حتى تهنيني المعيشة اللهم اختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي اللهم أكفني مؤنة الدنيا وكل هول في القيامة حتى تدخلني الجنة معافى وعن معروف الكرخي قال اجتمعت اليهود أخزاهم الله على قتل عيسى عليه الصلاة و السلام بزعمهم وأهبط الله تعالى عليه جبريل وفي باطن جناحيه مكتوب اللهم إني أدعوك باسمك الأجل الأعز وأدعوك اللهم باسمك الأحد الصمد وأدعوك باسمك العظيم الوتر وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعالي الذي ملأ الأركان كلها أن تكشف عني ضر ما أصبحت وأمسيت فيه فأوحى الله عز و جل إلى جبريل أن أرفع عبدي إلي فقال رسول الله لأصحابه عليكم بهذا الدعاء ولا تستبطئوا الإجابة فإن ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إسناد هذا متصل إلى معروف الكرخي ثم هو منقطع ولو لم يكن فيه من البركة إلا رواية معروف لكان كافيا في قبوله والعمل به حدث عبد الله بن أبان الثقفي رضي الله عنه قال وجهني الحجاج ابن يوسف في طلب أنس بن مالك فظننت أنه يتوارى عني فأتيته بخيلي ورجلي فإذا هو جالس على باب داره مادا رجليه فقلت له أجب الأمير فقال أي الأمراء ؟ فقلت أبو محمد الحجاج فقال غير مكترث به قد أذله الله ما أراني أعزه لأن العزيز من عز بطاعة الله والذليل من ذل بمعصية الله وصاحبك قد بغى وطغى واعتدى وخالف كتاب الله والسنة والله لينتقم الله منه فقلت له أقصر عن الكلام وأجب الأمير فقام معنا حتى حضر بين يدي الحجاج فقال له أنت أنس بن مالك ؟ قال نعم قال أنت الذي تدعو علينا وتسبنا ؟ قال نعم قال ومم ذاك ؟ قال لأنك عاص لربك مخالف لسنة نبيك تعز أعداء الله وتذل أوليائه فقال له أتدري ما أريد أن أفعل بك قال لا قال أريد أن أقتلك شر قتلة قال أنس لو علمت أن ذلك بيدك لعبدتك من دون الله قال الحجاج ولم ذاك قال لأن رسول الله علمني دعاء وقال من دعاء به في كل صباحي لم يكن لأحد عليه سبيل وقد دعوت به في صباح هذا فقال الحجاج

علمنيه فقال معاذ الله أن أعلمه لأحد ما دمت أنت في الحياة فقال الحجاج خلوا سبيله فقال الحاجب أيها الأمير لنا في طلبه كذا وكذا يوما حتى أخذناه فكيف تخلي سبيله قال رأيت على عاتقه أسدين عظيمين فاتحين أفواههما ثم أن أنسا رضي الله عنه لما حضرته الوفاة علم الدعاء لأخوانه وهو بسم الله الرحمن الرحيم باسم الله خير الأسماء باسم الله الذي لا يضر مع اسمه أذى باسم الله الكافي باسم الله المعافي باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم باسم الله على نفسي وديني باسم الله على أهلي ومالي باسم الله على كل شيء أعطانيه ربي الله أكبر الله أكبر الله أكبر أعوذ بالله مما أخاف وأحذر الله ربي لا أشرك به شيئا عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك اللهم إني أعوذ بك من شر كل جبار عنيد وشيطان مريد ومن شر قضاء السوء ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم وهذا دعاء مشهور الإجابة وله شرح طويل وتركناه لطوله وهو اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك لا بيد غيرك اجعل لي من كل هم وغم أصبحت أو أمسيت فيه فرجا ومخرجا إنك على كل شيء قدير اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك عن قبيح عملي أظعمني أن أسألك ما لا أستوجبه منك مما قضيته لي أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا لا خائفا ولا وجلا لأنك أنت المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي بالنعم مع غناك عني واتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك فلم أر مولى كريما أعطف منك على عبد لئيم مثلي لكن الثقة بك حملتني على الجرأة على الذنوب فاسألك بجودك وكرمك وإحسانك مع طولك أن تصلي على محمد وآله وأن تفتح لي باب الفرج بطولك وتحبس عني باب الهم بقدرتك ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأعجز ولا إلى الناس فأضيع برحمتك يا أرحم الراحمين

وروى الحافظ النسفي باسناده عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال مر رسول الله برجل ساجد وهو يقول في سجوده اللهم إني استغفرك وأتوب إليك من مظالم كثير لعبادك قبلي فأيما عبد من عبادك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في مال أو بدن أو عرض علمتها أو لم أستطع أن أتحللها فأسألك أن ترضيه عني بما شئت وكيف شئت ثم تهبها لي من لدنك إنك واسع المغفرة ولديك الخير كله يارب ما تصنع بعذابي ورحمتك وسعت كل شيء فلتسعني رحمتك فإني لا شيء وأسألك يارب أن تكرمني برحمتك ولا تهني بذنوبي وما عليك أن تعطيني الذي سألتك يارب يا الله فقال رسول الله ارفع رأسك فقد غفر الله لك إن هذا دعاء أخي شعيب عليه السلام وقال صالح المزني قال لي قائل في منامي إذا أحببت أن يستجاب لك فقل اللهم إني أسألك باسمك المحزون المكنون المبارك الطيب الطاهر المطهر المقدس فما دعوت بها في شيء إلا تعرفت الاجابة
وقيل إن هذا الدعاء فيه اسم الله الأعظم وهو بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أسألك بالعزة التي لا ترام والملك الذي لا يضام والعين التي لا تنام والنور الذي لا يطفأ وبالوجه الذي لا يبلى وبالديمومة التي لا تفنى وبالحياة التي لا تموت وبالصمدية التي لا تقهر وبالربوبية التي لا تستذل أن تجعل لنا في أمورنا فرجا ومخرجا حتى لا نرجو غيرك يا أرحم الراحمين وقال سيعد بن المسيب دخلت المسجد في ليلة مقمرة وأظن أني قد أصبحت وإذا الليل على حاله فقمت أصلي وجلست أدعو وإذا بهاتف يهتف من خلفي يا عبد الله قل قلت ما أقول قال قل اللهم إني أسألك بأنك ملك وأنت على كل شيء قدير وما تشاء من أمر يكون قال سعيد فما دعوت به قط في شيء إلا رأيت نجحه وعن الشيخ كمال لدين الدميري قال روينا عن قاضي القضاة عز الدين ابن جماعة قال أنبأنا الشيخ شرف الدين أبو العباس أحمد بن ابراهيم ابن مناع الفزاري خطيب دمشق أنبأنا الشيخ زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي بقراءتي عليه قال أنبأنا الحافظ بهاء الدين ناصر السنة محمد بن الامام أبي محمد بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين بن هبة الله

ابن عساكر قراءه عليه وأنا أسمع قال رويت بالاسناد وذكر إسناده إلى الإمام الحجة التابعي الجليل محمد بن سيرين قال نزلنا بنهر تيرا فأتانا أهل ذلك المنزل فقالوا لنا ارحلوا فإنه لم ينزل هذا المنزل أحد إلا أخذ متاعه فرحل أصحابي وتخلفت فلما أمسينا قرأت آيات فما نمت حتى رأيت أقواما قد أقبلوا وجاءوا إلى جهتي أكثر من ثلاثين نفرا وقد جردوا سيوفهم فلم يصلوا إلى فلما أصبحت رحلت فلقيني شيخ على فرس ومعه قوس عربية فقال لي يا هذا أنسي أنت أم جني فقلت بل أنا من بني آدم قال فما بالك لقد أتيناك في هذه الليلة أكثر من سبعين مرة وفي كل ذلك يحال بيننا وبينك بسور من حديد قلت حدثني ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله أنه قال من قرأ في ليلة ثلاثا وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة لص طار ولا سبع ضار وعوفي في نفسه وأهله وماله حتى يصبح فنزل عن فرسه وكسر قوسه وأعطى الله تعالى عهدا أن لا يعود لهذا الأمر وهذه الآيات وهي أن تقرأ بعد الفاتحة ( ألم ذلك الكتاب ) إلى قوله ( المفلحون ) وآية الكرسي إلى قوله ( هم فيها خالدون ) و ( آمن الرسول ) إلى آخر السورة و ( أن ربكم الله الذي ) إلى قوله ( المحسنين ) و ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) إلى آخر السورة ( والصافات صفا ) إلى قوله تعالى ( لازب ) و ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ) إلى قوله ( فلا تنتصران ) ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ) إلى آخرها ( وأنه تعالى جد ربنا ) إلى قوله ( شططا ) زاد البوني إلى قوله ( شهابا رصدا ) و ( الله من ورائهم محيط ) إلى قوله ( محفوظ ) قال محمد بن سيرين فذكرت هذا الحديث لشعيب بن حرب فقال كنا نسميها آيات الحرز ويقال إن فيها شفاء من مائة داء وعدوا منها الجذام وغير ذلك قال محمد بن علي قرأتها على شيخ لنا قد أفلج فأذهب الله تعالى ذلك الفالج قال البوني هذه الآيات شرفها مشهور وفضلها مذكور لا ينكرها إلا غبي أو غيور وقد جربها المشايخ وعرف سرها من له في العلم قدم راسخ وقدر شامخ وهي على ما رويناه بل ما رأيناه أولها الفاتحة ثم أول البقرة إلى آخر الآيات
وقال أبو العباس أحمد القسطلاني سمعت الشيخ أبا عبد الله القرشي

يقول سمعت أبا زيد القرطبي يقول في بعض الآثار أن من قال لا إله إلا الله سبعين ألف مرة كانت فداءه من النار فعملت ذلك رجاء بركة الوعد ففعلت منها لأهلي وعملت أعمالا ادخرتها لنفسي وكان إذ ذاك يبيت معنا شاب يكاشف بالجنة والنار وكانت الجماعة ترى له فضلا على صغر سنه وكان في قلبي منه شيء فاتفق أن استدعانا بعض الإخوان إلى منزله فنحن نتناول الطعام والشاب معنا إذ صاح صيحة منكرة واجتمع في نفسه وهو يقول يا عم هذه أمي في النار ويصيح بصياح عظيم لا شك من سمعه أنه عن أمر فلما رأيت ما به من الانزعاج قلت اليوم أجرب صدقه فألهمني الله تعالى السبعين ألفا ولم يطلع على ذلك إلا الله تعالى فقلت في نفسي الأثر حق والذين رووه لنا صادقون اللهم أن هذه السبعين ألفا فداء أم هذا الشاب من النار فما استتممت هذا الخاطر في نفسي إن قال يا عم هذه أمي أخرجت من النار والحمد لله فحصل عندي فائدتان امتحاني لصدق الأثر وسلامتي من الشاب وعلمي بصدقه ومن خاف إنسانا فليصل ركعتين بعد صلاة المغرب ثم يضع جبهته على التراب ويقول يا شديد المحال يا عزيزا أذللت بعزتك جميع من خلقت صل على محمد وآله وأكفني فلانا بما شئت كفاه الله تعالى شره وروى الثقفي رحمه الله تعالى بإسناده إلى محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول لولده يا بني من أصابته مصيبة في الدنيا أو نزلت به نازلة فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل أربع ركعات أو ركعتين فإذا انصرف من صلاته يقول يا موضع كل شكوى ويا سامع كل نجوى ويا شاهد كل بلوى ويا منجي موسى والمصطفى محمد والخليل إبراهيم عليهم السلام أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت حركته وقلت حيلته دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال علي بن الحسين رضي الله عنهما لا يدعو به مبتلي إلا فرج الله عنه وقيل الاسم الأعظم هو بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أسألك يا مؤنس كل وحيد يا قريبا غير بعيد يا شاهدا غير غائب يا غالبا غير مغلوب يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض

ذا الجلال والإكرام أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأصوات ووجلت له القلوب أن تصلي على محمد وعلى آله وأن تعطيني كذا وكذا إنك على كل شيء قدير وهذه أبيات الفرج لأحمد بن حمزة البوني قيل إن فيها اسم الله الأعظم وهي هذه
( إني لأرجو عطفة الله ولا ... أقول إن قيل متى ذاك متى )
( لا بد أن ينشر ما كان طوى ... جودا وأن يمطر ما كان خوى )
( وربما ينشر ما كان زوى ... وربما قدر ما كان لوى )
( وكل شيء ينتهي إلى مدى ... والشيء يرجى كشفه إذا انتهى )
( لطائف الله وإن طال المدى ... كلمحة الطرف إذا الطرف رمى )
( كم فرج بعد إياس قد أتى ... وكم سرور قد أتى بعد الأسى )
( من لاذ بالله نجا فيمن نجا ... من كل ما يخشى ونال ما رجا )
( سبحان من نهفوا ويعفوا دائما ... ولم يزل مهما هفا العبد عفا )
( يعطي الذي يخطي ولا يمنعه ... جلاله من العطا لذي الخطا ) ومن المنظوم أيضا
( يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع )
( يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع )
( يا من خزائن رزقه في قول كن ... أمنن فإن الخير عندك أجمع )
( مالي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع )
( مالي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع )
( ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع )

( حاشا لجودك أن تقنط عاصيا ... الفضل أجزل والمواهب أوسع )
( ثم الصلاة على النبي وآله ... خير الأنام ومن به يتشفع ) وقال آخر
( يا خالق الخلق يارب العباد ومن ... قد قال في محكم التنزيل أدعوني )
( إني دعوتك مضطرا فخذ بيدي ... يا جاعل الأمر بين الكاف والنون )
( نجيت أيوب من بلواه حين دعا ... بصير أيوب يا ذا اللطف نجيني )
( واطلق سراحي وامنن بالخلاص كما ... نجيت من ظلمات البحر ذا النون ) ثم يقرأ ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) قال بعضهم
( يارب ما زال لطف منك يشملني ... وقد تجدد بي ما أنت تعلمه )
( فاصرفه عني كما عودتني كرما ... فمن سواك لهذا العبد يرحمه ) وقال آخر
( يا من تحل بذكره ... عقد النوائب والشدائد )
( يا من إليه المشتكى ... وإليه أمر الخلق عائد )
( يا حي يا قيوم يا ... صمد تنزه عن مضادد )
( أنت الرقيب على العباد ... وأنت في الملكوت واحد )
( أنت المعز لمن أطاعك ... والمذل لكل جاحد )
( إني دعوتك والهموم ... جيوشها نحوي تطارد )
( فافرج بحولك كربتي ... يا من له حسن العوائد )

( فخفي لطفك يستعان ... به على الزمن المعاند )
( أنت الميسر والمسبب ... والمسهل والمساعد )
( يسر لنا فرجا قريبا ... يا إلهي لا تباعد )
( كن راحمي فلقد يئست ... من الأقارب والأباعد )
( ثم الصلاة على النبي ... وآله الغر الأماجد )
( وعلى الصحابة كلهم ... ما خر للرحمن ساجد )
دعاء عظيم مأثور اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بغيض يتجهمني أو إلى قوي ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك فلك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة لنا إلا بك يارب العالمين
ومما جاء في أدعية الناس بعضهم لبعض دعا رجل لآخر فقال سرك الله بما ساءك ولا ساءك فيما سرك ودعا رجل لآخر فقال لا أخلاك الله تعالى من ثناء صادق باق ودعاء صالح واق ودعا أعرابي لآخر فقال رحب واديك وعز ناديك ولا ألم بك ولا طاف بك عدم وسلمك الله ولا أسلمك وسمعت بعض العرب يدعو لرجل ويقول سلمك الله تعالى من الرهق والوهق وعافاك الله تعالى من الوحل والزحل وسلمك الله من الشاردات والواردات وسلمك الله بين الأعنة والأسنة ودعا أعرابي لعبد الله بن جعفر رضي الله عنه فقال لا ابتلاك الله تعالى ببلاء يعجز عنه صبرك وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك وأبقاك ما تعاقب الليل والنهار وتناسخت الظلم والأنوار ودعا بعضهم لآخر فقال زودك الله تعالى

الأمن في مسيرك والسعد في مصيرك ولا أخلاك من شهر تستجده وخير من الله تستمده وعزى شبيب بن شبة يهوديا فقال أعطاك الله على مصيبتك ما أعطى أحدا من أهل ملتك
ومما جاء في الدعاء على الأعداء والظلمة ونحوهم دعا اعرابي على ظالم فقال لا ترك الله لك شفرا ولا ظفرا أي عينا ولا يدا ومن دعاء العرب فته الله فتا وحته حتا وجعل أمره شتى وخرج أعرابي إلى سفر وكانت له امرأة تكرهه فاتبعته نواة وقالت شط نواك ونأى سفرك ثم أتبعته روثة وقالت رثتك أهلك وورث خيرك ثم أتبعته حصاة وقالت حاص رزقك وحص أثرك ودعا أعرابي على آخر فقال أطفأ الله ناره وخلع نعليه أي جعله أعمى مقعدا ودعا أعرابي على آخر فقال سقاه الله دم جوفه أي قتل ابنه وأخذ ديته فشرب لبنها ودعا أعرابي على آخر فقال بعث الله عليه سنة فاشورة تحلقه كلما يحلق الشعر بالنورة ودعا رجل على أمير فقال
( أزال الله دولته سريعا ... فقد ثقلت على عنق الليالي ) وقالت امرأة من بني ضبة في زوجها
( وما دعوت عليه حين ألعنه ... إلا وآخر يتلوه بآمين )
( فليته كان أرض الروم منزله ... وليتني قبله قد صرت للصين ) وقال رسول في خطبته يوم الأحزاب اللهم كل سلاحهم واضرب وجوههم ومزقهم في البلاد تمزيق الريح للجراد ودعا رجل فقال اللهم أكفنا أعداءنا ومن أرادنا بسوء فلتحط به ذلك السوء إحاطة القلائد بترائب الولائد ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجيل على هام أصحاب الفيل وحسبنا الله ونعم الوكيل
ولنختم هذا الباب بهذا الدعاء المبارك وهو اللهم إنك وغرقتنا بربوبيتك وغرقنا في بحار نعمتك ودعوتنا إلى دار قدسك ونعمتنا بذكرك وأنسك إلهي إن ظلمة ظلمنا لنفوسنا قد عمت وبحار الغفلة

على قلوبنا قد طمت والعجز شامل والحصر حاصر والتسليم أسلم وأنت بالحال أعلم إلهي ما عصيتك جهلا بعاقبك بعقابك ولا تعرضا لعذابك ولكن سولتها نفوسنا وأعانتنا شقوتنا وغرنا سترك علينا وأطمعنا عفوك برك بنا فالآن من عذابك من ينقذنا وبحبل من نعتصم إن قطعت حبلك عنا واخجلتاه غدا من الوقوف بين يديك وافضيحتاه إن عرضت فعالنا القبيحة عليك اللهم اغفر ما علمت ولا تهتك ما سترت إلهي إن كنا عصيناك بجهل فقد دعوناك بعقل حيث علمنا أن لنا ربا يغفر لنا ولا يبالي إلهي تحرق بالنار وجها كان لك مصليا ولسانا كان لك ذاكرا وداعيا لا بالذي دلنا عليك وأمرنا بالخشوع بين يديك وهو محمد خاتم أنبيائك وسيد أصفيائك فإن حقه علينا أعظم الحقوق بعد حقك كما أن منزلته لديك أشرف المنازل سيد خلقك ومعدن أسرارك صل يارب على محمد وآله وأصحابه وارحم عبادا غرهم طول أمهالك وأطمعهم كثرة أفضالك فقد ذلوا لعزك وجلالك ومدوا أكفهم لطلب نوالك ولولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولكل المسلمين أجمعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله عز و جل أعلم أن كل ما يجري في العالم من حركة وسكون وخير وشر ونفع وضر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية فكل بقضاء الله وقدره وكذلك فلا طائر يطير بجناحيه ولا حيوان يدب على بطنه ورجليه ولا تطن بعوضة ولا تسقط ورقه إلا بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته كما لا يجري شيء من ذلك إلا وقد سبق علمه به واعلم أن كل ما قضاه الله تعالى وقدره فهو كائن لا محالة كما أن ما في علم الله تعالى يكون فهو كائن قريب وما قدر الله وصوله إليك بعد الطلب فهو لا يصل إليك إلا بالطلب والطلب أيضا من القدر فإن تعسر شيء فبتقديره وإن اتفق شيء فبتيسيره فمن رام أمرا من الأمور ليس الطريق في تحصيله أنه يغلق بابه عليه ويفوض أمره لربه وينتظر حصول ذلك الأمر بل الطريق أن يشرع في طلبه على الوجه الذي شرعه له فيه وقد ظاهر النبي بين درعين واتخذ خندقا حول المدينة حين تحزبت عليه الأحزاب يحترس به من العدو وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد وكان يلبس لأمة الحرب ويهيئ الجيوش ويأمرهم وينهاهم لما فيه من مصالحهم واسترقى وأمر بالرقية وتداوى وأمر بالمداواة وقال الذي أنزل الداء أنزل الدواء فإن قيل قد روي أن النبي قال من استرقى أو اكتوى فهو برئ من التوكل قلنا أليس قد قال أعقلها وتوكل فإن قيل فما الجمع بين ذلك قلنا معناه من استرقى أو اكتوى متكلا على الرقية أو الكي وأن البرء من قبلهما خاصة فهذا يخرجه عن التوكل وإنما يفعله كافر يضيف

الحوادث إلى غير الله وقد أمرنا بالكسب والتسبب ألا ترى أن الله قال لمريم عليها السلام وهزي إليك بجذع النخلة فهلا أمرها بالسكون وحمل الرطب إلى فمها وأنشدوا في ذلك
( ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب )
( ولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب ) وقد تقدم هذا الشعر في باب الكسب والتسبب ولهذا قال رسول الله " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا فلم يحمل أرزاقها إليها في أوكارها بل ألهمها طلبه بالغدو والرواح " وقد جمعوا بين الطلب والقدر فقالوا إنهما كالعدلين على ظهر الدابة أن أحمل في واحد منهما أرجح مما في الآخر سقط حمله وتعب ظهره وثقل عليه سفره وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره وتمت بغيته وضربوا فيه مثالا عجيبا فقالوا إن أعمى ومقعدا كانا في قرية بفقر وضر لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد وكان في القرية رجل يطعمهما قوتهما في كل يوم احتسابا لله تعالى فلم يزالا بنعمة إلى أن هلك ذلك الرجل فلبثا أياما واشتد جوعهما وبلغ الضر منهما جهده فأجمع رأيهما على أن الأعمى يحمل المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره فاشتغل الأعمى بحمل المقعد ويدور به ويرشده إلى الطريق وأهل القرية يتصدقون عليهما فنجح أمرهما ولولا ذلك لهلكا فكذلك القدر سببه الطلب والطلب سببه القدر وكل واحد منهما معين لصاحبه ألا ترى أن من طلب الرزق والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته ولم يبذر أرضه معتمدا في ذلك على الله واثقا به أن تلد امرأته من غير مواقعة وأن ينبت الزرع من غير بذر كان عن المعقول خارجا ولأمر الله كارها قال الغزالي أما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبرا لضعفهم وتسكينا لقلوبهم وقد أدخر رسول الله قوت

ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا وقال أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا وقال عبد الله بن الفرج أطلعت على إبراهيم بن أدهم وهو في بستان بالشام فوجدته مستلقيا على قفاه وإذا بحية في فمها باقة نرجس فما زالت تذب عنه حتى انتبه فحسبك توكل يؤدي إلى هذا وعن عبد الله الهروي قال كنا مع الفضيل بن عياض على جبل أبي قيس فقال لو أن رجلا صدق في توكله على الله ثم قال لهذا الجبل اهتز لاهتز فوالله لقد رأيت الجبل اهتز وتحرك فقال له الفضيل رحمه الله تعالى لم أعنك رحمك الله فسكن وفي الإسرائيليات أن رجلا احتاج إلى أن يقترض ألف دينار فجاء إلى رجل من المتمولين فسأله في ذلك وقال له تمهل علي بدينك إلى أن أسافر إلى البلد الفلاني فإن لي مالا آتيك به وأوفيك منه وتكون مدة الأجل بيني وبينك كذا وكذا فقال له هذا غرر فأنا ما أعطيك مالي إلا أن تجعل لي كفيلا إن لم تحضر طلبته منه فقال الرجل الله كفيل بمالك وشاهد على أن لا أغفل عن وفائك فإن رضيت فافعل فداخل الرجل خشية الله تعالى وحمله التوكل على أن دفع المال للرجل فأخذه ومضى إلى البلد الذي ذكر فلما قرب الأجل الذي بينه وبين صاحبه جهز المال وقصد السفر في البحر فعسر عليه وجود مركب ومضت المدة وبعدها أيام وهو لا يجد مركبا فاغتم لذلك وأخذ الألف دينار وجعلها في خشبة وسمر عليها ثم قال اللهم إني جعلتك كفيلا بإيصال هذه إلى صاحبها وقد تعذر علي وجود مركب وعزمت على طرحها في البحر وتوكلت عليك في إيصالها إليه ثم نقش على الخشبة رسالة إلى صاحبها بصورة الحال وطرحها في البحر بيده وأقام في البلدة مدة بعد ذلك إلى أن جاءت مركب فسافر فيها إلى صاحب المال فابتدأه وقال أنت سيرت الألف دينار في خشبة صفتها كيت وكيت وعلهيا منقوش كذا وكذا قال نعم قال قد أوصلها الله تعالى إلي والله نعم الكفيل فقال فكيف وصلت إليك قال لما مضى الأجل المقدر بيني وبينك بقيت أتردد إلى

البحر لأجدك أو أجد من يخبرني عنك فوقفت ذات يوم إلى الشط وإذا بالخشبة قد استندت إلي ولم أر لها طالبا فأخذها الغلام ليجعلها حطبا فلما كسرها وجد ما فيها فأخبرني بذلك فقرأت ما عليها فعلمت أن الله تعالى حقق أملك لما توكلت عليه حق التوكل وقيل إن سبب بداية ذي النون المصري رحمه الله تعالى أنه رأى طيرا أعمى بعيدا عن الماء والمرعى فبينما هو يتفكر في أمر ذلك الطائر فإذا هو بسكرجتين برزتا من الأرض إحداهما ذهب والأخرى فضة هذه فيها ماء والأخرى فيها قمح فلقط القملبح وشرب الماء ثم غابا بعد ذلك فذهل ذو النون وانقطع إلى الله تعالى من ذلك الوقت
وحكي أن رجلا من أبناء الناس كانت له يد في صناعة الصياغة وكان أوحد أهل زمانه فساء حاله وافتقر بعد غناء فكره الإقامة في بلده فانتقل إلى بلد آخر فسأل عن سوق الصاغة فوجد دكانا لمعلم السلطنة وتحت يده صناع كثيرة يعملون الأشغال للسلطنة وله سعادة ظاهرة ما بين مماليك وخدم وقماش وغير ذلك فتوصل الصائغ الغريب إلى أن بقي من أحد الصناع الذين في دكان هذا المعلم وأقام يعمل عنده مدة وكلما فرغ النهار دفع له درهمين من فضة وتكون أجرة عمله تساوي عشرة دراهم فيكسب عليه ثمانية دراهم في كل يوم فاتفق أن الملك طلب المعلم وناوله فردة سوار من ذهب مرصعة بفصوص في غاية من الحسن قد علمت في غير بلاده كانت في يد إحدى محاظيه فانكسرت فقال له إلحمها فأخذها المعلم وقد اضطرب عليه في عملها فلما أخذها وأراها للصناع الذين عنده وعند غيره فما قال له أحد إنه يقدر على عملها فازداد المعلم لذلك غما ومضت مدة وهي عنده لا يعلم ما يصنع فاشتد الملك على إحضارها وقال هذا المعلم نال من جهتنا هذه النعمة العظيمة ولا يحسن أن يلحم سوارا فلما رأى الصانع الغريب شدة ما نال المعلم قال في نفسه هذا وقت المروءة اعملها ولا أؤاخذه ببخله علي وعدم إنصافه ولعله يسحن إلي بعد ذلك فحط يده في درج المعلم وأخذها وفك جواهرها وسبكها ثم صاغها كما كانت ونظم علهيا جواهرها فعادت أحسن مما كانت فلما رآها المعلم فرح

فرحا شديدا ثم مضى بها إلى الملك فلما رآها استحسنها وادعى المعلم أنها صنعته فأحسن إليه وخلع عليه خلعة سنية فجاء وجلس مكانه فبقي الصائغ يرجو مكافأته عما عامله به فما التفت إليه المعلم ولما كان النهار ما زاده على الدرهمين شيئا فما مضت إلا أيام قلائل وإذا الملك اختار أ يعمل زوجين أساور على تلك الصورة فطلب المعلم ورسم له بكل ما يحتاج إليه وأكد عليه في تحسين الصفة وسرعة العمل فجاء إلى الصانع وأخبره بما قال الملك فامتثل مرسومه ولم يزل منتصبا إلى أن عمل الزوجين وهو لا يزيده شيئا على الدرهمين في كل يوم ولا يشكره ولا يعده بخير ولا يتجمل معه فرأى المصلحة أن ينقش على زوج الأساور أبياتا يشرح فيها حاله ليقف عليها الملك فنقش في باطن أحدهما هذه الأبيات نقشا خفيفا يقول
( مصائب الدهر كفي ... إن لم تكفي فعفي )
( خرجت أطلب رزقي ... وجدت رزقي توفي )
( فلا برزقي أحظى ... ولا بصنعة كفي )
( كم جاهل في الثريا ... وعالم متخفي ) قال وعزم الصانع على أنه ظهرت الأبيات للمعلم إن شرح له ما عنده وإن غم عليه ولم يرها كان ذلك سبب توصله إلى الملك ثم لفهما في قطن وناولهما للمعلم فرأى ظاهرهما ولم ير باطنهما لجهله بالصنعة ولما سبق له في القضاء فأخذها المعلم ومضى بهما فرحا إلى الملك وقدمهما إليه فلم يشك الملك في أنهما صنعته فخلع عليه وشكره ثم جاء فجلس مكانه ولم يلتفت إلى الصانع وما زاده في آخر النهار شيئا على الدرهمين فلما كان اليوم الثاني خلا خاطر الملك فاستحضر الحظية التي عمل لها السوارين الذهب فحضرت وهما في يديها فأخذهما ليعيد نظره فيهما وفي حسن صنعتهما فقرأ الأبيات فتعجب وقال هذا شرح حال صانعهما والمعلم يكذب فغضب عند ذلك وأمر باحضار المعلم فلما حضر قال له من عمل هذين السوارين قال أنا أيها الملك قال فما سبب نقش هذه الأبيات قال لم يكن عليهما أبيات

قال كذبت ثم أراه النقش وقال إن لم تصدقني الحق لأضربن عنقك فأصدقه الحق فأمر الملك باحضار الصانع فلما حضر سأله عن حاله فحكى له قصته وما جرى له مع المعلم فرسم الملك بعزل المعلم وأن تسلب نعمته وتعطى للصانع وإن يكون عوضا عنه في الخدمة ثم خلع عليه خلعة سنية وصار مقدما سعيدا فلما نال هذه الدرجة وتمكن عند الملك تلطف به حتى رضي عن المعلم الأول وصارا شريكين ومكثا على ذلك إلى آخر العمر ورحم الله من قال
( إذا كان سعد المرء في الدهر مقبلا ... تدانت له الأشياء من كل جانب ) وقال آخر
( ما سلم الله هو السالم ... ليس كما يزعم الزاعم )
( تجري المقادير التي قدرت ... وأنف من لا يرتضي راغم ) وقال كعب بن زهير
( لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر )
( يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر )
( والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهي ذاك حتى ينتهي العمر ) وروي في الإسرائيليات أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مر بفخ منصوب وإذا بطائر قريب منه فقال له الطائر يا نبي الله هل رأيت أقل عقلا ممن نصب هذا الفخ ليصيدني به وأنا أنظر إليه قال فذهب عنه ذلك النبي ثم رجع وإذا بطائر في الفخ فقال له عجبا لك ألست القائل كذا وكذا آنفا فقال يا نبي الله إذا جاء الحين لم يبق أذن ولا عين ويروى أن رجلا قال لبرزجمهر تعال نتناظر في

القدر قال وما تصنع بالمناظرة قال رأيت شيئا ظاهرا استدللت به على الباطن رأيت جاهلا مبرورا وعالما محروما فعلمت أن التدبير ليس للعباد ولما قدم موسى بن نصير بعد فتح الأندلس على سليمان بن عبد الملك قال له يزيد بن المهلب أنت أدهى الناس وأعلمهم فكيف طرحت نفسك في يد سليمان فقال إن الهدهد ينظر إلى الماء في الأرض على ألف قامة ويبصر القريب منه والبعيد على بعد في التخوم ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة أو الحبة فلا يبصره حتى يقع فيه وأنشدوا في ذلك
( وإذا خشيت من الأمور مقدرا ... وفررت منه فنحوه تتوجه ) وقال آخر
( أقام على المسير وقد أنيخت ... مطاياه وغرد حادياها )
( وقال أخاف عادية الليالي ... على نفسي وأن ألقى رداها )
( مشيناها خطا كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطا مشاها )
( ومن كانت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها ) ولما قتل كسرى بزرجهمر وجد في منطقته كتاب فيه إذا كان القضاء حقا فالحرص باطل وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بكل أحد عجز وإذا كان الموت بكل أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق وقال ابن عباس وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى ( وكان تحته كنز لهما ) إنما كان الكنز لوحا من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن وعجبت لم يوقن بالرزق كيف ينصب وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يوقن بالحساب كيف وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله وحكي الطرطوشي رحمه الله تعالى في كتابه سراج الملوك قال من عجيب ما اتفق بالاسكندرية أن رجلا من خدم نائب الاسكندرية غاب

خدمته أياما ففي بعض الأيام قبض عليه صاحب الشرطة وحمله إلى دار النائب فانفلت في بعض الطرق وترامى في بئر والمدينة إذ ذاك مسردبة بسرداب يمشي الماشي فيه قائما فما زال الرجل يمشي إلى أن لاحت له بئر مضيئة فطلع منها فاذا البئر في دار النائب فملا طلع أمسكه النائب وأدبه فكان فيه المثل السائر الفار من القضاء الغالب كالمتقلب في يد الطالب وأنشدوا فيه
( قالوا تقيم وقد أحاط ... بك العدو ولا تفر )
( لا نلت خيرا أن بقيت ... ولا عداني الدهر شر )
( إن كنت أعلم أن ... غير الله ينفع أو يضر )

الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار قد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة وأمر الله تعالى بالتوبة فقال ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) ووعد بالقبول فقال تعالى ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) وفتح باب الرجاء فقال ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) وروي في الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله يقول أيها الناس توبوا إلى الله تعالى فإني أتوب إلى الله تعالى في اليوم مائة مرة وروى أحمد بن عبد الرحمن السلماني قال اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله فقال أحدهم سمعت رسول الله يقول إن الله تعالى يقبل التوبة من عبده قبل أن يموت بيوم فقال الثاني أنت سمعت هذا من رسول الله قال نعم قال وأنا سمعته يقول إن الله تعالى يقبل توبته قبل أن يموت بنصف يوم فقال الثالث أنت سمعت هذا من رسول الله قال نعم قال وأنا سمعته يقول إن الله تعالى يقبل توبة العبد قبل موته بضحوة أو قال بضجعة

فقال الرابع أنت سمعت هذا من رسول الله ؟ قال نعم قال وأنا سمعته يقول إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن الرسول الله قال الله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل بأرض دوية مهلكة معه راحلته فنام واستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا أدركه الموت قال أرجع إلى المكان الذي ضللتها فيه وأموت فإني مكانه فغلبته عينه فاستيقظ وإذا راحلته عند رأسه فيها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه فالله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته وزاده وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله يقول والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة رواه البخاري وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه عن النبي قال إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله قال كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعبد أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟ قال لا فقتله وكمل به المائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه وقال له أنه قد قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ قال نعم ومن يحل بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى فأعبد الله تعالى معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى كان نصف الطريق أدركه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فحكموه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فالى أيتهما كان أدنى ؟ فهو أقرب لها فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة متفق عليه وفي الصحيحين فكان أدنى إلى أرض التوبة الصالحة فجعل من أهلها

وعن أبي نجيد بضم النون وفتح الجيم عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنه أن امرأة من جهينة أتت رسول الله وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي فدعاني رسول الله فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال عمر يا رسول الله تصلي عليها وقد زنت ؟ قال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل ممن جادت بنفسها لله عز و جل رواه مسلم وعن أبي نصرة قال لقين مولى لأبي بكر رضي الله عنه فقلت له سمعت من أبي بكر شيئا قال نعم سمعته يقول قال رسول الله ما أصر من استغفر ولو عاد إلى الذنب في اليوم سبعين مرة وحكي أن نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تشتري تمرا فقال لها هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي فذكر له ذلك فأنزل الله تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) إلى آخر الآية وعن أسماء بن الحكم الفزاري قال سمعت عليا يقول إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ويصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له وروي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله يقول إذا أذنب العبد ذنبا فقال يا رب أذنبت ذنبا فاغفره لي قال الله عز و جل علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ثم إذا مكث ما شاء الله وأصاب ذنبا آخر فقال يا رب أذنبت

ذنبا فأغفر لي قال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء وكان قتادة رضي الله تعالى عنه يقول القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما دواؤكم فالاستغفار وأما داؤكم فالذنوب وكان علي رضي الله تعالى عنه يقول العجب لمن هلك ومعه كلمة النجاة قيل وما هي ؟ قال الاستغفار وقال رسول الله من قال عشرا حين يصبح وحين يمسي أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وأسأله التوبة والمغفرة من جميع الذنوب غفرت ذنوبه ولو كانت مثل رمل عالج ومن قال سبحانك ظلمت نفسي وعملت سوءا فأغفر لي ذنوبي فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت غفرت ذنوبه ولو كانت مثل دبيب النمل وقال أبو عبد الله الوراق لو كان عليك من الذنوب مثل عدد القطر وزبد البحر محيت عنك إذا استغفرت بهذا الاستغفار وهو هذا اللهم إني أسألك وأستغفرك من كل ذنب تبت إليك منه عدت فيه وأستغفرك من كل ما وعدتك من نفسي ثم لم أوف لك به وأستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فاستعنت بها على معصيتك يقول الله عز و جل لملائكته ويح ابن آدم يذنب الذنب ثم يستغفرني فأغفر له ثم يذنب الذنب فيستغفرني فاغف له لا هو يترك الذنب من مخالفتي ولا ييأس من مغفرتي أشهدكم يا ملائكتي إني قد غفرت له وقال بشر الحافي بلغني أن العبد إذا عمل الخطيئة أوحى الله تعالى إلى الملائكة الموكلين ترفقوا عليه سبع ساعات فان استغفرني فلا تكتبوها وإن لم يستغفرني فاكتبوها

نكتة قيل انقطع الغيث عن بني إسرائيل في زمن موسى عليه الصلاة و السلام حتى احترق النبات وهلك الحيوان فخرج موسى عليه الصلاة و السلام في بني إسرائيل وكانوا سبعين رجلا من نسل الأنبياء مستغيثين إلى الله تعالى قد بسطوا أيدي صدقهم وخضوعهم وقربوا قربان تذللهم وخشوعهم ودموعهم تجري على خدودهم ثلاثة أيام فلم يمطر لهم فقال موسى اللهم أنت القائل ادعوني أستجب لكم وقد دعوتك وعبادك على ما ترى من الفاقة والحاجة والذل فأوحى الله تعالى إليه يا موسى إن فيهم من غذاؤه حرام وفيهم من يبسط لسانه بالغيبة والنميمة وهؤلاء استحقوا أن أنزل عليهم غضبي وأنت تطلب لهم الرحمة كيف يجتمع موضع الرحمة وموضع العذاب ؟ فقال موسى ومن هم يا رب حتى نخرجهم من بيننا ؟ فقال الله تعالى يا موسى لست بهتاك ولا نمام ولكن يا موسى توبوا كلكم بقلوب خالصة فعساهم يتوبوا معكم فأجود بانعامي عليكم فنادى منادي موسى في بني إسرائيل إن اجتمعوا فاجتمعوا فاعلمهم موسى عليه الصلاة و السلام بما أوحى إليه و العصاة يسمعون فذرفت أعينهم ورفعوا مع ببني إسرائيل أيديهم إلى الله عز و جل وقالوا إلهنا جئناك من أوزارنا هاربين ورجعنا إلى بابك طالبين فارحمنا يا أرحم الراحمين فما زالوا كذلك حتى سقوا بتوبتهم إلى الله تعالى اللهم تب علينا وعلى سائر العصاة والمذنبين يا رب العالمين أوحى الله إلى داود عليه الصلاة و السلام يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي يا داود هذه إرادتي في المدبرين عني فكيف إرادتي بالمقبلين على ولقد أحسن من قال
( أسيء فيجزي بالإساءة إفضالا ... وأعصي فيوليني برا وإمهالا )
( فحتى متى أجفوه وهو يبرني ... وأبعد عنه وهو يبدل إيصالا )
( وكم مرة قد عن نهج طاعة ... ولا حال عن ستر القبيح ولا زالا ) وهذا آخر ما يسره الله تعالى في هذا الباب والله أعلم بالصواب

الباب الثمانون فيما جاء في ذكر الأمراض والعلل والطب والدواء وما جاء في السنة من العبادة وما أشبه ذلك وفيه فصول
الفصل الأول في الأمراض والعلل وما جاء في ذلك من الاجر والثواب
روي عن عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه عن النبي أنه قال أيكم يحب أن يصح جسمه فلا يسقم ؟ فقالوا كلنا يا رسول الله قال أتحبون أن تكونوا كالحمير الصوالة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلايا وأصحاب كفارات والذي بعثني بالحق نبيا أن الرجل لتكونن له الدرجة في الجنة فلا يبلغها بشيء من عمله فيبتليه الله تعالى ليبلغ درجة لا يبلغها بعمله وقال ما من مسلم يمرض إلا حط الله من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها وكان يقول لا تزال الأوصاب والمصائب بالعبد حتى تتركه كالفضة البيضاء والنقية المصفاة
وقيل إن الناس قد حموا في فتح خيبر فشكوا إلى رسول الله فقال أيها الناس إن الحمى رائد الموت وسجن الله في الأرض وقطعة من النار فإذا وجدتم ذلك فبردوا لها الماء في الشنان ثم صبوا عليكم بين المغرب والعشاء ففعلوا ذلك فزالت عنهم
وعن انس رضي الله تعالى عنه قال دخل رسول الله على شاب وهو في الموت فقال له كيف تجدك ؟ فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال عليه الصلاة و السلام هما لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف

عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة الزاهدة رحمها الله تعالى أنها سمعت رجلا يقول ما أشد العمى على من كان بصيرا فقالت له يا عبد الله عمى القلب عن الله أشد من عمي العين عن الدنيا والله لوددت أن الله وهب لي كنه معرفته ولم يبق مني جارحة إلا أخذها
وكتب مبارك لأخيه سفيان الثوري يشكو إليه ذهاب بصره فكتب إليه أما بعد فقد فهمت كتابك فيه شكاية ربك فاذكر الموت يهن عيك ذهاب بصرك والسلام وقيل لعطاء في مرضه ما تشتهي ؟ قال ما ترك خوف جهنم في قلبي موضعا للشهوة وأصاب ابن أدهم بطن فتوضأ في ليلة سبعين مرة وقيل لأعرابي في مرضه ما تشتهي ؟ قال الجنة فقيل أفلا ندعوا لك طبيبا ؟ قال طبيبي هو الذي أمرضني
الفصل الثاني من هذا الباب في ذكر العلل كالبخر والعرج والعمى والصمم والرمد والفالج وغير ذلك نسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة
قيل تسارر أبخر وأصم فقال له الأصم قد فهمت ثم فارقه فسأله رجل فقال والله لا أدري غير انه فسا في أذني وقيل ان عبد الملك بن مروان كان أبخرا فعض يوما على تفاحة ورمى بها إلى زوجته فدعت بسكين فقال ما تصنعين بها ؟ قالت أميط الأذى عنها فشق عليه ذلك منها فطلقها و سارر أبو الأسود الدؤلي سليمان ابن عبد الملك وكان أبو الأسود أبخر فستر سلميان أنفه بكمه فعبر أبو الأسود وهو يقول لا يصلح للخلافة من لا يقدر على مناجاة الشيوخ البخر وقيل طول انطباق الفم يورث البخر وكل رطب الفم سائل اللعاب سالم منه وقيل ان الزنج أطيب الناس أفواها والسباع موصوفة بالبخر ولا المثل مضروب بالأسد والصقر في البخر والكلب من بينهما طيب الفم وليس في البهائم أطيب أفواها من الظباء

وحكي أن أبخر تزوج بامرأة فلما ضاجعها عافته وتولت عنه بوجهها ثم أنشدت تقول
( يا حب والرحمن إن فاكا ... أهلكني فولني قفاكا )
( إذا غدوت فاتخذ مسواكا ... من عرفط ان لم تجد أراكا )
( لا تقربني بالذي سواكا ... إني أراك ماضغا خراكا ) في ديوان المنثور كم من ذي عرج في درج المعالي عرج وكم من صحيح قدم ليس له في الخير قدم وقيل ان من الصم من يسمع السر فإذا رفعت إليه الصوت لم يسمعه ورأيت من العمش من لا ينظر صورة الإنسان من قريب ولكن يقرأ الخط الرقيق الحواشي وقيل إن طريفا الشاعر مدح عمرو بن هداب وكان أبرص فلما انتهى إلى قوله ابرص فياض اليدين مهذب صاح به الناس وقالوا قطع الله لسانك فقال عمرو مه إن البرص مما تتفاخر به العرب أما سمعتم قول سهل حيث قال
( أيشتمني زيد بأن كنت أبرصا ... وكل كريم لا أبا لك أبرص )
( كفى حزنا أني أعاشر معشرا يخوضون ... بعض الحديث وأمسك )
( وما ذاك من عي ولا من جهالة ... ولكنه ما في للصوت مسلك )
( فان سد مني السمع فالله قادر ... على فتحه والله للعبد أملك ) ومما جاء في العمى ما روى عن النبي أنه قال من عدم أحدى كريمتيه ضمنت له على الله الجنة وكان أبو عبد الرحمن بن الحرث بن هشام يطعم الطعام وكان أعور فجعل أعرابي يطيل النظر إليه حابسا نفسه عن طعامه فكلمه المغيرة في ذلك فقال والله إني ليعجبني طعامك وتريبني عينك قال فما يريبك من عيني ؟ قال أعور وأراك تطمع الطعام وهذه صفة

فقيل له إن عينه اصيبت في فتح الروم فقال ان الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي أنه قال من قاد أعمى أربعين خطوة لم تمسه النار وقال علي كرم الله وجهه ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده وقال أبو علي البصير
( لئن كان يهديني الغلام لوجهتي ... ويقتادني في السير إذ أنا راكب )
( لقد يستضيء القوم بي في وجوههم ... ويخبو ضياء العين والقلب ثاقب ) وقال
( إذا عدمت طلابة العلم مالها ... من العلم إلا ماتسطر في القلب )
( غدوت بتشمير وجد عليهم ... ومحبرتي سمعي وها دفتري قلبي )
وقال
( إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وسمعي منهما نور )
( فهمي ذكي وقلبي غير ذي غفل ... وفي فمي صارم كالسيف مشهور ) وقال
( عزاءك أيها العين السكوب ... وحقك انها نوب تنوب )
( وكنت كريمتي وسراج وجهي ... وكانت لي بك الدنيا تطيب )
( على الدنيا السلام فيما لشيخ ... ضرير العين في الدنيا نصيب )
( يموت المرء وهو يعد حيا ... ويخلف ظنه الأمل الكذوب )
( إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب ) وحكى أن ربيعة رمدت عينه فارسل إلى امرأة كان يحبها ثم أنشد يقول
( عينا ربيعة رمداوان فاحتسبي ... بنظرة منك تشفيه من الرمد )
( ان تكتحل بك عيناه فلا رمد ... على ربيعة يخشى آخر الأمد )

وعن عبد الرحمن بن قيس عن النبي أنه قال داء الأنبياء الفالج واللقوة قال الجاحظ ومن المفاليج سيدنا إدريس عليه الصلاة و السلام وأكثر ما يعتري المتوسطين من الناس لأن الشاب كثير الحرارة والشيخ كثير اليبس وقيل أن أبان بن عثمان كان أفلج حتى صار مثلا فكانت الناس تقول لا رماك الله بفالج ابن عثمان وكان معاوية ألوق وعبد الملك بن مروان أبخر وحسان أعمى وابن سيرين أصم وممن فلج ابن أبي دؤاد قاضي قضاة المعتصم كان من الشرف والكرم بمنزلة عظيمة قد ضرب المثل بفالجه قال الشاعر في رجل ضرب غلامه
( أتضرب مثله بالسوط عشرا ... ضربت بفالج ابن أبي دؤاد ) وشجة عبد الحميد كانت مثلا في الحسن وهو عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم وكان بارعا في الحسن والجمال فزادته حسنا إلى حسنه حتى إن النساء كن يخططن في وجوههن شجة عبد الحميد وكان يقال لعمر بن عبد العزيز أشج بني أمية وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول ان من ولدي رجلا بوجهه أثر في جبهته قال أصبغ الله أكبر هذا أشج بني أمية يملأ الأرض عدلا وقال أعور لأبي الأسود ما الشيء ونصف الشيء ولا شيء فقال أما الشيء فالبصير كأنا وأما لا شيء فالأعمى وأما نصف الشيء فانت يا أعور اللهم اكفنا شر العاهات برحمتك ومنك وكرمك آمين
الفصل الثالث من هذا الباب في التداوي من الأمراض والطب
قال رسول الله تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وقال ما أنزل الله داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله
وسئل رسول الله عن الدواء والرقي هل يردان شيئا من قضاء الله تعالى قال هما من قدر الله تعالى وقال عبد الله بن عكرمة عجيب لمن يحتمي من الطعام خوف الداء ولا يحتمي من الذنوب خوف النار

ان الربيع بن خيثم لما مرض قالوا له ألا ندعوا لك طبيبا فقال لهم إن مرضي من الطبيب وأنه متى أراد عافاني ولا حاجة لي بطبيبكم وأنشد
( فأصبحت لا أدعو طبيبا لطبه ... ولكنني أدعوك يا منزل القطر ) وعاد الفرزدق مريضا فقال
( يا طالب الطب من داء تخوفه ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء )
( فهو الطبيب الذي يرجى لعافية ... لا من يذيب لك الترياق بالماء ) قال ولما مرض بشر الحافي رحمه الله تعالى قالوا أندعوا لك طبيبا فقال إني بعين الطبيب يفعل بي ما يريد فألح عليه أهله وقالوا لا بد أن ندفع ماءك إلى الطبيب فقال لأخته ادفعي إليهم الماء في قارورة وكان بالقرب منهم رجل ذمي وكان حاذقا في الطب فأتوه بمائه في القارورة فلما رآه قال حركوه فحركوه ثم قال ضعوه ثم قال ارفعوه فقالوا له ما بهذا وصفت لنا قال وبم وصفت لكم قالوا بالحذق والمعرفة قال هو كما تقولون غير أن هذا الماء إن كان ماء نصراني فهو راهب قد فتتت كبده العبادة وإن كان مسلما فهو ماء بشر الحافي فإنه أوحد أهل زمانه في السلوك مع الله تعالى قالوا هو ماء بشر الحافي فاسلم النصراني وقطع زناره فلما رجعوا إلى بشر قال لهم أسلم الطبيب فقالوا ومن أعلمك قال لما خرجتم من عندي هتف لي هاتف وقال يا بشر ببركة مائك أسلم الطبيب وصار من أهل الجنة وفلج الربيع بن خيثم فقيل له هلا تداويت فقال قد عرفت أن الدواء حق ولكن عاد وثمود وقرون بين ذلك كثير كانت فيهم الأوجاع كثيرة والأطباء أكثر فلم يبق المداوي ولا المداوى وقد أبادهم الموت ثم قال هذا المفرد
( هلك المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه والمشتري ) وقيل لجالينوس حين نهكته العلة أما تتعالج فقال إذا كان الداء من السماء بطل الدواء من الأرض وإذا نزل قضاء الرب بطل حذر

المربوب ومر قوم بماء من مياه العرب فوصف لهم ثلاث بنات مطببات وهن من أجمل الناس فأحبوا أن يروهن فحكوا ساق أحدهم حتى أدموها ثم قصدوهن فقالوا هذا جريح مريض فهل من طبيب فخرجت صغراهن وهي كأنها الشمس الطالعة فلما رأت جرحه قالت ليس هو بمريض بل خدشه عود بالت عليه حية فإذا طلعت الشمس مات فكان الأمر كما قالت وقيل دواء كل مريض بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلع لهوائها وقالوا من قدم إلى أرض غير أرضه وأخذ من ترابها وجعله في مائها وشربه لم يمرض فيها وعوفي من وبائها واحتمى أحمد بن العدل لعلة أصابته فبرئ فقال الحمية طالع الصحة لأهل الدنيا تبرئهم من المرض ولأهل الآخرة تبرئهم من النار وقيل إن الأبدان المعتادة بالحمية آفتها التخليط والمعتادة بالتخليط آفتها الحمية لأن الحكماء تقول عودوا كل جسد بما اعتاد وكان كسرى أنو شروان يمسك عما تميل إليه شهوته ولا ينهمك عليه ويقول تركنا ما نحبه لنستغني عن العلاج بما نكرهه وقال لقمان لا تطيلوا الجلوس على الخلاء فإنه يورث الباسور وكانت هذه الحكمة مكتوبة على أبواب الحشوس أي الكنف وقيل كفى بالمرء عارا أن يكون صريع مأكله وقتيل أنامله
( فكم أكلة أكلت نفس حر ... وكم أكلة جلبت كل ضر ) وقيل من غرس الطعام أثمره الأسقام وعن بعض أهل البيت النبوي عليهم السلام أنه كان إذا أصابته علة جمع بين ماء زمزم والعسل واستوهب من مهر أهله شيئا وكان يقول قال الله تعالى ( ونزلنا من السماء ماء مباركا ) وقال تعالى ( فيه شفاء للناس ) وقال عليه الصلاة و السلام ماء زمزم لما شرب له وقال تعالى ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) من جمع بين ما بورك فيه وبين ما فيه شفاء وبين الهني المريء يوشك أن يلقى العافية وقيل خمسة من

المهلكات دخول الحمام على الشبع والمجامعة على الشبع وأكل القديد وشرب الماء البارد على الريق ومجامعة المرأة العجوز وقال لا تنكح العجوز ولا تخرج الدم وأنت مستغن عن إخراجه وقال الإمام رضي الله عنه
( توق مدى الأيام ادخال مطعم ... على مطعم من قبل هضم المطاعم )
( وكل طعام يعجز السن مضغة ... فلا تقربنه فهو شر لطاعم )
( ووفر على الجسم الدماء فإنها ... لقوة جسم المرء خير الدعائم )
( وإياك أن تنكح طواعن سنهم ... فإن لها سما كسم الأراقم )
( وفي كل أسبوع عليك بقيئة ... تكن آمنا من شر كل البلاغم ) ومما يورث الهزال النوم على غير وطاء وكثرة الكلام برفع الصوت وقال النظام رحمه الله تعالى ثلاثة تخرب العقل طول النظر في المرآة وكثرة الضحك والنظر إلى النجوم وفي الحديث احتجم رسول الله في أم مغيث وهي وسط الرأس وكان يحتجم في الأخدعين ونهى عن الحجامة في نقرة القفا فإنها تورث النسيان وأمر بالاستنجاء بالماء البارد فإنه أما من الباسور وخبط المأمون بمسجد مروان فوجد غالب أهل المسجد يشكون السعال فقال في آخر خطبته من كان يشكو سعالا فليتداو بالخل ففعلوا فعافاهم الله وقال بعض الحكماء إياك أن تطيل النظر في عين أمرد وإياك أن تسجد على حضير جديدة قبل أن تمسها بيدك فرب شظية حقرة قلعت عينا خطيرة وقيل كانت الأدوية تنبت في محراب سليمان عليه الصلاة و السلام ويقول كل دواء يا نبي الهل أنا دواء لكذا وكذا وقال لجالينوس البطنة تقتل الرجال وتورث الفالج والإسهال الذريع والاقعاد وصنفا من الجذام يقال له الفهد لا يسمع صاحبه ولا يبصر نسأل الله العفو والعافية وقيل البطنة تورث الصداع والكمنة في العينين والضربان في الأذنين والقولنج في البدن فعليك أيها الإنسان بالطريقة الوسطى واتق الليل وطعامه جهدك وقال

جالينوس الغم المفرط يميت القلب ويجمد الدم في العروق فيهلك صاحبه والسرور المفرط يلهب حرارة الدم حتى يغلب الحرارة الغريزية فيهلك صاحبه وقيل أنه وضع على مائدة المأمون في يوم عيد أكثر من ثلاثين لونا فكان يصف وهو على المائدة منفعة كل لون ومضرته فقال يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين أن خضنا في الطب فانت جالينوس في معرفته أو في النجوم فانت هرمس في صناعته أو في الفقه فانت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في علمه أو في السخاء فانت حاتم في كرمه أو في الحديث فانت أبو ذر في صدق لهجته أو في الوفاء فانت السمرءل ابن عادباء في وفائه فسر بكلامه وقال يا أبا محمد إنما فضل الإنسان على غيره بالعقل ولولا ذاك لكانت الناس والبهائم سواء وقال طبيب الهند إن منفعة الحقنة للجسد كمنفعة الماء للشجر وقال سفيان بن عيينة أجمع أطباء فارس على أن الداء ادخال الطعام على الطعام وقالوا ادخال اللحم على اللحم يقتل السباع في البر وقيل الشرب في آنية الرصاص أمان من القولنج وعرض رجل على طبيب قارورته فقال له ما هي قارورتك لأنه ماء ميت وأنت حي تكلمني فما فرغ من كلامه حتى خر الرجل ميتا وقيل إن ملكا من الملوك حصل عنده صداع في رأسه فأحضر الطبيب فأمره أن يضع قدميه في الماء الحار وكان عنده خصي فقال أين القدمان من الرأس فقال له الطبيب وأين وجهك من خصيتك نزعتا فذهبت لحيتك وقيل إن المأمون حصل له صداع بطرسوس فأحضر طبيبا كان عنده فلم ينفعه علاجه فبلغ قيصر فأرسل إليه قلنسوة وكتب له بلغني صداعك فضعها على رأسك يزل ما بك فخاف أن تكون مسمومة فوضعها على رأس القاصد فلم يصبه شيء ثم إنه أحضر رجلا به صداع فوضعها على رأسه فزال ما به فتعجب المأمون ثم إنه فتحها فوجد فيها رقعة مكتوبا فيها بسم الله الرحمن الرحيم كم من نعمة لله تعالى في عرق ساكن وغير ساكن حمسق لا يصدعون عنها ولا ينزفون من كلام الرحمن خمدت النيران ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقال علي رضي الله تعالى عنه ادهنوا بالبنفسج فإنه حار في الشتاء بارد في الصيف وقال أيضا رضي الله عنه عليكم بالزيت فإنه يذهب البلغم ويشد العصب ويحسن

ويطيب النفس ويذهب الغم وعنه رضي الله عنه إن لم يكن في شيء شفاء ففي شرطة حاجم أو شربة من عسل وقال الحجاج لطبيبه أخبرنا بجوامع الطب فقال لا تنكح إلا فتاتا ولا تأكل من اللحم إلا فتيا وإذا تغديت فنم وإذا تعشيت فامش ولو على الشوك ولا تدخلن بطنك طعاما حتى تستمرئ ما فيه ولا تأو إلى فراشك حتى تدخل الخلاء وكل الفاكهة في إقبالها وذرها في إدبارها
وأوصى حكيم خليفته وصية ووعده أنه إذ لازمها لا يمرض إلا مرض الموت فقال إياك أن تدخل طعاما على طعام ولا تمش حتى تعيا ولا تجامع عجوزا ولا تدخل حماما على شبع وإذا جامعت فكن على حال وسط من الغذاء وعليك في كل اسبوع لقيئة ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها ولا تأكل القديد من اللحم وإذا تغديت فنم وإذا تعشيت فأمش أربعين خطوة ونم على يسارك لتقطع الكبد على المعدة فينهضم ما فيها وتستريح الكبد من حرارة المعدة ولا تنم على يمينك فيبطيء الهضم ولا تأكل بشهوة عينيك بعد الشبع ولا تنم ليلا حتى تعرض نفسك على الخلاء أن احتجت إلى ذلك أو لم تحتج واقعد على الطعام وأنت تشتهيه وقم عنه وأنت تشتهيه قال بعضهم
( شره النفوس على الجسوم بلية ... فتعوذوا من كل نفس تشره )
( ما من فتى شرهت له نفس وإن ... نال الغنى إلا رأى ما يكره ) وقال أبو الفيض القضاعي بمدح الفضل وقد فصد
( أرقت دما لو تسكب المزن مثله ... لأصبح وجه الأرض أخضر زاهيا )
( دما طيبا لو يطلق الشرع شربه ... لكان من الأسقام للناس شافيا )

الفصل الرابع فيما جاء في العيادة وفضلها
قال رسول الله ثلاثة في ظل العرش عائد المريض ومشيع الموتى وطائع والديه وفي رواية ومعزى الثكلى ومن السنة تخفيف الجلوس في العيادة مرض بكر بن عبد الله المزني فعاده أصحابه فأطالوا الجلوس عنده فقال المريض يعاد والصحيح يزار قال الشاعر
( يعدن مريضا هن هيجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا ) وقيل إذا دخل العواد على الملك فحقهم أن لا يسلموا عليه فيحوجوه إلى رد السلام ويتعبوه فإذا علموا أنه لاحظهم دعوا له وانصرفوا قيل مرض إنسان فكتب إليه بعض أصدقائه كشف الله عنك ما بك من السقم وطهرك بالعلة من الخطايا ومتعك بأنس العافية وأعقبك دوام الصحة ومرض إنسان فكتب إليه صديقه
( بإخوانك الأدنين لا بك كل ما ... شكوت إلي اليوم من ألم الود )
( فكل امرئ منهم بقدر احتماله ... وإن عجوزا عنه تحلمته وحدي ) ( وقال آخر )
( بي السوء والمكر وه لا بك كلما ... أراداك كانا بي وكان لك الأجر ) ( وقال عبد الله بن مصعب )
( مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود ) فسمى بعد ذلك عائد الكلاب وعاد مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه بعض المرضى فقال
( عادني مالك فلست أبالي ... بعد من عادني ومن يعدني )

وقال علي بن الجهم
( أراقد الليل مسرورا عدمت إذا ... عيشي وأحمد يرعى ليلة وصبا )
( الله يعلم أني قد نذرت له ... صيام شهر إذا ما أحمد ركبا ) ( وقال أخر )
( إذا مرضتم أتيناكم نعودكمو ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ) ( وقال آخر )
( أعاذك الله من أشياء أربعة ... الموت والعشق والإفلاس والجرب ) وقيل إن حق العيادة يوم ويوم بعد يومين وعلى الأول قول الشاعر
( قالت مرضت فعدتها فتبرمت ... فهي الصحيحة والعليل العائد )
( والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رق للولد الصغير الوالد ) ( وعلى الثاني قول بعضهم )
( حق العيادة يوم بعد يومين ... وجلسة مثل خلس اللحظ بالعين )
( لا تبرمن عليلا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسآل بحرفين ) وفضل العيادة مشهور وشرفها مذكور وبها تعظم الأجور وهذا ما انتهى إلينا من هذا الباب والله الموفق للصواب

الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قال رسول الله إذا مات لأحدكم ميت فحسنوا كفنه وعجلوا انجاز وصيته وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار السوء قيل يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة قال وهل ينفع في الدنيا قالوا نعم قال وكذلك في الآخرة ومن وصية علي رضي الله عنه لأبي ذر زر القبور تذكر بها الآخرة ولا تزرها بالليل وأغسل الموتى يتحرك قلبك وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله تعالى ويقال جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك ونظر فيلسوف إلى ميت يحمل إلى قبره فقال حبيب تحمله أهله إلى حبس الأبد ودخل عمرو بن العاص رضي الله عنه على معاوية في مرضة مرضها فقال له أعائذ أنت أم شامت فقال له عمر ولم تقول هذا والله ما كلفتني رهقا ولا أصدعتني زلقا ولا جرعتني علقا فلم أستطل حياتك ولم استبطئ وفاتك فأنشد معاوية يقول
( فهل من خالدين إذا هلكنا ... وهل في الموت بين الناس عار ) ولما مرض معاوية رضي الله عنه مرضه الذي مات فيه وفد إليه الناس يعودونه فقال لأهله مهدوا لي فراشا واسندوني وأوسعوا رأسي دهانا ثم أكحلوا عيني بالإثمد ثم ائذنوا للناس يدخلوا ويسلموا علي قياما ولا تجلسوا عندي أحدا ففعلوا ذلك فلما خرجوا من عنده أنشد يقول
( وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع )
( وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع )

وقيل لما دنا منه الموت تمثل بهذا البيت
( هو الموت لا منجى من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أدهى وأقطع ) ثم قال رفع يديه وقال اللهم أقل العثرة وأعف عن الزلة وعد بحلمك على من لم يرج غيرك ولا يثق إلا بك فإنك واسع المغفرة وليس الذي خطيئة منك مهرب ومات رحمه الله تعالى وذكر أبو العباس الشيباني قال وفد على أبو دلف عشرة من أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في العلة التي مات فيها فأقاموا ببابه شهرا لا يؤذن لهم لشدة العلة التي أصيب بها ثم أفاق فقال لخادمه بشر إن قلبي يحدثني إن بالباب قوما لهم إلينا حوائج فافتح الباب ولا تمنعن أحدا قال فكان أول من دخل آل علي رضي الله عنه فسلموا عليه ثم ابتدأ الكلام رجل منهم من ولد جعفر الطيار فقال أصلحك الله أنا من أهل بيت رسول الله وفينا من ولده وقد حطمتنا المصائب وأجحفت بنا النوائب فان رأيت أن تجبر كسيرا وتغني فقيرا لا يملك قطميرا فأفعل فقال لخادمه خذ بيدي وأجلسني ثم أقبل معتذرا إليهم ودعا بدواة وقرطاس وقال ليكتب كل منكم بيده أنه قبض مني ألف دينار قالوا فبقينا والله متحيرين فلما أن كتبنا الرقاع ووضعناها بين يديه قال لخادمه علي بالمال فوزن لكل واحد منا ألف دينار ثم قال لخادمه يا بشر إذا أنا مت فادرج هذه الرقاع في كفني فإذا لقيت محمدا في القيامة كانت حجة لي إني قد أغنيت عشرة من ولده ثم قال يا غلام ادفع لكل واحد منهم ألف درهم ينفقها في طريقه حتى لا ينفق من الألف دينار شيئا حتى يصل إلى موضعه قال فأخذناها ودعونا له وانصرفنا ثم مات رحمه الله وقيل لما دفن عمر بن عبد العزيز نزل عند دفنه مطر من السماء فوجدوا بردة مكتوبا فيها بالنور ( بسم الله الرحمن الرحيم أمان لعمر بن عبد العزيز من النار ) وقيل لأعرابي إنك تموت قال وإلى أين أذهب قالوا إلى الله تعالى فقال لا أكره أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه وبكى الخولاني عند موته فقيل له ما يبكيك قال أبكي لطول السفر وقلة الزاد وقد سلكت عقبة ولا أدري إلى أين أهبط وإلى أي مكان

أسقط ودخل ملك الموت على داود عليه السلام فقال له من أنت قال أنا الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا فقال إذن أنت ملك الموت وإني لم أستعد بعد فقال له يا داود أين فلان جارك أين فلان قريبك قال ماتا قال أما كان لك في موت هؤلاء عبرة لتستعد بها ثم قبضه عليه السلام ( وفي الخبر ) من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك عن النبي قال إن الملائكة تكتنف العبد وتحتبسه ولولا ذلك لكان يعدو في الصحراء والبراري من شدة سكرات الموت وقد أجمعت الأمة على أن الموت ليس له زمن من معلوم فليكن المرء على أهبة من ذلك وقيل بينما حسان جالس وفي حجره صبي يطعمه الزبد بالعسل إذ شرق الصبي فمات فقال
( إعمل وأنت صحيح مطلق فرح ... ما دمت ويحك يا مغرور في مهل )
( يرجو الحياة صحيح ربما كمنت ... له المنية بين الزبد والعسل ) وقيل إن المأمون لما قربت وفاته دخل عليه بعض أصدقائه فوجده قد فرش له جلد دابة وبسط عليه الرماد وهو يتمرغ فيه ويقول يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه ولما احتضر عمرو بن العاص دعا بغل وقيد وقال ألبسوني أياهما فإني سمعت رسول الله يقول إن التوبة مقبولة ما لم يغرغر ابن آدم بنفسه ثم استقبل القبلة وقال اللهم إنك أمرتنا فعصينا فارتكبنا وهذا مقام العائذ بك فان تعف فأنت أهل العفو وإن تعاقب فبما قدمت يداي لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ثم مات وهو مغلول القيد فبلغ ذلك الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما فقال استسلم الشيخ ولعلها تنفعه
ولما احتضر المعتصم جعلوا يهونون عليه فقال هان على النظارة ما يمر بظهر المجلود وسمع أبو الدرداء رجلا في جنازة يقول من هذا فقال أنت فإن كرهت فأنا وقيل مات عكرمة مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكثير عزة في يوم واحد فقال اللهم كما

جمعتهما في زيارة القبور فلا تفرق بينهما يوم النشور فما بقي في المدينة أحد إلا استحسن كلامه ولما احتضر ابراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام قال هل رأيت خليلا يقبض روح خليله فأوحى الله إليه هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله قال فاقبض روحي الساعة وقيل إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة فيسيره إليها وقال بعضهم
( إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعته إليها حاجة فيطير )
حكي أن شابا تقيا من بني إسرائيل كان يجتمع مع سليمان عليه السلام ويحضر مجالسه فبينما هو عند سليمان في مجلسه إذ دخل ملك الموت عليه فلما رآه الشاب صفر لونه وارتعدت فرائضه وقال يا نبي الله إني خفت من هذا الرجل فمر الريح أن تذهب بي إلى الهند فأمر سليمان الريح فذهبت به فما كان إلا قليل حتى دخل ملك الموت على سليمان وهو متعجب فقال له سليمان مم تعجب قال أعجب أني أمرت بقبض روح الشاب الذي كان عندك بأرض الهند ودخلت عليك فوجدته عندك فصرت متعجبا ثم توجهت إلى الهند فرأيته هناك وقبضت روحه فهذا عجبي فقال له سليمان إنه لما رآك خاف وانزعج وطلب مني أن تحمله الريح إلى الهند فأمرتها فحملته وفي ذلك المعنى قال محمد بن الحسن
( ومتعب الروح مرتاح إلى بلد ... والموت يطلبه في ذلك البلد ) وقيل إن الإنسان يحصل له عند الموت قوة حركة نحو ما يحصل للسراج عند انطفائه من حركة سريعة وضياء ساطع وتسميها الأطباء النعشة الأخيرة والله أعلم وقيل إن الرشيد ماتت له جارية وكانت من خواص محاظيه فجزع عليها جزعا شديدا فقال لبعض أصدقائه أما ترى ما بليت به ما أحببت أحدا إلا مات فقال يا أمير المؤمنين أحببني فقال ويحك إن الحب ليس هو شيء يصنع إنما هو شيء يقع

القلب تسوقه الأسباب فقال قل أنا أحبك قال نعم أحبك فحم من وقته ومات
وفي الحديث المرفوع كسر عظم الميت ككسره في حياته وقال يزيد بن أسلم لقد كان يمضي في الزمن الأول أربعمائة سنة ما يسمع فيها بجنازة وعن ميمون بن مهران قال شهدت جنازة ابن عباس رضي الله عنه بالطائف فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى وقف على أكفانه ثم دخل فيها فالتمسناه فلم نجده ولما سوينا عليه التراب سمعنا من يسمع صوته ولا نرى شخصه يقول ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ) الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما إن قبر آدم عليه السلام بمسجد الخيف بمنى وقال عطاء بلغني أن قبره تحت المنارة التي وسط الخيف وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى ما لا يبكيه عند ذكر الجنة والنار فقيل له في ذلك فقال سمعت رسول الله يقول " القبر أول منازل الآخرة فإن نجا العبد منه فما بعده أيسر منه " وعن معاذ بن رفاعة الزرقي قال أخبرني رجل من رجال قومي أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله في جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش فقام رسول الله يجر ثوبه مبادرا إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه فوجده قبض وقال الحسن رضي الله عنه ما من يوم إلا وملك الموت يتصفح وجوه الناس خمس مرات فمن رآه على لهو ولعب أو معصية أوضاحكا حرك رأسه وقال له مسكين هذا العبد غافل عما يراد به ثم يقول له اعمل ما شئت فإن لي فيك غمزة أقطع بها وتينك وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لرجاء بن حيوه يا رجاء إذا وضعت في لحدي فاكشف الثوب عن وجهي فإن رأيت خيرا فاحمد الله وإن غير ذلك فاعلم أن عمر قد هلك قال رجاء فلما دفناه كشفت عن وجهه

فرأيت نورا ساطعا فحمدت الله تعالى أن قد صار إلى خير وقال أيضا دخلت على عمر ابن عبد العزيز وهو محتضر فقال يا رجاء إني أرى وجوها كراما ليست بوجوه إنس ولا جان وهو يقلب طرفه يمينا وشمالا ثم رفع يده فقال اللهم أنت ربي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت فإن غفرت فقد مننت وإن عاقبت فما ظلمت ألا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك المصطفى ونبيك المرتضى بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح الأمة فعليه السلام والرحمة ثم قضى نحبه رحمه الله وعن أسماء بنت عميس قالت كنت عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدما ضربه ابن ملجم إذ شهق شهقة بعد أن أغمي عليه ثم أفاق وقال مرحبا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فقيل له ما ترى قال هذا رسول الله وهذا أخي جعفر وعمي حمزة وأبواب السماء مفتحة والملائكة ينزلون علي يبشرونني بالجنة وهذه فاطمة قد أحاط بها وصائفها من الحور العين وهذه منازلي لمثل هذا فليعمل العاملون
ولما احتضر عبد الملك بن مروان قال لإبنه الوليد إذا أنا مت إياك أن تجلس وتعصر عينيك كالمرأة الوكعاء لكن ائتزر وشمر والبس جلد النمر وضعني في حفرتي وخلني وشأني وعليك شأنك وادع الناس إلى بيعتك فمن قال برأسه هكذا فقل له بسيفك هكذا ثم بعث إلى محمد وخالد ابني يزيد بن معاوية فقال هل عندكما ندامة في بيعة الوليد فقالوا لا نعرف أحدا أحق منه بالخلافة فقال أما أنكما لو قلتما غير هذا لضربت الذي فيه أعينكما ثم رفع كنار فراشه فإذا تحته سيف مسلول تحت يمينه كل هذا وروحه تتردد في حنجرته وهو يقول الحمد لله الذي لا يبالي أصغيرا أخذ أم كبيرا لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم بعد ساعة نفذت روحه فدخل عليه الوليد ومعه بناته يبكون فتمثل بقول الشاعر
( ومستخبر عنا يريد بنا الردى ... ومستخبرات والعيون سواكن )

وقال محمد بن هرون
( كأني باخواني على جنب حفرتي ... يهيلون فوقي والعيون دما تجري )
( فيا أيها المذري علي دموعه ... ستعرض في يومين عني وعن ذكري )
( عفا الله عني أنزل القبر ثاويا ... أزار فلا أدري وأجفى فلا أدري ) وكان يزيد الرقاشي يقول من كان الموت موعده والقبر بيته والثرى مسكنه والدود أنيسه وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف تكون حالته ثم يبكي حتى يغشى عليه فيجب على العاقل أن يحاسب نفسه بنفسه على ما فرط من عمره ويستعد لعاقبة أمره بصالح العمل ولا يغتر بالأمل فإن من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويوفقنا لاتباع أوامره واجتناب نواهيه وأن يجعل الموت خير غائب ننتظره وأن يختم لنا بالخير وأن يتغمدنا برحمته إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثاني والثمانون في الصبر والتأسي والتعازي والمراثي ونحو ذلك وفيه فصول
الفصل الأول في الصبر
قال الله تعالى ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) وقال " ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن قل عهدها فاحدث استرجاعا إلا أحدث الله له مثله وأعطاه مثل أجره ذلك يوم أصيب بها " وعن أنس بن الملك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله " من أصبح حزينا أصبح ساخطا على ربه ومن أصبح يشكو مصيبة فكأنما يشكو الله ومن تواضع ليغنى سأله من في يده أحبط الله ثلثي عمله ومن أعطي القرآن ولم يعمل به وتهاون به حتى دخل النار أبعده الله عن رحمته لأنه هو الذي فعل ذلك بنفسه حيث لم يعرف حرمة القرآن " وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي أنه قال " من مات له ثلاثة من الولد لا يلج النار إلا تحلة القسم يعني قوله تعالى وإن منكم إلا واردها " وعن أم سلمة رضي الله تعالى عن أن رسول الله قال " من أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها إلا فعل الله به

ذلك " وروي أنه لما مات إبراهيم بن رسول الله ذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله ألم تنه عن البكاء قال إنما نهيت عن الغناء والصوتين الأحمقين والندب ولكن هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوبنا ومن لا يرحم لا يرحم فإن القلب يخشع والعين تدمع وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الله ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون وقال ابن عباس رضي الله عنهما أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ إنني أنا لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ ربا سواي وقال ابن المبارك إن المصيبة واحدة فإذا جزع صاحبها فهما اثنتان لأن لإحداهما المصيبة بعينها والثانية ذهاب أجره وهو أعظم من المصيبة وعن العلاء بن عبد الرحمن أن النبي لما حضرته الوفاة بكت فاطمة فقال لا تبكي يا بنتاه قولي إذا مت إنا لله وإنا إليه راجعون فإن لكل إنسان مصيبة معوضة قالت ومنك يا رسول الله قال ومني عن عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله " من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب ) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال من أخذت حبيبتاه يعني عينيه فصبر واحتسب أدخله الله الجنة وقيل إن امرأة أيوب عليه الصلاة و السلام قالت لو دعوت الله تعالى أن يشفيك فقال لها ويحك كنا في النعماء سبعين عاما أفلا نصبر على الضراء مثلها فلم يلبث إلا يسيرا أن عوفي وقيل الصبر مفتاح الظفر والتوكل على الله تعالى رسول النجاح وقيل من لم يلق نوائب الدهر بالصبر طال عتبه عليه وقيل إن معاوية رضي الله تعالى عنه خرج يوما ومعه عبد العزيز بن زرارة الكلبي وكان ذا منصب وشرف وعقل وأدب فقال له معاوية يا عبد العزيز أتاني نعي سيد شباب العرب فقال له ابني أو ابنك قال لا ابنك قال للموت تلد الوالدة ومما قيل اصبر لحكم من لا تجد معولا إلا عليه ولا مفزوعا إلا إليه وقال سويد السدوسي

( فأوصيكما يا ابني سدوس كلاكما ... بتقوى الذي أعطاكما ويراكما )
( بشكر إذا ما أحدث الله نعمة ... وصبر لأمر الله فيما ابتلاكما ) وقال
( أيا صاحبي إن رمت أن تكسب العلا ... وترقى إلى العلياء غير مزاحم )
( عليك بحسن الصبر في كل حالة ... فما صابر فيما يروم بنادم ) وقال آخر
( هو الدهر قد جربته وبلوته ... فصبرا على مكروهه وتجلدا ) وحدث الزبير قال قامت عائشة بعدما دفن أبوها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقالت نضر الله وجهك وشكر صالح سعيك فقد كنت للدنيا مذلا بادبارك عنها وللآخرة معزا باقبالك عليها ولئن كان رزؤك أعظم المصائب بعد رسول الله وأكبر الأحداث بعده فإن كتاب الله تعالى قد وعدنا بالثواب على الصبر في المصيبة وأنا تابعة له في الصبر فأقول إنا لله وإنا إليه راجعون ومستعيضة بأكثر الاستغفار لك فسلام الله عليك توديع غير قالية لحياتك ولا رازئة على القضاء فيك
ولما مات ذر الهمداني جاء أبوه فوجده ميتا وكان موته فجأة وعياله يبكون عليه فقال مالكم والله ما ظلمناه ولا قهرناه ولا ذهب لنا بحق ولا أصابنا فيه ما أخطأ من كان قبلنا في مثله ولما وضعه في حفرته قال رحمك الله يا بني وجعل أجري فيك لك والله ما بكيت عليك وإنما بكيت لك فوالله لقد كنت بي بارا ولي نافعا وكنت لك محبا وما بي إليك من وحشة وما بي إلى أحد غير الله من فاقة وما ذهبت لنا بعزة وما أبقيت لنا من ذل ولقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك يا ذر لولا هول المطلع لتمنيت ما صرت إليه فليت شعري ماذا قلت

قيل لك ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم إنك وعدت الصابرين على المصيبة ثوابك ورحمتك اللهم وقد وهبت ما جعلت لي من الأجر إلى ذر صلة مني فلا تحرمني ولا تعرفه قبيحا وتجاوز عنه فإنك رحيم بي وبه اللهم قد وهبت لك إساءته لي فهب لي إساءته إليك فإنك أجود مني وأكرم اللهم إنك قد جعلت لك عليه حقا وجعلت لي عليه حقا قرنته بحقك فقلت أشكر لي ولوالديك إلي المصير اللهم إني قد غفرت له ما قصر فيه من حقي فاغفر له ما قصر فيه من حقك فإنك أولى بالجود والكرم فلما أراد الإنصراف قال يا ذر قد انصرفنا وتركناك ولو أقمنا عندك ما نفعناك
وفي الحديث إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى للملائكة ماذا قال عبدي عند قبض روح ولده وثمرة فؤاده فيقولون إلهنا حمدك واسترجع فيقول الله تعالى أشهدكم يا ملائكتي أني بنيت له بيتا في الجنة وسميته بيت الحمد وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه دفن إبنا له وضحك عند قبره فقيل له أتضحك عند القبر قال أردت أن أرغم أنف الشيطان فينبغي للعبد أن يتفكر في ثواب المصيبة فتسهل عليه فإذا أحسن الصبر استقبله يوم القيامة ثوابها حتى يود لو أن أولاده وأهله وأقاربه ماتوا قبله لينال ثواب المصيبة وقد وعد الله تعالى في المصيبة ثوابا عظيما إذا صبر صاحبها واحتسب وقال تعالى ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) وقال تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) الآية اللهم رضينا بقضائك وصبرنا على بلائك واغفر لنا ولوالدينا ولكل المسلمين يارب العالمين

الفصل الثاني من هذا الباب في التعازي والتأسي
روى الترمذي في كتاب السنن للبيهقي عن عبد الله بن مسعود عن النبي قال " من عزى مصابا فله مثل أجره " وروينا في كتاب الترمذي أيضا بسند متصل إلى رسول الله قال " من عزى ثكلى كسي برداء في الجنة " وروينا في سنن ابن ماجة والبيهقي باسناد حسن عن عمرو بن حزم عن النبي قال " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة "
واعلم أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف حزنه ويهون مصيبته وهي مستحبة فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أيضا داخلة في قوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ) وهي من أحسن ما يستدل به في التعزية وثبت في الصحيح أن النبي قال " والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه واعلم أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده وتكره بعد ثلاثة أيام لأن التعزية لتسكين قلب المصاب والغالب سكونه بعد ثلاثة أيام فلا يجدد الحزن هكذا قال الجماهير من أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه وقيل إنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين وهما إذا كان المعزى أو صاحب المصيبة غائبا حال الدفن فاتفق رجوعه بعد الثلاثة وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه فبأي لفظ عزاه حصلت واستحب أصحاب الشافعي أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم عظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك وفي المسلم بالكافر أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وفي الكافر بالكافر أخلف الله عليك ولا نقص لك عددا

أن النبي فقد بعض أصحابه فسأل عنه فقالوا يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك فلقيه النبي فسأل عن بنيه فقال يا رسول الله هلك فعزاه فيه ثم قال يا فلان أيما كان أحب إليك أن تتمتع به عمرك أو لا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته وقد سبقك إليه فيفتحه لك فقال يا رسول الله سبقه إلى باب الجنة أحب إلي من التمتع به في دار الدنيا قال ذلك لك وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي رحمهما الله أن الشافعي قد بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا فبعث إليه الشافعي رحمه الله يقول يا أخي عز نفسك بما تعز به غيرك واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك واعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر ألهمك الله عند المصائب صبرا وأجزل لنا ولك بالصبر أجرا وروي عن ابن المبارك قال مات لي ابن فمر بي مجوسي وقال ينبغي للعاقل أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام فقال اكتبوها منه عن معاذ بن جبل أنه قال مات لي ابن فكتب إلي رسول الله من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليكم فإني أحمد الله الملك الذي لا إله إلا هو أما بعد فعظم الله لك الأجر والهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر ثم اعلم أن أنفسنا وأموالنا وأهلنا وأولادنا من مواهب الله تعالى الهنية وعواريه المستودعة يمتعنا بها إلى أجل معدود ويقبضها لوقت معلوم ثم فرض الله تعالى علينا الشكر إذا أعطى والصبر إذا ابتلى وكان ابنك من موهب الله الهنية وعواريه المستودعة متعك الله به في غبطة وسرور وقبضه بأجر كبير إن صبرت واحتسبت فاصبر واحتسب واعلم أن الجزع لا يرد ميتا ولا يطرد حزنا وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان إذا عزى مرزأ قال ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة والموت أشد مما قبله وأهون مما بعده فاذكر مصيبتك برسول الله تهن عليك مصيبتك وعزى الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه صديقا له فقال

( إنا نعزيك لا أنا على ثقة ... من الحياة ولكن سنة الدين )
( فما المعزى بباق بعد ميته ... ولا المعزي ولو شاعا إلى حين ) وكتب بعضهم إلى أخ له يعزيه أنت يا أخي أعزك الله عالم بالدنيا وما خلقت له من الفناء وإنها لم تعط إلا أخذت ولم تسر إلا أحزنت وأن الموت سبيل محتوم على الأولين والآخرين لا دافع عنه ولا مؤخر لما قضى الله عز و جل منه وإنا لله وإنا إليه راجعون وعزى رجل بعض الخلفاء بابن له فكتب إليه يقول
( تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغدو الصغير ويولد )
( هل الابن إلا من سلالة آدم ... لكل على حوض المنية مورد ) وكتب بعضهم إلى صديق له وقد ماتت ابنته فقال
( الموت أخفى سوأة للبنات ... ودفنها يروى من المكرمات )
( أما رأيت الله سبحانه ... قد وضع النعش بجنب البنات ) وكتب بعضهم إلى صديق له يعزيه بأخيه ويسليه ما تصنع يا أخي والقضاء نازل والموت حكم شامل وإن لم تلذ بالصبر فقد اعترضت على مالك الأمر وأنت تعلم أن نوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر فاجعل بين هذه اللوعة الغالبة والدمعة الساكبة حاجبا من فضلك وحاجزا من عقلك ودافعا من دينك ومانعا من يقينك فإن المحن إذا لم تعالج بالصبر كانت كالمنح إذا لم تقابل بالشكر فصبرا صبرا ففحول الرجال لا تستفزها الأيام بخطوبها كما أن متون الجبال لا تهزها العواصف بهبوبها فعزيز علي أن أخاطب مولاي معزيا وأكاتبه مسليا عن كبير أو صغير مما يتعلق بخدمته أو ينتهي إلى جملته فكيف بالصنو الأكرم والذخر الأعظم والركن الأشد والسهم الأسد والشهاب الأسطع والحسام الأقطع لكن التعزية سيرة سائرة وسنة ماضية غابرة وقدر الله هو المقدر وأجل الله إذا جاء لا يؤخر ولولا أن الذكرى تنفع والتعزية يستوي فيها الأشرف والأوضع لأجللت مولاي أن أفاتحه معزيا وأخاطبه مسليا ولكن بحمد الله العالم لا يعلم والسابق لا يتقدم فبمولاي يقتدي

في الصبر على النوائب وبنوره يهتدى في مشكلات المذاهب وكل ما كان من الرزء أوجع كان الأجر عليه أوسع جعل الله مولاي من الصابرين على المصيبة وأعظم أجره وجعل الجنة نصيبه
وعزى رجل فتى عن أبيه فلم يجده كما أحب فقال يا بني سوء الخلف أضر علينا من فقد السلف ومات لبعض ملوك كندة ابنة فوضع بين يديه بدرة من المال وقال من بالغ في تعزيته فهي له فدخل عليه أعرابي وقال عظم الله أجر الملك كفيت المؤونة وسترت العورة ونعم الصهر القبر فقال قد أبلغت وأوجزت ثم دفعها له وعزت أعرابية قوما فقالت جافى الله عن ميتكم الثرى وأعانه على طول البلى وآجركم ورحمه وكان لعلي بن الحسين جليس مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا فعزاه علي بن الحسين رحمه الله ووعظه فقال يا ابن رسول الله إن ابني كان مسرفا على نفسه فقال لاتجزع فإن من ورائه ثلاث خلال أولهن شهادة أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدا رسول الله والثانية شفاعة جدي والثالثة رحمه الله التي وسعت كل شيء فأين يخرج ابنك عن واحدة من هذه الخلال وقال سليمان بن عبد الملك عند موت ابنه لعمر بن عبد العزيز ورجاء ابن حيوة إن في كبدي جمرة لا يطفئها إلا عبرة فقال عمر اذكر الله يا أمير المؤمنين وعليك بالصبر فنظر إلى رجاء كالمستريح بمشورته فقال رجاء أفضها يا أمير المؤمنين فما بذلك من بأس لقد دمعت عينا رسول الله على ابنه إبراهيم وقال إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع ولانقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون فأرسل سليمان عينيه حتى قضى أربه ثم أقبل عليهم قال لولا نزفت هذه العبرة لا نصدع كبدي ثم إنه لم يبك بعدها وكتب الإسكندر إلى أمه قبل وفاته بقليل إذا وصل إليك كتابي هذا فاجمعي أهل بلدك وأعدي لهم طعاما ووكلي بالأبواب من يمنع من إصابته مصيبة في أم أو أب

أو أخت أو ولد ففعلت فلم يدخل إليها أحد فعلمت أن الإسكندر عزاها في نفسه
ولما قتل الفضل بن سهل دخل المأمون على أمه يعزيها فيه فقال يا أماه لا تحزني على الفضل فأنا خلف منه فقالت كيف أحزن على ولد عوضني عنه خليفة مثلك فعجب المأمون من جوابها وكان يقول ما سمعت قط أحسن منه ولا أجلب للقلوب فقال لها عليك بالصبر فإن فيه مزيد الأجر وممن جزع على ولده جعفر بن علية لما قتله الحرث قام نساء الحي يبكون عليه وقام أبوه إلى ولد كل شاة وناقة فذبحه وألقاها بين أيديها وقال لها ابكين معي على جعفر فما زالت النوق ترغو والشياه تيعر والنساء يصرخن ويبكين وهو يبكي معهن فلم ير مأتم كان أوجع منه وقال يحيى بن خالد التعزية بعد ثلاثة أيام تجدد الحزن والتهنئة بعد سنة تجدد الفرح
ومما قيل في التأسي والتسلي بالخلف عن السلف قيل عزى بعض الشعراء يزيد بن معاوية في والده فقال
( أصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر إلهك من بالملك حاباكا )
( لا رزء أصبح في الأيام نعرفه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا ) وقال آخر
( لا بد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد ) وقال آخر
( تبصر فلو أن البكا رد هالكا ... على أحد فاكثر بكاك على عمر ) وكتب بعضهم إلى أولاد صديقه يعزيهم ويسليهم في والدهم فقال
( فلو كان فيض الدمع ينفع باكيا ... لعلمت غرب الدمع كيف يسيل )

( فإن غاب بدر فالنجوم طوالع ... ثوابت لا يقضى لهن أفول )
( يغاث بها في ظلمة الليل حائر ... ويسري عليها بالرفاق دليل ) ودخل عبد الملك بن صالح على الرشيد وقد مات له ولد وولد له في تلك الليلة ولد فقال سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجمع لك بين أجر الصابر وثواب الشاكر وقال بعضهم
( أليس لهذا صار آخر أمرنا ... فلا كانت الدنيا القليل سرورها )
( فلا تعجبي يا نفس مما ترينه ... فكل أمور الناس هذا مصيرها ) وسئل الأصمعي عن قول الخنساء في نعيها صخر حين مات ونعته فقالت
( يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأندبه لكل غروب شمس ) فقالوا له لماذا أنها خصت الشمس دون القمر والكواكب فقال لكونه كان يركب عند طلوع الشمس يشن الغارات وعند غروبها يجلس مع الضيفان فذكرته بهذا مدحا لأنه كان يغير على أعدائه ويتقيد بضيفه وقد رثته بعد البيت الأول بأبيات منها
( ألا يا نفس لا تنسيه حتى ... أفارق عيشتي وأزور رمسي )
( ولولا كثرة الباكين حولي ... على أمواتهم لقتلت نفسي )
( وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي ) وقال آخر
( ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ... ولكن إذا ناديت جاوبني مثلي ) وقال آخر
( وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت الذي أنا صاحبه )

وقال آخر
( ومما يؤديني إلى الصبر والعزا ... تردد فكري في عموم المصائب )
الفصل الثالث في المراثي
لما توفي رسول الله رثاه جماعة من أصحابه وآله بمراث كثيرة منها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فإنه كان أقرب الناس إليه وهو أول من رثاه فقال
( لما رأيت نبينا متجندلا ... ضاقت علي بعرضهن الدور )
( فارتاع قلبي عند ذاك لموته ... والعظم مني ما حييت كسير )
( أعتيق ويحك إن خلك قد ثوى ... والصبر عندك ما بقيت يسير )
( يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيبت في لحد عليه صخور )
( فلتحدثن بدائع من بعده ... تعيابهن جوانح وصدور ) وقال آخر
( فقدت أرضنا هناك نبيا ... كان يغدو به النبات زكيا )
( خلقا عاليا ودينا كريما ... وصراطا يهدي الأنام سويا )
( وسراجا يجلو الظلام منيرا ... ونبيا مؤيدا عربيا )
( حازما عازما حليما كريما ... عائدا بالنوال برا تقيا )
( إن يوما أتى عليك ليوم ... كورت شمسه وكان خليا )
( فعليك السلام منا جميعا ... دائم الدهر بكرة وعشيا ) ورثاه أبو سفيان بن الحرث فقال
( أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخى المصيبة فيه طول )

( وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل )
( لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول )
( وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل )
( فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل )
( وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كادت تسيل )
( نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول )
( ويهدينا فلا نخشى ملاما ... علينا والرسول لنا دليل )
( أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي فهو السبيل )
( فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول ) ولما مات أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه رثاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بهذه الأبيات حين رجع من دفنه فقال
( ذهب الذين أحبهم ... فعليك يا دنيا السلام )
( لا تذكرين العيش لي ... فالعيش بعدهم حرام )
( إني رضيع وصالهم ... والطفل يؤلمه الفطام ) ورثى بعضهم محمد بن يحيى بعد موته فقال
( سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبدلتما عزا بذل مؤبد )
( وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقالا أصبنا بابن يحيى محمد )
( فقلت فهلا متما بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كل مشهد )
( فقالا أقمنا كي نعزى بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد ) وقال آخر
( ولا أرتجي في الموت بعدك طائلا ... لا أتقي للدهر بعدك من خطب ) وفي المعنى لبعضهم
( لقد أمنت نفسي المصائب بعده ... فأصبحت منها آمنا إن أروعا )

( فما أتقي للدهر بعدك نكبة ... ولا أرتجي للعيش بعدك مرتعا ) ورثى أشجع السلمي عبد الله بن سعيد فقال
( مضى ابن سعيد حيث لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح )
( وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح )
( وأصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكان به حيا تضيق الصحاصح )
( سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تكن الجوانح )
( وما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد فقدك فارح )
( لئن حسنت فيك المراثي بذكرها ... فقد حسنت من قبل فيك المدائح ) وقال آخر
( إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب )
( أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب ) وقال العباس بن الأحنف
( إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر )
( فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر ) وقال آخر يرثي صديقه
( خليلي ما أزداد إلا صبابة ... إليك وما تزداد إلا تنائيا )
( خليلي لو نفس فدت نفس ميت ... فديتك مسرورا بنفسي وماليا )
( وقد كنت أرجو أن تعيش وإن أمت ... فحال رجاء الله دون رجائيا )

( ألا فليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا ) أخذها بعضهم فقال
( كنت السواد لمقلتي ... يبكي عليك الناظر )
( من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ) وقال أخر يرثي بعض أولاده
( وقاسمني دهري بني مشاطرا ... فلما تقضى شطره عاد في شطري )
( ألا ليت أمي لم تلدني وليتني ... سبقتك إذ كنا إلى غاية تجري )
( وقد كنت ذا ناب وظفر على العدا ... فأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري ) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للخنساء أخبريني بأفضل بيت قلته في أخيك فقالت
( وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله ) ولأبي المحاسن الشواء في صديق له مات وسقط الثلج عقيب موته
( لم أنسه وبنو الملوك أمامه ... يدمون للأسف الأكف عضاضا )
( والثلج قد غطى الربا فكأنها ... من حزنها لبست عليه بياضا ) وقال آخر
( وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصفوا )
( وليس نسيم المسك ريا حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف ) وقال مقاتل بن عطية يرثي الوزير نظام الملك
( كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف )
( عزت ولم تعرف الأيام قيمتها ... فردها عندما عزت إلى الصدف ) وقال آخر
( وقبرت وجهك وانصرفت مودعا ... بأبي وأمي وجهك المقبور )

( وأرى ديارك بعد وجهك قفرة ... والقبر منك مشيد معمور )
( فالناس كلهم لفقدك واجد ... في كل بيت رنة وزفير )
( عجبا لأربع أذرع في خمسة ... في جوفها جبل أشم كبير ) وكان رجل توفي ولده في يوم عيد فقال
( لبس الرجال جديدهم في عيدهم ... ولبست حزن أبي الحسين جديدا )
( أيسرني عيد ولم أر وجهه ... فيه ألا بعدا لذلك عيدا )
( فارقته وبقيت اخلد بعده ... لا كان ذاك بقا ولا تخليدا )
( من لم يمت جزعا لفقد حبيبه ... فهو الخؤون مودة وعهودا )
( مت مع حبيبك إن قدرت ولا تعش ... من بعده ذا لوعة مكمودا )
( ما أم خشف قد ملا أحشاءها ... حذرا عليه وجفنها تسهيدا )
( إن نام لم تهجع وطافت حوله ... فيبيت مكلوما بها مرصودا )
( مني بأوجع إذ رأيت نوائحا ... لأبي الحسين وقد لطمن خدودا )
( ولقد عدمت أبا الحسين جلادتي ... لما رأيت جمالك المفقودا )
( كنت الجليد على الرزايا كلها ... وعلى فراقك لم أجد تجليدا )
( ولئن بقيت وما هلكت فإن لي ... أجلا وإن لم أحصه معدودا )
( لا موت لي إلا إذا الأجل انقضى ... فهناك لا أتجاوز المحدودا )
( حزني عليك بقدر حبك لا أرى ... يوما على هذا وذاك مزيدا )
( ما هد ركني بالسنين وإنما ... أصبحت بعدك بالأسى مهدودا )
( يا ليت إني لم أكن لك والدا ... وكذاك إنك لم تكن مولودا )
( فلقد شقيت وربما شقي الفتى ... بفراق من يهوى وكان سعيدا )
( من ذم جفنا باخلا بدموعه ... فعليك جفني لم يزل محمودا )
( فلأنظمن مراثيا مشهورة ... تنسي الأنام كثيرا ولبيدا )
( وجميع من نظم القريض مفارق ... ولدا له أو صاحبا مفقودا ) وقال الفقيه منصور بن إسماعيل المصري
( سألت رسوم القبر عمن ثوى به ... لأعلم ما لاقى فقالت جوانبه )

( أتسأل عمن عاش بعد وفاته ... بإحسانه أخوانه وأقاربه ) وقال الإمام السبكي رحمه الله تعالى يرثي فضل الله العالم
( مصاب ليس يشبهه مصاب ... لذي الألباب إذ فقد الشهاب )
( إمام قد حوى من كل علم ... كنوزا نحوها يسعى الركاب )
( ليبكي كل ذي علم عليه ... فكم علم له ضم التراب )
( وكم كلكم موانع قد أتته ... ثناها وهي عاصية صعاب )
( فسلطان البلاغ بغير شك ... شهاب الدين ما فيه ارتياب )
( سقى الله الكريم ثراه صوبا ... له من كل رضوان رضاب ) وقال الصفدي
( يا غائبا في الثرى تبلى محاسنه ... الله يوليك غفرانا وإحسانا )
( إن كنت جرعت كأس الموت واحدة ... في كل يوم أذوق الموت ألوانا ) وقال محمد بن عبد الله العتبي يرثي إبنا له
( أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم )
( والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم ) وكتب أحمد بن يوسف إلى عمر بن سعيد يرثي بنتا له فقال
( عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطت عبد الحميد أخاكا )
( شملتنا مصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا ) وله يرثي الأمير يلبغا
( ألا إنما الدنيا غرور وباطل ... فطوبى لمن كفاه منها تفرغا )

( وما عجبي إلا لمن بات واثقا ... بأيام دهر ما وعى حق يلبغا ) وقال آخر
( إلى الله أشكو أن كل قبيلة ... من الناس قد أفنى الحمام خيارها ) وقال رجل يرثي صديقا له توفي وكان من الكرماء
( ما درى نعشه ولا حاملوه ... ماعلى النعش من عفاف وجود ) ولبعض الكتاب في ابن مقلة
( استشعر الكتاب فقدك سالفا ... وقضت بصحة ذلك الأيام )
( فلذاك سودت الدواة كآبة ... أسفا عليك وشقت الأقلام ) وقال الحسن بن مطير الأسدي يرثي معن بن زائدة رحمه الله تعالى
( هلما إلى معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا )
( فيا قبر معن كنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا )
( ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا )
( بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا )
( فتى عاش في معروفه بعد موته ... أناس لهم بالبر قد كان أوسعا )
( ولما مضى معن مضى الجود كله ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا ) وقال آخر
( عجبت لصبري بعده وهو ميت ... وقد كنت أبكيه دما وهو غائب ) وقال آخر
( فديتك لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر )

وقالت ريطة بنت عاصم
( وقفت فأبكتني ديار عشيرتي ... على رزئهن الباكيات الحواسر )
( غدوا كسيوف الهند وراد حومة ... من الموت أعيا وردهن المصادر )
( فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا ... بدار المنايا والقنا متشاجر )
( ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا ... لهدت ولكن محمل الرزء عامر ) ولما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسين وحمل رأسه إلى المنصور أنفذها المنصور مع الربيع إلى عميه إدريس ومحمد وكانا في حبسه وكان أبوه قائما يصلي فقال له محمد أوجز فأوجز وسلم فلما أتاه وضع الرأس في حجره فقال أهلا وسهلا يا أبا القاسم تالله لقد كنت من الناس الذين قال الله تعالى في حقهم ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) ثم قبله بين عينيه وأنشأ يقول
( فتى كان يحميه من العار سيفه ... ويكفيه سوآت الأمور اجتنابها ) ثم قال للربيع قل لصاحبك المنصور قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعمتك أيام والملتقى غدا بين يدي الله تعالى فكان ذلك فألا على المنصور ولم ير بعد ذلك اليوم راحة وقيل لحسان ما بالك لم ترث رسول الله ؟ قال لم أر شيئا إلا رأيته يقصر عنه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباب الثالث والثمانون في ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها والزهد فيها قال الله تعالى ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) فوصف سبحانه وتعالى جميع الدنيا بأنها متاع قليل وأنت أيها الانسان تعلم أنك ما أوتيت من القليل إلا قليلا ثم إن القليل إن تمتعت به فهو لعب ولهو لقوله تعالى ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ) وقال تعالى ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ) فلا تبع أيها العاقل حياة قليلة تفنى بحياة كثيرة تبقى كما قال ابن عياض لو كانت الدنيا ذهبا يفنى والآخرة خزفا يبقى لوجب علينا أن نختار ما يبقى على ما يفنى ثم تأمل بعقلك هل أتاك الله من الدنيا مثل ما أوتي سليمان عليه الصلاة و السلام حيث ملكه الله تعالى جميع الدنيا من إنس وجن وسخر له الريح والطير والوحوش ثم زاده الله تعالى أحسن منها حيث قال ( هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب ) فوالله ما عدها نعمة مثل ما عددتموها ولا حسبها رفعة مثل ما حسبتموها بل خاف أن يكون استدراجا من حيث لا يعلم فقال ( هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) وهذا فصل الخطاب لمن تدبر هذا وقد قال لك ولجميع أهل الدنيا ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) وقال تعالى ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )

عن رسول الله أنه قال لو كانت الدنيا تزن عندالله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال لي رسول الله ألا أريك الدنيا بما فيها قلت بلى يا رسول الله فأخذ بيدي وأتى إلى واد من أودية المدينة فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم فقال يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم وهي اليوم صارت عظاما بلا جلد ثم هي صائرة عظما رميما وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبتموها في الدنيا فأصبحت والناس يتحامونها وهذه الخرق البالية رياشهم أصبحت والرياح تصفقها وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكيا على الدنيا فليبك قال فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على النبي وهو على سرير من الليف وقد أثر الشريط في جنبه فبكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال رسول الله ما يبكيك يا عمر فقال تذكرت كسرى وقيصر وما كانا فيه من سعة الدينا وأنت رسول الله وقد أثر الشريط بجنبك فقال هؤلاء قوم عجلت لهما طيباتهم في حياتهم الدنيا ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا في الآخرة وروى عن الضحاك قال لما أهبط الله آدم وحواء إلى الأرض ووجدا ريح الدنيا وعن ابن معاذ قال الحكمة تهوى من السماء إلى القلوب فلا تسكن في قلب فيه أربع خصال ركون إلى الدنيا وهم عدو وحسد أخ وحب شرف وعن النبي أنه قال لعلي يا علي أربع خصال من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وبعد الأمل وحب الدينا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يؤتى بالدنيا يوم القيامة على صورة عجوز شمطاء زرقاء العينين أنيابها بادية مشوهة الخلق لا يراها أحد إلا هرب منها فتشرف على الخلائق أجمعين فيقال لهم أتعرفون هذه فيقولون لا نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تفاخرتم بها وتقاتلتم عليها وعن الفضيل بن عياض أنه قال جعل الخير كله في بيت واحد وجعل

مفتاحه الزهد في الدنيا وجعل الشر كله في بيت واحد وجعل مفتاحه حب الدنيا وقيل إن الدنيا مثل ظل الإنسان إن طلبته فر وإن تركته تبعك وفيه قال بعضهم
( إنما الرزق الذي تطلبه ... يشبه الظل الذي يمشي معك )
( أنت لا تدركه متبعا ... وهو وإن وليت عنه تبعك ) وقد شبهها بعضهم بخيال الظل فقال
( رأيت خيال الظل أعظم عبرة ... لمن كان في علم الحقائق راقي )
( شخوصا وأصواتا يخالف بعضها ... لبعض وأشكالا بغير وفاق )
( تجيء وتمضي بابة بعد بابة ... وتفنى جميعا والمحرك باقي ) وما أحسن ما قال سليمان بن الضحاك
( ما أنعم الله على عبده ... بنعمة أوفى من العافية )
( وكل من عوفي في جسمه ... فإنه في عيشة راضية )
( والمال حلو حسن جيد ... على الفتى لكنه عاريه )
( ما أحسن الدنيا ولكنها ... مع حسنها غدارة فانية ) وتوفي رجل من كندة فكتب على قبره هذه الأبيات
( يا واقفين ألم تكونوا تعلموا ... إن الحمام بكم علينا قادم )
( لو تنزلون بشعبنا لعرفتمو ... أن المفرط في التزود نادم )
( لا تستعزوا بالحياة فإنكم ... تبنون والموت المفرق هادم )
( سلوى الردى ما بيننا في حفرة ... حيث المخدم واحد والخادم ) وقال آخر
( عن قليل أصير كوم تراب ... وتقول الرفاق هذا فلان )
( صار تحت التراب عظما رميما ... وجفاه الأصحاب والخلان )

أحسن ما قال عبد الله بن طاهر
( أليس إلى ذا صار آخر أمرنا ... فلا كانت الدنيا القليل سرورها )
( فلا تعجبي يا نفس مما ترينه ... فكل أمور الناس هذا مصيرها ) وقال شرف الدين بن أسد
( يا من تملك ملكا لا بقاء له ... حملت نفسك آثاما وأوزارا )
( هل الحياة بذي الدنيا وإن عذبت ... إلا كطيف خيال في الكرى زارا ) وقال بعضهم
( وغاية هذي الدار لذة ساعة ... ويعقبها الأحزان والهم والندم )
( وهاتيك دار الأمن والعز والتقى ... ورحمة رب الناس والجود والكرم ) وقال غيره
( حسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر )
( وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر ) وقال آخر
( فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن ... بأنك لا تبقى إلى آخر الدهر ) يا ابن آدم أين الأولون والآخرون أين نوح شيخ المرسلين أين إدريس رفيع رب العالمين أين إبراهيم خليل الرحمن أين موسى الكليم من بين سائر النبيين أين عيسى روح الله وكلمته رأس الزاهدين وإمام السائحين أين محمد خاتم النبيين أين أصحابه الأبرار أين الأمم الماضية أين الملوك السالفة أين القرون الخالية أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان أين الذين قهروا الأبطال والشجعان أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب أين الذين تمتعوا باللذات والمشارب أين

الذين تاهوا على الخلائق كبرا وعتيا أين الذين راحوا في الحلل بكرة وعشيا أين الذين اغتروا بالأجناد أين أصحاب الوزراء والقواد أين أصحاب السطوة والأعوان أين أصحاب الإمرة والسلطان أين أصحاب الأعمال والولايات أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات أين الذين قادوا الجيوش والعساكر أين الذين عمروا القصور والدساكر أين الذين أعطوا النصر في موطن الحروب والمواقف أين الذين آمنوا بسطوتهم كل خائف أين الذين ملأوا ما بين الخافقين فخرا وعزا أين الذين فرشوا القصور حريرا وقزا أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وعزا هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ذكرا أفناهم الله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم وأخرجهم من سعة القصور إلى ضيق القبور تحت الجنادل والصخور فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم لم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما اكتسبوا أسلمهم الأحباء والأولياء وهجرهم الإخوان الأصفياء ونسيهم الأقرباء والبعداء لو نطقوا لأنشدوا
( مقيم بالحجون رهين رمس ... وأهلي راحلون بكل واد )
( كأني لم أكن لهمو حبيبا ... ولا كانوا الأحبة في السواد )
( فعوجوا بالسلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسلام على البعاد ) وقالوا لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما لا يبقى وهل الدنيا إلا كما قال بعض الحكماء المتقدمين قدر يغلي وكيف يملي وفي هذا المعنى قال الشاعر
( ولقد سألت الدار عن أخبارهم ... فتبسمت عجبا ولم تبدي )
( حتى مررت على الكنيف فقال لي ... أموالهم ونوالهم عندي ) ولقد أصاب ابن السماك حيث قال للرشيد لما قال له عظني وكان بيده شربة ماء فقال له يا أمير المؤمنين لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك قال نعم قال يا أمير المؤمنين لو شربتها وحبست عن الخروج أكنت تفديها بملكك قال نعم فقال له

لا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة وقال ابن شبرمة إذا كان البدن سقيما لم ينفعه الطعام وإذا كان القلب مغرما لم تنفعه الموعظة وروى أن أبا العتاهية مر بدكان وراق وإذا بكتاب فيه
( لا ترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر ) فقال لمن هذا البيت فقيل لأبي نواس قاله للخليفة هارون الرشيد حين نهاه عن حب الجمال وعشق الملاح فقال وددت أنه لي بنصف شعري
وممن استبصر من أبناء الملوك فرأى عيب الدنيا وتقضيها وزوالها إبراهيم أدهم بن منصور كان من أبناء ملوك خراسان من كورة بلخ لما زهد الدنيا زهد في ثمانين سريرا قال بان بشار سألت ابراهيم بن أدهم كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا ؟ فقال كان أبي من ملوك خراسان وكان قد حبب ألي الصيد فبينا أنا راكب فرسي وكلبي معي إذ رأيت ثعلبا او أرنبا فحركت فرسي نحوه فسمعت نداء من ورائي يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا فقلت لعن الله الشيطان ثم حركت فرسي فسمعت نداء أعلى من الأول يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر شيئا فقلت لعن الله الشيطان ثم حركت فرسي فسمعت نداء من قربوس سرجي يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فوقفت وقلت هيهات جاءني النذير من رب العالمين والله لا عصيت ربي ما عصمني بعد يومي هذا فتوجهت إلى أهلي وخلفت فرسي وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت جبته وكساءه وألقيت إليه ثيابي فلم أزل أرض تقلني وأرض تضعني حتى صرت إلى العراق فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقال عليك بالشام قال فانصرفت إلى بلد يقال لها المنصورية فعملت بها أياما فلم يصف لي

شيء من الحلال فسألت بعض المشايخ فقال إن أردت الحلال فعليك بطرسوس فإن المباحات بها والعمل فيها كثير فانصرفت إليها قال فبينا أنا قاعد على باب البحر إذ جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانا فتوجهت معه فأقمت في البستان أياما كثيرة فإذا خادم له قد أقبل ومعه أصحاب له ولو لممت أن البستان بخادم ما نظرته فقعد في مجلسه ثم قال يا ناظورنا فأجبته قال اذهب فأنتا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه فأتيته برمان فكسر الخادم واحدة فوجدها حامضة فقال يا ناظورنا أنت منذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورماننا ولا تعرف الحلو من الحامض ؟ فقلت والله ما أكلت من فاكهتكم شيئا ولا أعرف الحلو من الحامض قال فغمز الخادم أصحابه وقال ألا تعجبون من هذا ثم قال لي لو كنت إبراهيم بن أدهم ما كنت بهذه الصفة قال ثم تحدث الناس بذلك وجاءوا إلى البستان فلما رأيت كثرة الناس اختفيت والناس داخلون وأنا هارب منهم وكان يأكل من كسب يده وكان يحصد ويحفظ البساتين ويعمل في الطين فبينما هو يوما يحرس كرما إذ مر به جندي فقال اعطنا من هذا العنب فقال له إن صاحبه لم يأذن لي فضربه بالسوط فطأطأ رأسه وقال اضرب رأسا طالما عصى الله يا سيدي الجندي فاستحى الرجل وتركه ومضى وروي أن داود عليه الصلاة و السلام بينما هو في الجبال إذ مر على غار فيه رجل عظيم الخلقة من بني آدم ملقى على ظهره وعند رأسه حجر محفور مكتوب فيه أنا دوسم الملك تملكت ألف عام وفتحت ألف مدينة وهزمت ألف جيش وافتضيت ألف بكر من بنات الملوك ثم صرت إلى ما ترى التراب فراشي والحجر وسادي فمن رآني فلا تغره الدنيا كما غرتني وقال وهب بن منبه خرج عيسى عليه الصلاة و السلام ذات يوم مع أصحابه فلما ارتفع النهار مروا بزرع قد أفرك فقالوا يا نبي الله إنا جياع فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم فأذن لهم فتفرقوا في الزرع يفركون ويأكلون فبينما هم كذلك إذ جاء صاحب الزرع يقول زرعي وأرضي ورثتها من أبي وجدي فبإذن

من تأكلون يا هؤلاء ؟ قال فدعا عيسى ربه أن يبعث جميع من ملكها من لدن آدم إلى تلك الساعة فإذا عند كل سنبلة ما شاء الله من رجل وامرأة يقولون أرضنا ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ففر الرجل منهم وكان قد بلغه أمر عيسى ولكن لا يعرفه فلما عرفه قال معذرة إليك يا نبي الله لم أعرفك زرعي ومالي حلال لك فبكى عيسى عليه الصلاة و السلام وقال ويحك هؤلاء كلهم ورثوها وعمروها ثم ارتحلوا عنها وأنت مرتحل عنها ولا حق بهم ليس لك أرض ولا مال ولما مات اسكندر قال ارسطاطاليس أيها الملك قلد حركتنا بسكوتك وقال بعض الحكماء من أصحابه لقد كان الملك أمس أنطق منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه أمس أخذه أبو العتاهية فقال
( كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا )
( وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا ) وقال عبد الله بن المعتز
( نسير إلى الآجال في كل ساعة ... فأيامنا تطوى وهن مراحل )
( ولم أر مثل الموت حتى كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل )
( وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فيكف به والشيب في الرأس شاعل )
( ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل ) وقال عبد الله بن المعلم خرجنا من المدينة حجاجا فإذا أنا برجل من بني هاشم من بني العباس بن عبد المطلب قد رفض الدنيا وأقبل على الآخرة فجمعتني وإياه الطريق فأنست به وقلت له هل لك أن تعادلني فإن معي فضلا من راحلتي فجزاني خيرا وقال لو أردت هذا لكان سهلا ثم أنس إلي فجعل يحدثني فقال أنا رجل من ولد العباس كنت أسكن البصرة وكنت ذا كبر شديد ونعمة طائلة ومال كثير وبذخ زائد فأمرت يوما خادما لي أن يحشو لي فراشا من حرير و مخدة بورد نثير ففعل فإني لنائم إذا بقمع وردة قد نسيه الخادم فقمت

إليه فأوجعته ضربا ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة فهزني وقال أفق من غشيتك وانتبه من رقدتك ثم أنشأ يقول
( يا خل إنك إن توسد لينا ... وسدت بعد اليوم صم الجندل )
( فامهد لنفسك صالحا تسعد به ... فلتندمن غدا إذا لم تفعل ) فانتبهت مرعوبا وخرجت من ساعتي هاربا إلى ربي كما تراني ثم أنشأ يقول
( من كان يعلم أن الموت يدركه ... والقبر مسكنه والبعث يخرجه )
( وأنه بين جنات مزخرفة ... يوم القيامة أو نار ستنضجه )
( فكل شيء سوى التقوى به سمج ... ومن أقام عليه منه أسمجه )
( ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا ... لم يدر أن المنايا سوف تزعجه ) قال وهب بن منبه أصبت على قصر غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن وكان من الملوك الأجلة مكتوبا بالقلم المسندي فترجم بالعربي فإذا هي أبيات جليلة وموعظة عظيمة جميلة وهي هذه الأبيات
( باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل )
( واستنزلوا من أعالي عز معقلهم ... فأسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا )
( فإذا همو صارخ من بعد ما دفنوا ... أين الاسرة والتيجان والحلل )
( أين الوجوه التي كانت محجبة ... وكان من دونها الاستار والكلل )

( فافصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل )
( قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد اكلوا )
وروي أن عيسى عليه الصلاة و السلام كان معه صاحب في بعض سياحاته فأصابهما الجوع وقد انتهيا إلى قرية فقال عيسى عليه الصلاة و السلام لصاحبه انطلق فاطلب لنا طعاما من هذه القرية وأعطاه ما يشتري به فذهب الرجل وقام عيسى عليه الصلاة و السلام يصلي فجاء بثلاثة أرغفة فقعد ينتظر انصراف عيس من فأبطأ عليه فأكل رغيفا وكان عيسى عليه الصلاة و السلام رآه حين جاء ورأى الأرغفة ثلاثة فلما انصرف من صلاته لم يجد إلا رغيفين فقال له أين الرغيف الثالث فقال الرجل ما كانا إلا رغيفين فاكلاهما ثم مرا على وجوههما حتى أتيا على ظباء ترعى فدعا عيسى عليه الصلاة و السلام واحدا منها فجاءه فذكاه وأكلا منه فقال له عيسى بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث فقال ما كانا إلا اثنين ثم مرا على وجوههما حتى جاءا قرية فدعا عيسى ربه أن ينطق له من يخبره عن حال هذه القرية فأنطق الله له لبنة فسألها عيسى فأخبرته بكل ما أراد وصاحبه يتعجب مما رأى فقال له عيسى بحق من أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث فقال ما كانا إلا اثنين فمرا على وجوههما حتى انتهيا إلى نهر عجاج فأخذ عيسى صلوات الله عليه بيد الرجل ومشى به على الماء حتى جاوز النهر فقال الرجل سبحان الله فقال عيسى عليه الصلاة و السلام بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث فقا ما كانا إلا اثنين فمرا على وجوههما حتى اتيا قرية عظيمة خربة وإذا قريب منها ثلاث لبنات عظام وقيل ثلاثة أكوام من الرمل فقال لها كوني ذهبا بإذن الله فكانت فلما رآها الرجل قال هذا مال فقال عيسى نعم واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف الثالث فقال الرجل أنا صاحب الرغيف الثالث فقال عيسى عليه الصلاة و السلام هي لك كلها ثم فارقه عيسى وأقام الرجل ليس معه ما يحملها عليه فمر به ثلاثة نفر فقتلوه فقال اثنان منهما للثالث انطلق إلى القرية فأتنا بطعام فانطلق فلما غاب قال أحدهما للآخر

( هذي منازل أقوام عهدتهم ... يوفون بالعهد مذ كانوا وبالذمم ) إذا جاء قتلناه واقتسمنا المال بيننا فقال الآخر نعم وأما الذي ذهب ليشتري الطعام فإنه أضمر لصاحبيه السوء وقال أجعل لهما في الطعام سما فاذا اكلاه ماتا وآخذ المال لنفسي فوضع السم في الطعام وجاء فقاما اليه فقتلاه وأكلا الطعام فماتا فمر بهم عيسى عليه الصلاة و السلام وهم مصروعون حولهم فقال هكذا الدنيا تفعل بأهلها وقال الهيثم بن عدي وجد غار في جبل لبنان زمن الوليد بن عبد الملك وفيه رجل مسجى على سرير من الذهب وعند رأسه لوح من الذهب ايضا مكتوب فيه بالرومية انا سبأ بن نواس خدمت عيصو ابن اسحاق بن ابراهيم خليل الرب الاكبر وعشت بعده دهرا طويلا ورأيت عجبا كثيرا ولم ار فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه ويقف على قبور احبابه ويعلم انه صائر اليهم ثم لا يتوب وقد علمت ان الاجلاف الجفاة يستنزلونني عن سريري ويتولونه وذلك حين يتغير الزمان ويكثر الهذيان ويترأس الصبيان فمن ادرك هذا الزمان عاش قليلا ومات ذليلا . وعن عمرو بن ميمون انه قال افتتحنا مدينة بفارس فدللنا على مغارة فيه سرير من الذهب عليه رجل عند رأسه لوح مكتوب فيه انا بهرام ملك فارس كنت اغناهم بطشا وأقساهم قلبا وأطولهم أملا وأحرصهم على الدنيا قد ملكت البلاد وقتلت الملوك وهزمت الجيوش وأذللت الجبابرة وجمعت من الاموال ما لم يجمعه أحد قبلي ولم استطع أن أفتدي به من الموت إذ نزل بي ويروى في الإسرائيليات أن عيسى عليه الصلاة و السلام بينا هو في سياحته إذ مر بجمجمة نخرة فسأل الله أن تتكلم فأنطقها الله له فقالت يا نبي الله أنا بلوان بن حفص ملك اليمن عشت ألف سنة ورزقت ألف ولد وافتضضت ألف بكر وهزمت ألف جيش وفتحت ألف مدينة فما كان كل ذلك إلا كحلم النائم فمن سمع قصتي فلا يغتر بالدنيا فبكى عيسى عليه الصلاة و السلام بكاء شديدا حتى غشي عليه . ووجد مكتوب على قصر قد خربت أركانه وبادت أهله وأظلمت نواحيه هذه الأبياتهذي منازل أقوام عهدتهم ... يومون بالعهد مذ كانوا وبالذمم

( تبكي عليهم ديار كان يطربها ... ترنم المجد بين الجود والكرم ) وقيل في المعنى
( بالله ربك كم قصر مررت به ... قد كان أعمر باللذات والطرب )
( نادى غراب المنايا في جوانبه ... وصاح من بعده بالويل والحرب ) وفيه
( أيها الرافع البناء رويدا ... لا يرد المنون عنك البناء ) وحكي أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق الله تعالى لبنه من جدار تلك الارض فقالت إني كنت ملكا من الملوك ملكت الدنيا ألف سنة ثم صرت رميما ألف سنة ثم أخذني خزاف وعملني إناء فاستعملت ألف سنة حتى تكسرت وصرت ترابا فأخذني طواب وعملني لبنا وأنا في هذا الجدار كذا وكذا سنة فلم تتنازعان في هذه الأرض وأنتم عنها زائلون وإلى غيرها منقلبون والله سبحانه وتعالى أعلم
وروي أن ملكا بنى قصرا وقال انظروا إن كان فيه عيب فأصلحوه فقال رجل أرى فيه عيبين
فقالوا له وما هما ؟ قال يموت الملك ويخرب القصر
قال صدقت ثم أقبل على الله وترك القصر والدنيا
وقيل سئل الخضر عليه السلام عن أعجب رآه في الدنيا مع طول سياحته وقطعه للقفار والفلوات فقال أعجب شيء رأيته أني مررت بمدينة لم أر على وجه الأرض أحسن منها فسألت بعض أهلها متى بنيت هذه المدينة فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا اجدادنا متى بنيت وما زالت كذلك من عهد الطوفان ثم غبت عنها خمسمائة سنة ومررت بها فإذا هي خاوية على عروشها ولم أر أحدا أسأله وإذا رعاة غنم فدنوت منهم فقلت أين المدينة التي ههنا ؟ فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا مدينة ثم غبت خمسمائة سنه ومررت بها وإذا موضع تلك المدينة بحر وإذا غواصون يخرجون منه شبه الحلية فقلت

للغواصين منذ كم هذا البحر ههنا ؟ فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا البحر من عهد الطوفان فغبت خمسمائة سنة وجئت فإذا البحر قد غاض ماؤه وإذا مكانه غيضة وصيادون يصيدون فيها السمك في زوارق صغار فقلت لبعضهم أين البحر الذي كان ههنا ؟ فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا بحر
فغبت خمسمائة عام ثم جئت إلى ذلك فإذا هو مدينة على الحالة الأولى والحصون والقصور والأسواق قائمة فقلت لبعضهم أين الغيضة التي كانت ههنا ومتى بنيت هذه المدينة ؟ فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذه المدينة على حالها من عهد الطوفان فغبت عنها نحو خمسمائة سنة ثم أتيت إليها فإذا عاليها سافلها وهي تدخن بدخان شديد فلم أر أحدا أسأله ثم أتيت راعيا فسألته أين المدينة ؟ قال سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا المكان هكذا منذ كان
فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي
فسبحان مبيد العباد ومفني البلاد ووارث الأرض ومن عليها وباعث من خلق منها بعد رده إليها
ولبعضهم
( قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرة وتشوقا )
( كم قد وقفت بها اسائل أهلها ... عن حالها مترحما أو مشفقا )
( فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى وعز الملتقى ) ولبعضهم
( أيها الربع الذي قد دثرا ... وكان عينا ثم أضحى أثرا )
( أين سكانك ماذا فعلوا ... خبرن عنهم سقيت المطرا )
( فلقد نادى منادي دارهم ... رحلوا واستودعوني عبرا ) وقال عيسى عليه الصلاة و السلام أوحى الله الى الدنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه يا دنيا مري على أوليائي ولا تحلي لهم فتفتنيهم وقال بعض الحكماء الدنيا كالماء المالح كلما ازداد صاحبها شرابا ازداد عطشا أو كالكأس من عسل وفي أسفله سم فللذائق منه

حلاوة عاجلة وفي أسفله الموت أو كحلم النائم يفرح في منامه فإذا استيقظ زال فرحه او كالبرق يضيء قليلا ثم يذهب
ولما بنى المأمون قصره الذي ضرب به المثل نام فيه فسمع قائلا يقول
( أتبني بناء الخالدين وإنما ... بقاؤك فيها إن عقلت قليل )
( لقد كان في ظل الأراك كفاية ... لمن كل يوم يقتضيه رحيل ) قال فلم يلبث بعدها إلا قليلا ومات وقال
( ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع ) ووجد مكتوب على قصر باد أهله
( هذي منازل أقوام عهدتهم ... في خفض عيش نفيس ماله خطر )
( صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر ) ولو قيل للدنيا صفي نفسك ما عدت ما وصفها به أبو نواس بقوله
( وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق )
( إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق ) وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما رجع من صفين ودخل أوائل الكوفة رأى قبرا فقال قبر من هذا ؟ فقالوا قبر خباب ابن الارث فوقف عليه وقال رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلي في جسمه آخرا ألا وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ثم مشى فإذا هو بقبور فجاء حتى وقف عليها وقال السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم طوبى لمن ذكر المعاد وعمل ليوم الحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله تعالى ثم قال يا أهل القبور أما الأزواج فقد نكحت وأما الديار فقد سكنت وأما الأموال فقد قسمت وهذا ما عندنا فما عندكم ثم التفت إلى أصحابه وقال أما أنهم لو تكلموا لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى والله سبحانه وتعالى أعلم

الباب الرابع والثمانون فيما جاء في فضل الصلاة على رسول الله وهو آخر الأبواب وبه يختم الكتاب ولنذكر أربعين حديثا في فضل الصلاة على النبي الحديث الأول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله " من صلى علي صلت عليه الملائكة ومن صلت عليه الملائكة صلى الله عليه ومن صلى الله عليه لم يبق شيءفي السموات ولا في الأرض إلا صلى عليه " الحديث الثاني قال رسول الله " من صلى علي صلاة واحدة أمر الله حافظيه أن لا يكتبا عليه ذنبا ثلاثة أيام " الحديث الثالث قال رسول الله " من صلى علي مرة خلق الله من قوله ملكا له جناحان جناح بالمشرق وجناح بالمغرب رأسه وعنقه تحت العرش وهو يقول اللهم صل على عبدك ما دام يصلي على نبيك " الحديث الرابع قال رسول الله " من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه بها مائة ومن صلى علي مائة صلى الله عليه بها ألفا ومن صلى على الفا لم يعذبه الله بالنار " الحديث الخامس قال رسول الله " من صلى علي مرة كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات " الحديث السادس قال رسول الله " أتاني جبريل يوما وقال يا محمد جئتك ببشارة لم آت بها أحدا من قبلك وهي أن الله تعالى يقول لك

من صلى عليك من أمتك ثلاث مرات غفر الله له إن كان قائما قبل أن يقعد وإن كان قاعدا غفر له قبل أن يقوم فعند ذلك خر ساجدا لله شاكرا " الحديث السابع قال رسول الله " من صلى علي في الصباح عشرا محيت عنه ذنوب أربعين سنة " الحديث الثامن قال رسول الله " من صلى علي ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة غفر الله له خطئيته ثمانين سنة " الحديث التاسع قال رسول الله " من صلى علي ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة قضى الله له مائة حاجة ووكل الله به ملكا حين يدفن في قبره يبشره كما يدخل أحدكم على أخيه بالهدية " الحديث العاشر قال رسول الله " من صلى علي في يوم مائة مرة قضيت له في ذلك اليوم مائة حاجة " الحديث الحادي عشر قال رسول الله " أقربكم مني مجلسا أكثركم علي صلاة " الحديث الثاني عشر قال رسول الله " من صلى علي ألف مرة بشر بالجنة قبل موته " الحديث الثالث عشر قال رسول الله " جاءني جبريل عليه السلام وقال لي يا رسول الله لا يصلي عليك أحد إلا ويصلى عليه سبعون ألفا من الملائكة " الحديث الرابع عشر قال رسول الله " الدعاء بعد الصلاة علي لا يرد " الحديث الخامس عشر قال رسول الله " الصلاة علي نور على الصراط وقال لا يلج النار من يصلي علي " الحديث السادس عشر قال رسول الله " من جعل عبادته الصلاة علي قضى الله له حاجة الدنيا والآخرة "

الحديث السابع عشر قال رسول الله " من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة " الحديث الثامن عشر قال رسول الله " إن لله ملائكة في الهواء بأيديهم قراطيس من نور لا يكتبون إلا الصلاة علي وعلى أهل بيتي " الحديث التاسع عشر قال رسول الله " لو أن عبدا جاء يوم القيامة بحسنات أهل الدنيا ولم تكن فيها الصلاة علي ردت عليه ولم تقبل منه " الحديث العشرون قال رسول الله " أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة " الحديث الحادي والعشرون قال رسول الله من صلى علي في كتاب ما لم تزل الملائكة تصلي عليه لم يندرس اسمي من ذلك الكتاب " الحديث الثاني والعشرون قال رسول الله إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني الصلاة علي من أمتي فأستغفر لهم الحديث الثالث والعشرون قال رسول الله من صلى علي كنت شفيعه يوم القيامة ومن لم يصل علي فأنا برئ منه " الحديث الرابع والعشرون قال رسول الله يؤمر بقوم إلى الجنة فيخطئون الطريق قالوا يا رسول الله ولم ذاك قال سمعوا اسمي ولم يصلوا علي " الحديث الخامس والعشرون قال رسول الله يؤمر برجل إلى النار فأقول ردوه إلى الميزان فأضع له شيئا كالأنملة معي في ميزانه وهو الصلاة علي فترجح ميزانه وينادي سعد فلان الحديث السادس والعشرون قال رسول الله ما اجتمع قوم في مجلس ولم يصل علي فيه إلا تفرقوا كقوم تفرقوا عن ميت ولم يغسلوه الحديث السابع والعشرون قال رسول الله " إن الله تعالى وكل بقبري ملكا أعطاه أسماء الخلائق كلها فلا يصلي علي أحد إلى يوم القيامة إلا بلغني اسمه وقال رسول الله إن فلان بن فلانة صلى عليك

الحديث الثامن والعشرون عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال الصلاة على النبي أمحى للذنوب من الماء لسواد اللوح الحديث التاسع والعشرون قال رسول الله إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن أردت أن أكون إليك أقرب من كلامك إلى لسانك ومن روحك لجسدك فأكثر الصلاة على النبي الأمي الحديث الثلاثون قال رسول الله إن ملكا أمره الله تعالى باقتلاع مدينة غضب عليها فرحمها ذلك الملك ولم يبادر إلى اقتلاعها فغضب الله عليه وأكسر أجنحته فمر به جبريل عليه السلام فشكا له حاله فسأل الله فيه فأمره أن يصلي على النبي فصلى عليه فغفر الله له ورد عليه أجنحته ببركة الصلاة على النبي الحديث الحادي والثلاثون عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت من صلى على رسول الله عشر مرات وصلى ركعتين ودعا الله تعالى تقبل صلاته وتقضى حاجته ودعاؤه مقبول غير مردود الحديث الثاني والثلاثون عن زيد بن حارثة قال سألت رسول الله عن الصلاة عليه فقال صلوا علي واجتهدوا في الدعاء وقولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الحديث الثالث والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم واسألوا الله لي الوسلية الحديث الرابع والثلاثون عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي قال لا صلاة لمن لم يصل على نبيه الحديث الخامس والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلي علي الحديث السادس والثلاثون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله من قال جزى الله عنا محمدا خيرا وجزى الله نبينا محمدا بما هو أهله فقد أتعب كاتبيه

الحديث السابع والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله لا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم الحديث الثامن والثلاثون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ما من أحد يصلي علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه الحديث التاسع والثلاثون قال رسول الله أقربكم مني منزلا يوم القيامة أكثركم علي صلاة الحديث الأربعون نقل الشيخ كمال الدين الدميري رحمه الله تعالى عن شفاء الصدور لابن سبع أن النبي قال من سره أن يلقى الله وهو عليه راض فليكثر من الصلاة علي فإنه من صلى علي في كل يوم خمسمائة مرة لم يفتقر أبدا وهدمت ذنوبه ومحيت خطاياه ودام سروره واستجيب دعاؤه وأعطي أمله وأعين على عدوه وعلى أسباب الخير وكان ممن يرافق نبيه في الجنان اللهم صل على سيد المرسلين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين الذي أنزل عليه في محكم الكتاب العزيز تعظيما له وتوقيرا ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ) فهذا خطاب خاص الخاص ولم يخاطب الله أحدا من المرسلين ولا من الأنبياء ولا رسولا بالرسالة إلا سيد خلقه محمد فإن الله تعالى نادى أبا البشر ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) ( ويا نوح اهبط بسلام منا ) ( ويا إبراهيم أعرض عن هذا ) ( ويا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) ( ويا عيسى اذكر نعمتي ) وقال لمحمد ( يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ) ( يا أيها الرسول لا يحزنك ) ( يا أيها النبي

حسبك الله ) ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) ( يا أيها النبي لم تحرم ) ( يا أيها النبي اتق الله ) ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) وما ناداه باسمه يا محمد كغيره إلا في أربع مواضع اقتضت الحكمة أن يذكرهناك باسمه محمد الأول قوله عز و جل ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) لأن سبب انزالها أن الشيطان صاح يوم أحد قد قتل محمد وكان ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية ولو قال وما رسولي لقال الأعداء ليس هو محمد فذكره باسمه لأنهم كانوا ينكرون ان اسمه محمدا الثاني قوله عز و جل ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) الثالث قوله عز و جل ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) فلو قال وآمنوا بما نزل على رسولي فقال الأعداء ليس هو فعرفه باسمه محمد الرابع قوله عز و جل محمد رسول الله والحكمة في ذكره هنا باسمه أنه سبحانه وتعالى قال قبلها هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فكان من الأعداء من يقول من هو رسوله الذي أرسله فعرفه باسمه فقال محمد رسول الله وسماه تعالى باسمه أحمد في موضع واحد وله حكمة وهي أن الله تعالى لما أرسل عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام قال لقومه من بني إسرائيل يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة التي انزلت على موسى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد لأنهم كانوا يعرفونه في التوراة أحمد فما ناداه سبحانه وتعالى باسمه محمد ولا أحمد وإنما ذكر ذلك إعلاما به وتعريفا له وما ناداه إلا بالنبوة والرسالة فقال يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا أي شاهدا بالإيمان للمؤمنين ومبشرا لأهل التمجيد ونذيرا لأهل التجحيد وقيل شاهدا لأهل القرآن ومبشرا لهم بالغفران ونذيرا

لأهل الكفر والعصيان وقيل شاهدا لأمتك ومبشرا بشفاعتك ونذيرا لمن ارتكب مخالفتك وقيل شاهدا بالمنة ومبشرا بالجنة وقوله وداعيا إلى الله بإذنه أي تدعو الناس بأمر الله تعالى إلى لا إله إلا الله قال تعالى وأنه لما قام عبد الله يدعوه وسمى رسول الله نفسه داعيا فقال أنا الداعي إلى الله وقوله تعالى ( وسراجا منيرا ) أي يهتدى به كما يهتدى بالسراج في ظلمة الليل فإن قلت ما الحكمة في قوله تعالى ( وسراجا منيرا ) ولم يقل قمرا منيرا فالجواب عن ذلك أن السراج أعم من القمر لأن المراد بالسراج هنا الشمس قال تعالى ( وجعل الشمس سراجا ) والشمس أعم نفعا ونورا من القمر وقيل المراد بقوله تعالى ( وسراجا منيرا ) السراج الذي يقتبس منه لأن القمر لا تصل إليه الأيدي حتى يقتبسون منه والسراج إذا كان في بلد يملأ ذلك البلد نورا لأن كل من جاء يقتبس منه والقمر ليس كذلك ولهذا كانت الدنيا قبل ولادته ظلاما فلما ولد ظهر سراج دينه بمكة فكان أول من أقتبس من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الشباب علي ومن الموالي زيد ومن العبيد بلال رضي الله تعالى عنهم أجمعين وجاء سلمان من أرض فارس فاقتبس وصهيب من الروم وبلال من الحبشة ووفد الوفود واقتبسوا وأبو لهب إلى جانب البيت ولم يقتبس واقتبس الناس من مشارق الأرض ومغاربها حتى امتلأت الأرض من نور سراجه فهو أعظم الأنبياء وأكرم المرسلين وسيد الخلق أجمعين لم يخلق الله أحسن ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل ولا أفصح ولا أرجح ولا أسمح ولا أصبح ولا أجل ولا أعظم ولا أسخى ولا أكرم ولا أبهى ولا أنصف ولا أعدل منه فلو أن البحار مداد والنبات أقلام وجميع الخلق تكتب معجزاته لعجزوا عن وصف نزر النزر من معجزاته اللهم اجعلنا من خالص أمته واحشرنا في زمرته وأمتنا على محبته ولا تخالف بنا عن ملته ولا عما جاء به برحمتك يا أرحم الراحمين آمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون نحمدك يا من هيأت لكسب الآداب جميع المعدات وفتحت للتحلي بأنوار آياتك سبل الخيرات ونصلي ونسلم

على من كملت آدابه ورشحت بكمال البيان وإعجاز التبيان جنابه سيدنا محمد القائل إن من البيان لسحرا وعلى آله وصحبه ما أطلعت حدائق الأتباع زهرا أما بعد فقد تم بحمده تعالى طبع كتاب المستطرف في كل فن مستظرف تأليف العلامة الفاضل واللوذعي الكامل الشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي رحمه الله وأعلى منزله في دار رضاه

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدود المجاز في بلاغة العرب وانعكاس التمادي في تجاوزه علي اخطاء الفقهاء وسوء سلوكيات الناس

  ➎ ضحي الإيمان الجمعة، 4 يونيو 2021 قواعد مهمة في المجاز والحقيقة وبيان كيف زوروا معاني الحق الثابت حتي قي فاتل نفسه قلت المدون ...